المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فالآن عندنا نزاع بين من؟ بين السيد وصاحب الدَّيْن، صاحب - الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين - جـ ٢

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌(باب صفة الصلاة)

- ‌[مكروهات الصلاة]

- ‌[أركان الصلاة وواجباتها]

- ‌[باب سجود السهو]

- ‌(كتابُ الْمَنَاسِكِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط وجوب الحج والعمرة]

- ‌[باب المواقيت]

- ‌[باب الإحرام]

- ‌(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)

- ‌(بابُ الفِديةِ)

- ‌(باب جزاء الصيد)

- ‌[باب صيد الحرم]

- ‌[باب ذكر دخول مكة]

- ‌[باب صفة الحج والعمرة]

- ‌[باب الفوات والإحصار]

- ‌[باب الهدي والأضحية]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب البيع

- ‌[باب شروط البيع]

- ‌[باب الشروط في البيع]

- ‌[باب الخيار]

- ‌[باب الربا والصرف]

- ‌[باب بيع الأصول والثمار]

- ‌[باب السلم]

- ‌[باب القرض]

- ‌[باب الرهن]

- ‌[باب الضمان]

- ‌[باب الحوالة]

- ‌[باب الصلح]

- ‌[باب الحجر]

- ‌[باب الوكالة]

- ‌(باب الشركة)

- ‌[باب المساقاة]

- ‌[باب المزارعة]

- ‌[باب الإجارة]

- ‌[باب السبق]

- ‌[باب العارية]

- ‌[باب الغصب]

- ‌[باب الشفعة]

- ‌[باب الوديعة]

- ‌[باب إحياء الموات]

- ‌[باب الجعالة]

- ‌[باب اللقطة]

- ‌[باب اللقيط]

- ‌(كتابُ الوَقْفِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الهبة والعطية]

- ‌[فصل في تصرفات المريض]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب الوصايا

- ‌[باب الموصى له]

- ‌[باب الموصى به]

- ‌[باب الوصية بالأنصباء والأجزاء]

- ‌[باب الموصى إليه]

- ‌(كتابُ النِّكاحِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[أركان النكاح]

- ‌[شروط النكاح]

- ‌[باب المحرمات في النكاح]

- ‌[باب الشروط والعيوب في النكاح]

- ‌[باب نكاح الكفار]

- ‌[باب الصداق]

- ‌[باب وليمة العرس]

- ‌[باب عشرة النساء]

- ‌[باب الخلع]

- ‌(كتاب الطلاق)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب ما يختلف به عدد الطلاق]

- ‌[باب الطلاق في الماضي والمستقبل]

- ‌[باب تعليق الطلاق بالشروط]

- ‌[باب التأويل في الحلف]

- ‌[باب الشك في الطلاق]

- ‌[باب الرجعة]

- ‌(كتابُ الإيلاءِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[من يصح منه الإيلاء]

- ‌[مدة الإيلاء وما تحصل به الفيئة أو فسخ النكاح]

- ‌(كتابُ الظِّهارِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[كفارة الظهار]

- ‌(كتابُ اللِّعانِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط صحة اللعان]

- ‌[ما يلحق من النسب]

- ‌(كتابُ العِدَدِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الاستبراء]

- ‌(كتابُ الرَّضَاعِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط الرضاع المحرِّم]

- ‌[من يُحَرَّم بالرضاع]

- ‌[مدخل]

- ‌[باب نفقة الأقارب والمماليك والبهائم]

- ‌[باب الحضانة]

- ‌[باب شروط القصاص]

- ‌[باب استيفاء القصاص]

- ‌[باب العفو عن القصاص]

- ‌[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس]

- ‌(كتاب الديات)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب مقادير ديات النفس]

- ‌[باب ديات الأعضاء ومنافعها]

- ‌[باب الشجاج وكسر العظام]

- ‌[باب العاقلة وما تحمله]

- ‌[باب القسامة]

- ‌(كتاب الحدود)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب حد الزنا]

- ‌[باب حد القذف]

- ‌[باب القطع في السرقة]

- ‌[باب حد قطاع الطريق]

- ‌[باب حد المسكر]

- ‌[باب قتال أهل البغي]

- ‌[باب التعزير]

- ‌[باب حكم المرتد]

- ‌(كتاب الأطعمة)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الذكاة]

- ‌[باب الصيد]

- ‌(كتاب الأيمان)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب جامع الأيمان]

- ‌[باب النذر]

- ‌(كتاب القضاء)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب آداب القاضي]

- ‌[باب طريق الحكم وصفته]

- ‌[مدخل]

- ‌(كتاب الشهادات)

- ‌[باب موانع الشهادة وعدد الشهود]

الفصل: فالآن عندنا نزاع بين من؟ بين السيد وصاحب الدَّيْن، صاحب

فالآن عندنا نزاع بين من؟ بين السيد وصاحب الدَّيْن، صاحب الدَّيْن يقول: ما دمت ستخرج العبد من ملكك فأعطني إياه؛ لأنه هو الذي استدان مني، والسيد يقول: لا، أبيعه وأعطيك ثمنه، فمن القول قوله؟

القول قول السيد، ولكن قد يقول قائل: لماذا يُنازِع السيد في هذا؟ أليس كله سواء؛ لأنه سيخرج من ملكه؟

قلنا: قد يرى السيد أن صاحب الدَّيْن ليس أهلًا أن يكون عنده هذا العبد، إما لسوء أخلاقه، وإما لاتهامه في خُلقه، أو لغير ذلك؛ يعني يقول: هذا العبد غالٍ عندي، لا أملكه صاحب الدَّيْن؛ لأن صاحب الدين أعرف أنه سيئ المعاملة، أو أعرف أنه رجل سفلة، أخشى على العبد منه، خصوصًا إذا كان العبد شابًّا مثلًا، فأنا أريد أن أبيعه وأعطيه الثمن.

طيب، لو قال مَنْ له الدَّيْن: إذا بعته فأنا قد ديَّنْته عشرة آلاف ريال، وإذا بعته لا يساوي إلا خمسة آلاف ريال فيكون عليَّ نقص.

نقول: أنت الْمُفرِّط ولو حصل عليك النقص، لماذا تعطيه دينًا يبلغ عشرة آلاف ريال وأنت تعرف أنه عبد؟ لماذا لم تمتنع حتى تستأذن السيد؟

طيب، قال:(كاستيداعه وأرْش جنايته وقيمة متلفه) هذه ثلاث مسائل:

(استيداعه) يعني أن يأخذ وديعة فيتلفها، فيتعلق برقبته.

و(أرْش جنايته) يعني إذا جنى على أحد فإنه يُخيَّر سيده بما ذكرنا.

والثالثة: (قيمة مُتلَفِه) أي قيمة ما أتلف.

فعندنا الآن أربع مسائل: إذا استدان، أو استوْدع، أو جنى، أو أتلف. كل هذه تتعلق برقبته، وكل شيء يتعلق برقبته فإن سيده يُخيَّر بين الأمور الثلاثة التي سمعتم:

الأمر الأول: أن يعطيه صاحب الحق، ويقول: هو لك بدينك أو بجنايتك أو قيمة متلفك.

الثاني: أن يبيعه ويعطي صاحب الحق قيمته؛ أي: قيمة العبد.

والثالث: أن يفديه بجنايته ويبقى العبد عنده.

[باب الوكالة]

ثم قال المؤلف: (باب الوكالة).

ص: 1604

(الوكالة) هي التفويض، يُقال: وَكلت الأمر إليه، أي: فَوَّضْته إليه، وهي في الاصطلاح: استِنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.

استنابة جائز التصرف مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة، هذه الوكالة.

طيب، جائز التصرف مَنْ هو؟ الْحُرُّ، البالغ، العاقل، الرشيد. يعني مَنْ جمع أربعة أوصاف، يستنيب مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة، أي: يستنيب حُرًّا بالغًا عاقلًا رشيدًا.

وقولنا: (فيما تدخله النيابة) احترازًا مما لا تدخله النيابة، فلو وكَّل إنسانًا أن يتوضأ عنه وقال: وكَّلتك تتوضأ عني وأنا أصلي، يجوز؟

طلبة: لا.

الشيخ: ليش؟ لا تدخله النيابة، ولو وكَّله أن يصوم عنه، كان عليه قضاء من رمضان، فقال: وكَّلتك أن تقضي عني؛ لا يصح، لا بد أن تدخله النيابة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما تدخله وما لا تدخله.

حكمها التكليفي: أنها جائزة بالنسبة للمُوكِّل، سُنَّة بالنسبة للوكيل؛ لما فيها من الإحسان إلى أخيه وقضاء حاجته، أما بالنسبة للمُوكِّل فهي جائزة؛ لأنها من التصرف الذي أباحه الله.

ويدل على جوازها كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

أما كتاب الله فقد قال الله تعالى عن أصحاب الكهف لما استيقظوا من نومهم، قالوا:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19]، هذا توكيل، وكلوا واحدًا منهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بطعام، ويكون في ذهابه متلطفًا؛ يعني مستترًا ما أمكنه، ولا يخبر عنهم؛ لأنهم قالوا:{لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف: 19].

ص: 1605

وكانوا قد أووا إلى الغار خوفًا من ظُلم رجل مشرك هربوا منه، لكن تغيَّرت الأحوال؛ لأنهم بقوا ثلاث مئة سنين وتسع سنين، فتغيرت الأحوال، هم أوصوه بهذه الوصايا بناءً على بقاء الملك الأول؛ هذا دليل من الكتاب.

أما من السنة: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وكَّل في العبادات، ووكَّل في المعاملات، فوكَّل علي بن أبي طالب أن ينحر ما تبقى من هديه وأن يقسم جلودها ولحومها (3)، ووكل رجلًا على أن يشتري له أضحية بدينار، فاشترى الرجل اثنتين بدينار، وباع واحدة بدينار، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له:«بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي بَيْعِكَ» ، فكان لا يبيع شيئًا أو يشتريه إلا ربح فيه حتى ولو كان ترابًا؛ ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (4).

كذلك أيضًا النظر يدل على جواز الوكالة؛ لأنها من مصلحة العباد، فكم من إنسان لا يستطيع أن يعمل أعماله بنفسه، فمن رحمة الله عز وجل وحكمته أن أباح لهم الوكالة، أليس كذلك؟ إذا كان الإنسان مثلًا مشتغلًا بطلب العلم أو بغير ذلك من الأعمال، وهو يريد أن يشتري لأهله خبزًا، ولا يستطيع أن يترك عمله ليشتري الخبز، ماذا يصنع؟ يُوكِّل.

إذن المصلحة تقتضي أن تكون الوكالة جائزة، هذا من حيث الشرع. إذن دل عليها الكتاب والسنة والنظر الصحيح، والمصالح العامة.

أما حكمها الوضعي فيقول رحمه الله: (تصح بكل قوْل يدل على الإذن).

(تصح) الصحة، والفساد، والبطلان، والسبب، والشرط، والمانع، كل هذه أحكام وضعية.

(تصح بكل قول يدل على الإذن)، كل قول يدل على الإذن فإن الوكالة تصح به، فلو قال رجل: يا فلان، خُذ هذه السيارة بِعْها مثلًا، تصح الوكالة، وإن لم يقل: وكَّلتك في بيعها؛ لأن قوله: خُذْها بِعْها؛ يدل على هذا، وإن لم يكن فيه لفظ الوكالة. أما القبول فهو أوسع.

ص: 1606

يقول: (يصح بكل قول أو فعل يدل على الإذن)، الإيجاب وهو التوكيل لا بد فيه من قول.

طيب، فإذا قال: هل يصح أن يكون بالفعل؟ وهل يصح أن يكون بالكتابة؟

قلنا: ظاهر كلام المؤلف لا، والصحيح أنه يصح؛ يصح التوكيل بالفعل، ويصح التوكيل بالكتابة. فلو كتب إلى آخر وقال: وكَّلتك في بيع بيتي، وهو في بلد آخر؛ يصح، ما المانع؟

ولو كان إنسان معروفًا بأنه يبيع الأطعمة، فجاء إنسان بكيس من الطعام من مزرعته ووضعه في دكان هذا الذي يبيع، ماذا يكون هذا؟ هذا توكيل، لكن بأيش؟ بالفعل، ما دام قد عُرف أن هذا الرجل أعد نفسه للبيع، وأتيت إليه بشيء ووضعته في مكان المبيعات، فهذا يعني أنك وكلته في بيعه، وهذه وكالة بالفعل.

لا يقول قائل: ربما وضع الكيس على أنه وديعة، أو على أنه هدية، أو ما أشبه ذلك. هذا فيه احتمال، لكن ظاهر الحال أنه وضعه للبيع.

إذن القول الراجح أن الوكالة تصح بالقول والكتابة والفعل.

طيب (ويصح القبول) يعني قَبول الوَكالة (على الفور والتراخي بكل قوْل أو فِعْل دال عليه).

القبول هو اللفظ الصادر من الوكيل، والإيجاب هو اللفظ الصادر من الموَكِّل.

يعني الوكيل يصح أن يقبل الوكالة.

(على الفور) بمعنى أنه من حين أن يقول له الموكِّل: وكَّلتك في بيع بيتي، يقول: طيب، الآن أعطِني المفتاح ونمشي، يبيعه.

(وعلى التراخي) بأن يقول: وكَّلتك، ثم يسكت، وبعد ساعة أو ساعتين، أو يوم أو يومين يقول: قبلت، أو يبيع البيت مثلًا؛ يصح.

لكن لو وكَّله وقال: لا والله، أنا ما أستطيع، أنا مشغول، ثم ذهب الموكِّل، وبعد ذلك ندم الوكيل وقال: كيف أرُدُّه؟ ! رجل طيب وحبيب وله فضل عليَّ، ثم قبل وتصرف، أيصح؟

طلبة: لا يصح.

الشيخ: ليش؟

طالب: لأنه رفض.

الشيخ: لأنه ردها، وإذا ردها معناه بطل الإيجاب الأول الصادر من الموكل، فلا بد من توكيل ثانٍ.

طيب، (بكل قول أو فعل دال عليه).

كل قول، أن يقول: قبلت، لكن لو قال: أبشِر، يصح؟

طالب: يصح.

ص: 1607

الشيخ: هذا قول ولَّا لا؟

طالب: قول.

الشيخ: قول. لو أخذها منه -السلعة اللي قال له: خُذْ وكَّلتك في بيع هذه، أخذها منه- ولم ينطق بكلمة، ثم باعها؛ يصح، وهذا قبول بالفعل.

هذه القاعدة في الوكالة ليست مطردة عند الفقهاء رحمهم الله؛ فإن بعض العقود يشددون فيها، ولكن الصحيح أن العقود بابها واحد، وأن كل عقد يصح بكل قوْل أو فعل يدل عليه، وأما ما شدد فيه بعض الفقهاء رحمهم الله في بعض العقود فلا دليل عليه، الأصل أن هذا يرجع إلى العُرْف، فما عرفه الناس عقدًا فهو عقد، ولو كان بقول أو فِعْل.

إلا أنه يُستثنى من هذا ما لا بد من الإشهاد عليه، فهذا لا بد أن يكون بقول واضح مثل النكاح، لو أن رجلًا قال لشخص: زوَّجتك بنتي هذه، فأخذ البنت ومشى، ينعقد النكاح؟ الظاهر أنه لا ينعقد هذا، ليش؟ لأن هذا يحتاج إلى إشْهاد، ومجرد الفعل لا يدل على القبول.

لو قال: وهبتك هذه الساعة، فأخذها وسكت، قبول هذا ولا غير قبول؟ هذا قبول.

نقول: الوكالة ليس لها صيغة معينة، تنعقد بكل قول أو فعل يدل عليها، وقلنا: إن هذا ينبغي أن يكون عامًّا لجميع العقود.

(ومن له التصرف في شيء فله التوكيل، والتوكل فيه) هذه القاعدة: كل من له التصرف في شيء فله أن يوكل وله أن يتوكل، ومن ليس له التصرف فيه فليس له أن يُوكِّل، وليس له أن يتوكَّل.

مثال ذلك: رجل بالغ عاقل حُر رشيد، وكَّل مثله في شراء سيارة؛ يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز. لماذا؟ لأن من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه.

ومفهومه: من ليس له التصرف في الشيء فليس له أن يوكل فيه، فلو أن صبيًّا لم يبلغ قال لشخص: وكلتك في بيع بيتي. أيصح؟

طلبة: لا يصح.

الشيخ: ليش؟ لأنه هو نفسه لا يصلح التصرف، لا يصلح أن يتصرف فيه، فكيف يُوكِّل؟ !

ص: 1608

طيب، لو كان الأمر بالعكس: رجل بالغ عاقل حر رشيد وَكَّل صبيًّا في بيع بيته؟ لا يصح أيضًا؛ لأن الوكيل الآن لا يتصرف في مثل هذا التصرف، وقد قال الله تعالى:{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5].

وَكَّل شخصًا أن يعقد له النكاح، قال: وكَّلتك أن تقبل النكاح لي من فلان، وهذا الوكيل بالِغ عاقل حُر رشيد. يصح؟ يصح؛ لأن الوكالة في عقد النكاح جائزة.

يقول: (ويصح التوكيل في كل حق آدمي) كل حق آدمي يصح أن يُوكِّل فيه.

(من العقود والفسوخ والعِتق، والطلاق، والرجعة، وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظهار واللعان والأيمان .. ) إلى آخره.

حق الآدمي من العقود؛ نبدأ بالبيع، هل يجوز أن يُوكِّل في بيع أو شراء؟ نعم.

الإجارة، هل يجوز أن يُوكِّل شخصًا يستأجر له بيتًا؟ نعم، أو يؤجر بيته؟ نعم.

الرهن، يصح أن يُوكِّل شخصًا يرتهن له شيئًا أو يرهن له شيئًا.

الوقْف؟ يصح؛ يقول: وكَّلتك أن تُوقف بيتي الفلاني وتثبته عند المحكمة.

(الفسوخ) أيضًا في كل عقد، الفسخ يرد على كل عقد.

فسوخ البيع: إنسان اشترى شيئًا معيبًا، ووكَّل إنسانًا أن يفسخ البيع مع البائع، قال: أنا اشتريت السيارة الفلانية من فلان ووجدت بها عيبًا، وأنا ما أنا برايح أنازعه؛ لأنه رجل صاحب قوة وبيان، وأنا وكَّلتك أن تفسخ البيع معه، يجوز؟ يجوز، هذا فسْخ.

وَكَّلَ زوجٌ رجلًا أن يخالع زوجته، يجوز؟ ما معنى المخالعة؟

طلبة: الطلاق على عِوض.

الشيخ: الفراق، ما هو الطلاق، الفراق على عِوض؛ لأن الطلاق على عِوض شيء، والخلع شيء آخر؛ يعني الطلاق على عِوض يعتبر يحسب من الطلاق، فلو كانت هذه آخر طلقة على عِوض حرمت عليه، لكن إذا كان خلعًا وقد طلَّق قبل ذلك مرتين فإنها لا تحرم عليه؛ لأن الخلع فسخ وليس طلاقًا.

ص: 1609

على كل حال؛ وكَّل إنسانًا في مخالعة زوجته، يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز، لكن لا بد مثلًا من أن يذكر مقدار الخلع؛ يعني العِوض؛ لأنه ربما يُوكِّله في خلع زوجته، ثم تكون غالية في قلْب الزوج، ولا يمكن أن يخلعها بأقل من عشرة آلاف، فيأتي هذا الوكيل ويخلعها بألف ريال. فلا بد من التعيين، هذا شيء آخر.

(العتق) يصح أن يُوكِّل شخْصًا في إعتاق العبد أو لا؟ يصح؛ لأن هذا يصح التوكيل في عقده، فيصح التوكيل في عتقه والتخلي منه.

(والطلاق) الطلاق يصح أن يُوكِّل فيه، يقول: يا فلان، وكَّلتك أن تطلق زوجتي. يجوز هذا، ويكون الفائدة مثلًا أنه يثبت طلاقها عند المحكمة.

هل يصح أن يُوكِّل زوجته في طلاق نفسها؟

طالب: نعم.

الشيخ: يصح؟

طالب: لا يا شيخ لا يصح.

طالب آخر: يصح.

الشيخ: ألسنا قلنا: من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكُّل فيه؟

طلبة: بلى.

الشيخ: طيب، هل للزوجة أن تتصرف في الطلاق وتُطلِّق زوجها؟ !

طالب: لا، ليس لها.

الشيخ: لا، لكن هذه مستثناة؛ يعني يجوز أن يُوكِّل زوجته في طلاق نفسها. ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خيَّر نساءه بين أن يُردْن الله ورسوله أو يُردن الحياة الدنيا (5). وهذا مثل الطلاق؛ فعلى هذا تكون هذه المسألة مستثناة، كما يستثنى مسائل أخرى نعرض لها إن شاء الله فيما بعد.

(الرجعة) أيضًا يصح التوكيل فيها، بأن يقول لشخص حين طلق زوجته قال لشخص آخر: وكَّلتك في مراجعتها، يصح.

فإذا قال قائل: ليش إنه يوكل في مراجعتها؟ لماذا لم يُراجِع هو بنفسه؟

نقول: قد يكون غائبًا ويقول للزوج: راقِبها، لا تنقضي عدتها حتى تراجعها، وهو -أي: الزوج- لا يريد أن يراجعها بنفسه، ربما يريد أن يهينها بعض الشيء حتى تستقيم، وربما لا يخبرها بأنه راجعها حتى تستقيم أيضًا، فالمهم أنه يجوز التوكيل في الرجعة.

هل يجوز أن يُوكِّل أبا الزوجة في رجعتها؟

طالب: نعم.

الشيخ: يجوز؟

الطالب: جائز التصرف.

ص: 1610

الشيخ: يقول: وكَّلتك في مراجعة ابنتك؟

طالب: نعم.

الشيخ: يجوز نعم، ما فيه مانع، ويش المانع؟ ! لكن لو خاف ألا يراجع، إذا كان أبو الزوجة لا يحب أن يرجع الزوج إلى زوجته ربما لا يراجع، ففي هذه الحال يجب أن يحتاط لنفسه وألا يُوكِّله؛ لئلا يُفوِّت عليه الرجعة.

وقوله: (وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه).

يعني له أن يُوكِّله في تملك المباحات، فيقول: وكَّلتك تصيد لي طيرًا وأرنبًا وغزالًا، فيقول: قبلتُ، ويأخذ البندقية ويذهب ويصيد، يجوز؟ على كلام المؤلف يجوز.

