الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من هذا اعتقاد المبشرين أن المسيح إلههم صار لعنة والعياذ بالله تعالى: قال مقدسهم بولس في رسالته إلى أهل غلاطية الإصحاح الثالث العدد (3/ 13): (المِسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنهُ مَكْتُوب: (مَلْعُون كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ).
يعلم الناس أن النصارى يعتقدون أن السيح هو إلههم وربهم وخالقهم ومخلصهم، وكتابهم المقدس يلقنهم أنه (صار لعنة)، واللعنة غاية البالغة في الشتم والازدراء وليس بعدها زيادة لمستزيد، وأي شيء يمكن أن يؤتى به ويكون أشد قبحًا من قول مقدسهم: إنه (صار لعنة)؛ أي أنه نفس اللعنة؟ فما هذا الحب الذي قادهم إلى القول بألوهيته من جهة ثم قادهم إلى القول بأنه (صار لعنة) من جهة أخرى؟ .
دع اعتقادهم بأنه من سلالة زناء مثلث كما بيناه سابقًا، فهم -والحالة هذه- أسوأ حالًا من أشد أعدائه؛ لأن مقام العداوة لا يطلب إلا أقبح الأوصاف، ومقام المحبة لا يطلب إلا أحسنها وأكملها؛ فهم يدّعون محبته عليه السلام ويعتقدون أنه خالقهم ورازقهم وفاديهم ونحلصهم، ثم يصفونه بهذا الوصف فما بالهم لا يتدبرون ما يعتقدون. وبما أنه إله على حسب اعتقادهم -والعياذ بالله تعالى- فمَنْ ذا الذي صيّره لعنةً؟ هذا ما نود إيضاحه منهم! وأغرب من ذلك اعتقادهم أن الإله ذو ثلاثة أقانيم (أي أشخاص) وهي الآب والابن والروح القدس، وإن هذه الأقانيم الثلاثة هي إله وأحد. فكيف صار الابن الذي هو ثلث إلههم (العنة) دون الثلثين الآخرين، أي الأب والروح القدس؟ وما داموا يقولون بأن الثلاثة واحد حقيقة فلا بد من دخولهم جميعًا تحت اللعن بهذا الاتحاد! ! فتدبر هذا وسلهم: من اللاعن؟ ومن هو يا ترى؟ (1).
أليس الكتاب المقدس هو الذي حكم على الجنس الأسود كله باللعنة، لأنهم أولاد حام
؟
يقول الكتاب المقدس: "وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَامًا وَحَامًا وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ. هؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هؤُلاءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ الأَرْضِ. وَابْتَدَأَ
(1)(مجلة المنار- المجلد [17] الجزء [2] صـ 142 صفر 1332 - يناير 1914).
نُوحٌ يَكُونُ فَلَّاحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. فَأَبْصَرَ حَامٌ أبو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فَقَالَ:"مَلْعُون كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ". وَقَالَ: "مُبَارَك الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. لِيَفْتَحِ الله لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لهمْ (التكوين 9: 18 - 27)
ويمتد اللعن والقذف في النصوص المقدسة! ! عند النصارى ليحدثنا كيف يقذف الله -تعالى عن ذلك- الروث الحيواني في وجوه عصاة بني إسرائيل: قَالَ رَبُّ الجنُودِ. فَإِنِّي أُرْسِلُ عَلَيْكُمُ اللَّعْنَ، وَألعَنُ بَرَكَاتِكُمْ، بَلْ قَدْ لَعَنْتُهَا، لأَنَكُمْ لَسْتُمْ جَاعِلِينَ فِي الْقَلْبِ. ها أنذا أَنْتَهِرُ لَكُمُ الزَّرْعَ، وَأَمُدُّ الْفَرْثَ عَلَى وُجُوهِكُمْ، فَرْثَ أَعْيَادِكُمْ، فَتُنْزَعُونَ مَعَهُ. فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ هذ الْوَصِيَّةَ (ملاخي 2/ 2 - 4).
ويتحدث سفر العدد عن شريعة غريبة يكتشف الرجل بموجبها خيانة زوجته أو براءتها، ألا وهو شرب ماء اللعنة المر الممزوج بغبار البيت؛ فإن ورمت بطنها وسقطت فخذها، فهي مذنبة؛ وإن قدر لها النجاة من هذا الماء الغريب، فإنها تكون بريئة.
