الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسُئل الدارقطني عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بين يدي الساعة وجعل رزقي في ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم"، فقال: يرويه الأوزاعي واختلف عنه فرواه صدقة بن عبد الله بن السمين وهو ضعيف عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه وخالفه الوليد بن مسلم، رواه عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر وهو الصحيح (1).
قال الألباني: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات غير ابن ثوبان هذا، ففيه خلاف، وقال الحافظ:(صدوق يخطئ وتغير بآخره)(2)، وقد علق البخاري في "صحيحه" الجملة التي قبل الأخيرة والتي قبلها، ولأبي داود منه الجملة الأخيرة، ولم يتفرد به ابن ثوبان فقال الطحاوي: حدثنا أبو أمية، حدثنا محمد بن وهب بن عطية، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية به. (3)
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، غير أبي أمية واسمه محمد بن إبراهيم الطرسوسي، قال الحافظ:(صدوق صاحب حديث يهم). (4)، والوليد بن مسلم ثقة محتج به في الصحيحين، ولكنه كان يدلس ويسوى؛ فإن كان محفوظًا عنه فيخشى أن يكون سواه! وقد خالفه في إسناده صدقة فقال: عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم به.
والحديث صححه الألباني في الإرواء، وانظر طرقه هناك.
الوجه الثاني: بيان معنى الحديث
.
قال ابن حجر: وَفِي قَوْلِهِ: "تَحْتَ ظِلّ رُمحي" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ظِلَّهُ مَمْدُودٌ إِلَى أَبَدِ الْآبَادِ وَالحكْمَةِ فِي الاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الرُّمْحِ دُونَ غَير مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ كَالسَّيْفِ، أَنَّ عَادَتهُمْ
(1) العلل للدارقطني (9/ 272)، (1754).
(2)
التقريب (1/ 332).
(3)
مشكل الآثار (1/ 88).
(4)
التقريب (2/ 499).
جَرَتْ بِجَعْلِ الرَّايَاتِ فِي أَطْرَافِ الرُّمْحِ؛ فَلَمَّا كَانَ ظِلّ الرُّمْح أَسْبَغَ كَانَ نِسْبَةُ الرِّزْقِ إِلَيْهِ أليَقَ؛ وَقَدْ تَعَرَّضَ فِي الحدِيثِ الْآخَرِ لِظِلِّ السَّيْفِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم "الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ"(1)، فَنُسِبَ الرِّزْقُ إِلَى ظِلّ الرُّمْح لمِا ذَكَرْتُهُ؛ أَنَّ المقْصُودَ بِذِكْرِ الرُّمْحِ الرَّايَةُ وَنُسِبَتْ الجنَّة إِلَى ظِلِّ السَّيْفِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَقَعُ بِهِ غَالِبًا؛ وَلأَنَّ ظِلّ السَّيْفِ يَكْثر ظُهُورُهُ بِكَثْرَة حَرَكَة السَّيْفِ فِي يَدِ المُقَاتِلِ؛ وَلأَنَّ ظِلّ السَّيْف لَا يَظْهَرُ إِلَّا بَعْدَ الضَّرْبِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَكُونُ مَغْمُودًا مُعَلَّقًا (2).
قال ابن بطال: قال المهلب: وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم خص بإحلال الغنائم، وأن رزقه منها بخلاف ما كانت الأنبياء قبله عليه، وخص بالنصر على من خالفه، ونُصر بالرعب، وجعلت كلمة الله العليا هي (3).
قال المناوي: وأطيب كسب المسلم سهمه في سبيل الله: أي ما يكسبه من غنيمة وفيء وسلب قتيل ونحوها، لأن ما حصل بسبب الحرص على نصرة دين الله، ونيل درجة الشهادة، لا شيء أطيب منه، فهو أفضل من البيع وغيره مما مر، لأنه كسب المصطفى صلى الله عليه وسلم وحرفته؟ ألا ترى إلى قوله:"جعل رزقي تحت ظل رمحي"، فأفضل الكسب مطلقًا؛ سهم الغازي لما ذكر ثم ما حصل بالاحتراف من عمل اليد لأنه كسب كثير من الأنبياء (4).
وقوله: "بالسيف" خص نفسه به، وإن كان غيره من الأنبياء بعث بقتال أعدائه أيضًا، لأنه لا يبلغ مبلغه فيه أقول، ويحتمل أنه إنما خص نفسه به، لأنه موصوف بذلك في الكتب، فأراد أن يقرع أهل الكتابين ويذكرهم بما عندهم.
وقوله: "وجعل رزقي تحت ظل رمحي" قال الديلمي: يعني الغنائم وكان سهم منها له خاصة: يعني أن الرمح سبب تحصيل رزقي، قال العامري: يعني أن معظم رزقه كان
(1) البخاري (2818)، مسلم (1742) من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
(2)
فتح الباري (6/ 116: 115).
(3)
شرح ابن بطال (9/ 129).
(4)
فيض القدير (1/ 699).