وقيل: إنه لا يجوز في تملُّك المباحات؛ لأن الموكِّل حين التوكيل لا يملكها، فلا يملك التصرف فيها.

وبناءً على هذا القول: لو أن الوكيل تصرف وأتى بالصيد، فلمن يكون الصيد؟ يكون للوكيل؛ لأن الوكالة لم تصح، ويكون الوكيل إذا أراد أن يُعطِيه الموكل، يكون هذا هبة؛ لأنه حين صاده صار في ملكه، فإذا أعطاه الموكل فهو هِبة، وليس عن طريق الوكالة.

وكذلك أيضًا (الحشيش)، إذا وكَّله قال: يا فلان، وكَّلتك تحش لي هذه المنطقة، قال: نعم، لا بأس، فحشها، فهل يصح هذا التوكيل؟ المؤلف يرى أنه يصح، وأنه إذا حشَّها فإنما تكون على ملك الموكِّل.

والقول الثاني لا يصح؛ لأن الموَكِّل لم يملك هذا الحشيش حتى يملك التصرف فيه.

وعلى هذا فإذا حشَّه الوكيل وأتى به إلى الموكِّل وقال: خُذ الحشيش؛ لأنك وكلتني بحشيشه، فيكون على سبيل الهبة، يعني يُخبر فيُقال له: إن الوكالة لم تصح، وأن هذا هبة.

ويُقال: إن امرأة جاءت إلى شخص وقالت: إن الأمير حبس ابني في حشيش، وأنا ما يمكن أبقى بدونه، اشفع لي. فذهب الرجل إلى الأمير وقال له: جزاك خيرًا، هذا (

) يحش، يترزق الله وأمه، أطلقه، هذا ظلم، ظنًّا منه أن الحشيش هو ما يؤخذ من الأرض. فقال له الأمير، قال: الحشيش هذا شيء مُسكِر مثل الخمر أو أشد، قال: عليك به، عليك به! !

ص: 1611

مثل هذه المسائل يعني يجب؛ أنا قصدي أن الإنسان يجب أن يُبيِّن ما يريد في الألفاظ المشتركة، الآن الحشيش مُشترَك بين ما تنبته الأرض كما في الحديث:«لَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (6)، وبين ما يُستعمل في التخدير، فيجب في مثل هذه المسائل المشتركة -لا سيما إذا كان يتبادر إلى أذهان العامة الشيء المباح- أن تُبين الأمور وتوضح حتى يكون الإنسان على بصيرة.

فقول المؤلف رحمه الله: (من الصيد والحشيش)، أي الحشيشات؟ طبعًا المباح، ما تُنبته الأرض.

وقوله: (ونحوه) أي: من الأشياء المباحة كأخذ الكمأة، فإن الكمأة لا تُعد من الحشيش؛ ولهذا يجوز أن يَستخرج الإنسان الكمأة ولو في أرض مكة؛ لأنها ليست من الحشيش.

(لا الظهار واللعان والأيْمان) هذا لا تجوز فيها الوكالة؛ لأنها متعلقة بنفس الفاعل، فلو وَكَّل شخصًا في الظهار من امرأته وذهب الرجل إلى المرأة، وقال لها: أنتِ على زوجك كظهْر أُمِّه عليه، يثبت الظهار ولَّا لا؟

طلبة: لا، لا يثبت.

الشيخ: ليش؟ لماذا لا يثبت؟ لأن هذا عقد يتعلق بالفاعل نفسه، فلا يصح.

طيب، إذا وكَّله في الطلاق، وقال: أنتِ طالق بناءً على الوكالة، يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأنه فسْخ، لكن الظِّهار يتعلق بهذا، ولذلك لو فرضنا أنه صح التوكيل في الظهار، وأراد الزوج الرجوع، مَنِ الذي يتحمل الكفارة، الزوج ولَّا الوكيل؟ الزوج؛ إذن ما دام الكفارة تتعلق بالموكِّل فإنه لا يصح التوكيل فيه.

(اللعان) أيضًا لا يصح، اللعان: مُشتق من الملَاعنة، وهي ما يكون بين الزوج وزوجته إذا رماها بالزنا، إذا رماها بالزنا -والعياذ بالله- قال: إن امرأته زنت، فهنا نطالبه أولًا: إن أقرت الزوجة بذلك ارتفعت عنه العقوبة، ووجبت العقوبة على مَنْ؟ على الزوجة.

إن أنكرت وأتى ببينة ارتفعت عنه العقوبة، ووجب الحد على الزوجة.

ص: 1612

إن أنكرت ولم يجد بينة، فحينئذٍ نجري اللعان، فيشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإن رَدَّت عليه اللعان فله حكم، وإن لم تَرُدَّ اللعان فهل يثبت عليها الحد أو لا؟

من العلماء من يقول: إن الزوج إذا لاعن، ثم نكلت الزوجة وجب عليها الحد.

ومنهم من يقول: إذا لاعن الزوج ونكلت الزوجة، فإنها تُحبس حتى تقر أو تُلاعِن أو تموت.

والقول الأول هو الصحيح، وهو المتعيِّن: أن الزوج إذا شهِد أربع مرات ودعا على نفسه باللعنة إن كان من الكاذبين فإن الحد يثبت عليها، يكون كإقامة البينة، فقول الله تعالى:{وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور: 8]، العذاب يعني؟

طالب: الرجم.

الشيخ: الحد، ليس الرجم، الحد، بدليل أن الله تعالى قال:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، فسمى الله الحد عذابًا.

إذن {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} يعني الحد، {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} فإن لم تشهد وجب الحد عليها، هذا القول الراجح وهو المتعين.

المهم اللعان: أراد الزوج أن يُلاعِن الزوجة؛ لإثبات ما ادعاه عليها، ولكنه قال: يا فلان، أنا لا أريد الذهاب إلى الحاكم، ولا أريد أن ألعن زوجتي مواجهة، لكن وكَّلتك أن تُلاعِن عني، قال: أهلًا وسهلًا، اللي يريحك كله خير، فذهب إلى القاضي وقال: أنا وكيل فلان في اللعان، هل يُقبل هذا أو لا؟ لا؛ لأن اللعان يتعلق بنفس الزوج، إذ إنه إذا لم يلاعن وجب عليه الحد؛ حد القذف، وإن لاعن ونكلت هي وجب عليها حد الزنا.

ص: 1613

طيب، وكذلك المرأة لا تُوكَّل.

الثالث: (الأيمان) لا تدخل فيها النيابة؛ فلا تصح فيها الوكالة.

لو أن شخصًا ادَّعى على زيد بمئة ريال، وليس عنده بينة، فما الحكم؟ أن يحلف زيد المدعى عليه يمينًا بأنه لا حق لفلان عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (2).

فلما توجهت اليمين على المنكِر قال: أُوكل فلانًا يحلف عني، يصح أو لا؟ لا يصح؛ لأن هذه مما تتعلق بنفس الإنسان، وهو الذي يكون آثمًا أو بارًّا، فلا يصح فيها الوكالة.

طالب: شيخ -عفا الله عنك- ما ذكرنا الراجح في التوكيل بالصيد والحشيش؛ يعني الصحيح في توكيل الصيد والحشيش؟

الشيخ: الراجح أنه لا تصح الوكالة فيه.

طالب: قلنا: في الصيد والحشيش لا تصح، ما وجه ذلك إذا كان الإنسان يعني الموكل يقول للوكيل: وكَّلتك أن تصيد لي؛ يعني مثلًا يقول: أعطيتُك البندقية لكي تصيد لي، وهذا يذهب ويصيد. الظاهر أنه للمُوكِّل، ونحن ذكرنا أنه يكون (

).

الشيخ: إي نعم؛ لأن الموكِّل لم يملك هذا الشيء، هذا الشيء ما يملك إلا بعد أخذه.

الطالب: لكن هو لم يوكله على اعتبار أنه إذا ملك شيئًا فيكون على (

) على ملكه.

الشيخ: على ملك مَنْ؟

الطالب: الموكِّل.

الشيخ: هو على ملك الآخِذ الذي ملكه، ثم له أن يهبه لذلك، (

) لكن جرى العرف الآن عندنا أنه إذا كان الإنسان مثلًا أتى بعمال وأعطاهم الآلة وقال: حشوا هذا الحشيش الذي في مزرعتي، وليس هو الزرع الذي هو أنبته، لكنه من عند الله، نبت من عند الله، جرت العادة عندنا أن كُلًّا من الطرفين يعرف أنه لمن؟ للمُوكِّل، فإذا كان اطَّرد العرف بذلك فعلى ما يطَّرد عليه العرف.

طالب: مسألة الصيد والحشيش أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الموكل لم يملك بعد (

).

الشيخ: نعم، هذا تعليل القول بأنه لا يصح.

الطالب: نعم، في قضية البيع وكذا، هل الأمور دخلت في ملكه؟

الشيخ: أيش؟

ص: 1614

الطالب: في قضية البيع مثلًا والشراء الأمور التي يشتريها لم تدخل في ملكه بعد الموكِّل؟

الشيخ: لا، دخل في ملكه الثمن.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في مسألة الفصل الذي قبله يا شيخ، قال:(وما استدان العبد لزم سيده)، يعني لزم الغُرم، كذلك يا شيخ قال:(وإلا ففي رقبته إذا استدان بغير إذن سيده) إذا جعلنا في الأحوال الثلاثة التي ذكرتم يا شيخ، كذلك لزم السيد الغرم؟

الشيخ: لا، بينهما فرْق؛ لأنه إذا كان بإذنه لزمه أن يوفي الدَّيْن بالغًا ما بلغ، لو استدان مثلًا خمس مئة ألف، والعبد ما يساوي إلا مئتي ريال، يلزم السيد خمس مئة ألف مهما كان.

الطالب: إن كان بإذنه.

الشيخ: إذا كان بإذنه، أما أن نقول: لزم السيد، يلزمه مهما كان، إذا قلنا: يتعلق برقبته لا يلزم السيد أكثر من ثمنه.

طالب: شيخ، (

).

الشيخ: ما يمكن، لو يتواطأ، ما يمكن؛ لأن من جملة ما يعمله السيد أن يفديه، أن يقول للمجني عليه مثلًا أو لمن دَيَّنه، يقول: خذ ها الدَّيْن والعبد لي.

الطالب: (

).

الشيخ: لا، هذا ينظر الأول فالأول.

طالب: شيخ، إذا (

) وكَّله أن يشتري بُرًّا مثلًا في جزء منه، أيصح؟

الشيخ: يعني معناه أنه كان بأجره.

الطالب: إي.

الشيخ: ما فيه شيء إذا كان معلومًا، يعني مثلًا مئة صاع، مئتين صاع، ما فيه مانع.

طالب: بارك الله فيك، قلنا: إن السيد يخير بين بيع العبد (

)، طيب لو باعه السيد، وكان ثمن العبد أكثر من الدَّيْن، هل يعطيه (

الشيخ: لا، ليس لصاحب الدَّيْن إلا الدَّيْن فقط.

الطالب: لو كانت المسألة بالعكس لو كانت أقل، أليس له إلا (

).

الشيخ: إي معلوم؛ لأنه ما له إلا رقبة العبد.

الطالب: لماذا ما نعطيه (

الشيخ: ما نعطيه إياه، الخيار للسيد؛ والسيد إذا كان الخيار له سيختار ما في مصلحته، فإذا عرف أن قيمة العبد أكثر من الدَّيْن سوف يبيعه ويأخذ الزيادة. (

)

الفقهاء الصلح؟

ص: 1615

طالب: إي، نوعين، صلح على إقرار، وصلح على إنكار.

الشيخ: طيب، مَثِّل لكل واحد؟

الطالب: الصلح على إقرار: أن يقر زيد لعمرو بهذه العين أنها له؛ هذه السيارة، هذه العين أنها له، فيهب له بعضها.

الشيخ: فيُصالحه على بعضها إما بيعًا أو هبة.

الطالب: نعم، فهذا الصلح على إقرار، أما الصلح على الإنكار.

الشيخ: هل هذا صحيح أو له شروط؟

الطالب: نعم، صحيح ولكن بشروط: أن يكون ممن يصح تبرعه، وألا يكونا شَرَطَا هذا الأمر هذا الصلح.

الشيخ: ألا يكون الصلح مشروطًا، وأن يكون ممن يصح تبرعه.

الطالب: نعم، وهناك شرْط ثالث فيه خلاف: وهو ألا يكون بلفظ الصلح، والصحيح أنه لا يُشترط.

الشيخ: والصحيح أنه ليس بشرط. طيب الصلح على إنكار؟

طالب: مثل أن يقول أن يدعي رجل على آخر أن هذه السيارة له فيُنكر أو يسكت.

الشيخ: يدَّعي على شخص يقول: هذه السيارة لي، فيقول: ليست لك، أو يقول: لي عليك مئة ريال فيُنكر، كيف يكون الصُّلح؟

الطالب: يصالحه على بعض المال، ويكون من جهته المدعي (

).

الشيخ: لا، كيف؟ خلينا بالسيارة، قال: هذه السيارة لي، قال: ليست لك، تنازعوا فقال: إذن نصالحك على هذه الدعوة.

الطالب: على ألف ريال (

).

الشيخ: من الذي يُسلِّمه ألف ريال؟

الطالب: الذي يُسلِّمه ألف ريال المدعى عليه.

الشيخ: طيب، وتكون السيارة له؟

الطالب: نعم.

الشيخ: طيب، هذا الصلح، هل هو بَيْع أو إبراء أو ماذا؟

الطالب: من جهة المدعي بيع؛ لأنه يعتقد أنه باعها، ومن جهة المدعى عليه إبراء.

الشيخ: هو إبْراء من أحدهما، وبيْع من الآخر.

يُجبر الجار على أن يضع جاره خشبَهُ على جداره أو لا؟

طالب: يجبر.

الشيخ: يُجبر، بشرط؟

الطالب: بشرط إذا كان لضرورة، وليس هناك ضرر على الجار الآخر.

الشيخ: أحسنت، ألَّا يكون ضرر على الجدار، وأن يكون مُضطرًّا إلى وضعها على الجدار.

ص: 1616

وهل يلزم أن يُسلِّم صاحب الجدار نصف ما قام به الجدار أو لا؟ يعني هل يقول صاحب الجدار أنا بنيته بألف ريال أعطني خمس مئة، وحط خشبك عليه؟

طالب: لا يلزم.

الشيخ: لا يُوافِق على هذا؟

الطالب: لا يوافق.

الشيخ: ما تقولون؟

طلبة: نعم.

الشيخ: صحيح، رجل له جار، وكان نخله على أرض جاره؛ النخل له عسفان، عسفانه على أرض جاره؟

طالب: يُلزَم الجار هذا بأن يكف العسفان لئلا تؤذي الجار.

الشيخ: يلوي العسفان. طيب، فإن أبى؟

الطالب: لواها.

الشيخ: فإن أبى؟ قال: والله ما أنا ملوِّي العسفان، أيش نعمل؟

الطالب: يقوم نفس الجار المتضرر بقص هذا العسفان أو ليِّه.

الشيخ: يلويه إن أمكن وإلا قطعه، علل؟

طالب: لأن الهواء تابع للقرار.

الشيخ: لأن الهواء تابع للقرار؛ فالإنسان إذا ملك شيئًا من الأرض ملك ما فوقها إلى السماء، وملك ما تحتها إلى تخوم الأرض.

طيب، ما الفرق بين الدرب المشترك والنافذ؟

طالب: أولًا: من جهة الشكل فإن الدرب النافذ ينفذ بحيث يمر معه من أوله إلى آخره.

الشيخ: يعني ليس مسدودًا؟

الطالب: نعم.

الشيخ: والمشترك؟

الطالب: والمشترك فإنه مسدود من طرف.

الشيخ: إذن الفرق بينهما أن النافذ مفتوح والمشترَك مسدود.

طيب، هل يجوز في المشترك فتح أبواب؟

طالب: لو كان من جهة السد فنعم.

الشيخ: السد؟ ! من أسفل السور يعني، فله ذلك، وإن كان من أعلى فليس له ذلك.

الطالب: إلا أن يأذن له الجار.

الشيخ: إلا أن يأذن الجار.

طالب: له مطلقًا.

الشيخ: له مطلقًا طيب، هذان قولان.

طالب: عكس ما قاله.

الشيخ: عكس ما قاله.

الطالب: إن كان من جهة بابه إلى فم السوق فله ذلك، وأما من جهة السد فلا، إلا إذا أذن الجار.

الشيخ: إذن ثلاثة أقوال: قول أنه إذا أراد نقل الباب، أو فتح باب آخر من أسفل فله ذلك بدون إذْن شريك، وإذا كان من فم السوق فلا، والثاني بالعكس، وأيهما الصواب العكس ولَّا الأول؟

طالب: الأول، بآخر الدرب.

ص: 1617

الشيخ: لا، العكس، يعني مثلًا إذا كان بابه في أعلى السوق فليس له أن ينقله إلى أسفل السوق، ولا أن يفتح بابًا آخر أسفل منه؛ لأنه لا يملك من السوق إلا إلى بابه فقط، وأما إذا كان من وراء الباب مما يلي فم السوق فلا بأس.

طالب: النافذ (

).

الشيخ: هذا المشترك، نحن سألنا عن المشترك.

طيب، النافذ له أن يفتح ما شاء، إلا أنه لا يفتح أمام باب جاره للإيذاء.

قال رجل لآخر: أقر بديني وأعطيك منه مئة، يجوز؟

طالب: نعم.

الشيخ: طيب، أقر، هل يلزمه كل الدين أو يُسقط منه المئة؟

الطالب: لا، إن أقر المدَّعَى عليه بالدَّيْن لزمه كل الدَّيْن، لكن إن صالحه.

الشيخ: إي، هو كان يماطل يقول: ما عندي لك شيء مرة، ومرة يقول: اصبر عليَّ، ومرة .. قال: تعالَ، أقر بدَيْني وأعطيك منه مئة، قال: أقْررت؟

طالب: يصح الإقرار ولا يصح الصلح.

الشيخ: يصح الإقرار ولا يصح الصُّلح؛ لأنه مكره عليه، صحيح.

وفي كلِّ حقٍّ للهِ تَدْخُلُه النيابةُ من العِباداتِ والحدودِ في إثباتِها واستيفائِها، وليس للوَكيلِ أن يُوَكَّلِ فيما وُكِّلَ فيه إلا أن يُجْعَلَ إليه. والوَكالةُ عَقْدٌ جائزٌ، وتَبْطُلُ بفَسْخِ أحدِهما ومَوْتِه وعَزْلِ الوَكيلِ وحَجْرِ السفيهِ،

منه مئة، يجوز؟

طالب: نعم.

الشيخ: طيب، أقر هل يلزمه كل الدَّيْن أو يسقط منه المئة؟

طالب: لا، إن أقر المدَّعَى عليه بالدَّيْن لزمه كل الدَّيْن، لكن إن صالحه ..

الشيخ: إي، هو كان يماطل يقول: ما عندي لك شيء مرة، ومرة يقول: اصبر عليَّ، ومرة .. قال: تعالَ، أقر بديني وأعطيك منه مئة، قال: أقررت؟

طالب: يصح الإقرار، ولا يصح الصلح.

الشيخ: يصح الإقرار، ولا يصح الصلح؛ لأنه مُكرَه عليه (

).

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الوكالة:

ص: 1618

ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعِتْق والطلاق والرجعة، وتملك المُباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظِّهار واللعان والأيمان، وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يجعل إليه.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.

ما معنى الوكالة في اللغة وفي الاصطلاح؟

طالب: في اللغة: التفويض.

الشيخ: في اللغة: التفويض، نعم.

الطالب: في الاصطلاح: استنابة جائز التصرف مِثلَه فيما تدخله النيابة.

الشيخ: أحسنت، في الاصطلاح استنابة جائز التصرف مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة. مَثِّل لما تدخله النيابة؟

طالب: تدخل في النيابة البيع والنكاح ..

الشيخ: البيع والنكاح والطلاق والعتق والرجعة وغير ذلك .. أشياء كثيرة.

طيب، لو وَكَّله أن يصلي له ركعتين؟

طالب: لا يصح.

الشيخ: لا يصح؛ لأنه؟

الطالب: حق لله، لا تدخله النيابة.

الشيخ: حق لله لا تدخله النيابة. طيب، لو وَكَّله أن يحج عنه؟

طالب: لا يصح.

طالب آخر: فيه تفصيل، إن كان قادرًا وحج فريضة فهو لا يصح.

الشيخ: لأنه مُطالَب به ببدنه، وإن كان نفلًا؟

الطالب: ففيه خلاف.

الشيخ: ففيه خلاف، إذن المسألة ما فيها جواب قاطع.

الوكالة يدل على جوازها الأثر والنظر؛ الأثر من القرآن والسنة، والنظر من المعنى المعقود. من القرآن؟

طالب: قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19].

الشيخ: تمام، وقال يعقوب لأبنائه:{يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ} [يوسف: 87]، فوكلهم في البحث عن أخيهم يوسف. طيب، من السُّنَّة؟

ص: 1619

طالب: أمر النبي صلى الله عليه وسلم للرجل أن يشتري له شاة بدينار.

الشيخ: أحسنت، الرسول وكَّل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية بدينار (1)، أحسنت.

ونمتلك كثيرًا من السُّنَّة. طيب، من النظر؟

طالب: بالنظر أن هذا مما تقوم عليه مصالح الناس ويحتاجون إليه، قد يكون الإنسان إلى شيء ولا يستطيع ..

الشيخ: أن هذا مما تكون الحاجة إليه، وتقوم به مصالح الناس؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء، ولا يستطيع أن يباشره بنفسه، فكان من حِكمة الله ورحمته أن أذن لهم بالتوكيل.

أحسنت، ما هي القاعدة أو الضابط في مَنْ له التوكيل والتوكُّل، الذي ذكره المؤلف؟

طالب: كل من له التصرُّف في شيء بنفسه فله التوكُّل والتوكيل فيه.

الشيخ: أحسنت، هذا ضابط: كل من له التصرف في شيء فله أن يَتوكَّل ويُوكِّل فيه.

طيب، وَكَّل شخصًا أن يصطاد له صيدًا، فقال له: انظر إلى الأرنب الرابض في ظل تلك الشجرة وقد وكَّلتك أن تصيدها لي، يصح؟

طالب: (

).

الشيخ: إي، هذا من باب تملك المباحات، ومثله لو وكَّله أن يحش له حشيشًا في مكان فإنه يكون وكيلًا له.

طيب، إذا صادها، فلمن تكون؟

الطالب: تكون للمُوكِّل.

الشيخ: تكون للمُوكِّل؛ لأن ذلك صادها نيابة عنه. هل يصح التوكيل في إثبات الحدود أو لا؟

طالب: لا يصح يا شيخ.

الشيخ: اصبر يا شيخ، لا تستعجل، تعرف بعد الحدود؟

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفي كل حق) يعني وتصح الوكالة في كل حق لله لا تدخله النيابة.

اعلم أولًا أن الأصل في حقوق الله أنه لا يجوز فيها الوكالة، هذا الأصل؛ لأن حقوق الله المقصود بها إقامة التعبُّد لله عز وجل، وهذه لا تصح إلا من الإنسان نفسه؛ لأنك لو وَكَّلت غيرك، فهل فعله تحس بأن إيمانك زاد به؟ لا؛ ولذلك كان الأصل في حقوق الله ألا تصح الوكالة فيها.

خذوا هذا الضابط: الأصل في حقوق الله ألا تصح الوكالة فيها، وذلك لأن المقصود بها التعبد لله، وهذا لا يصح فيما إذا قام به غير المكلف.

ص: 1620

إذن، لا نجيز الوكالة في شيء من العبادات إلا فيما ورد به الشرع؛ هذا هو الأصل، ولننظر أولًا: الصلاة؛ هل ورد التوكيل فيها؟ لا، أبدًا، لا فرضها ولا نفلها. هل ورد قضاؤها عمن مات وعليه صلاة؟ لا، لم يرد، لا في الفرض ولا في النفل.

إذن الصلاة لا تصح الوكالة فيها، لا في حال العجز، ولا في حال القدْرة، ولا في الفرض، ولا في النفل.

الزكاة، تصح الوكالة فيها؟ نعم، تصح الوكالة فيها للعاجز والقادر، يعني يصح أن يُوكِّل القادر شخصًا يؤدي زكاته إلى الفقراء، حتى لو قال له: خُذ زكاتي من مالي وهو لا يعلم عنها، قال: أحصِ مالي، وخُذْ زكاته، وتصدَّق به على الفقراء، فإن ذلك جائز؛ لأن الوكالة في الزكاة لها صورتان:

الصورة الأولى: أن يُحصي الإنسان مالَه ويعرف زكاته، ويأخذها، ثم يُسلِّمها إلى الوكيل، وهذا لا إشكال فيه، والثمرة التي تحصل بأداء الزكاة تحصل في هذه الحال أو لا؟ تحصل؛ لأن الإنسان يشعر الآن بأنه أخرج من محبوباته ما يكره أن يخرج منها، لكن الله يحب ذلك، فأخرجها لله.

الصورة الثانية: أن يُوكِّل شخصًا في إحصاء ماله ويقول: أحصِ مالي وأخرِجْ زكاته. هذا لا شك أنه لن يكون في قلبه ما كان في قلب الأول؛ لأنه لا يحس بأنه أخرج شيئًا معينًا تتعلق به النفس من ماله المحبوب إليه، لكن مع ذلك تصح الوكالة أو لا؟ تصح الوكالة.

وهذا ثابت بالسُّنَّة، وإذا ثبت بالسُّنَّة فهي الفاصل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُوكِّل في إخراج الزكاة، ويُوكِّل في حفظها، ويُوكِّل في قبضها صلوات الله وسلامه عليه.

طيب، وإذا صحت الوكالة في الزكاة فلا فرْق بين أن يُعيِّن المدفوع له أو لا يُعيِّن، بأن يقول: ادفعْ زكاتي لفلان، أو يقول: ادفعها لمستحق. لا فرق، لكنه إذا عيَّن الجهة فإن الوكيل لا يصرف الزكاة في غيرها إلا بعد مراجعة الموكِّل، لو قال: أعطها فلانًا، لا يمكن أن يصرفها لغيره إلا بإذن موكله؛ لأن الوكيل محدود تصرفه بما وُكِّل فيه.

ص: 1621

لو فُرض أن صاحب المال قال: أعطِ زكاتي فلانًا، وهو يعلم أن فلانًا لا يستحق، لكنه لم يعلم إلا بعد أن فارقه الموكِّل؛ لأنه إذا قال: أعطِ زكاتي فلانًا وهو يعلم أنه ليس بأهل، سيقول له فورًا: إنه لا يستحق، ولا حرج عليه أن يقول ذلك، بل يجب عليه أن يقول؛ لأن بعض العوام المساكين يقولون: لا تقطع رزقه، قال لك: أعطِ زكاتي فلانًا أعطه إياها سواء يستحق أو لا، وهذا غلط، هذه خيانة ولا تجوز، إذا كنت تعلم أنه لا يستحق قل: يا أخي، هذا ما يستحق، فإذا قال: أعطها إياه وإن لم يستحق، أنا المسؤول، ماذا تقول؟ أقول: لا؛ لأني لو فعلت لأعنته على الإثم، حيث وضع الزكاة في غير محلها.

أما إذا كنت لم أعلم إلا بعد أن فارقني الموكِّل، يعني: أعطاني مثلًا مئة ريال، قال: خُذْ هذه الزكاة أعطها فلانًا، وبعد أن فارقني عرفت أن فلانًا لا يستحق، فهنا أُوقِف العطاء حتى أُراجعه وأقول: إن فلانًا لا يستحق، فإذا قال: أعطه ولو كان لا يستحق، أقول: لا، لا أعينك على الإثم، فإن قال: أعطه إياه تطوعًا، يصح؟ ويعطيها إياه؟

إذن الزكاة يجوز التوكيل في قبْضها وإخراجها للعاجز والقادر؛ لأن السنة وردت به؛ ولأنها في الحقيقة يتعلق بها حق ثالث: وهو المستحِق، فمتى وصلت إلى مستحقها من أي جهة كانت فهي في محلها.

نأتي إلى الصوم، الصوم هل يجوز أن يُوكِّل أحدًا يصوم عنه؟ لا، لا فرض ولا نفل، حتى لو كان عاجزًا، عليه كفارة مثلًا وهو شيخ كبير وله أولاد، وعليه كفارة صيام ثلاثة أيام.

كفارة ويش صيام ثلاثة أيام؟ كفارة أيش؟ كفارة يمين، فيه أيضًا كفارة أخرى: فدية الأذى.

على كل حال هو عليه ثلاثة أيام، فقال لأبنائه: صوموا عني ثلاثة أيام، أيُجزئ ذلك؟ لا يجزئ، هو عاجز ما يقدر.

طالب: (

).

الشيخ: لا يجزئ؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يرد فقد قلنا: إن الأصل في العبادات؟

طالب: التوقيف.

ص: 1622

الشيخ: لا، الأصل في العبادات أنه لا يجوز التوكيل فيها، ما هو التوقيف، التوقيف معروف، لكن الأصل أنه لا يجوز التوكيل فيها؛ لأنه -أي التوكيل- يُفوِّت المقصود من التعبُّد لله عز وجل.

إذن لو أن العاجز وَكَّل في الصوم ما أجزأ. إذا كان عجزه لا يُرجى زواله، ووكَّل في الإطعام عنه، يُجزئ أو لا؟ يُجزئ؛ لأن الإطعام يُشبه الزكاة، فيجزئ.

طيب، إذا مات فهل يُقضى عنه أو لا يقضى؟ أما النفل فلا يُقضى؛ لأنه لم يرد؛ وما دام لم يرد فالأصل عدم القضاء، فلو أن إنسانًا كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام البيض، ولكنه لم يصمها، ثم تُوفِّي قبل استكمال الشهر فإنه لا يُصام عنه.

إذا كان واجبًا، فمن العلماء من قال: إنه لا يُصام عنه؛ لأنه إذا مات وهو لم يصُمْ صار كالشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه، فيُطعم من تركته عن كل يوم مسكين، ولا يُصام عنه.

وقال بعض العلماء: يُصام عنه صيام الفرض، سواء كان واجبًا بأصل الشرع كرمضان والفدية والكفارة، أو كان واجبًا بالنذر. واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في الصحيحين:«مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (2)، فقوله:«وَعَلَيْهِ صِيَامٌ» ، يشمل الفرض بأصل الشرع أو الفرض بالنذر، هو عام.

وفصَّل بعض العلماء فقال: إن كان واجبًا بالنذر قُضِيَ عنه، وإن كان واجبًا بأصل الشرع فإنه لا يُقضَى عنه.

واستدلوا بأن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمها نذرت أن تصوم شهرًا فلم تصم، فقال:«صُومِي عَنْهَا» (3)، فأذن لها أن تصوم عنها، والصيام نذر. ولا يقاس عليه الواجب بأصل الشرع؛ لأن الأصل في العبادات عدم جواز الوكالة، لكن هذا القول ضعيف، والصواب القول الثاني: أنه يجوز أن يُصام عن الميت ما وجب عليه من فرْض بأصل الشرع أو فرض بالنذر، الدليل عموم حديث عائشة:«مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» .

ص: 1623

وما قصة المرأة التي سألت عن النذر إلا فرد من أفراد هذا العموم، لا يخالفه ولا يقيده، هي قضية عيْن وقع فيها أن الميت مات وعليه صوم مفروض، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أو أذِن بالصيام عنها، فهو فرْد من أفراد العموم، ولا يمكن أن نُخصِّصه.

ثم نقول أيضًا: أيهما أكثر أن يموت الإنسان وعليه صيام من رمضان أو عليه صيام نذر؟

الأول لا شك. متى يأتي إنسان نذر أن يصوم ومات قبل أن يصوم؟ ! فكيف يمكن أن نحمل الحديث العام على الصورة النادرة دون الصورة الشائعة؟ هذا في الحقيقة خلل في الاستدلال.

فالصواب إذن أنه يُصام عنه، إذا مات وعليه صيام فإنه يُصام عنه. لكن متى يكون عليه الصيام؟

يكون عليه الصيام إذا أمكنه أن يصوم، ولكنه فرَّط، ثم مات، وأما من لم يُفرِّط فإنه لا صيام عليه، لا عليه هو ولا على نفسه؛ لأنه إن كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه ففرضه الإطعام، وإن كان مرضًا يُرجى برؤه واستمر به المرض حتى مات فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يُدرِك أن يقضي.

ومثل ذلك: إذا حصل حادث ومات الإنسان المخطئ في نفس الحادث في الحال، المخطئ إذا قتل نفسًا خطأ ماذا عليه؟ إما عِتق رقبة، وإما صيام شهرين متتابعين، فإن ذا مال يتسع لعتق الرقبة، أُعتق من ماله؛ لأنه دَيْن عليه، وإن كان لا يستطيع، ليس عنده مال أو لا تُوجد الرقبة فلا صِيام عليه، لماذا؟ لعدم التمكُّن من الأداء، الرجل ما تمكن من الأداء، مات في الحال، كيف نُلزمه أن يصوم أيامًا لم يعشها؟ ! {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وهذا أبلغ، هذا غير ممكن إطلاقًا.

ففهمنا الآن الصيام، ماذا حُكمه؟ التوكيل في الصيام في حال الحياة لا يصح مُطلقًا، لا فرضه ولا نفله، لا عاجز ولا قادر.

ص: 1624

فإن صام الوكيل؛ الأبناء رقوا لأبيهم الشيخ الكبير فصاموا عنه، صاموا عنه، قالوا: هذا من البر، خلوه يستريح الوالد يأكل ويشرب ويستأنس، وإحنا نقوم بهذا، من يكون الصيام له؟ لمن صام؛ لأنه لا يصح التوكل فيه.

بقينا في الحج، الحج كغيره من العبادات؛ الأصل فيه عدم جواز التوكيل، الأصل في الحج عدم جواز التوكيل؛ لأنه عبادة، والأصل في العبادة أنها مطلوبة من العابِد، ولا يقوم غيره مقامه فيها، وحينئذٍ نقول: الحج وردت النيابة فيه عن صنفين من الناس؛ عن من مات قبل الفريضة، ومن كان عاجزًا عن الفريضة عجزًا لا يُرجى زواله، فهذا جاءت السنة بالحج عنه.

وعليه، فإذا عجز الإنسان عن الحج بعد وجوبه عليه لقدرته عليه ماليًّا، والعجز لا يُرجى زواله كالكِبْر، والمرض الذي لا يُرجى بُرؤه، قلنا: ينوب عنه مَنْ؟ من يحج عنه، يُوكِّل إنسانًا يحج عنه؛ لأن ذلك ثبت بالسُّنَّة. أو مات فإنه أيضًا يُقضَى عنه؛ لأنه ثبت ذلك بالسنة.

بقينا؛ لو وَكَّلَ في حج الفريضة وهو قادر، أيصح؟ لا يصح.

طيب، إذا حج الوكيل، فلِمن الحج؟ الحج له، للوكيل؛ لأن هذه الوكالة فاسِدة، والفاسد وجوده كالعدم.

النافلة إذا وَكَّل فيها شخص مريض بمرض لا يرجى برؤه، فحج عنه هذا الوكيل، أيجزئ أو لا؟ لا إله إلا الله! والله ما أظنكم طلبة علم، أيش اللي قلنا بالقاعدة؟

طلبة: (

).

الشيخ: ويش الأصل في العبادات؟ عدم جواز التوكيد يا إخواني، القواعد هي المهمة. نقول: لا يجوز أن يُوكِّل بحج النافلة؛ لأن ذلك إنما ورد في حج الفريضة، وما دمنا قلنا: إن الأصل في العبادات عدم جواز التوكيل فإنه لا يُوكِّل؛ لأن النافلة لم يرد فيها التوكيل.

ص: 1625

فنقول لهذا: إن كنت قادرًا فحُج بنفسك، وإن كنت عاجزًا فلم يُوجِب الله عليك الحج؛ لا تحج، هكذا نقول لمن حجه نفل وأراد أن يُوكِّل، نقول له: إن كنت قادرًا فحج بنفسك، ولا تجلس نائمًا على الفراش، وغاية ما عندك أن عندك الملايين أعطيت من هذه الملايين خمسة آلاف مثلًا لواحد يحج عنك، أيش الفائدة؟ الصدقة بهذه الخمسة آلاف أفضل بكثير من أن تُقيم من يحج عنك، وإعانة حاج لفرضه بهذه الخمسة أفضل من أن يحج عنك نفلًا.

بقينا فيما إذا كان عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله، وأراد أن يُعطي شخصًا يحج عنه نافلة، هل يجوز أو لا؟ لا يجوز، بناءً على القاعدة؛ لأن ذلك إنما ورد في الفريضة، والفريضة لا بد منها، إن فعلها الإنسان بنفسه فهذا المطلوب، وإن لم يفعلها فبنائبه، النافلة ما هي فريضة حتى نقول: إنك مُلزم بأن تقيم من يحج عنك، وحينئذٍ نقول: حتى لو كان الإنسان عاجزًا عجزًا لا يُرجَى زواله فإنه لا يُقيم من يحج عنه نافلة.

لكن بعض العلماء رحمهم الله توسع في هذا، وقال: إذا كان يجوز له أن يستنيب في الفريضة جاز أن يستنيب في النافلة، وعلى هذا فإذا كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى زواله، فله أن يُوكِّل من يحج عنه، قالوا: لأن طلب الفريضة من الإنسان بدنيًّا أقوى وأشد من طلب النافلة، فإذا جاز التوكيل في الأشد؛ جاز التوكيل في الأخف، لكن هذا التعليل معارض بالتعليل الأول، وهو أن المطالب بالفريضة لا بد أن يأتي بها، إما بنفسه أو بنائبه.

وبعضهم أيضًا توسَّع وقال: النفل يجوز التوكيل فيه ولو كان قادرًا، وهذا من غرائب العِلم؛ لأن هذا لا يصح أثرًا ولا نظرًا، لا يصح أثرًا؛ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أحدًا حج عن أحد نافلة، وأما نظرًا، فلأننا إن قلنا بالقياس على الفريضة، فالفريضة لم ترِد إلا في حال العجز عجزًا لا يُرجَى زواله.

وبعضهم أيضًا توسَّع توسعًا ثالثًا، وقال: يجوز أن يُوكِّل الإنسان في حج النفل ولو في أثنائه.

ص: 1626

وعلى هذا: إذا ذهب إنسان للعمرة وطاف ووجد مشقة وهي نافلة، وقال لإنسان: يا فلان، وكَّلتك تسعى عني، وتحلق عني، على هذا القول يجوز.

وهذا في الحقيقة من أضْعف الأقوال: أن يجوز أن يستنيب شخصًا في إكمال النافلة؛ لأن الحج إذا شرع فيه الإنسان صار فرضًا واجبًا عليه، لا يمكن أن يتحلل منه إلا بإتمامه أو الإحصار عنه، أو بالعُذْر إن اشترط؛ لقول الله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. فالحج من بين سائر الأعمال، إذا شرعت فيه وهو نفل يلزمك أن تتم ما فيه، قال الله تبارك وتعالى:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197]، فجعل الإحرام بالحج فرضًا، وقال تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} يعني الحجاج {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].

فالمهم؛ فهمتم الآن الأقوال في المسألة؟ أن بعض الناس توسع في النفل توسعًا فاحشًا ضعيفًا، فأقرب الأقوال أن التوكيل في النفل للقادر لا يصح أبدًا، يقال للقادر: إما أن تحج بنفسك وإما ألا تحج، والعاجز في إلحاق النفل بالفرض فيه ثِقل على الإنسان، الإنسان لا يجزم بأنه يلحق بالفرض؛ لأن الفرض لازم يُطالَب به الإنسان، والنفل تطوع ليس بلازم، فإذا أجازت الشريعة التوكيل في الفرض فإنه لا يلزم أن يجوز ذلك في النفل؛ لأن النفل الإنسان فيه منه في سعة.

ص: 1627

والقول بأنه إذا جاز في الفرض جاز في النفل من باب أوْلى ضعيف، وكون الفرض أشد مطالبة أن يقوم الإنسان فيه ببدنه، نقول: هذا صحيح، لكن العبادات الأصل فيها منع التوكيل، فيُقْتصر على ما ورد؛ ولذلك الآن بعض الناس يُوكِّل في حجج كثيرة، نافلة لأبيه، وأمه، وعمه، وخاله، وما أشبه ذلك، ولكنه جالس على فراشه، على كرسيه، أين الحج الذي جعله الرسول عليه الصلاة والسلام جهادًا حين سألته عائشة قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال:«عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (4).

إذن هذه الأركان الأربعة، فهمتم حكم التوكيل فيها؟ الشهادتان؟

طالب: لا يصح التوكيل فيها مطلقًا.

الشيخ: مطلقًا. لو قال واحد غير مسلم: يا فلان، أنا أريد الإسلام، لكن تشهد أني أنت؛ وكَّلتك، ما يصح؟

طلبة: ما يصح.

الشيخ: ولو كانت من كاتب عدل، وثيقة.

الطلبة: لا يصح.

الشيخ: طيب صح، هذا لا يمكن.

وعلى كل حال اعرفوا هذه القاعدة: الأصل في العبادات منْع التوكيل فيها؛ لأن التوكيل فيها يُفوِّت المقصود من العبادة وهو التذلل لله عز وجل، والتعبد له، ويُقتصر فيها على ما ورد.

طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بقينا في من مات وأوصى مثلًا بأن يحج عنه حج النافلة، هل .. ؟

الشيخ: ومن مات، ومن كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى برؤه كما قلت لكم واحد، ثقيلة على النفس.

طالب: (

الشيخ: إي نعم، المخصِّص هو الذي يأتي بحكم مخالِف للعام؛ هذا المخصِّص، وأما إذا أتى الدليل بحُكم مطابِق للعام فهو من بعض أفراده فلا يُخصِّصه، لو قلت لك مثلًا: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم ساميًا، معناه الطلبة الباقين ما نكرمهم؟ تخلينا نكرم الباقين ولا تقول هذا تخصيص؟ لأن حُكم الخاص مُطابِق لحكم العام، فنُصَّ عليه للعناية به مثلًا.

ص: 1628

{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر: 4]، لما قال:{وَالرُّوحُ} ، الآن نقول على الملائكة: ما تنزل؟ طيب، إذا قلت: أكرِم الطلبة، ثم قلت: لا تُكرم ساميًا، تخصيص ولَّا لا؟ هو تخصيص؟

طالب: نعم.

الشيخ: ليش؟ لأن الحكم الثاني مخالِف، هذا إن كان سامي من الطلبة، فهو تخصيص من تعميم، وإن كان من غيرهم فليس تخصيصًا، يكون المعطوف حكمه مستقل (

).

طالب: القول بجواز النيابة في التنفُّل للعاجز، هل يجوز لمن جاز له ذلك أن يستنيب عنه أكثر من واحد في حج واحد؟

الشيخ: لا بأس؛ يعني يعطي اثنين أو ثلاثة يحجون عنه في عام واحد، لا بأس.

طالب: بالنسبة للتوكيل في الصيام، أشكل عليَّ حديث عائشة قال:«مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (2). لم يذكر الحديث أنه قبل أن يموت يوكل؟

الشيخ: هذا ما فيه توكيل، الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي وَكَّل.

طالب: بارك الله فيك، إذا حج الوكيل وكان بوكالة فاسدة بمال الموكِّل، مال الذي وكله، لكن كانت الوكالة فاسدة كأن يكون قادرًا على الحج فوكَّل غيره، لكن حج بمال الموكِّل، فهل يرجع عليه بمال .. ؟

الشيخ: الموكِّل؟

الطالب: الموكَّل حج بمال الموكِّل، لكن الوكالة فاسدة.

الشيخ: إذا كان الوكيل يعلم أنه لا يصح التوكيل، والموكِّل يعلم أنه لا يصح؛ أُخِذ المال وجُعِل في بيت المال؛ لأن كُلًّا منهما أقدم على مُحرَّم، فلا يمكن أن نجعل الوكيل ينتفع ولا الموكِّل.

وأما إذا كان لا يعلم، والموكِّل يعلم، فإن الموكِّل لا يرجع على الوكيل بشيء؛ لأنه هو الذي غرَّه، وأما إذا كان كل منهما لا يعلم فالذي يتوجه أنه يُؤخذ من الوكيل؛ لأنه يجب عليه أن يتحرَّى، ويحتمل أن يُقال: إنه على من غَرَّه، المسألة هذه تحتمل قولين.

طالب: من مات وعليه صيام عشرة أيام؟

الشيخ: منين؟

الطالب: نذر.

الشيخ: طيب.

الطالب: (

).

ص: 1629

الشيخ: يعني يقول: من مات وعليه صيام عشرة أيام، نذر أو صيام رمضان على القول بأنه يصح، وله عشرة من الأولاد، فصاموا يومًا واحدًا، نقول: يجزئ ذلك، إلا إذا كان يُشترط التتابع في الأيام فلا يصومه إلا واحد؛ لأنه لو صاموا جميعًا صار فيه التتابع يومًا واحدًا.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه، إلا أن يجعل إليه. والوكالة عقد جائز، وتبطل بفسخ أحدهما وموته وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وُكِّل في بيْع أو شراء لم يبع، ولم يشترِ من نفسه وولده، ولا يبيع بعرَض ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، أو اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا ولا ضرر فيهما صح، وإلا فلا.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

سبق لنا قاعدة مهمة في التوكيل في حقوق الله؛ حيث قُلنا: إن الأصل المنْع؛ وذلك لأن التوكيل في العبادات يُفوِّت المقصود من التعبد والتذلل لله عز وجل، إلا ما دل الدليل على جوازه؛ فالدليل حاكِم وليس محكومًا عليه، وإلا فالأصل المنع.

في حقوق الآدميين الأصل فيه الجواز؛ لأنه من المعاملات، والأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على منعه.

واستعرضنا العبادات الخمس عبادة عبادة، وبينا ما لا يصح فيه التوكيل، وما يصح مطلقًا، وما يصح بتفصيل.

ثم ننتقل الآن إلى ما بقي مما يمكن التوكيل فيه.

ص: 1630

قال: (والحدود في إثباتها واستيفائها) الحدود: جمع حَدٍّ، والمراد به هنا: كل عقوبة مُقدَّرة من الشرع على معصية، هذه هي الحدود.

لنستعرضها: الزنا حد، القذف حد، السرقة حد، قُطَّاع الطريق حد، كم هذه؟ أربعة.

الزنا، بنص القرآن:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وجاءت السُّنَّة بزيادة على ذلك، وهو أن يُغرَّب الزاني والزانية عن البلد الذي حصل فيه الزنا لمدة عام (5). وإن كان مُحصنًا، وهو الذي قد تزوج بنكاح صحيح وجامَع زوجته؛ فإن حده الرجم، حتى وإن كان قد فارق الزوجة. هذا الزنا.

القذف، حدُّه ثمانون جلدة:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] إلى آخره.

السرقة، حدها قطْع اليد اليمنى من مفصل الكف؛ لقول الله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38].

قُطَّاع الطريق حدهم ما ذكره الله في قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33].

هذه أربعة أنواع من الحد، وهل {أَوْ} فيها للتخيير أو للتنويع؟

في ذلك للعلماء قولان؛ قول: إنه للتنويع، وقول آخر: للتخيير.

ص: 1631

فعلى القول بالتنويع، يقول:{أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} ، هؤلاء إذا قتلوا وأخذوا المال، إن قتلوا فقط بدون أخذ المال قُتلوا، إن قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، إن أخذوا المال فقط تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تُقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، إذا أخافوا الطريق دون أن يعتدوا على مال أو نفس فإنهم يُنفون من الأرض. والنفي من الأرض، هل معناه أن يطردوا من هذا المكان أو أن يحبسوا؟

في هذا قولان أيضًا للعلماء؛ منهم من قال: إن النفي من الأرض أن يُحبسوا لا أن يُطردوا إلى بلاد أخرى؛ لأنهم ربما إذا طُردوا إلى بلاد أخرى عادوا مرة أخرى فلم نستفد من نفيهم، أما حبسهم فإنهم يُحبسون عن الناس فلا يتعدى شرهم إليهم.

والأرجح في هذا أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي؛ إن رأى أن ينفيهم من الأرض إلى بلاد أخرى، أو أن يُحبسوا على حسب ما يرى.

كم هذه الحدود؟ الزنا، السرقة، القذْف، قُطَّاع الطريق. الخمر، شُرْب الخمر، اختلف العلماء، هل هو حد أو تعزير؟

فأكثر أهل العلم على أنه حد، ثم اختلفوا: هل هو أربعون، أو ثمانون، أو يُخيَّر الإمام بينهما؟

ولكن من تدبر عقوبة شارب الخمر عرف أنها تعزير لا حد، لكنه لا يُنقَص عن أربعين جلدة، والدليل لذلك أنهم كانوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يُؤتى بالشارب، فيقوم الناس إليه يضربونه، منهم من يضرب بيده، ومنهم من يضرب بالنعل، ومنهم من يضرب بالرداء أو بالجريد أو ما أشبه ذلك، ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث: نحوًا من أربعين (6).

ثم إن أبا بكر جلد أربعين، ثم جلد عمر أربعين، ولما كثر شرب الخمر جمع الصحابة رضي الله عنهم يستشيرهم، وهذا من دأبه رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، أخفُّ الحدود ثمانون، يعني فاجلد شارب الخمر ثمانين، فأقر ذلك عمر (7).

ص: 1632

فأكثر العلماء أخذوا بهذا، وقالوا: إن الحد ثمانون؛ لأن عمر استشار الصحابة وقدَّروه بهذا، وعمر له سُنَّة متبوعة، فلا يُزاد على ذلك ولا يُنقص منه، وسموا ذلك حدًّا.

لكن من تدبر النص الوارد في ذلك أو النصوص الواردة في ذلك عرف أنه ليس بحد، وأنه تعزير لا ينقص عن أربعين جلدة؛ لأنه لو كان حدًّا ما استطاع عمر ولا غيره أن يزيد فيه، ولهذا لو كثر الزنا في الناس -نسأل الله العافية- هل يمكن أن نزيد على مئة جلدة؟

لا يمكن حتى لو زاد؛ لو كثروا يعني، فإنه لا يمكن أن يزاد على مئة جلدة، فكون أمير المؤمنين عمر ومعه الصحابة يزيدون على ذلك، يدل على أن المقصود التعزير الذي يردع الناس عن هذا الخبيث، هذا واحد.

دليل آخر: أن عبد الرحمن بن عوف قال: أخف الحدود ثمانون، أو قال: ثمانين. أقره الصحابة على أنها أخف الحدود.

إذن ما فيه حد يكون أربعين، ما فيه حد، وهذا يُشبه أن يكون إجماعًا؛ لأن عمر ما قال: لا، فيه حد، فالصواب أنه تعزير.

وبناءً على ذلك لو كثر الناس وكثروا وكثروا، فلولي الأمر أن يزيد على ثمانين بالكم أو بالنوع أو بالكيفية، حتى لو مثلًا رأى أن يُعزَّر شارب الخمر بغير ذلك فلا بأس إلا أنه لا يقطع عضوًا من أعضائه؛ لأن بدن الإنسان مُحْترم، وليس فيه قَطْع، اللهم إلا في السرقة وقُطَّاع الطريق، هذه الحدود.

يرى بعض الناس أن من الحدود الرِّدَّة، ويكتبون هذا في مؤلفاتهم، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الردة إذا تاب المرتد ولو بعد القدرة عليه فإنه يُرفع عنه القتل ولا يُقتل، ولو كانت حدًّا ما ارتفع بعد القدرة عليه؛ لقول الله تبارك وتعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34].

ص: 1633

فالصواب أن القتل بالرِّدَّة ليس حدًّا، حتى على قوْل من يقول: إن من أنواع الردة ما لا تُقبل فيه التوبة، مع أن الصحيح أن جميع أنواع الرِّدَّة تُقبل فيها التوبة، حتى لو سب الإنسان رب العالمين أو الرسل أو الملائكة، ثم تاب، فإن توبته مقبولة؛ لأن من المشركين من سبوا الله عز وجل، ومع ذلك قُبِلت توبتهم، ثم إن عموم الأدلة:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]، يدل على أن أي ذنب تاب الإنسان منه فإن الله يتوب عليه، حتى لو سب الله جهارًا نهارًا، ثم تاب وحسنت حاله، قلنا: الحمد لله، باب التوبة مفتوح.

لكن من سب الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم تاب، فإننا نقبل توبته، ولكننا نقتله؛ لأن سبه للرسول حق آدمي، ولا نعلم أعفى عنه الرسول أم لا؟ لأن الرسول قد مات، فالقتل لا بد منه، لكنه إذا تاب يُقتل على أنه مُسلم، يُغسَّل، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدعى له بالرحمة، ويُدفن مع المسلمين.

على كل حال، الحدود الآن يجوز التوكيل في إثباتها واستيفائها، ومن الموكِّل؟

الموكِّل من له إقامة الحد، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، الأمير هو القاضي، والرسول هو القائد، وهو الإمام عليه الصلاة والسلام، فلا إشكال في الموضوع.

وكذلك إذا كان الأمراء هم القضاة فلا إشكال أيضًا؛ لأنهم سوف يحكمون أولًا، ثم ينفذون ثانيًا، فالأمراء هم الذين يُوكِّلون في إقامة الحدود، لكن في وقتنا الحاضر الآن تفرقت المسؤولية، صار القاضي عليه مسؤولية والأمير عليه مسؤولية، فمن الذي يملك تنفيذ الحدود؟

الأمير، وعلى هذا القاضي يرفع الحكم، ثم الأمير يُوكِّل إن شاء من يُنفِّذ الحكم.

ما هو الدليل على التوكيل في الحدود في إثباتها أو استيفائها؟

ص: 1634

الدليل: قصة المرأة التي زنا بها أجير عند زوجها، أجير عند الزوج زنا بامرأته، مستأجِره، وقيل له -أي: لهذا الأجير-: إن عليك الرجمَ، فذهب أبوه وافتداه بمئة شاة ووليدة، يعني جارية؛ لئلا يُرجم، وهذه طبعًا فتْوَى جهل وخطأ، فسأل أهل العلم، فقالوا: لا، على ابنك الجلد، وعلى امرأة الرجل الرجم؛ لأن الابن غير مُحصَن، بكر، وزوجة المستأجِر ثيِّب، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:«أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَهِيَ رَدٌّ عَلَيْكَ» (8)، مردودة، يعني لا يملكها الزوج ولا الزوجة؛ وذلك لأن هذا الحكم مخالِف لحكم الله ورسوله، وبه نعرف أن ما قُبِض بغير حق يجب أن يُرد إلى صاحبه، وأن على زوجة هذا الرجم، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام.

المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لرجل من الأنصار: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، فهذا توكيل في إثبات الحد واستيفائه، في إثباته حين قال:«إِنِ اعْتَرَفَتْ» ، وفي استيفائه حين قال:«فَارْجُمْهَا» . وعلى هذا فيجوز لولي الأمر أن يُوكِّل في إثبات الحدود؛ أي فيما تثبت به، وفي تنفيذها.

ولكن الأفضل أن يُباشِر ذلك بنفسه ولا سيما في عصرنا الآن، أن يُباشر ذلك بنفسه؛ لئلا يحصل خطأ في الإثبات أو خطأ في التنفيذ، لكن الكلام على أن هذا جائز، والدليل هذه القصة التي سمعتموها، الحدود في إثباتها واستيفائها.

ثم قال: (وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجعل إليه).

الوكيل يتصرف بالإذن ممن؟ من الْمُوكِّل، وإذا كان يتصرف بالإذن من الموكِّل فإنه يجب ألا يتعدى ما وُكِّل فيه، لا بصفة العقد، ولَّا بالمعقود له، فإذا قال: وكَّلتك أن تبيع هذا العبد على فلان، فعندنا الآن تعيين في المبِيع وتعيين في المشتري. هل يملك الوكيل أن يبيع عبدًا آخر من عبيد الموكِّل؟

ص: 1635

لا؛ لأنه خُصَّ بمعين. وهل يملك أن يبيع العبد المعين على شخص غير زيد؟ لا؛ لأنه يتصرف بالإذن فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أُذن له فيه.

خذ هذه القاعدة: أن الوكيل يتصرف بالإذن، فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أُذِن له فيه، لا يتعداه، إما لفظًا وإما عرفًا. طيب، هل له أن يُوكِّل؟

لا، ليس له أن يُوكِّل، فإذا وكلت فلانًا أن يبيع هذه السيارة، فليس له أن يُوكِّل غيره، لماذا؟ لأنني وكَّلته هو بنفسه، فليس له أن يُوكِّل غيره؛ لأني قد أثق به، ولا أثق بغيره، ولا سيما في الأمور التي يختلف فيها القصد اختلافًا كبيرًا، كما لو وكلت شخصًا يفرق زكاتي، وأراد أن يوكل غيره، هذا لا يمكن؛ لأن الزكاة أمرها عظيم، وربما أثق بفلان، ولا أثق بغيره.

فلا يجوز إذن أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا في أحوال ثلاث:

الحال الأولى: قال: (إلا أن يُجعل إليه)، (يُجعل) هذا مبني لما لم يُسمَّ فاعله، فمن الفاعل؟ الموكِّل، يعني إلا أن يجعل الموكِّل ذلك للوكيل، فيقول: وكَّلتك في كذا، ولك أن تُوكِّل من شئت، أو من تثق به، أو أن تُوكِّل فلانًا جارك أو فلانًا قريبك، أو ما أشبه ذلك، هذه واحدة.

إذا جُعِل إليه، ووكَّل حسب ما جُعل إليه، يكون قد تصرف بحسب الوكالة ولَّا لا؟ نعم، يكون قد تصرف بحسب الوكالة؛ لأن الأمر جُعل إليه.

المسألة الثانية أو الحال الثانية: إذا كان مثله لا يتولاه عادة. فلو قلت لجارك وهو رجل شريف: يا فلان، من فضلك أنا سوف أسافر، اشترِ للبقرة؛ اشتر لها العلف كل يوم، وهو رجل شريف إما وزير، ولا قاضٍ، ولا أمير؛ الرجل الآن بيشتري علفًا كل يوم من المبيع، هل له أن يُوكِّل من يشتري العلف، ولا نقول: أنت تروح بنفسك؟ ما قال له: لك أن تُوكِّل؛ لأن هذا مما جرت العادة ألا يتولاه بنفسه، فله أن يُوكِّل من يشتري، وإن لم يؤذن له في ذلك، لكن عليه أن يتحرى الرجل الأمين أكثر مما يتحراه لماله.

ص: 1636

المسألة الثالثة أو الحال الثالثة: إذا كان يعجز عن مثله عادة، إذا كان الوكيل يعجز أن يقوم بمثل هذا العمل عادة.

مثال ذلك: وكَّلت رجلًا أن يصعد بحجر كبير إلى السطح؛ لأني أريد أن أبني به السطح، وهو رجل ضعيف ما يتحمل، هل له أن يُوكِّل من يحمل الحجر إلى فوق؟

طلبة: نعم.

الشيخ: أنا موكله هو، لكن لأن مثله يعجز عنه، وكذلك لو وكَّلته في بيع أموال كثيرة، وقلت: بِعْ هذه الأموال في الموسم هذا، لا تتعدَّ الموسم، وهي أموال كثيرة لو أنه باشرها بنفسه لانتهى الموسم قبل التصريف، فهنا له أن يُوكِّل.

فصار الوكيل ليس له أن يُوكِّل إلا في ثلاث حالات:

الأولى: أن يجعل إليه.

والثانية: ألا يكون مثله يتولاه بنفسه.

والثالثة: أن يكون عاجزًا عنه، ففي هذه الحال له أن يُوكِّل.

فإذا قال قائل: كيف أجزتم أن يُوكِّل في الحالين الأخريين؟

نقول: لأن هذا وإن لم يأذن فيه الموكِّل لفظًا فهو كالمأذون فيه عُرْفًا، كل أحد يعرف أني إذا قلت لجاري الشريف: يا فلان، اشترِ العلف للبقرة كل يوم، (

) أني ما أردت أن يشتري بنفسه، أليس كذلك؟ كل يعرف إذا قلت لهذا الرجل: صرِّف هذه البضاعة في هذا الموسم، وهو عشرة أيام وهي بضاعة كثيرة، كل يعرف أن المراد أن يصرفها بنفسه أو بوكيله.

ففي الحقيقة أن هاتين الحالين المستثنيين هي في الحقيقة داخلة في قوله: (إلا أن يُجعل إليه)، لكن لما ذكرها العلماء نقول: إلا أن يُجعل إليه لفظًا، وأما الثانية والثالثة فقد جُعِل ذلك إليه عرفًا.

ثم قال المؤلف رحمه الله: (والوكالة عقد جائز)، الوكالة عقد وليست فسْخًا، (جائز) من الناحية التكليفية، أو من الناحية الوضعية؟ من الناحية الوضعية؛ لأنه من الناحية التكليفية ذُكِر من قبل، تصح بكل قوْل يدل على الإذن، ويصح التوكيل بكل حق آدمي.

لكن من الناحية الوضعية، هل هي من العقود الجائزة أو من العقود اللازمة؟

ص: 1637

يقول المؤلف: إنها عقد جائز. والعقد الجائز هو الذي يملك كل واحد من المتعاقدين فسْخه بدون رضا الآخر، هذا العقد الجائز؛ كل واحد من المتعاقِدين فسخه بدون رضا الآخر، ولا إذنه أيضًا.

وجه ذلك ظاهر: أن الْمُوكِّل الأمر إليه، وأن الوكيل يتصرَّف بإذنه، فللوكيل أن يرجع، وللموكِّل أن يرجع أيضًا.

ثم إن قوله: (والوكالة عقْد جائز) يفيد أن العقود منها جائز، ومنها لازم، وهو كذلك، فعقْد البيع بعد التفرق من المجلس إذا لم يكن شرط الخيار عقد لازم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (9).

الرهن عقد جائز من جانب المرتهن، عقد لازم من جانب الراهن، ووجههما ظاهر؛ لأن الحق لمن في الرهن؟ للمرتهِن، فإذا رضي بإطلاق الرهن وإزالته فالحق له، لكنه حق على الراهن، فلا يملك أن يتخلص منه.

طيب، الوكالة جائز من الطرفين، وبهذا تمت الأقسام؛ العقود ثلاثة أقسام:

عقد لازم من الطرفين، وعقد جائز من الطرفين، وعقد لازم من طرف جائز من طرف.

الوكالة عقْد جائز، قال:(تبطل بفسخ أحدهما) أنا عندي بإسقاط الواو، وهو الأصح؛ لأنك إذا قلت:(وتبطل) لم تكن هذه الجملة تفسيرًا لقوله: (جائز)، والجملة في الواقع؛ الجملة استئنافية تفسير لمعنى الجائز.

(تبطل بفسخ أحدهما) من أحدهما؟ الوكيل والموكِّل، تبطل بفسخه.

وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنها تبطل بفسخ أحدهما مطلقًا، ولو مع ضرر، ولكن يجب أن نقيد هذا ما لم تتضمن ضررًا، فإن تضمنت ضررًا فإنه ليس لأحدهما أن يضر صاحبه.

دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (10). وفي القرآن كثير أيضًا يقول عز وجل: {أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} [النساء: 12]، ويقول عز وجل:{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231].

ص: 1638

فعلمنا بذلك أن ما كان فيه الضرر فإنه ممنوع شرعًا، فلو أن الوكيل قبِل الوكالة على أنه سوف يُصرِّفها في الموسم، ثم انصرف من عند الموكِّل وفسَخَه، قال: يا فلان، اشهدوا أني فسخت الوكالة، والموكِّل ما علِم، ففات الموسم والموكِّل لم يعلم، هنا الفسخ فيه ضرر ولَّا لا؟

طالب: فيه ضرر.

الشيخ: على مَنْ؟ على الموَكِّل.

إذن لا يحل للوكيل هنا أن يفسخ إلا إذا استأذن من الموكِّل؛ من أجل أن يعرف الإنسان، أعني الموكل، كيف يتصرف؟ (

)

طالب: (

) هل ثبت قتل من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالإجماع؟

الشيخ: لا، ما هو بالإجماع، ليس بإجماع.

الطالب: أم هو تعزير؟

الشيخ: لا، ليس بإجماع. لا، حد يجب أن يُقتل على كل حال.

طالب: بارك الله فيكم، جاء في الحديث وإن كان موقوفًا:«حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (11)، وثبت ذلك عن الصحابة قتل الساحر، ثم إن المتعارف عليه يكاد يكون مشهورًا أن الساحر لا يتم سحره لا سيما إذا كان ممن يتعامل مع الجن، لماذا لا نقول بأن الحد أن يقتل؟

الشيخ: كيف حد؟

الطالب: يعني الساحر يُقتل بكل حال، حتى لو تاب؛ لأنه سوف يظهر التوبة، لكن فيما بينه وبين.

الشيخ: هذا قد يقال: إنه يُقتل على كل حال؛ لأننا لا نعلم صحة توبته، أما لو علمنا ذلك، فما الذي يخرجه من قوله تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53].

الطالب: (

) على البيوت يا شيخ فيقتل.

الشيخ: يُقتل تعزيرًا، الظاهر الأقرب (

) أنه تعزير لدفع شره.

طالب: ما رأيكم في قول بأنه ليس هناك عمل من الأعمال (

).

الشيخ: هذا غير صحيح؛ لأن إبليس كفر بالاستكبار لا بالجهل، هو مُقِر بالله عز وجل، ومقر بالأوامر، لكنه استكبر، فالصواب أن الردة تعود إلى شيئين: إما الجحود، وإما الاستكبار.

ص: 1639

طالب: بارك الله فيكم، إذا فسخ الوكيل عقد الوكالة فتضرر الموكل، فهل للموكِّل أن يرجع عليه بمقدار الضرر؟

الشيخ: إي، معلوم، يجب أن تعلم أن كل غار ثبت بغروره شيء فإنه عليه، هذا مقتضى العدل.

الطالب: بارك الله فيكم، إذا تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بالتعريض، ما هو سب صريح، بالتعريض يا شيخ في الصحف (

).

الشيخ: يقولون: إن التعريض بالسب أشد من التصريح؛ لأنه ينطلي على كثير من الناس، فمثلًا الذين قالوا لمريم:{مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28]، هذا أشد من لو قالوا: أنت زانية.