ودعونا نتأمل طقوس هذا الاختبار الغريب، يقول سفر العدد: يَأْتِي الرَّجُلُ بَامْرَأَتِهِ إِلَى الْكَاهِنِ، ويأْتِي بِقُرْبَانِهَا مَعَهَا: عُشْرِ الإِيفَةِ مِنْ طَحِينِ شَعِيرٍ، لا يَصُبُّ عَلَيْهِ زيتًا وَلا يَجْعَلُ عَلَيْهِ لُبَانًا، لأَنَّهُ تَقْدِمَةُ غَيْرَهٍ، تَقْدِمَةُ تَذْكَارٍ تُذَكِّرُ ذَنْبًا. فَيُقدِّمُهَا الْكَاهِنُ ويُوقِفُهَا أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مَاءً مُقَدَّسًا فِي إِنَاءِ خَزَفٍ، ويأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنَ الْغُبَارِ الَّذِي فِي أَرْضِ المَسْكَنِ وَيَجْعَلُ فِي المَاءِ، ويُوقِفُ الْكَاهِنُ المُرْأَةَ أَمَامَ الرَّبِّ، ويَكْشِفُ رَأْسَ المُرْأَةِ، وَيَجْعَلُ فِي يَدَيْهَا تَقْدِمَةَ التَّذْكَارِ الَّتِي هِيَ تَقْدِمَةُ الْغَيرة، وَفِي يَدِ الْكَاهِنِ يَكُونُ مَاءُ اللَّعْنَةِ المُرُّ. وَيَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ المُرْأَةَ ويقُوُل لَهَا: إِنْ كَانَ لَمْ يَضْطَجعْ مَعَكِ رَجُلٌ، وَإِنْ كُنْتِ لَمْ تَزِيغِي إِلَى نَجَاسَةٍ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ، فَكُونِي بَرِيئَةً مِنْ مَاءِ اللَّعْنَةِ هذَا المُرِّ. وَلكِنْ إِنْ كُنْتِ قَدْ زُغْتِ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ وَتَنَجَّسْتِ، وَجَعَلَ
مَعَكِ رَجُلٌ غَيْرُ رَجُلِكِ مَضْجَعَهُ. يَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ المُرْأَةَ بِحَلْفِ اللَّعْنَةِ، ويقُولُ الْكَاهِنُ لِلْمَرْأَةِ: يَجْعَلُكِ الرَّبُّ لَعْنَةً وَحَلْفًا بَيْنَ شَعْبِكِ، بِأَنْ يَجْعَلَ الرَّبُّ فَخْذَكِ سَاقِطَةً وَبَطْنَكِ وَارِمًا. ويدْخُلُ مَاءُ اللَّعْنَةِ هذَا فِي أَحْشَائِكِ لِوَرَمِ الْبَطْنِ، وَلإِسْقَاطِ الْفَخْذِ. فتَقُولُ المُرْأَةُ: آمِينَ، آمِينَ. ويكْتُبُ الْكَاهِنُ هذِهِ اللَّعْنَاتِ فِي الْكِتَابِ ثُمَّ يَمْحُوهَا فِي المُاءِ المُرِّ، ويسْقِي المُرْأَةَ مَاءَ اللَّعْنَةِ المُرِّ، فَيَدْخُلُ فِيهَا مَاءُ اللَّعْنَةِ لِلْمَرَارر. ويأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ يَدِ المُرْأَةِ تَقْدِمَةَ الْغَيْرةِ، ويُرَدِّدُ التَّقْدِمَةَ أَمَامَ الرَّبِّ وُيقَدِّمُهَا إِلَى المُذْبَحِ. ويقْبِضُ الْكَاهِنُ مِنَ التَّقْدِمَةِ تَذْكَارَهَا ويُوقِدُهُ عَلَى المُذْبَحِ، وَبَعْدَ ذلِكَ يَسْقِي المُرْأَةَ المُاءَ. وَمَتَى سَقَاهَا المُاءَ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَنَجَّسَتْ وَخَانَتْ رَجُلَهَا، يَدْخُلُ فِيهَا مَاءُ اللَّعْنَةِ لِلْمَرَارَةِ، فَيَرِمُ بَطْنها وَتَسْقُطُ فَخْذُهَا، فتَصِيرُ المُرْأَةُ لَعْنَةً فِي وَسَطِ شَعْبِهَا. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ المُرْأَةُ قَدْ تَنَجَّسَتْ بَلْ كَانَتْ طَاهِرَةً، تَتبرأُ وَتَحْبَلُ بِزَرْعٍ. هذِهِ شَرِيعَةُ الْغَيْرَةِ، إِذَا زَاغَتِ امْرَأَةٌ مِنْ تَحْتِ رَجُلِهَا وَتَنَجَّسَتْ. (العدد 5/ 16 - 29).
فهل يأمر الرب العليم بمثل هذا؟ وهل هذه طريقة منصفة أو كافية في إثبات طهارة أو تلاعب النساء؟ وماذا لو مرضت المرأة وانتفخت بطنها بسبب هذا الماء الغريب وما ألقي فيه، لا بسبب لعناته، هل نعتبر ها آثمة مذنبة، فتخرج للحرق أو الجلد أو الرجم؟ . (1)
كما قد توعدت التوراة باللعن أولئك الذين يصنعون التماثيل "فَيُصَرِّحُ اللَاّوِيُّونَ وَيَقُولُونَ لِجمِيعِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ بِصَوْتٍ عَال: مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي يَصْنَعُ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا أَوْ مَسْبُوكًا، رِجْسًا لَدَى الرَّبِّ عَمَلَ يَدَيْ نَحَّاتٍ، وَيَضَعُهُ فِي الْخَفَاءِ. وَيُجِيبُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَيَقُولُونَ: آمِينَ. (التثنية 27/ 14 - 15).
ويتحدث المزمور عن ثوب اللعنة الذي لبسه يهوذا على الصليب ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت، كمياه في حشاه، وكزيت في عظامه. لتكن له كثوب يتعطف به، وكمنطقة يتمنطق بها دائمًا، هذه أجرة مبغضيّ من عند الرب، وأجرة المتكلمين شرًا على نفسي، لقد كانت اللعنة أجرته على عمله، فقد علق على الصليب، وكل معلق ملعون، كما في (سفر
(1) هل العهد القديم كلمة الله (1/ 73).