الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشيخ: (فإن لم تنقصه بعد البرء قُوِّم حال الجناية) فافرض أن الجرح حصل، لكنه لما برئ ما صار له أثر، ولو أننا قوَّمناه وأردنا الحكومة ما صار له شيء، ما صار له قيمة، فماذا نصنع؟ نقول: خلاص روح، يُقوَّم حال الجناية، والدم يسيل منه، ومعلوم أنه لا بد أن ينقص ما دام الدم يسيل منه على الأقل أننا نقدر أن فيه خطرًا، فإن لم ينقص فلا شيء فيها، بل قال العلماء: أو زادته حُسنًا فلا شيء فيها، إي نعم ربما تزيده حسنًا.
طالب: (
…
).
الشيخ: افرض أنه قطع أصبعًا زائدًا، جنى عليه وله ستة أصابع، وقطع واحدًا من أصابعه، هذا يزيده حُسنًا ولَّا لا؟ إي نعم، فهذا لا شيء عليه، لكن يقولون: يُعزر الجاني بطلب من المجني عليه (
…
)
***
[باب العاقلة وما تحمله]
عقل البعير، وسموا (عاقلة)؛ لأنه جرت العادة عندهم أن الدية، وهي من الإبل كما فهمتم، يأتي بها أولياء القاتل إلى أهل المقتول، ويعقلونها بعُقُلها عند بيوتهم؛ ولذلك سموا عاقلة من العَقْل، وهم -يعني العاقلة- العصبة من النسب والولاء سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، المهم أنهم عصبة.
وعلى هذا فيخرج أصحاب الفروض، ليسوا من العاقلة كالزوج مثلًا، وكالأخ من الأم، ويخرج أيضًا ذوو الأرحام كأبي الأم فإنهم ليسوا من العاقلة؛ فالعاقلة هم العصبة فقط، وإنما اختصت بذلك لأن العصبة هم الذين يُقوُّون الإنسان ويشدون أزره، وقد مر عليكم في الفرائض أنه مأخوذ العصبة من العَصْب، وهو الشد؛ لأنهم يشدون أزره ويقوونه، وأما ذوو الأرحام، ومن أدلى بأم كالإخوة من الأم فإنهم ليسوا كذلك؛ ولهذا الإنسان دائمًا يعتزي بمن؟ بعصبته، وليس يعتزي بذوي أرحامه، ولا بإخوته من أمه.
وقولنا: (من النسب) يعتزي بمعنى إذا أراد أن يدعو لنصرته إنما ينتصر بهؤلاء.
وأما قولنا: (والولاء) فنعم؛ لأن العصبة قد يكونون من الولاء مثل: كالسيد سيد العتيق، ولكنكم تعرفون أن عصوبة الولاء بعد عصوبة النسب.
(ويحملون عن القاتل الدية بشروط أولًا: ألا تكون جنايته عمدًا محضًا)(يحملون عن القاتل الدية) كلمة (الدية) معناه أنهم يحملون جميع الدية؛ فالقاتل إذن لا يحمل شيئًا، وإنما الدية كلها على العصبة.
وقال بعض العلماء: بل القاتل يحمل كما يحمل غيره. وقال آخرون: بل يحمل إذا عُدمت العاقلة، ولكن المشهور من المذهب هو ما ذكرنا أنه على العاقلة، فإن لم توجد عاقلة فعلى بيت المال، فإن لم يُوجد بيت مال يحمل سقطت الدية، فهي تجب على العاقلة أصلًا لا تَحمُّلًا؛ يعني ليست تحملًا عن القاتل بحيث يكون الأصل هو، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المرأتين المقتتلتين من هذيل أن دية المقتولة على عاقلة القاتلة (4) على العاقلة، ولم يُحمِّل العاقلة شيئًا، ولم يستفصل هل هي قادرة أو غير قادرة، فلما لم يستفصل عُلِم أن العاقلة تحمل جميع الدية.
يقول: (بشروط)(ألا تكون عمدًا محضًا) وكلمة: (عمدًا) يخرج بها الخطأ، و (محضًا) يخرج بها شبه العمد، فعليه دية الخطأ وشبه العمد على العاقلة، ودية العمد على القاتل. وقد تقدم لنا الحكمة في أنها في الخطأ وشِبه العمد على العاقلة، وفي العمد على القاتل تعرف؟
طالب: أن هناك من هو محل الرأفة والرحمة، وهنا لا (
…
) وشبهه، والخطأ محل الرأفة.
الشيخ: إي نعم، وشبه العمد محل الرأفة فتُحُمِّل عنه. وفي العمد؟
الطالب: ليس محلًّا ..
الشيخ: هذا واحد. ثانيًا؟
طالب: قد يتساهل بعض الناس إلى أن تتحمل العاقلة الدية فيتساهل (
…
).
الشيخ: هذا طيب أيضًا أنه قد يؤدي إلى تساهل في قتل العمد.