طالب: بالنسبة (

الشيخ: الآية {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33]، ومعلوم أن الله لا يريد أن ينفوا من الأرض يطيره إلى السماء؛ لأن هذا شيء مستحيل، لكن من الأرض التي حصل فيها الإفساد، لكن القول بأنه يرجع إلى اجتهاد القاضي جيد، إن رأى المصلحة مثلًا أن ينفيه إلى أرض يكون فيها الحكم شديدًا ولا يستطيعون، أو إلى جزيرة من جُزُر البحر ما عندهم إلا السمك والحوت، فلا بأس.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: والوكالة عقْد جائز تبطل بفسخ أحدهما أو موته، وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وُكِّل في بيع أو شراء لم يبِع ولم يشترِ من نفسه وولده، ولا يبيع بعَرَض ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، أو اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا ولا ضرر فيهما؛ صح وإلا فلا.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الوكالة عقد جائز من الطرفين، أي: من طرف الوكيل، ومن طرف الموكِّل. ذكرنا على هذا الكلام أن العقود تنقسم إلى أقسام ثلاثة؟

طالب: جائز من الطرفين.

الشيخ: عقد جائز من الطرفين.

ص: 1640

الطالب: وعقد لازم من الطرفين.

الشيخ: عقد لازم من الطرفين.

الطالب: وعقد جائز من طرف، ولازم من طرف آخر.

الشيخ: طيب مثال الأول؟

طالب: البيع.

الشيخ: البيع بعد الخيار، ما الدليل على أنه واجب من الطرفين؟

طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» .

الشيخ: «وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (9) أي: لازم، وثبت.

طيب، الجائز من الطرفين، مثاله؟

طالب: الوكالة.

الشيخ: الوكالة، لماذا قلنا: إنها عقد جائز من الطرفين؟

الطالب: لأن للوكيل أن يفسخ الوكالة.

الشيخ: لا، هذا الحكم؛ لأنها من الموكِّل إذْن ومن الوكيل تبرُّع، والإنسان له أن يرجع فيما أذن فيه، والمتبرِّع له أن يرجع أيضًا في تبرعه.

طيب، مثال الجائز من الطرف، اللازم من طرف؟

طالب: الرهن، جائز في حق المرتهن، ولازم في حق الراهن.

الشيخ: أحسنت. طيب، الدليل؟ أو التعليل؟

الطالب: التعليل؛ لأن المرتهن له الحق أن يسقط حقه.

الشيخ: نعم؛ لأن الرهن حق للمرتهن هو الذي توثق به بدَيْنِه، فله أن يسقطه، وأما الراهن فهو حق واجب عليه فلزمه الوفاء به؛ لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقوله:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].

الوكالة عقد جائز، ذكرنا أنها تكون عقدًا لازمًا؟

طالب: إن كان هناك ضرر.

الشيخ: إذا تضمنت ضررًا على أحد الطرفين فإنها تكون عقدًا لازمًا، طيب، هذا موضع.

موضع آخر نذكره الآن: إذا كانت بأجرة، مثل أن أقول: وكَّلتك بكذا وكذا بأجرة قدرها كذا، فإنها تكون حينئذٍ عقدًا لازمًا؛ لأن الإجارة نوع من البيع، فصارت لازمة كالبيع.

قال المؤلف رحمه الله مُفرِّعًا على قوله: (والوكالة عقد جائز) وقبل أن أبدأ، الجائز هنا في مقابل الحرام أو في مقابل اللازم؟

طالب: في مقابل اللازم.

ص: 1641

الشيخ: في مقابل اللازم، وبه نعرف أن كلمة جائز لها تفسيرات بحسب الموضوع والقرينة، الجائز عند المناطِقة وأهل الكلام غير الجائز هنا؛ الجائز ما أمكن وجوده وعدمه، في كتب أهل الكلام والمنطق إذا قال: جائز يعني ما أمكن وجوده وعدمه، والمستحيل ما امتنع وجوده أو عدمه، والواجب ما وجب وجوده أو عدمه.

(الوكالة عقد جائز تبطل بفسخ أحدهما) هذه واحدة، وسبق أن هذا مُقيَّد بما إذا لم يكن هناك ضرر، أو كانت جارية مجرى الإجارة.

الثاني قال: (وموته)، إذا مات الوكيل بطلت الوكالة، وإذا مات الموكِّل بطلت الوكالة.

وجه ذلك: إذا مات الموكِّل انتقل المال إلى ورثته، فلا بد من تجديد الوكالة إذا شاؤوا أن يستمروا على الوكيل. أما الوكيل فتبطل بموته؛ لأن الموكِّل إنما رضيه بعينه، فإذا مات فإن المعقود عليه قد اضمحل، وزال وفات، فتبطل بذلك الوكالة.

مثال ذلك: رجل وكَّل شخصًا أن يبيع بيته، قال: وكَّلتك أن تبيع بيتي، ثم قدَّر الله على الموكِّل أن يموت، فحينئذٍ لا يحل للوكيل أن يبيع البيت، ولا أن يتصرف فيه، بل يجب أن يُبلِّغ الورثة أنه قد انتهت الوكالة؛ لأن الملك الآن انتقل إلى الورثة.

مثال آخر: وكَّل شخصًا في بيع بيته، ثم قدَّر الله أن يموت الوكيل فتنفسخ الوكالة، ولا يحل للوكيل أن يُوكِّل شخصًا بعد موته يتولى البيع؛ لأن الوكالة انفسخت بموته، انتهت.

وهنا يجب أن ننبه إلى مسألة يكتبها إخواننا الكتاب الذين يكتبون وصايا الناس، إذا كتب الوصية وقال: أوصيتُ بثلث مالي يُتصدق به على الفقراء، كثير من الكتاب يكتب: والوكيل على ذلك فلان.

ص: 1642

والصواب أن يقول: الوصي على ذلك فلان؛ لأن الفرْق بين الوكيل والوصي: الوصي ما أُذِن له بالتصرف بعد الموت، والوكيل ما أُذن له بالتصرف في حال الحياة، وإذا قال: الوكيل على ثلثي فلان، فلو أخذنا باللفظ لقلنا: إذا مات هذا الرجل انفسخت الوكالة، لكن الحكام -يعني: القضاة- يفتون بأن هذا اللفظ من العامة بمعنى الوصية، وإن كان بلفظ الوكالة، ولكننا نقول للكُتَّاب: ينبغي أن تُحرِّروا الكتابة، وإذا ذكرت وصية فلان بشيء لا تقل: والوكيل فلان، قل: الوصي.

لو قال: الوكيل بعد موتي، ارتفع الإشكال؛ لأنه إذا قيد الوكالة بعد الموت فإننا نعلم علم اليقين أنه أراد الوصية.

(تبطُل بفسخ أحدهما أو موته وعزل الوكيل).

قوله: (وعزل الوكيل) هذه العبارة لم نرها في كتب المنتهى، ولا في الإقناع، ولا في المقنع أيضًا الذي هو أصل الكتاب، وهي في الحقيقة زائدة؛ لأن عزْل الوكيل يُغني عنه قوله:(بفسخ أحدهما)؛ لأن فسْخ أحدهما أي: الوكيل أو الموكِّل، إذا فسخ الموكل فهذا يعني عزْل الوكيل، إذن ما حاجة أن يُقال:(عزل الوكيل)، لكن لعل المؤلف رحمه الله؛ لعل هذا من المؤلف سبقة قلم.

على كل حال تبطل بعزْل الوكيل، وعزْل الوكيل هو فسْخ الموكِّل للوكالة، وظاهر كلامه أنها تبطل بعزل الوكيل سواء علم أم لم يعلم، وظاهر كلامه أيضًا أنها تبطل بعزْل الوكيل بالقول أو بالفعل.

مثال ذلك: رجل وكَّل شخصًا في طلاق زوجته، للوكيل أن يُطلِّق.

طالب: يفسخ.

الشيخ: كيف يفسخ؟ ! ما عندنا فسْخ، وكَّله في طلاق زوجته، فللوكيل أن يُطلِّق بناءً على وكالة الزوج، لكن بعد أن انصرف الزوج أشهد أنه عزل الوكيل عن الوكالة، أشهد أنه عزله. الوكيل ذهب إلى الزوجة وطلَّق، فما الحُكم على ما ذكره المؤلف، هل تطلق الزوجة أو لا؟ لا تطلق، لماذا؟ لأنه عزله.

ص: 1643

ونحن نقول: إن طلَّق بعد علمه أنه عُزِل فلا شك أن الطلاق لا يقع؛ لأنه رُفعت عنه الوكالة، وإن طلَّق ولم يعلم فظاهر كلام المؤلف أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه عُزل، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء في مذهب الإمام أحمد؛ فمنهم من يقول: لا ينعزل إلا بعد العلم، ومنهم من يقول: ينعزل ولو قبل العلم.

والذي يظهر أنه إن تعلق به حق ثالث فإنه لا ينعزل، وإلا انعزل، مثال هذا: وكَّل إنسانًا أن يبيع بيته، وكَّل شخصًا، قال: بِعْ بيتي، وبعد انصراف الوكيل قال الموكِّل: اشهدوا أني عزلته وفسخْت الوكالة، والرجل ذهب وباع البيت، وتم البيع، وقُبِض الثمن، وتمت الكتابة، فعلى رأي المؤلف: البيع غير صحيح.

والقول الثاني، وهو رواية عن أحمد: أن البيع يكون صحيحًا؛ لأن المسألة الآن تعلق به حق ثالث، من هو الثالث؟ المشتري، وإذا قلنا ببطلان الوكالة لزم بطلان البيع وضياع حق المشتري، وهذا القول أصح: أنه إذا تعلق به حق ثالث فإنه يبطل البيع، وأما إذا لم يتعلق به حق أحد قد يقال: إن القول بانعزاله قبل علمه يتم، ولا يصح التصرف.

ذكرنا أن العزْل يكون بالقول ويكون أيضًا بالفعل، يكون بالقول واضحة، يقول: اشهدوا أني عزلتُ فلانًا، أو أني فسختُ وكالته، أو أبطلتُ وكالته، أو غير ذلك من العبارات الدالة على أنه فسخ الوكالة.

بالفعل لو أنه وَكَّلَ إنسانًا أن يبيع بيته، وبعد انصراف الوكيل باع الموكِّل البيت نفسه؛ باع الموكِّل نفسه البيت، ثم إن الوكيل باعه، الموكِّل باعه على زيد، والوكيل باعه على عمرو، فماذا نصنع؟ هل نقول: إن الوكيل انعزل أو لا؟ نعم، انعزل؛ لأن بيْع الموَكِّل للذي وكَّل شخصًا في بيعه يعني أنه عزله، وهذا عزْل بالفعل.

حينئذٍ -انتبهوا لهذه المسألة- الوكيل باع على عمرو، والموكِّل باع على زيد، إن أبطلنا بيع الوكيل فقد تعلق به حق مَنْ؟

طالب: المشتري.

ص: 1644

الشيخ: من هو؟ عمرو، وإن أبطلنا تصرف الموكِّل، وهو لا يمكن إبطاله، لكن إذا صححنا تصرف الوكيل لزم من ذلك إبطال تصرُّف المؤكل، أبطلنا حق مَنْ؟ زيد، فمن الآن، مَنْ نُقدِّم؟

نقول: نقدم صاحب الأصل، المالك، نقدم المالك، وحينئذٍ نقول: إن بيع الوكيل وقع على شيء انتقل ملكه عن مَنْ؟ عن صاحبه، حتى صاحبه الآن ما يمكن أن يتصرف فيه، فنقول لبيع الوكيل: إنه باطل؛ لأن هذه المسألة تعلق بها حق ثالث، ثم إن الموكَّل فيه انتقل عن مُلك الموكِّل إلى مُلك آخر، فلا يمكن أن يُبطل هذا الانتقال.

الخلاصة: انعزال الوكيل يكون بالقول ويكون بالفعل، القول؟

طالب: القول أن يقول: أشهدكم أني عزلت فلانًا.

الشيخ: أن يقول: عزلت فلانًا، فسختُ وكالته، أبطلتُ وكالته، ألغيتُ وكالته أو ما أشبه ذلك، الفعل؟

الطالب: الفعل أن يبيع الوكيل على شخص (

).

الشيخ: طيب، إذا تصرف الموكِّل تصرفًا لا يمنع تصرف الوكيل، مثل: أن يقول: وكَّلتك في بيع بيتي، ثم بعْد ذهاب الوكيل أجَّره؛ أجَّره من؟ الموكِّل، أجره الموكِّل، فهل تبطُل الوكالة ونقول: إن هذا عزل؟

طلبة: لا.

الشيخ: والله الظاهر أنتم تقولون: لا، ولو سألتكم: لماذا؟ قلتم: لا ندري! نعيد السؤال؟ وكَّل شخصًا في بيْع بيته، وبعد أن انصرف الوكيل أجَّر الموكِّل البيت، فهل تنفسخ الوكالة؟

طلبة: لا.

الشيخ: لا؟

طالب: تنفسخ.

الشيخ: طيب، لماذا؟

الطالب: لأن الأصل بقاء الوكالة (

).

الشيخ: صحيح، وذلك لأن التأجير لا ينافي البيع؛ إذ يجوز بيع المؤجَّر، أليس كذلك؟ يجوز بيع المؤجر، فإذا كان يجوز بيع المؤجَّر، فإن تصرف الموكِّل الآن لا يعتبر فسخًا للوكالة؛ لأنه لا منافاة بين ما وكَّل فيه وتصرفه.

إذن إذا تصرف تصرفًا ينافي الوكالة فهو عزْل، وإذا تصرف تصرفًا لا ينافي الوكالة فليس بعزْل.

(وحجر السفه) إذا حُجِر على الوكيل أو الموكِّل حجر سفه انفسخت الوكالة.

ص: 1645

وفي قول المؤلف: (حجر السفه) منطوق وله مفهوم، ما مفهومه؟ حجر الفَلَس، أنتم تعرفونه مر علينا بالحجر، أنه حجر سفه وحجر فلس.

من كان لا يُحسن التصرف فالحجر عليه حجر سفه، ومن كان يُحسن التصرف لكنه غريم مدين، دينه أكثر من ماله، فالحجر عليه حجر فلس. طيب، الوكالة تبطل بحجر السفه.

مثال هذا: الرجل قال لشخص: بِعْ بيتي، تكرار المثال ما يضر، المقصود الإيضاح، قال: بِعْ بيتي، ثم إن الرجل الذي وكَّله في البيع، يعني قصدي مالك البيت، أُصِيب بخلل في عقله، أفسد تصرفه، هل تستمر الوكالة أو تنفسخ؟ تنفسخ؛ لأن الوكيل الآن لو أراد أن يتصرف بنفسه ما تمكن، فبوكيله من باب أوْلى؛ هذه واحدة.

ويمكن تقع أو ما تقع؟ يمكن تقع، يحصل للإنسان حادث يختل فكره، نقول: الآن انفسخت الوكالة، ونقول للذي وُكِّل في البيع: لا تبع؛ لأن الوكالة انفسخت، نفس الموكل لو أراد يتصرف الآن ما يمكن، فكيف بفرعه وهو الوكيل؟

طيب، الوكيل وَكَّل شخصًا في بيع بيته، ثم إن الوكيل أُصِيب بخلل في عقله وتصرفه.

ومَن وُكِّلَ في بيعٍ أو شِراءٍ لم يَبِعْ ولم يَشْتَرِ من نفسِه ووَلَدِه، ولا يَبيعُ بعَرَضٍ ولا نَسَاء ولا بغيرِ نقْدِ البَلَدِ، وإن باعَ بدونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أو دونِ ما قَدَّرَه له أو اشترى له بأكثرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ أو مما قَدَّرَه له صَحَّ ، وضَمِنَ النقصَ والزيادةَ، وإن باعَ بأَزيدَ، أو قالَ: بِعْ بكذا مُؤَجَّلًا، فباعَ به حالاً، أو: اشْتَرِ بكذا حالًا ، فاشْتَرَى به مُؤَجَّلًا ولا ضَررَ فيهما صَحَّ وإلا فلا.

(فصلٌ)

ص: 1646

وإن اشْتَرَى ما يُعْلَمُ عيبُه لَزِمَه إن لم يَرْضَ مُوَكِّلُه، فإن جَهِلَ رَدَّه، ووَكيلُ البيعِ يُسْلِمُه ولا يَقْبِضُ الثمَنَ بغيرِ قَرينةٍ، ويُسَلِّمُ وَكيلُ الْمُشترِي الثمَنَ ، فلو أَخَّرَه بلا عُذْرٍ وتَلِفَ ضَمِنَه، وإن وَكَّلَه في بيعٍ فاسدٍ فباعَ صَحيحًا ، أو وَكَّلَه في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ أو شِراءٍ ما شاءَ أو عَيْنًا بما شاءَ

يُحجَر عليه.

طالب: (

) القاعدة.

الشيخ: أيصح أن يتصرف؟ لا؛ لأنه لا يصح تصرُّفُه لنفسه فلغيره من باب أولى.

حُجِر على الوكيل لسَفَهٍ لصغرٍ، يستقيم المثال؟

طلبة: (

).

الشيخ: لصغر يا إخوان.

طلبة: لا يستقيم.

الشيخ: ما يستقيم؟ ليش؟

طالب: (

).

الشيخ: لا، وكَّله وهو كبير، يمكن؟

طلبة: لا يمكن.

الشيخ: لا يمكن، وذا إذن كلمة: لسفه. إنما تعود إلى العقل، يعني بحيث يكون له جنون أو سوء التصرف، بحيث يختل مثلًا فِكْرُه وعقْلُه يكون لا يعرف.

الْحَجْر لِفَلَسٍ هل تبطل به الوكالة أو لا؟

طالب: لا.

الشيخ: لا، فيه تفصيل، إن كانت في أعيان مال الموكل انفسخت، وإن كانت في ذمته لم تنفسخ، أما الوكيل فإنه إذا حُجِر عليه لفلس لا تنفسخ الوكالة بذلك؛ لصحة تصرفه في مال غيره، أفهمتم الآن؟ إذن إذا حُجِر عليه لِفَلَس فبالنسبة للوكيل أيش يكون؟ لا تتأثر الوكالة ولا تنفسخ، بالنسبة للمُوَكِّل فيه تفصيل.

نبدأ بالوكيل: وكَّل إنسانًا يبيع بيته قال: بِعْ بيتي. ثم إن هذا الوكيل صار مدينًا، دَيْنُه أكثرُ من ماله فحُجِر عليه، الآن الوكيل لا يمكن أن يبيع شيئًا من ماله لأيش؟ لأنه محجور عليه، لكن هل يبيع بيت مَن وكَّله؟ نعم؛ لأن من حُجِر عليه لفلس إنما يُحْجَر عليه في أعيان ماله، لا في أعيان مال غيره، فتبقى الوكالة.

ص: 1647

بالنسبة للمُوَكِّل قال: وكلتك تبيع بيتي. ثم إن الموكل لَحِقَه الدَّيْن وصار دينُه أكثر من ماله فحَجَرْنا عليه، هل يملك الوكيل أن يبيع البيت؟ لا، تنفسخ الوكالة، لماذا؟ لأن الموكِّل الآن لا يملك بيع بيته، فإذا كان الأصل لا يملك البيع فالفرع من باب أولى، اتضح المقال يا جماعة؟ صار الْحَجْر لفلس فيه تفصيل.

الْحَجْر لسفه أيش هو؟

طلبة: (

).

الشيخ: ما فيه تفصيل، تبطل الوكالة سواء حُجِر على الوكيل أو على الموكل.

ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومن وُكِّلَ في بيع أو شراء لم يبع) في مسألة البيع، (ولم يشترِ من نفسه وولده) إلى آخره.

(مَنْ وُكِّلَ في بيع): فإنه لا يبيع على نفسه، ولا يبيع على ولده، ولا على والده، ولا على مَن لا تُقْبَل شهادتُه له؛ لأنه متهم، متهم في ذلك.

مثال هذا: إنسان وكلته أن يبيع البيت، قلت: وكلتك في بيع بيتي. فباعه على ابنه، فإنه لا يصح البيع، لأيش؟ لأنه متهم، إذا كان لا تُقبَل شهادتُه لولده بالمال لاتهامه بذلك، فكذلك بيعُه ما وُكِّل فيه لولده هو متهم.

طيب الرجل ثقة –الوكيل اللي باع على ابنه- ثقةٌ وعدْل ومَرْضِيٌّ. نقول: ولو كان؛ طردًا للباب، ولئلا يقول قائل: لماذا صححتم بيع فلان على ولده ولم تصححوا بيع فلان؟ فنسد الباب، والأمر في هذا سهل، وهو أن يستأذن من الموكل فيقول له: إن ابني يريد البيت، أتأذن أن أبيعه؟ إذا قال: نعم. انتهى الإشكال. أعرفتم؟

استثنى بعض العلماء من ذلك مسألتين -في البيع على ولده-:

المسألة الأولى: إذا كان البيع في المزايدة، وانتهى الثمن على ولده، فإن البيع يصح؛ لأنه ما فيه محاباة، أعطاه يبيع السيارة مثلًا، حرَّج عليها بالحراج علنًا، زادت زادت زادت، آخر السعر صار على ولده وباعها عليه، هل في هذا اتهام؟ لا؛ ولهذا استثنى بعض العلماء هذه المسألة، قال: في المناداة إذا انتهى على ولده فلا بأس أن يبيع؛ وذلك لأنه لا تهمة.

ص: 1648

المسألة الثانية: إذا حدَّد له الثمن، إذا حدد الموكل الثمن للوكيل، وقال: بعها. قال: بكم أبيعها؟ قال: بِعْها بعشرة آلاف. وباعها على ولده بعشرة آلاف، يجوز أو لا يجوز؟

طلبة: يجوز.

الشيخ: لماذا؟ لأن الموكل حدد الثمن، فهو لا يريد أكثر من ذلك، فيصح أن يبيعها على ولده لانتفاء التهمة حينئذ.

ولكن لو أن الموكل قال للوكيل: بعها بعشرة آلاف، بناء على أن هذا أعلى سعر، وكانت السلع قد زادت لكن الموكل لم يعلم، فهل يجوز في هذه الحال أن يبيعها على ولده -أعني الوكيل-؟ ما تصورتوها إلى الآن؟

قال الموكل لهذا الرجل: بع هذه السيارة بعشرة آلاف، بناء على أنها لا تساوي أكثر، لكن الموكل جاهل بالأسعار، والوكيل يعلم أنها تساوي عشرين مثلًا، فهل يجوز أن يبيعها بعشرة على ولده؟

طلبة: لا يجوز.

الشيخ: ليش يا إخوان؟

طالب: هذا غش.

الشيخ: هذا غش، الواجب أن يخبره، إذا كان الوكيل يعلم أن قيمة الأشياء قد زادت، والموكل رجل جاهل بالأسعار، فعليه أن يبين ويقول له: يا فلان السلعة تساوي أكثر. وجوبًا؛ لأنه لو كتم وخلَّاها تمشي بعشرة آلاف لكان غاشًّا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (1). انتبهوا لهذه؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- يستغل سذاجة الموكل ولا يخبره بالواقع، وهذا حرام، هذا غش، عامِلِ الناس بما تحب أن يعاملوك به، لا تغشهم ولا تخدعهم.

يقول المؤلف: ولا على ولده. طيب إذا باع على بنته؟

طالب: هي من الولد.

طلبة آخرون: (

).

الشيخ: بنت يا إخوان، هي ولد؟ البنت ولد؟

طلبة: نعم.

الشيخ: متأكدون؟

طلبة: نعم.

الشيخ: أين دليلكم؟

طلبة: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11].

الشيخ: قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} ، فجعل الله الأنثى من الولد، وهو كذلك.

ص: 1649

(لم يبع)(من نفسه): إذا كان لا يبيع من نفسه، فهل يجوز أن يوكل شخصًا يشتريها لنفسه؟

طالب: لا.

طالب آخر: نعم.

الشيخ: انتبه الصورة، أعطاه هذه السيارة ليبيعها، قلنا: لا يبيعها على نفسه -واضح- لكن قال: يا فلان، أنا ما يجوز أشتريها لنفسي، لكن وكلتك تشتريها لي. وصار الذي يزيد وكيله، حتى انتهت عليه واشتراها، أيجوز هذا أو لا؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ حيلة هذه حيلة، ووكيله قائم مقام نفسه.

وبناء على أنه لا يجوز للوكيل أن يشتري السلعة لنفسه فإنه لا يجوز أن يزيد في ثمنها، كيف؟ يعني مثلًا نشَرَها أمام الناس أو أخرجها أمام الناس وقال: يلَّا مَن يسوم؟ بعشرة آلاف، باثني عشر ألفًا. فأراد هو يزيد، لما قال واحد: باثني عشر ألفًا؛ قال: بثلاثة عشر ألفًا. يقول هو، الذي يقول هو الوكيل، وهو الذي تسمونه: الدلال، هل يجوز أن يزيد ولَّا لا؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز؛ لأنه لو زاد لا يمكن أن يشتريها، فيكون في زيادته هنا إضرار بمن؟ بالمشترين وتضييق عليهم، ما دمت تعرف أنه لا يمكن أن تشتريها فإنه لا يجوز أن تزيد.

فإن أذن الموكلُ للوكيل أن يشتري، هل يجوز أن يزيد؟

طلبة: نعم.

الشيخ: يجوز؛ لأنه إذا أذن الموكل للوكيل أن يشتري فلا بأس، وحينئذ إذا زاد في الثمن فقد زاد زيادة مأذونًا فيها، فصار ذلك صحيحًا.

قال: (ولا يبيعُ بعَرَضٍ، ولا نَسَاء، ولا بغير نقدِ البلد) انتبهوا للثلاثة.

(لا يبيعُ بعَرَضٍ): وكلتُك أن تبيع السيارة فبعتها بعمارة، السيارة تساوي عشرة آلاف، والعمارة تسوى خمسة عشر ألفًا، يجوز أو لا؟

طلبة: (

).

الشيخ: لا، لا يجوز؛ لأني إذا قلت: بعها؛ يعني بدراهم، ما أقول: بِعها ببيت.

قال: بع هذه السيارة –وهي نيسان- فذهب وباعها بكراسيدا، يجوز أو لا؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز؛ لأني إذا قلت: بعها؛ يعني بعها بدراهم، ما هو بعَرَض، وهَلُمَّ جرًّا.

ص: 1650

الفلوس من العَرَضِ عند الفقهاء، والأوراق النقدية من العَرَضِ؛ لأن النقد عندهم هو الدرهم والدينار فقط، يعني الذهب والفضة، وعلى هذا فالأوراق النقدية عند الفقهاء عَرَض، فهل نقول: كلام المؤلف يدل على أني إذا قلت: بع هذا البيت -مثلًًا- وبعته أنت بعشرة آلاف من الأوراق لم ينعقد البيع؛ لأنه لا يبيع بعَرَض؟

نقول: هذا مقتضى كلام المؤلف؛ لأنهم صرحوا قالوا: إنه لا يبيعها بالفلوس. ولكنا نقول: أصبحت النقود الآن الورقية أصبحت عند الناس نائبة مناب الدينار والدرهم، فإذا باعها بالفلوس الأوراق صح البيع.

لو قال الموكل: والله أنا قلت لك: بعها، والدراهم والدنانير هي النقود، أما هالأوراق هذه تجبها عندي، تجيها الضو تحرقها تأكلها الأَرَضة، ما أريد هذا، لازم تجيب ذهبًا ولَّا فضة. يملك هذا أو لا يملك؟

طلبة: لا يملك.

الشيخ: لا يملك هذا؛ لأن العرف الآن مطرد أن هذه الأوراق قائمة مقام -يا إخوان-؟

طلبة: الذهب والفضة.

الشيخ: الذهب والفضة بدل الدينار والدرهم.

ولا يبيع أيضًا (نَسَاء) أيش (نَساء)؟ يعني مؤجلًا، لا يبيع مؤجلًا، لازم نقْد يدًا بيد.

الآن على كلام المؤلف إذا باع شيئًا أذنت له في بيعه، ولم ينقد الثمن فإنه يكون ضامنًا، لكن كلام المؤلف هنا ينبغي أن يُقيَّد بما إذا لم يدل العرف على التأخير، الآن عند الناس لو أبيع عليك شيئًا اليوم، يمكن أن تذهب به ولا آخذ الثمن منك إلا بعد أيش؟ إلا بعد يوم أو يومين، حسب كثرة الثمن وقلته، وحسب حال المشتري مثلًا، إلا إذا كان المشتري لا يُعرَف، فإنه إذا لم يبعه نقدًا يدًا بيد فهو ضامن؛ لأنه مُفرِّط.

إنسان مثلًا حرَّج على السيارة جاءه واحد أجنبي ما يعرفه، قال: هذه السيارة ثمنها عشرة، أنا بآخذها منك بأحد عشر ألفًا. أخذها وراح، هنا ما يمكن للوكيل أن يدَعه يذهب بدون نقد، لو فعل لكان ضامنًا؛ لأنه مفرط.

ص: 1651

إذن لا يبيع (نساء)، هل يبيع مؤجلًا؟ ترى المؤجل غير النَّساء، النَّساء هو تأخير القبض ولو كان غير مؤجل، والمؤجل تأخير الوفاء.

يعني مثلًا إذا قلت: بعتك هذا الشيء بثمن يحل بعد شهر، هذا ويش نسميه؟ مؤجلًا.

بعتك هذا الشيء ولم أقبض الثمن؟ هذا نَساء فيه تأخير. بعتك هذا الشيء بعشرة وأعطتني إياه وأخذته؟ هذا يدًا بيد.

(ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد): نقد البلد عندنا الآن الريال السعودي الورق السعودي، هذا الرجل أخذ السلعة وراح وباعها بدولار، يصح البيع أو لا؟

طالب: على كلام المؤلف لا يصح.

الشيخ: إيه، لا يصح، وهو حقيقة؛ لأنني إذا أذنت لك في البيع فإنما أذنت لك ببيع معروف، الدولار عندنا ليس نقدًا ولكنه سلعة، يزيد وينقص، فإذا باع بالدولار ما صح.

إن باع بجنيه مصري -مثلًًا- يصح؟

طالب: لا يصح.

الشيخ: طيب، إذا وكله في مصر، وباع بجنيه مصري، يصح؟

طالب: يصح.

الشيخ: يصح؛ لأنه نقد البلد.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع بغير نقد البلد ولو باع بنقد أغلى، ومعروف الآن أن الدولار الأمريكي هو الذي أخذ الامتياز؛ ولهذا يسمَّى عند الاقتصاديين العملة الصعبة، مَن يقدر عليه؟ ! فإذا كان واحد مثلًا في بلد نقودهم تالفة، تأخذ بالريال السعودي ألف واحدة، وباعها بدولار، قال: وكلتك تبيع هذه السيارة، السيارة هذه تسوى بنقد البلد مئة مليون، وبالدولار ألف دولار، وباعها بألف دولار، يصح البيع ولَّا ما يصح؟

طالب: يصح.

الشيخ: لا، كلام المؤلف ما يصح؛ لأنه غير نقد البلد، مع أن بلدًا كهذه -يعني رُخْص نقدِها- يفرحون إذا جاءهم الدولار، فهل نقول: إن كلام المؤلف مقيد بما إذا لم يكن النقد الذي باع به أغلى من النقد البلدي؟

ص: 1652

ربما يقال هذا، يعني ربما يقال: إن الرجل إذا باعه بنقد أغلى فإننا نقول: هذا صح؛ لأنه زاده خيرًا، وكما لو قلتُ: بِعها بدراهم، فبعتَها بدنانير. أليس عروةُ بنُ الجعد وكَّله الرسولُ عليه الصلاة والسلام يشتري له أضحية، أعطاه دينارًا، اشترى أضحيتين، وباع واحدة بدينار، فماذا صار؟ رجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بأيش؟ بأضحية ودينار، ما خسر شيئًا، فأقره النبيُّ عليه الصلاة والسلام على ذلك (2)؟

فهذا يدل على أنه إذا كان تصرف الوكيل فيه خير للموكل فينبغي أن ينفَّذ؛ لأن مطالبة الموكل بنقد البلد مع أن ما باع به أغلى، ما هو إلا إضرار، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (3).

طالب: إذا باع الوكيل بأقل من نقد أهل البلد، هل نقول: إن البيع لا يصح؟

الشيخ: لا يصح.

الطالب: أو نقول: يصح ويضمن النقص؟

الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه غيَّرَ الجنس أو النوع، بخلاف الزيادة والنقص ففيها خلاف كما سيأتي.

الطالب: هل يمكن الآن نُلزِمه أن يُغَيِّر هذا النقص في عقد البيع؟

الشيخ: يروح، يفسخ البيع ويقول: تعال أيها المشتري، البيع بطل، وأعطنا نقد البلد. يمكن ذاك يفرح المشتري.

طالب: شيخ بارك الله فيك (

) وكَّله ثم عزله، ولكن الوكيل باع قبل أن يعزله، يعني علمنا بالتوكيد أنه باع قبل العزل، والموكل باع بعده.

الشيخ: باع بعده؟ الحكم للأول بالاتفاق، هذا قولًا واحدًا.

طالب: شيخ بارك الله فيكم، بعض الناس يصاب بحادث يسبب له إغماء فترة غيبوبة، فهل يقال: تُعَلَّق الوكالة إلى أن يفيق؟

الشيخ: لا، هذا لا بطل به الوكالة.

الطالب: طيب صار يفيق أحيانًا ..

الشيخ: لا تبطل به الوكالة، في الوقت الذي يفيق فيه يصح التصرف.

طالب: شيخ، التوكيل والعزل هل يشترط له الشهادة؟

الشيخ: لا يشترط له الشهادة، لكن الشهادة أولى؛ لأنه يترتب عليها أشياء، ربما ينكر الوكيل أو الموكل فيترتب عليها أشياء.

ص: 1653

طالب: حفظك الله، لو كانت السلعة تباع مزايدة، فوَكَّلَ الوكيلُ رجلًا آخر يُزايِد في السلعة له لحظ الوكيل، فأين التهمة يا شيخ هنا؟

الشيخ: المذهب لا تصح؛ لكن بناء على القول الثاني الذي قلنا؛ أنه إذا باع على ابنه بما انتهى إليه السعر فلا بأس به، على هذا القول يصح، أما على المذهب ما يصح.

طالب: بارك الله فيك، إذا وكل رجلٌ آخرَ لبيع سيارة، هذه السيارة لا تساوي إلا عشرة آلاف، ولما ذهب إلى السوق باعها باثني عشر، الذي اشتراها اشتراها لرغبته في السيارة، فهل يرجع الوكيل على الموكل بالمبلغ كله أم بالعشرة آلاف اللي اتفق عليها؟

الشيخ: سمعتم؟ يقول: أعطاه السيارة وقال: بعها بعشرة آلاف. لما بلغ السوق صارت تساوي اثني عشر، باعها باثني عشر، فالألفان هل هي للوكيل ولَّا للموكل؟

طلبة: للموكِّل.

الشيخ: للموكِّل، إلا إذا قال: بعها بعشرة، وما زاد فهو لك. فيكون ما زاد له.

طالب: إذا باع لصديقه هل يدخل فيما إذا باع لنفسه؟

الشيخ: لا، الصديق تصح الشهادة له فيصح البيع له، إلا على رأيِ مَن يرى أن الصداقة القوية القوية جدًّا جدًّا كمثل صداقة كُثَيِّر عَزَّة لِعَزَّة، فهذه يمكن ما يصح البيع.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى:

وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدَّره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدَّره له: صح وضمِنَ النقصَ والزيادةَ. وإن باع بأزيدَ، أو قال: بع بكذا مؤجلًا؛ فباع به حالًّا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا؛ فاشترى به مؤجلًا، ولا ضرر فيهما: صح، وإلا فلا.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الوكيل مُقيَّد بما دل عليه لفظ الموكِّل نطقًا أو عرفًا، هذه القاعدة: الوكيل مقيد بما أيش؟

طالب: دل عليه ..

ص: 1654

الشيخ: بما دل عليه لفظُ الموكِّلِ نطقًا أو عرفًا، هذا هو الأصل، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (4)، هذا هو الأصل.

وإذا تصرف الوكيل على وجه لم يأذن به الموكل فقد تصرف في مال غيره بغير طيب نفس منه، انتبهوا لهذه القاعدة؛ لأن جميع ما يأتينا من التصرفات التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله غالبها يذكرون التعليل دون الدليل الأثري.

لكن الدليل الأثري الذي يُعتمد عليه في هذه الأمور هو هذا الحديث: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» ، وكذلك الآية:{لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، فعلى هذا تكون العمدة في تصرفات الوكيل، وقد ذكرنا فيما سبق أنه لو وُكِّل في بيع فهل يبيع على ولده؟

طالب: لا يبيع على ولده.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأنه متهم.

الشيخ: متهم؟

الطالب: بمحاباته.

الشيخ: بمحاباته؛ لأنه ربما تساوي عشرة ويبيعها على ولده بتسعة، هل يُستثنَى من ذلك شيء؟

طالب: إذا حدَّد له الثمن.

الشيخ: إذا حدد له الثمن.

الطالب: أو بالمزايدة.

الشيخ: أو وقف السعر على الولد في المزايدة، فهنا لا بأس؛ لأنه لا تهمة حينئذ.

ذكرنا أن الموكل إذا حدد للوكيل ثمنًا، والوكيل يعلم أن هذا الثمن أنقصُ من ثمنها في السوق، فهل يجوز أن يبيع بما حدد أو لا؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز، لماذا؟

الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (1).

الشيخ: طيب؛ لأن هذا خلاف النصيحة، كذا؟ النصيحة الواجب أن يبين له:«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (5). والسلعة قد يكون قيمتها بالأمس أرخص من قيمتها اليوم.

هل يجوز إذا وُكِّل في بيع شيء أنه يبيعه على صديقه الحميم؟

طالب: لا يجوز.

ص: 1655

الشيخ: لا يجوز؟ صديق؟

الطالب: إذا كانت المودة قوية جدًّا بينهما؛ لأنه قد يدخلها المحاباة.

الشيخ: يقول المجيب: إنه لا يجوز أن يبيعها على صديقه إذا كانت الصداقة قوية؛ لأن العلة في المنع على بيع الولد موجودة في هذا، بل قد تكون أشد، بعض الناس يُحابِي صديقه أكثر مما يُحابِي قريبه.

هل يجوز أن يبيع على أخيه؟

طالب: يجوز.

الشيخ: يجوز؟

الطالب: نعم.

الشيخ: أن يبيع على أخيه، نعم صح؛ لأنه ليس أصله ولا فرعه، الممنوع أن يبيع على أصله أو فرعه، أي: على آبائه وأجداده وإن علَوْا، أو على أبنائه وبناته وإن نزلوا.

لو كان الأخ شريكًا له، أيجوز أن يبيع عليه؟

طالب: لو شريك له؟

الشيخ: نعم.

الطالب: (

).

الشيخ: شريك، هما شركاء، شركاء في المال، في البيع والشراء، ووُكِّل هذا الرجل أن يبيع هذه السلعة، وباعها على أخيه.

الطالب: (

).

طالب آخر: فيه تفصيل يا شيخ، إن كان أخوه سيشتري السيارة خاصة له فلا شيء فيه، أما إذا كانت السلعة لحساب الشركة فيُمنع؛ لأنه بائع لنفسه.

الشيخ: أسمعتم منه التفصيل؟ يقول: إذا كان الأخ اشتراه لشيء خاص به، كما لو كان مثلًا بِشْتَل -يعني مِشْلَحًا- أو كان عِقالًا أو غُترة يريد أن يلبسها فهذا لا بأس به، أما إذا كان يشتري لمال الشركة فهذا لا يجوز؛ لأنه بالحقيقة باع على نفسه.

إذا قال: بِعْ هذه السيارة. فباعها بسيارة أخرى أحسن منها.

طالب: لا يصح بيعُه.

الشيخ: لا يصح البيع؟ أحسن منها؟

الطالب: لأنه ليس له أن يبيعها بعَرَضٍ، لا بد أن يبيع بنقد.

الشيخ: نعم، لا يصح لأنه ليس له أن يبيعها إلا بنقد البلد.

لو علم الوكيلُ أن الموكِّل يريد أن يشتري هذه السيارة؟

الطالب: ينبني على خلاف (

) والصحيح أنه ..

الشيخ: نقول: الأصل أنه لا يجوز؛ لأنه ربما يكون قد عدل عن هذه النظرة.

نبدأ درس اليوم:

ص: 1656

قال: (وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له: صح وضمن النقص والزيادة).

هذا تصرُّفٌ مخالف، لكنه ليس مخالفًا في أصل العقد، بل في وصف العقد؛ ولهذا يصح ويضمن.

المثال الأول: إذا (باع بدونِ ثمن المثل): قال له: بع سيارتي، وكانت هذه السيارة يباع مثلها بأربعين ألفًا، فباعها بخمسة وثلاثين ألفًا، الوكيل باعها بخمسة وثلاثين ألفًا، فهل البيع صحيح أو لا؟

المؤلف يقول: إن البيع صحيح، لماذا؟ لأن الوكالة لم تتعدَّ البيع، يعني ما ذهب -مثلًا- ليهبها لأحد أو يعطيه إياها مضاربة أو يُوقِفُها، لا، باعها لكن خالف في أيش؟ في الوصف؛ لأنني حين أقول: بع السيارة، إنما أريد أن تبيعها بثمن المثل، فعلى هذا يصح البيع ويضمن الوكيل النقص، هو كم باعها به؟ قلنا: بخمسة وثلاثين، وقيمتها في السوق أربعون ألف.

إذن المشتري تبقى السيارة معه؛ لأن البيع صحيح، وعلى الوكيل أن يضمن لصاحب السيارة خمسة آلاف ريال، الذي هو النقص، فإن عفا عنه فالحق له، ما فيه مانع، هذا إذا باع بدون ثمن المثل.

(أو دونِ ما قدَّره له) بأن قال: بع هذه السيارة بأربعين، ومثلها في السوق بخمسة وثلاثين، فباعها بخمسة وثلاثين كما هو سعرها في السوق، يقول المؤلف: إن البيع أيش؟ صحيح، وعليه ضمان النقص، ما الذي نقص؟ خمسة آلاف؛ لأن صاحب السيارة حدَّد الثمن قال: بأربعين، وهذا باع بخمسة وثلاثين، فإذا قال الوكيل: أنا بعت بثمن المثل ولا تساوي أكثر من هذا. قلنا: لكن الموكِّل حدد لك، واضح؟

إذا قال قائل: لماذا لا يبطل العقد من أصله؟

قلنا: لأن هذا الرجل لم يخالف أيش؟ في أصل العقد؛ لأن الرجل الذي وكله أراد أن يبيعها فباعها، ولا ضرر عليه إلا في النقص وسوف يُضمن.

(أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدَّره له: صح).

ص: 1657

قال له: اشتر لي -مثلًا- ساعة، الساعة عيَّنَها طبعًا، الموكِّل عيَّن نوع الساعة، وهي تباع بأربعين، لكن صاحب الساعات صاحب للوكيل، الذي يبيع الساعات صاحب للوكيل، فاشتراها بخمسة وأربعين، كم ثمن المثل؟

طلبة: أربعون.

الشيخ: هو اشتراها بخمسة وأربعين، نقول: الشراء صحيح؛ لأنه حصل مقصود الموكل، والنقص الذي يكون على الموكِّل هو خمسة ريالات التي هي الزيادة عن ثمن المثل نُضَمِّنها مَن؟ نُضَمِّنها الوكيل. واضح؟

كذلك لو قال: اشتر لي ساعة بأربعين درهمًا أي ريالًا، فذهب واشترى له بخمسة وأربعين، فالشراء صحيح، وعلى الوكيل النقص.

لو قال الوكيل: هو قدَّر لي أربعين، لكن السعر زاد، واشتريتها بما تساوي، اسألوا كل الذين يبيعون الساعات؛ أن قيمتها خمسة وأربعون. ماذا نقول؟

نقول: لكن الرجل حدَّد لك، لماذا لم ترجع إليه وتقول: إن القيمة زادت، ثم تنظر، هل يستمر في التوكيل أو لا؟

وقول المؤلف: (ضمِن النقصَ) في أي مسألة؟ فيما إذا باع بدونِ ثمن المثل، أو دون ما قدَّره له: ضمن النقصَ.

(والزيادة): فيما إذا اشترى بأكثرَ من ثمن المثل، أو مما قدَّره له، وهذا يُسمَّى عند البلاغيين: اللَّفُّ والنَّشْرُ الْمُرَتَّب، لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب، أحيانًا يكون اللفُّ والنَّشْر غيرَ مرتب، فيبدأ بالثاني ثم الأول.

مثاله: قال الله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106]، هذا لفٌّ ونَشْرٌ أيش؟

طلبة: غير مرتب.

الشيخ: غير مرتب. وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا} [هود: 105، 106]، ثم قال:{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} [هود: 108]، هذا أيش؟

طلبة: لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب.

الشيخ: لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب.

ص: 1658

فإذا قال قائل: ما هو الأصل: أن يكون اللف والنشر مرتبًا أو أن يكون غير مرتب؟ قلنا: الأصل أن يكون مرتبًا، لكنه يأتي أحيانًا غير مرتب لنكتة بلاغية تظهر عند التأمل. المؤلف الآن ماشٍ على أي النوعين؟

طلبة: على الأصل.

الشيخ: على اللفِّ والنشرِ المرتب.

(وإن باع بأزيد)(باع بأزيد): أزيد من ثمن المثل، يصح ولَّا لا يصح؟ يصح، إذا باع بأزيد صح، كما لو عيَّن واحدًا واشترى اثنين، والثاني قد جاءت به السنة، إذا عيَّن واحدًا واشترى اثنين جاءت به السنة، قُلْها لنا؟

طالب: عُروة عندما أمره الرسول عليه الصلاة والسلام لشراء الشاة، فذهب ..

الشيخ: الجعد بن عروة.

الطالب: عاد إلى النبي بشاة ودرهم.

الشيخ: أوصاه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يشتري أضحية بدينار، فاشترى شاتين، ثم باع واحدة بدينار، وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم (2).

وقد يقال: إن هذا يمكن به المنازعة؛ لأن هذا أقره الرسول عليه الصلاة والسلام. فنقول: إقرار الرسول له وعدم قوله: لا تَعُد، يدل على أن مثل ذلك جائز.

إذا باع بأزْيَدَ، قال: يا فلان، خذ بِعْ هذه الساعة بأربعين درهمًا، فذهب وباعها بخمسة وأربعين، وجاء له: اتفضل خمسة وأربعين. يصح ولَّا ما يصح؟

طلبة: يصح.

الشيخ: وإن عيَّن؟

طالب: (

).

الشيخ: إن أَبَى يقول الوكيل: هات الخمسة، سهلة المسألة، حل المشكلة واضح، إذا قال: لا، ما أسمح. يقول الوكيل بكل بساطة أيش؟ أعطني الخمسة، وقدِّرْ أني بعتها بأربعين.

لكن لو عيَّن مَن يبيعها عليه، قال: بِعْها على فلان بأربعين. ثم باعها عليه بخمسة وأربعين، فهنا لا يصح، لماذا؟ لأن تعيين الموكِّل للشخص يدل على أنه أراد بذلك محاباة الشخص، وهذا لما باعها بأزيد فوَّت على الموكِّل غرضَه، وحينئذ نقول: لا، ما يصح، ارجع إليه ورُدَّ عليه الخمسة، أو نقول بأسوأ الأمرين: إن البيع غير صحيح.

ص: 1659

(وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا؛ فباع به حالًّا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا؛ فاشترى به مؤجلًا، ولا ضرر فيهما: صح، وإلا فلا). هذه مسألتان:

المسألة الأولى: (بع بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا):

قال: يا فلان، خذ هذه الساعة بِعْها بأربعين درهمًا، لكن مؤجَّلة إلى سنة. فذهب الرجلُ -الوكيلُ- وباعها بأربعين نقدًا وجاء بالأربعين، فقال له الموكل: أنا قلت لك: بعها بأربعين مؤجلة إلى سنة. قال: هذا أحسن لك، أنا أتيت لك بالأربعين، وبدلًا من أن تنتظر الوفاء لمدة سنة، الآن حصل الوفاء. هل يصح ولَّا لا؟ يقول المؤلف: يصح بشرط ألَّا يكون هناك ضرر.

وعُلِم من كلامه: أنه إذا كان هناك ضرر فالبيع غير صحيح، لكن صورة الضرر؟ صورة الضرر أن يكون هذا الموكِّل يريد أن يسافر، وليس راجعًا إلى البلد إلا بعد سنة، ويعلم أنه لو أخذ الدراهم الآن ضاعت منه، فله غرَضٌ في التأجيل، الغرض هو ألَّا يضيع ماله. فنقول: في هذه الحال لا يصح البيع؛ لأن الموكل له أيش؟

طالب: غرضٌ.

الشيخ: غرضٌ في التأجيل، وأنت فوَّتَّ عليه غرضَه. هذه صورة.

صورة ثانية فيها ضرر: يمكن أن هذا الموكل الْجَوُّ الذي هو فيه أو البلد فيه ولاة ظلمة يَسْطُون على الناس، ومَن وجدوا عنده مالًا ضربوا عليه ضرائب، أو أخذوا ماله، وهو يقول: لو أخذت الثمن حالًّا، وضعته عندي فجاءت أعينُ الظلمة وقالوا: هذا الرجل عنده مال، تسلطوا عليه. هذا غرض صحيح ولَّا غير صحيح؟

طلبة: صحيح.

الشيخ: هذا غرض صحيح، تصورتم هذه ولَّا لا؟

قال: أنا قلت لك: مُؤَجَّل؛ لأن الآن الولاة الظلمة قد نشروا أعينهم في البلد، ومَن رأوا عنده مالًا أخذوه أو جعلوا عليه ضريبة، وأنا ما أريد ذلك. نقول: هذا فيه ضرر، بَيْعُه نقدًا فيه ضرر على مَن؟

طلبة: على الموكِّل.

ص: 1660

الشيخ: على الموكِّل. هذا قولُه: (بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا). صار إذا قال: بِعْه بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا: فالبيع صحيح، ويُلزَم الموكِّلُ بقبض الثمن، إلا إذا كان في ذلك ضرر فالبيع غير صحيح، ولا يُلزَم الموكِّلُ بقبض الثمن، وضربنا للضرر كم صورة؟

طلبة: صورتين.

الشيخ: صورتين.

كذلك إذا قال: (اشتَرِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا):

قال: يا فلان، هذه أربعون درهمًا. أنتم تعرفون الدرهم ولَّا ما تعرفون؟ ما هو الدرهم؟

طالب: النقد.

الشيخ: النقد من الفضة، إذن خلِّيها درهمًا. قال: اشتر لي ساعة بأربعين درهمًا، خذ أربعين درهمًا اشتر بها ساعة. وعيَّن الساعة والمسألة واضحة وبيَّنَ للوكيل، فذهب الوكيل واشترى ساعة مؤجَّلة إلى سنة بأربعين درهمًا. يعني صاحب الساعات قال: أنا أؤجل لك الثمن إلى سنة ولا أزيدك، أربعون درهمًا يكفي. فجاء به ردَّ الأربعين درهمًا إلى الموكِّل، وقال: الحمد الله الآن جاك ساعة بأربعين درهمًا مؤجَّلة، انتفع بدراهمك الآن، وإذا جاءت السنة فأوفِ. يصح ولَّا ما يصح؟

طلبة: يصح.

الشيخ: يصح بشرط ألا يكون هناك ضرر، أيش الضرر؟ أيهما أحسن للناس: التعجيل أم التأجيل؟ أيش؟

طلبة: التعجيل.

الشيخ: التعجيل لكل من له حق، حتى إنه لو كان لك حق على شخص مؤجَّل، وقلت: يا فلان، أنت عنديك العشرة آلاف إلى سنة، يكفيني منك ثمانية آلاف نقدًا. وأعطاه ثمانية آلاف، يجوز؟ يجوز، مع أنه أخذ بدل العشرة المؤجَّلة ثمانية مُعجَّلة. فكل مَن لديه حق يرغب التعجيل. أما مَن عليه الحق فيرغب في التأجيل، كالمشتري في سداده لثمن السلعة.

فهذا رأى الوكيل قال: الحمد لله، الآن أنا زدتك خيرًا، اشتريت لك بالثمن الذي عيَّنْتَ مع التأجيل.

ص: 1661

نقول: هذا صحيح، لكن إذا كان في ذلك ضرر على الموكل -وليس الضرر الزيادة؛ لأن الزيادة تقدم الكلام عليها- الضرر أن هذا الموكل قال: إذا جاءت الفلوس عندي فأنا رجل يدي خرقاء ما تمسك الدراهم، إذا أعطيتني أربعين ريالًا -اللي أعطاك إياك- عشرين ساعة، يمكن أعزم (

) اليوم وأجعل لهم وليمة بأربعين ريالًا تروح عليَّ، هذا ضرر عليَّ. واضح هذا ولَّا لا؟ هل يصح ولَّا ما يصح؟ لا يصح لأن هذا غرض صحيح، وكثير من الناس إذا كانت الدراهم عنده راحت تطير.

الخلاصة: إذا باع بأقل من ثمن المثل أو مما قُدِّر له فالبيع صحيح، وعليه ضمان النقص.

إذا اشترى بأكثر مما قُدِّر له أو بأكثر من ثمن المثل فالشراء صحيح، وعليه ضمان الزيادة.

إذا كانت المخالفة في الكيفية لا في الكمية -لأن ما ذكرنا الآن مخالفة في أيش؟ في الكمية- إذا كان في الكيفية قال: بع بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا. أو: اشتر بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا. هل يصح أو لا؟ نقول: يصح؛ لأن هنا ما في زيادة ولا نقص، إلا إذا كان في ذلك ضرر على الموكل فإنه لا يصح.

مَن يُقَدِّر الضرر؟ يُقَدِّر الضررَ أيُّ واحد يُقَدِّره أهل الخبرة، إذا قالوا: إن هذا الغرض الذي ذكره الموكل صحيح، وأن في التعجيل ضررًا أو في التأخير ضررًا عُمِل به.

***

ثم قال المؤلف:

(فصْل: وإن اشترى ما يعلم عيبَه لزمه إن لم يرضَ موكلُه):

(إن اشترى) الفاعل. الفاعل مَن؟ الوكيل، (اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرضَ موكلُه):

وذلك أن الموكل إنما وكله في شراء شيء سليم، لا في شراء شيء معيب، وكل يعرف أنه لا أحد يقول: اشتر لي شيئًا معيبًا. المهم وكله في شراء سيارة، واشترى سيارة معيبة بثمن المثل ما فيه زيادة ولا نقص.

فنقول: يلزمك أنت أيها الوكيل، وتضمن للموكل الدراهم الذي أعطاك. فإن رضي الموكِّل وقال: والله هذا رجل محسن إليَّ وتعب في تحصيل السيارة، وأنا راضٍ وإن كان فيها عيب. أيش يكون؟

طالب: يصح.

ص: 1662

الشيخ: يصح، وهل يلزم الوكيلَ شيءٌ؟ لا يلزمه؛ لأنه الحق له وقد رضي به.

لكن يبقى النظر إذا قلنا: إنه يلزم الوكيل هذا المبيع المعيب، وأن الموكل ليس له إلا مبيع سالم، هل يملك الوكيل أن يرد السلعة على من اشتراها منه؟

الجواب: لا، لا يملك؛ لأن المؤلف يقول:(إن اشترى ما يعلم عيبه): فالوكيل الآن عالِمٌ بالعيب داخِلٌ على بصيرة، ما له حق الرد، إلا أنه يُستثنَى من ذلك -أعني في حق الرد- إذا قال الوكيل: أنا مشتريها لفلان بالوكالة، وأنا راض بالعيب، لكن إن لم يرض موكلي فهو على خياره. فماذا نقول؟ هل له الرد؟ له الرد؛ وذلك لأن البائع دخل على بصيرة وقَبِل هذا الشرط.

قال: (فإن جهل رده)(إن جهل): الفاعل يعود على الوكيل، (إن جهل) يعني: إن جهل العيب ولم يدْرِ بالعيب (رده).

انتبه لكلمة (رده)، لم يقل هنا: إنه يُخيَّر بين الرد وبين الأرش، والذي فهم منكم من قرأ في باب الخيار أنه يُخيَّر إذا وجد العيب، يُخيَّر بين إمضاء البيع مجانًا، أو إمضائِه بالأرش، أو ردِّه. أليس كذلك؟

هنا يقول المؤلف: (رده) فقط (إن جهل رده)، ولا يملك أخذ الأرش، لماذا؟ لأن أخْذ الأرش معاوَضة جديدة؛ إذ إن الأرش عِوَضٌ عن الجزء الفائت بالعيب. واضح؟

إذن إذا اشترى وكيله معيبًا وهو لا يعلم بعيبه ثم وجد العيب، نقول الآن: لك الخيار بين أيش؟ بين الردِّ والإمضاءِ، لكن الإمضاء لا بد أن يرضى الموكِّل، لماذا لا نقول: لك الخيار بين الرد والإمضاء مع الأرش؟ لماذا لا نقول هذا؟ لأن الأرش معاوضة عن جزء فائت بالعيب، ولا يملك أن يعاوِض هو؛ لأنه ليس أصيلًا، بل هو وكيل فرْع، إلا إذا قال الموكل: لا بأس أن تأخذ الأرش. مفهوم هذا يا جماعة؟

ولعلنا نمثل بالأرش والرد: هذا إنسان اشترى سيارة على أنها سليمة، اشتراها بأربعين ألفًا على أنها سليمة؛ ولما ذهب بها وجد أن بها عيبًا ينقص من قيمتها عشرة آلاف، كم تكون قيمتها في الواقع؟

طالب: ثلاثين ألفًا.

ص: 1663

الشيخ: تكون ثلاثين ألفًا، نقول: أنت الآن بالخيار، إما أن ترد السيارة على البائع وتأخذ الأربعين، وإما أن تبقيها وتأخذ كم؟

طالب: عشرة.

الشيخ: عشرة عن العيب، هذا إذا كان الإنسان هو الذي اشترى بنفسه، أما الوكيل فقد عرفتم أنه لا يملك الأرش.

ومن ثم تبين لنا أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن لا أرش وأنه يقال لمن اشترى المبيع المعيب: إما أن ترد، وإما أن تأخذه معيبًا، ولا أرش إلا برضا البائع. انتوا فاهمين؟ ما فهمتم.

الآن رجل اشترى سيارة بأربعين ألفًا على أنها سليمة، وجد بها عيبًا ينقصها عشرة آلاف، نقول للذي اشترى السيارة: إن شئت رُدَّ السيارة وخذ دراهمك، وإن شئت خذها بلا أرش، يعني خذها بأربعين ولو كانت معيبة، الحق لك.

المذهب نقول شيئًا ثالثًا وهو: وإن شئت أبقيتها وأخذت الفرق، وهذا الفرق يسمى عند العلماء أرشًا. واضح؟

شيخ الإسلام يقول: لا، الخيار الثالث هذا ليس لك؛ لأن الخيار الثالث في الحقيقة معاوضة، إذ إنك أنت الآن أخذت عوضًا عن الجزء الفائت، والبائع يقول: ما لك إلا هالسلعة، ما يمكن أنك تلزمني أن أخصم من ثمنها عشرة.

فشيخ الإسلام رحمه الله يرى أن الأرش لا يثبت للمشتري إلا إذا وافق على ذلك البائع، والبائع يقول للمشتري: إما خذ السلعة بعيبها وإلا ردها وخذ دراهمك، أما أن تلزمني بأن تخصم من الثمن، هذا لا يلزمني.

على كل حال -الآن فهمنا- إذا اشترى الوكيل ما يعلم عيبه، فإن رضي الموكل أيش؟

طالب: فلا شيء عليه.

الشيخ: فلا شيء عليه، وإن لم يرضَ لزم الوكيل، إذا اشترى ما لا يعلم عيبه فإن رضي الموكل بعد العلم صح ولا شيء عليه، وإن لم يرضَ أو علم الوكيل بالعيب قبل أن يُبَلِّغ الموكل فله الخيار بين الرد وبين الإمساك، ويضمن ولا أرش؛ لأن الأرش عبارة عن معاوضة عما فات بالعيب، والوكيل لا يملك ذلك.

ص: 1664

طالب: شيخ بارك الله فيك، قلنا: إنه يضمن النقص إذا تصرف بغير إذن الموكل، فهل إذا تصرف فربح يعني كما لو كان باع بأكثر من ثمن المثل أو أكثر مما حُدد له، فلما لا ينتفع هو بالزيادة؟

الشيخ: لأن السلعة ما هي ملكه، السلعة ليست ملكًا له.

الطالب: هو اجتهد فباع بأكثر من ..

الشيخ: ما يخالف، مَن هو له السلعة؟

الطالب: لصاحبها.

الشيخ: إذن هل بينه وبينك عقد مرابحة مضاربة؟ !

طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا كان الإذن بالوكالة عامًّا كمن يكون مثلًا أميرًا أو ذا تجارة في بلد أخرى، فيوكل موكله في جميع التصرفات، فهل له أن يأخذ بالأرش؟ نحن قلنا أن ..

الشيخ: هذا سيأتينا إن شاء الله.

طالب: شيخ، (إن اشترى ما يعلم عيبه لزمه) (

) من هذه الصورة إلى أن من اشترى بعين دراهم الموكل ما يصح البيع مطلقًا؟

الشيخ: على المذهب ما يصح البيع بشرط أن يقع العقد على عين النقود، وهذا شيء قليل الوقوع.

الطالب: (

) النقد (

).

الشيخ: لا ما يصير (

)، إذا قال: اشتريته منك بعشرة. قال: طيب (

) على العشر ما يصير هذا تعيينًا، التعيين أن يقول: اشتريتها منك بهذه العشرة التي بيدك، هذه ما تقع، ولا الناس يلقون لها بالًا.

طالب: قول المؤلف: (ولا ضرر) يشير إلى شراء (

).

الشيخ: يشير إلى المسألتين الأخيرتين: إذا قال: بع بكذا مؤجلًا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا.

الطالب: (

).

الشيخ: أما المسألة الأولى إذا باع بأزيد لا ما يتضمن هذا.

الطالب: ما يتصور فيها (

الشيخ: لا.

الطالب: يأخذ الزيادة فقط (

الشيخ: إي، يأخذ الزيادة نعم.

الطالب: ولا يتصور فيها نقص.

الشيخ: أبدًا ما يتصور فيها نقص، وكما قلت لكم، إذا قال: أنا بعتك بعشرة (

) بخمسة عشر، ويش يقول له؟

طالب: إن عيَّن شخصًا؟

الشيخ: لا، إذا عيَّن استثنينا هذا؛ لأنه إذا عيَّن الشخص قال: بعها لفلان بعشرة. فله غرض في تنزيل الثمن.

ص: 1665

طالب: إذا وُكِّل الوكيلُ بشراء سيارة، ثم وجد فيها عيبًا فأراد أن يردها على البائع، فوجد البائع قد سافر ليس من أهل البلد، فهل يضمن في هذه الحالة؟

الشيخ: يضمن إي نعم.

الطالب: وإذا لم يعرف بالعيب؟ الوكيل لم يعرف العيب، فلما شراها وجد فيها عيبًا.

الشيخ: إذا اشتراها في هذه الحال ربما يقال: يُنظر في أمرهما، فلا يُضَمَّن الوكيل لأنه في الحقيقة ما فرط ولا تعدى، ما دام لم يعلم فهنا ينبغي أن يقال: لا ضمان عليه؛ لأنه لم يفرط ولم يتعدَّ.

طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إن الوكيل له بيع ما وُكِّل في بيعه على أخيه، كيف لأنه ليس أصلًا له ولا فرعًا؟ هذا مع قاعدة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ لأن التهمة موجودة يا شيخ.

الشيخ: ما هي العلة؟

الطالب: التهمة.

الشيخ: إذا قلنا لكم: إذا كانت التهمة حتى في الصديق، إذا وُجِدت التهمة حتى في الصديق، لكن ألم تعلم أن بعض الأخوة -يعني- يُشَدد في محاسبة أخيه؟

الطالب: الغالب يا شيخ أنه (

).

الشيخ: على كل حال إذا وُجِدت العلة ثبت الحكم، متى وُجِدت التهمة فإنه لا يصح.

طالب: شيخ أحسن الله إليك، أحيانًا يوكل الإنسان (

)، فهل يجوز له أن يتصرف في الدراهم التي أخذها على أن عنده في البيت دراهم مثلها بالضبط ومتيقن (

الشيخ: العلماء يقولون: لا يجوز، من وُكِّل في شيء ما يمكن أن يتصرف فيه إطلاقًا، ولا يجوز أن يستقرض الدراهم التي وُكِّل أن يشتري بها حاجة، لكن جرت العادة والعرف أنه لا بأس به لا سيما إذا كان الإنسان غنيًّا والدراهم موجودة في البيت، أما أن يستقرضها ويقول: أبغي أشتري سلعة بثمن غير منقود، فهذا ما يجوز إذا صار ما عنده شيء.

طالب: أحسن الله إليكم، الصحيح في مسألة الأرش؛ إلزام البائع بالأرش، الصحيح ما هو؟

ص: 1666

الشيخ: إي نعم، والله اللي يظهر لي أن كلام الشيخ رحمه الله أقرب للصواب، وأن البائع إذا لم يرضَ فإنه لا يُجبَر، إلا إذا علمنا أنه مُغَرِّر، بمعنى أنه عالم بالعيب ولكن كتمه، فهنا يُلزم بالأرش؛ لأنه مُتَعَدٍّ.

طالب: إن قال: بعتك (

)، وكان الوكيل محتاجًا للمال، وقال: اشتَرِ كذا حالًّا. واشتراه مؤجلًا وأخذ النقود له؟

الشيخ: ما يجوز إلا باستئذان، خذوا القاعدة: الأصل في أموال الغير أنها محترمة، لا يجوز أن يتصرف فيها الإنسان إطلاقًا، فإذا وُجِد مخالفة فعليه الضمان، إلا على رأي مَن يرى بجواز التصرف الفضولي إذا أذن فيه مَن له الحق.

طالب: إذا وقع منه ذلك؟

الشيخ: إذا وقع منه ذلك فأنا أرى أن التصرف الفضولي جائز؛ لأن الرسول أجازه أجاز تصرف عروة بن الجعد، أجاز ذلك وأشياء كثيرة تدل على جواز التصرف الفضولي.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة:

ووكيلُ البيع يسلمه ولا يقبض الثمن بغير قرينة، ويسلم وكيلُ المشتري الثمن، ولو أخَّره بلا عذر وتلف ضمنه.

وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحًا، أو وكله في كل قليل وكثير أو شراء ما شاء أو عينًا بما شاء ولم يُعيِّن لم يصح.

والوكيل في الخصومة لا يقبض، والعكس بالعكس، واقبِضْ حقي من زيد لا يقبض من ورثته إلا أن يقول الذي قِبَلَه، ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يشهد.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، وقبل أن نشرح الدرس الجديد نسأل عما مضى:

هل يجوز للإنسان إذا وُكِّل في بيع أن يبيع بأكثر من ثمن المثل ويأخذ الزيادة؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: ليش؟

الطالب: لا يجوز له أن يأخذ الزيادة، إنما يرجع بالزيادة على موكِّله.

الشيخ: يعني إن باعه بأزيد؟

الطالب: إن باعه بأزيد من ثمن المثل صح البيع ورجع بالزيادة على موكله.

الشيخ: وصارت الزيادة لصاحب السلعة.

الطالب: نعم.

الشيخ: ولا يمكن يأخذها هو.

الطالب: نعم.

ص: 1667

الشيخ: لو قال: بعها بعشرة وما زاد فلك. فباعها باثني عشر؟

طالب: ساعتها هو يأخذ الزيادة.

طالب آخر: يأخذ الزيادة يا شيخ؛ لأنه فوضه.

الشيخ: له ذلك؟

الطالب: إي نعم.

الشيخ: نعم، هو له ذلك، لكن لو كان يعلم أن السلعة قد زادت؟ لو كان الوكيل يعلم أن السلعة قد زادت، وصاحب السلعة قال له: بعها بعشرة وما زاد فلك، ظانًّا أنها أكثر ما تساوي عشرة.

طالب: لا يجوز.

الشيخ: فهل يجب عليه أن يخبره بأن السلعة قد زادت؟

طالب: نعم يجب عليه.

الشيخ: ما الدليل؟

الطالب: لكي لا يكون غاشًّا له.

الشيخ: لكن ويش الدليل، إذا قلنا: لأن، ولم نقل: لأن الله يقول، أو: لأن الرسول يقول؛ فهذا تعليل، أما إذا كنت تجيب دليلًا تقول: الدليل قولُه تعالى أو قولُ الرسول: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ .. » .

الطالب: «حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (5).

الشيخ: إي نعم. يقول المؤلف رحمه الله: إذا (قال: بِع بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا) صح إن لم يكن في ذلك ضرر، كيف الضرر؟

طالب: الضرر يتحقق في صورتين: الأولى: (

) كأن يكون مسافرًا، ويحب ألا يأخذ معه هذه الأموال، فلو أخذها (

).

الحالة الثانية: إذا خشي أن يكون إن كان في بلد (

)، وإذا علموا أن عنده مالًا يبعثون الجنود يأخذون منه هذا المال. وفي كلتا الحالتين لا يحل له أن يقبض إلا بعد أن يرجع على الموكل.

الشيخ: أحسنت، سمعتم يقول: إذا (قال: بِع بكذا مؤجلًا): بع هذه السلعة بمئة ريال إلى سنة. فباعها نقدًا بمئة ريال.

نقول: البيع صحيح لأنه زاده خيرًا؛ إذ إن الثمن المنقود أحب إلى الناس من الثمن الموعود، إلا إذا كان على الموكل ضرر، والضرر لا ينحصر في صورتين، لكن ذكرنا صورتين:

الصورة الأولى: إذا كان الموكل يريد أن يسافر ويخشى إذا حمل معه الثمن أن يضيع، أو يُسرق، أو ما أشبه ذلك، فهنا نقول: هذا عليه ضرر، فالبيع لا يصح، له أن يقول: ارجع بالدراهم إلى صاحبها.

ص: 1668

والثانية: إذا كان في البلد والٍ ظالم، وإذا علم أن فلانًا دخل عليه هذا الثمن صار يجعل عليه الضرائب، وربما يجبره على تسليمه وما أشبه ذلك.

إذا اشترى الوكيل شيئًا معيبًا وهو لا يدري؟

طالب: إذا شرى معيبًا؟

الشيخ: وهو لا يدري أن به عيبًا، فهل له أن يرده أو لا؟

الطالب: مُخيَّر؛ إن شاء أخذه، وإن شاء رده.

الشيخ: مُخيَّر؟ ! كيف مخير وهو وكيل؟

الطالب: إذا رضي الموكل.

الشيخ: لا، الموكل ما هو عنده.

الطالب: إذن لا يحق له.

الشيخ: ويش ما يحق؟

الطالب: لأن الموكل وكَّله أن يشتري له صالحًا غير معيب.

الشيخ: إذن يجب أن يرده، من أين تأخذه من كلام المؤلف؟

الطالب: أن لا يكون معيبًا.

الشيخ: من أين تأخذه من كلام المؤلف؟

طالب: من قول المؤلف: (وإن اشترى ما يعلم عيبه .. ).

الشيخ: اصبر، نحن نقول: ما يدري عن العيب.

الطالب: منطوق كلام المؤلف: إذا كان يعلم بالعيب، فله مفهوم، مفهومه: إذا كان (

).

الشيخ: لا.

طالب: (فإن جهل رده).

الشيخ: نعم، من قوله:(فإن جهل رده)، ما قال: له الخيار، (إن جهل رده)؛ لأنه ما يملك الخيار.

إذا اشترى ما يعلم عيبه؟

طالب: يلزمه البيع، إن رضي به الموكل فهو له، وإن لم يرض فهو لوكيله.

الشيخ: يعني؟ يلزم مَن؟

الطالب: يلزم الوكيل البيع.

الشيخ: يلزم الوكيل معيبًا؛ لأنه دخل على بصيرة، ثم إن رضيه الموكل؟

الطالب: فهو له.

الشيخ: فهو له، وإن لم يرضَه؟

الطالب: يكون للوكيل.

الشيخ: فهو على الوكيل، تمام.

ثم قال المؤلف في درس الليلة: (ووكيلُ البيعِ يُسَلِّمه) أي: يُسَلِّم المبيعَ، (وكيل البيع) يعني: الذي وُكِّل في بيع يُسَلِّم المبيع؛ لأن هذا من مقتضى العقد.

ص: 1669

مثاله: أعطيت رجلًا يبيع لك ساعة فباعها؛ يسلمها إلى المشتري مع أنك أنت لم تقل: بعها وسَلِّمْها. مع أن الموكِّل لم يقل: بعها وسلِّمها. إنما أمرك بالبيع، فنقول: التسليم من مقتضى العقد؛ لأنه إذا تم البيع مَلَكَ المشتري السلعةَ، ووجب أن تُسَلِّمها له.

وهل يقبض الثمن؟ لا، لا يقبض الثمن؛ لأنه إنما وُكِّل في البيع، فيبيع ويقول: خلاص، يا موكلي بعت على فلان، روح خذ الثمن منه. لا يقبض الثمن، وجه ذلك أمران:

الأمر الأول: أنه وُكِّل في البيع دون قبْضِ الثمن، وقَبْضُ الثمن ليس من مقتضى البيع.

الثاني: أنه قد يرضى مَن يبيع له، ولا يرضى أن يقبض الثمن؛ لأنه غير أمين عليه عند الموكل، فلهذا قالوا: إنه يملك تسليم المبيع، ولا يملك تسلُّم الثمن؛ لهذين الوجهين.

لكن المؤلف يقول: (بغير قرينة) يعني: فإن وُجد قرينة فإنه يقبض الثمن وجوبًا.

القرينة: مثل أن يبيعه على رجل لا يُعرف، رجل في البلد غريب باع عليه السلعة، إذا لم يقبض الثمن منه فإنه سوف أيش؟ سوف يضيع، فهنا القرينة تدل على أنه يقبضه.

وكذلك أيضًا: لو باعه على من عُرِف بالمماطلة، فهنا يقبض الثمن أو لا يقبض؟

طالب: يقبضه.

الشيخ: يقبضه؛ لأنه من مصلحة الموكل.

فإن قال قائل: لماذا لا تمنعونه -من الأصل- أن يبيع على غريب، أو على مماطل؟

قلنا: لأنه قد تقتضي المصلحة أو زيادة الثمن أن يبيع على أيش؟ الغريب والمماطل، وإذا كان سيُسلَّم له الثمن فلا ضرر.

وإذا أَذِن له، أي: أذن الموكلُ للوكيل أن يقبض الثمن، فهل يقبضه؟

طالب: نعم.

الشيخ: أي معلوم من باب أولى.

وإذا قال: لا تقبض الثمن. فهل يقبضه ولو وُجِد قرينة؟ لا؛ لأنه نهاه قال: لا تقبض الثمن.

لكن إذا قال قائل: إذا نهاه أن يقبض الثمن، فمن المعلوم أن الموكِّل ليس غبيًّا، بحيث لا يأذن له إذا دلت القرينة على أنه يقبضه.

ص: 1670

فيقال: إذا كنا نعلم هذا من حال الموكل، أنه لو باعه على من يُخشى ألا يُسَلِّم الثمن، فحينئذ نقول: هذه قرينة، فليقبضه.

يقول: (ويُسَلِّم وكيلُ المشتري الثمنَ)(وكيل المشتري): إذا كان الموكلُ قد أعطاه الثمن وقال: خذ هذه -أربعون درهمًا- اشترِ لي بها ساعة. اشترى الساعة، يجب أن يُسَلِّم الثمنَ فورًا.

بقي لنا فيما سبق: قلنا: لا يقبض الثمن بغير قرينة وذكرنا للقرينة كم؟

طالب: صورتين.

الشيخ: صورتين، فيه أيضًا صورة ثالثة القرينة الشرعية، وهي: ما إذا كان البيع يشترَط فيه التقابض، فإنه لا بد أن يقبض الثمن.

مثاله: أعطاه حُلِيًّا من الذهب وقال: بعه. فهنا لا يمكن أن يبيع الذهب بدراهم دون قبض؛ بل لا بد من القبض، وحينئذ نقول: هذه قرينة، نصفها بأنها قرينة شرعية. والصورتان السابقتان قرينة عُرْفِية.

قال: (ويسلم وكيل المشتري الثمن): إذا أعطاه دراهم، قال: اشترِ لي بها سلعة. اشترى السلعة، نقول: يجب أن يسلم الثمن، حتى وإن لم يقل له: سلِّمْه للبائع؟

الطلبة: نعم.

الشيخ: نعم وإن لم يقل: سلِّمْه؛ لأن هذا من مقتضى العقد، كما أن وكيل البيع يُسَلِّم المبيع، فوكيل الشراء يُسَلِّم الثمن، هذا مقتضى العقد، كيف يشتري له بلا ثمن؟ !

ولكن يقول: (فلو أخَّره بلا عُذرٍ وتلف ضمنه)(لو أخره) أي: الوكيل، أي: أخَّر تسليم الثمن (بلا عذر)(ضمنه) إذا تلف.

مثاله: أعطيته أربعين درهمًا يشتري فيها سلعة، واشترى السلعة في أول النهار، وقال للبائع: آتي لك بالثمن في آخر النهار، أو سكت ولم يأت به إلا في آخر النهار، لكنه فيما بين الشراء وآخر النهار تلف الثمن، فإن المشتري يضمنه، لماذا؟ لأنه مُفَرِّط؛ إذ إن الواجب عليه أن يُسَلِّم الثمن مباشرة، هذا ما ذهب إليه المؤلف.

ولكن الصواب أن يقال: الحكم يدور مع علته، والناس إذا اشترى منهم الإنسان السلعة في أول النهار وأتى بالثمن في آخره، لا يعدُّونه مفرطًا؛ لأن هذا مما جرت به العادة.

ص: 1671

فالصواب أن يقال: إن أخر تسليم الثمن تأخيرًا يُعَدُّ به مفرِّطًا فهو ضامن، وإلا فلا.

وتعليل الفقهاء رحمهم الله تعليلهم يدل على هذا، وليس يكون من المتيسر أن الدراهم في جيبه، بل ربما يمر بالشارع ويجد السلعة التي وُكِّل بشرائها ويشتريها، ثم إذا صار في آخر النهار أتى بالثمن، وهذا أمر شائع ومعروف.

قال: (ويسلِّم وكيل المشتري الثمن، فلو أخَّره بلا عذر وتلِف ضمِنه): لو أخره بإذن البائع وتلف، هل يكون من ضمان البائع، أو من ضمان الموكل؟

طالب: الأول.

طالب آخر: الثاني.

الشيخ: من ضمان البائع؛ لأن الموكل بمجرد الشراء صار الثمن مستحقًّا لمن؟

طالب: للموكِّل.

طلبة آخرون: للبائع.

الشيخ: الموكل بمجرد الشراء، بشراء الوكيل، لما اشترى الوكيل صار الثمن مستحقًّا لمن؟

طلبة: للبائع.

الشيخ: للبائع، البائع قال للوكيل: ما يخالف، تبقى الدراهم عندك اليوم أو بكرة أو بعد بكرة، ما فيه مانع. في هذه الأثناء تلِف الثمن بدون تعدٍّ ولا تفريط من الوكيل، فضمانه على مَن؟

طلبة: على البائع.

الشيخ: على البائع؛ لأن الوكيل إنما أبقاه بإذن مستحقه، وهو البائع.

(فلو أخَّره بلا عُذرٍ وتَلِف ضَمِنه. وإن وكَّله في بيع فاسد فباع صحيحًا، أو وكله في كل قليل وكثير، أو شراء ما شاء، أو عينًا بما شاء ولم يُعَيِّنْ: لم يصح).

هذه أربع مسائل:

المسألة الأولى: إذا (وكَّله في بيع فاسد فباع صحيحًا):

مثل أن يوكله في بيع جمل شارد، هذا البيع فاسد، أو يوكله في بيع خمر فباع صحيحًا، أو يوكله في بيع مجهول فباعه صحيحًا.

مثاله: أخذنا الآن، وكَّله في بيع جمل شارد، الجمل حضر، هل يملك بيْعَه بعد حضوره؟ لا، لماذا؟ لأن أصل الوكالة فاسد؛ إذ إن الموكل لا يملك بيع الجمل الشارد حتى يحضر، وهو قد وكَّل على بيعه في حال شروده، فإن قال الموكل للوكيل: إذا وجدْتَ الجمل فأنت وكيل في بيعه. يصح ولَّا لا؟

طلبة: يصح.

الشيخ: يصح؛ لأن الوكالة تصح معلقة.

ص: 1672

المثال الثاني: خمر، كان عنده جَرَّة خمر، وإن شئت قل: كان عنده قُلَّة خمر، فقال له: بِعْها. بيع الخمر فاسد، لكن الخمرة تخلَّلت بنفسها، وإذا تخللت بنفسها صارت حلالًا، فهل يملك الوكيل بعد أن تخللت بنفسها يملك أن يبيعها؟

طلبة: لا.

الشيخ: لماذا؟

طالب: لأنها غير صحيحة.

الشيخ: لأن أصل الوكالة غير صحيح، فلا يبيعها بعد ذلك.

المثال الثالث: مجهول، باع شيئًا مجهولًا، بأن قال: وكلتك في بيع ما في بيتي من المتاع. وهو مجهول، حتى الموكل لا يعلمه، لكن الوكيل باعه قبل أن يعلم، فالوكالة تكون غير صحيحة، والبيع غير صحيح، لكن لو ذهب ورآه، فهذا سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في كلام المؤلف إذا وكله في شيء مجهول.

(أو وكله في كل قليل وكثير): هذا أيضًا لا يصح، إذا وكله في كل قليل وكثير، على أنه يشمل جميع الأجناس، وجميع الأنواع، وجميع الأفراد، فهذا لا يصح.

قال: رُوح للسوق أنت وكيلي في كل شيء، في كل قليل وكثير. وجد سيارات اشترى له سيارات، وجد إبلًا اشترى إبلًا، وجد بقرًا اشترى بقرًا، وجد حميرًا اشترى حميرًا، كل شيء، يصح هذا ولَّا ما يصح؟

طلبة: ما يصح.

الشيخ: معلوم ما يصح؛ لأن هذا يعظم الضرر، وفيه جهالة عظيمة فلا يصح، العلة كما قلت لكم: لأن هذا الموكِّل لو أن الوكيل أخذ بهذا اللفظ العام الشامل وأتى بكل ما في الدنيا من شيء، ما موقف الموكل؟ ما صار في خيالي ولا دار في فكري أنك بتجيب لي الدنيا كلها.

إذن نقول: الوكالة غير صحيحة، حتى نستريح من المشاكل؛ لأن إذا قلنا: الوكالة غير صحيحة، قلنا للوكيل: لا تتصرف، وَقِّفْ لا تتصرف؛ لأن هذه وكالة غير صحيحة.

ص: 1673

أما لو قال؛ عيَّن نوعًا وقال: اشتر لي -مثلًا- أرزًا قليلًا أو كثيرًا، لو تأتي لي كل اللي بالسوق ما عندي مانع. فهنا الخطر قليل، وسيأتينا إن شاء الله في كلام المؤلف. فهذا الصحيح أنه جائز؛ لأن الموكل أراد أن يشتري جميع ما في السوق؛ ربما من أجل أن يفرقه على الفقراء في وقت الحاجة، والمثال في الأرز أو ما أشبه ذلك.

(أو وكله)(شراء ما شاء) قال: اشتر ما شئت، أنت وكيل عني اشتر ما شئت. سبحان الله! هل يصح هذا؟ ! لأنه لو أتى له بقلم بخمسة ريالات قال: أنت وكلتني أن اشتري ما شئت، وأنا شئت أن اشتريلك قلمًا بخمسة ريالات. وهذا الرجل ممن يقتني الأقلام التي بمتين ريال. اشترِ ما شئت. راح واشترى له سيارة شبح كم قيمتها؟ مليون أو نصف مليون، المهم هو قال: اشترِ ما شئت. قال: هذا اللي شئت. خطر ولَّا غير خطر؟ هذا خطر، ما يصح.

أما لو عيَّن النوع وقال له -مثلًًا-: أنا وكلتك تشتري شاة -مثلًا- لوليمة، قال: وِش صغيرة كبيرة، سمينة هزيلة؟ قال: ما شئت. هذا الخطر فيه قليل، يعني يتسامح فيه؛ لأنه مما جرت به العادة، لكن اشتر ما شئت، بدون أن يذكر نوعًا، هذا خطرُه عظيم فلا تصح الوكالة فيه.

(أو عينًا بما شاء): هذه الصورة الرابعة، وكلام المؤلف فيه نظر.

(عينًا بما شاء) قال: اشتر لي الساعة الفلانية موديل كذا رقم كذا صفتها كذا وكذا. قال: بكم؟ قال: باللي تبغي. يقول: هذا لا يصح؛ لأنها ربما لا تساوي إلا عشرة. ويقول للبائع: أخذتها بخمسين. فإذا جاء بها إلى الموكل قال: خذ هذه الساعة بخمسين. قال: هذه ما تساوي إلا عشرة. قال: أنت قلت لي: اشتر بما شئت، وأنا شئت أن أشتريها بخمسين.

المؤلف يقول: لا يصح، لكن نحن نعلم علم اليقين أن الموكل لما قال للوكيل: بما شئت. فإنما وَكَلَهُ إلى أمانته، أليس كذلك؟ وليس من الأمانة أن يشتري ما يساوي عشرة بخمسين.

لو عيَّن له عينًا، وقال: اشترها. قال: بكم؟ قال: بما ترى أنه مناسب. يصح أو لا يصح؟

ص: 1674

طالب: يصح.

الشيخ: نعم هذا يصح، وقد يقال: إنها داخلة في كلام المؤلف، وأنها لا تصح. وقد يقال: إنها غير داخلة؛ لأن هنا لم يقيده بالمشيئة المطلقة، وإنما قيده بما يراه مناسبًا، وهذا نوع من التخصيص، فلا يكون كالمشيئة المطلقة.

إذا عيَّن له شيئًا، عيَّن له عينًا قال: اشترِ للوفد الذين سيحضرون إليَّ أو الضيوف، اشترِ -مثلًا- لهم شاة. قال: بكم؟ قال: بما شئت، أو: بما تراه أنه مناسب. يجوز؟

طالب: نعم.

الشيخ: يجوز؛ لأن هذا وإن كان فيه شيء من الجهالة وربما يشتريها بثمن لم يخطر على بال الموكل، لكن مثل هذا يكون قليلًا، ومما يتسامح الناس فيه عادة، وحقيقة الأمر أن هذه مسائل فردية لكن ينبغي أن نعرف لها ضابطًا.

الضابط في ذلك: أنه كل ما دل عليه العُرف أو القرينة مما يحتمله كلام الموكل، وليس فيه محظور شرعي فإنه صحيح، إذا كان يدل عليه العرف أو القرينة ويحتمله كلام الموكل وليس فيه مانع شرعي فإنه صحيح؛ وذلك لأن الأصل في المعاملات الحل، فإذا لم تخالف الشرع، ولم تخالف العُرف، ولم تخالف لفظ المتعامِلَيْنِ فإن الأصل فيها الصحة.

طالب: شيخ، هل يفهم الضابط -بارك الله فيك- الضابط الأخير هذا اللي ذكرناه، يعني ألا يتمشى مع ما نعرفه عن الناس اليوم الذي تكثُر أموالُه مثلًا وتجارتُه يوكل مثلًا إنسانًا في كل قليل وكثير، لا يمكن أن يرجع إليه وكلاؤه في كل شيء في ..

الشيخ: القاعدة اللي ذكرناها أو الضابط هي التي ينبغي أن يتمشَّى عليه، وما ذكره الفقهاء رحمهم الله لا ينافي ذلك؛ لأنهم يعللون كل مسألة بما يقتضيه هذا الضابط.

طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا نهى الموكلُ الوكيلَ عن قبض الثمن، ولم يجد إلا ذلك المماطل أو الغريب مشتريًا فلم يقبض هل يضمن؟

الشيخ: مجمل اللفظ لا يضمن، مقتضى اللفظ أنه لا يضمن، لكن من النصيحة بلا شك أنه إذا لم يجد إلا المماطل أو المعسر فإنه يجب عليه أن يتوقف ..

ص: 1675

ولم يُعَيِّنْ لم يَصِحَّ، والوكيلُ في الْخُصومةِ لا يَقْبِضُ والعكسُ بالعكسِ، واقْبِضْ حَقِّي من زَيْدٍ لا يَقْبِضُ من وَرَثَتِه ، إلا أن يَقولَ الذي قِبَلَه ، ولا يَضْمَنُ وكيلٌ الإيداعَ إذا لم يُشْهَدْ.

(فصلٌ)

والوَكيلُ أَمينٌ لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بيدِه بلا تَفريطٍ، ويُقْبَلُ قولُه في نفيِه والهلاكِ مع يَمِينِه، ومَن ادَّعَى وَكالةَ زيدٍ في قَبْضِ حَقِّه مِن عمرٍو لم يَلْزَمْه دَفْعُه إن صَدَّقَه ولا اليمينُ إن كَذَّبَه، فإن دَفَعَه فأَنْكَرَ زيدