الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبعد: فهل في كل ما سبق من دلائل حفظ الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم من محاولات كفار قريش قتله، شك في عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل. (1)
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنزلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ في الوادي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ رَجُلًا أتاني وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِم عَلَى رأسي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا في يَدِهِ، فَقَالَ لي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: الله. ثُمَّ قَالَ في الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى؟ قَالَ: قُلْتُ: الله. قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ". ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. (2)
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً آتَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِىءَ بِهَا إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ. قَالَ: "مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطَكِ عَلَي ذَاكَ" قَالَ: أَوْ قَالَ "عَلَيَّ". قَالَ: قَالُوا: أَلا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: "لا". قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا في لَهَوَاتِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. (3)
وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطَكِ عَلَي ذَاكِ أَوْ قَالَ: عَلَيَّ" فيه بيان عصمته صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم كما قال الله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وهي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه قال:(إن الذراع تخبرني أنها مسمومة) اهـ. (4)
رابعًا: عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في جانب الاعتقاد
. (5)
(1) رد شبهات حول عصمة النبي صلى الله عليه وسلم 1/ 162.
(2)
البخاري (2910)، مسلم (843) واللفظ له.
(3)
البخاري (2617)، مسلم (2190) واللفظ له.
(4)
أبو داود (4512). شرح صحيح مسلم للنووي 7/ 434.
(5)
في دلائل النبوة للحافظ أبي نعيم الأصبهاني عقد فصلا في كتابه بعنوان: ذكر ما خصه الله عز وجل به من العصمة وحماه من التدين بدين الجاهلية
…
" وقد أورد تحت هذا العنوان العديد من الأحاديث والشواهد =
عصمته من الشرك والكفر كلها فقد دلت النصوص الثابتة على أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم منذ نشأته من الكفر والشرك فلم يعهد عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد لصنم أو استلمه أو إلى غير ذلك من أمور الشرك التي كان يفعلها قومه. فقد فطره الله على معرفته والاتجاه إليه وحده وهذا هو المعلوم من سيرته. فمن النصوص التي يستدل بها على هذا الأمر ما يلي:
الدليل الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَتَاهُ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ في مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أثَرَ ذَلِكَ المخْيَطِ في صَدْرِهِ. (1)
فالحديث نص على إخراج جبريل لحظ الشيطان منه صلى الله عليه وسلم وتطهيره لقلبه فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه. وهذا دليل على تنزيهه من الشرك منذ صغره صلى الله عليه وسلم.
الدليل الثاني: عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس يقال له: إساف، أو نائلة، يتمسح به المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمسه" فقال زيد: فطفت، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألم تنه؟ " قلت: زاد فيه غيره، عن محمد بن عمرو بإسناده: قال زيد: فوالذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه. (2)
= في هذا الشأن. وكذلك فعل البيهقي في دلائل النبوة أيضا فعقد عنوانا لهذا الموضوع فقال: "باب ما جاء في حفظ الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعائبها، لما يريده به من كرامته برسالته حتى يبعث رسولًا". ومثلهما السيوطي في الخصائص الكبرى حيث قال: "باب اختصاصه صلى الله عليه وسلم بحفظ الله إياه في شبابه عما كان فيه أهل الجاهلية".
(1)
مسلم (261).
(2)
حسن. الحاكم في المستدرك 1/ 414، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 2/ 34 من طريق الحسن بن علي بن عفان العامري قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة به.
قال القاضي عياض:
والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ونشأتهم على التوحيد والإيمان بل على إشراق أنوار المعارف نفحات ألطاف السعادة، ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحد النبي واصطفى ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك ومستند هذا الباب النقل وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله.
وأنا أقول إن قريشًا قد رمت نبينا بكل ما افترته، وغير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته مما نص الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين وبتلونه في معبوده محتجين ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلًا إليه إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها كما حكاه الله عنهم.
وقد استدل القاضي القشيري على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ} الآية.
وبقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} إلى قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} قال: وطهره الله في الميثاق وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب، بهذا ما لا يجوزه إلا ملحد، هذا معنى كلامه، وكيف يكون ذلك وقد أتاه جبريل عليه السلام وشق قلبه صغيرًا واستخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله، وملأه حكمة وإيمانا كما تظاهرت به أخبار المبدأ. (1)
(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 126.