طالب: (
…
).
الشيخ: أن الدية فداء عن نفسه في مسألة العمد؛ لأن الأصل، ويش الأصل؟ القصاص الأصل النفس بالنفس، فإذا تحمل الدية فإنه فدى نفسه فتكون الدية عليه لا على عاقلته.
(الشرط الثاني: ألا تكون الدية جارية مجرى الأموال، فإن كانت الدية جارية مجرى الأموال فإنها على القاتل نفسه ولو عمدًا) مثل دية العبد، فإن دية العبد -كما سبق- قيمته بالغة ما بلغت؛ لأنه أُجري مجرى الأموال، وعلى هذا فإن العاقلة لا تحمل قيمة العبد كما أنه لو أتلف بعيرًا مثلًا فإن العاقلة لا تتحمله، فكذلك إذا أتلف عبدًا فإن العاقلة لا تتحمله؛ لأن دية العبد بمنزلة قيمة البهيمة؛ فالعبد إذن جارٍ مجرى الأموال فلا يُمكن أن تضمنها العاقلة كما أنها لا تضمن ما أتلفه من الأموال الأخرى.
(الشرط الثالث: أن يكون العاقل حُرًّا مُكلفًا ذكرًا غنيًّا موافقًا للجاني في الدِّين)(أن يكون العاقل حُرًّا) فالعبد لا يُحمَّل من الدية شيئًا، لماذا؟ لأنه لا يملك؛ فهو إذن مُعدِم حتى لو أن سيده أعطاه مالًا أو ملَّكه مالًا، وقلنا بأنه يملكه فإنه لا يجب عليه؛ لأن العبد ليس أهلًا للمساواة والنصرة.
كذلك (مُكلَّفًا) أي بالغًا عاقلًا؛ وعلى هذا فالصغير لا يؤخذ من ماله للدية؛ لأنه ليس أهلًا للنصرة، وأصل تحمل العاقلة -كما قلنا قبل قليل- النصرة والمساعدة والموالاة والصغير ليس من أهلها، وكذلك أيضًا المجنون من باب أولى؛ لأنه لا عقل له، ولا يعرف المناصرة، ولا أحد أيضًا يفكر أنه ينتصر بمجنون؛ فالصغير والمجنون ليس عليهما دية.
هل نقول يشترط الرشد ولَّا ما يشترط؟
طالب: لا يشترط.
الشيخ: يعني لو كان بالغًا عاقلًا، لكنه ما يحسن التصرف في المال؟ ليس بشرط ما دام بالغًا عاقلًا فإنه وإن كان لا يحسن التصرف في المال ومحجور عليه من أجل السفه؛ فإنه يؤخذ من ماله، لا بد أن يكون ذَكرًا، الأنثى ما عليها، ويش ما عليها؟ دية، ما يلزمها شيء؛ لأنها كما قلنا فيما سبق وهذه مبنية على العلة في التحمل، المرأة ليست من أهل النصرة؛ ولهذا لم يُوجب الله عليها الجهاد حتى في سبيل الله، ما يجب عليها الجهاد في سبيل الله إلا في حالات ضرورية، فليست من أهل الجهاد كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام:«عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ» (5).
فإذن لو كان هذا الرجل له أخ شقيق وأخت شقيقة، كلاهما غني، نأخذ من أخيه الشقيق، ولا نأخذ من أخته الشقيقة؛ لأنها ليست أهلًا للتحمُّل، لا بد أن يكون غنيًّا، فإن كان فقيرًا فليس عليه شيء؛ يعني بمعنى أننا لا نقول: إن هذا الفقير يُكتب عليه حصته من الدية، وإذا أغناه الله سدَّد، لا نقول هكذا؛ لأنه إذا كان هذا الرجل ليس عنده شيء فإن الله لا يُكلِّف نفسًا إلا وسعها، وليس هذا شيء استدانه هو حتى نقول: يُكتب عليه حتى يُوسر، بل هذا شيء للنصرة، ومن ليس معه سلاح كيف ينصر غيره؟
ولا بد أن يكون (موافقًا للجاني في الدِّين) فلا يَعقل كافر عن مسلم، ولا مسلم عن كافر. إذن لو قُدِّر أن الذي وقع منه الخطأ لا يصلي مثلًا فإن أقاربه المسلمين لا يعقلون عنه، ما يدفعون الدية عنه، لماذا؟ لأنه مخالف لهم في الدين، هو كافر مرتد، والعياذ بالله، وهم مسلمون؛ وهذا لأن أكبر مفارقة بين بني الإنسان هي مفارقة الدين، قد قال الله تعالى لنوح عليه الصلاة والسلام في ابنه الذي خرج من صلبه وهو بضعة منه، قال الله له:{إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46]؛ لأنه ليس بمسلم.
