الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من ذلك، وإلا فقد كان يأكل من جهات أخرى غير الرمح، كالهدية والهبة وغيرهما، وحكمة ذلك أنه قدوة للخاص والعام؛ فجعل بعض رزقه من جهة الاكتساب وتعاطي الأسباب، وبعضه من غيرها قدوة للخواص من المتوكلين؛ وإنما قال تحت ظل رمحي ولم يقل في سنان رمحي ولا في غيره من السلاح؛ لأن رايات العرب كانت في أطراف الرماح، (وجعل الذل) أي الهوان والخسران (والصغار) بالفتح أي الضيم (1).
قال ابن رجب الحنبلي: فالله عز وجل بعثه داعيًا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعي بالسيف، قال الله تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد: 25).
وفي الكتب السالفة وُصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يبعث بقضيب الأدب، وهو السيف. ووصى بعض أحبار اليهود عند موته باتباعه وقال: إنه يسفك الدماء، ويسبي الذراري والنساء، فلا يمنعهم ذلك منه. وروي أن المسيح عليه السلام قال لبني إسرائيل في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه يسل السيف فيدخلون في دينه طوعًا وكرهًا، فقول المسيح عليه السلام ذلك عنه صلى الله عليه وسلم منقبة للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن الوصف هنا في مقام الوصية لا يكون إلا بالخير، وبما هو من الفضائل، والله أعلم (2).
الوجه الثالث: الأمر بالقتال في الكتاب والسنة، والهدف منه
.
إن الله عز وجل هو الذي أمر بالقتال وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم به، الغرض منه توحيد الله وإعلاء كلمته سبحانه وتعالى، وأن ما يحصلون عليه من غنائم الحرب ليست هي المقصودة من الجهاد، وإنما تأتي تبعًا للهدف الأسمى، وهو الدعوة إلى الله، وفيه أن المسلمون لا يلجأون إلى السيف إلا بعد رفض الإسلام، ثم رفض الجزية.
(1) فيض القدير (3/ 266).
(2)
الحكم الجديرة بالإذاعة (1/ 1).
وفيه أن الله عز وجل كفل لنبيه قوته من هذا الطريق حتى لا يشغله عن الدعوة إليه بالسعي في طلب القوت، فأحل له الغنائم ولم تحل لنبي قبله، وفيه أن الجهاد لم يكن المصدر الوحيد للرزق، وإنما يقبل الهدية والهبة.
قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} (التوبة: 5) وقال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (محمد: 4).
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله"(1).
فالغرض من القتال؛ أن يدخل الناس في دين الله عز وجل، وقبل القتال يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا فلا إكراه في الدين، ولكن عليهم الجزية، لأن القوة والمنعة للإسلام، وجزاءً لحماية المسلمين إياهم، فإن أبوا فالقتال؛ حتى لا يكون لأحد على الإسلام والمسلمين شوكة ومنعة، وإنما يفرض عليهم الذل والصغار إلى أن يسلموا.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة لما صار له دار وأتباع وقوة ومنعة، وقد كان يتهدد أعداءه بالسيف قبل الهجرة، وكان صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت وأشراف قريش قد اجتمعوا بالحجر وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجلِ قَطُّ؛ سَفَّهَ أَحْلَامَنَا وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، فلما مَرَّ بِهِمْ النبي صلى الله عليه وسلم غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: "تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ، فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ؛ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى
(1) البخاري (25)، مسلم (22).
رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ؛ حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيقُولُ انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ انْصَرِفْ رَاشِدًا فَوَالله مَا كُنْتَ جَهُولًا (1).
وقد قال في هذا الحديث الذي معنا: "حتَّى يعبدَ الله وحدَه لا شريكَ لهُ"، وهذا هو المقصود الأعظم من بعثته صلى الله عليه وسلم، بل من بعثة الرسل من قبله كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} (الأنبياء: 25)، وقال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل 36)، بل هذا هو المقصود من خلق الخلق وإيجادهم كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} (الذاريات: 56) فما خلقهم إلا ليأمرهم بعبادته، وأخذ عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام على ذلك كما قال تعالى:{أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} . (الأعراف: 172)، وقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في تفسير الآية أنه تعالى استنطقهم حينئذ، فأقروا كلهم بوحدانيته، وأشهدهم على أنفسهم، وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة.
وبعث الله عز وجل الرسل تجدد ذلك العهد الأول، وتدعوا إلى تجديد الإقرار بالوحدانية، ولقد بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحنفية المحضة، والتوحيد الخالص، دين إبراهيم عليه السلام، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فكان يدعو الناس سرًّا إلى ذلك نحوًا من ثلاث سنين، فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمر بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} (الحجر: 94).
فدعا إلى الله جهرًا، وأعلن الدعوة، وذم الآلهة التي تُعبد من دون الله، فثار عليه المشركون، واجتهدوا في إيذائه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلا إعلانًا بالدعوة، وتصميمًا على إظهارها، وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس، وقال صلى الله عليه وسلم: "لقد
(1) مسند أحمد (2/ 218)، صحيح ابن حبان (6567)، وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية (1/ 149: 148).