فإذن إذا قُدِّر أن الذي وجبت عليه الدية إنسان لا يصلي، وطلب من أبيه وعمه وأخيه أن يقوموا عنه بالدية قلنا: لا.
طيب يتحملها بيت المال؟ لا يتحملها؛ لأن المرتد ليس له حق في بيت المال. على من تكون؟ تكون عليه هو؛ لأن الرجل هذا ليس أهلًا للنصرة، الذي لا يصلي أهل لأن يُعدم، هذا الواجب، الواجب إعدامه إلا أن يتوب ويُصلي، وكذلك أيضًا من استهزأ بالدين، أو سخر بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو زعم أن رسالته ليست عامة، أو زعم أن دِين اليهود والنصارى صحيح، وأنهم على حق، وأنهم يساوون المسلمين في الدين، وكل هذا أيضًا موجود الآن في بعض أوساط الجهال، يظنون أن الأديان السماوية كلها صحيحة حتى ملة اليهود والنصارى يقولون: إنها صحيحة، وهم إخواننا في الدين، وربما يعبرون عن ذلك، ويقولون: أي فرق بين دين التوراة والإنجيل والقرآن ما دام كلها من الله؟ ولا يعرفون أن التوراة والإنجيل قد نُسِخ العمل بهما، وأصبحتا غير معمول بهما، وأن الشرع الآن هو الإسلام:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85].
هذه الشروط الثلاثة لتحمُّل العاقلة. الآن دائمًا يعرف في المساجد صكوك، يطلب بها المساعدة، فهل لنا أن نعطيه من الزكاة ولَّا لا؟ ما نعطيه من الزكاة؛ لأنه أولًا: هو غير مدين، الدَّيْن على من؟ على العاقلة، هو ليس بمدِين، بل دينه على عاقلته، نقول: رُح خذ مِن عاقلتك، إذا قال: والله العاقلة فقراء. نقول: إذن ما يجب عليهم شيء، فهم غير مدينين. على من يكون؟ على بيت المال، إذا قال: بدي مال، روحت للملي، وقال: روح وراك، ما عندنا لك شيء، ويش نقول؟
نقول: ما عليه شيء؛ لهذا ما يصح أن يعطوا من الزكاة على كل تقدير؛ يعني ما يصح أن نعطي هؤلاء الذين يتسولون بهذه الصكوك، ما نعطيهم على كل تقدير ما نعطيهم من الزكاة، إنما نعطيهم صدقة، يمكن الإنسان يعطيهم صدقة؛ لأن الصدقة تحل حتى للغني، لكن من الزكاة ما يجوز؛ لأن قلنا لكم الآن: التقييدات واضحة: أولًا: ليس هذا القاتل بمدين صح ولَّا لا؟ الدَّيْن على من؟ على العاقلة، العاقلة قال: فقراء، قلنا: ما عليهم شيء، ما هم مدينون حتى نقضي عنهم، على بيت المال، بيت المال أبى، إذن ما نتحمل إحنا من زكاتنا؛ لأن أصناف الزكاة معلومة من الشرع، ولا يمكن أننا نصرفها في غيرها، أما مسألة الصدقة فالصدقة أوسع، ويجوز أن تعطيه صدقة مساعدة بشرط أن تعرف، أو أن يغلب على ظنك أن الدية لم تُقضَ بعد؛ لأن منهم من يجعل هذه الصكوك وسائل للاستجداء حتى بعد أن قضوا الديات.
طالب: (
…
).
الشيخ: إي نعم، للاستجداء، يعني طلب المال حتى بعد أن قضوا الدية، فأنت إذا غلب على ظنك صدق هذا الرجل، ثم أيضًا فيه شيء آخر أنك تعلم أن الرجل مستقيم ليس متهورًا؛ لأن هؤلاء المتهورين أرى ألا يساعدوا أبدًا لا بشيء من الدية ولا غيرها (
…
) عليهم بقدر الغنى، وبقدر القُرْب، يجتهد الحاكم، الحاكم هو اللي يُوزِّعها، ما هي بعلى ما يبغون؛ لأنهم قد يبخلون مثلًا، لكن الحاكم يُوزِّعها بحسب القرب، فإذا قُدِّر أن اثنين كلاهما في الغنى واحد، لكن أحدهما أقرب، يُجعل على هذا أكثر من الثاني، وإذا كان أحدهما أبعد، لكنه أغنى يُزاد بحسب غناه؛ فالمسألة تختلف بحسب القرب وبحسب الغنى.
طالب: ما فيه تحديد شرعي؟
الشيخ: لا، ما فيه تحديد شرعي لا، يُرجع فيها لاجتهاد القاضي.
طالب: (
…
).
طالب آخر: قد يقال: الواقعة اللي وقعت للمرأتين من هذيل، فحكم الرسول على العاقلة أنها امرأة، وإذا كان رجل غني قد له وجه أن يلزم.
الشيخ: ويش الفرق؟
الطالب: (
…
) امرأة ضعيفة.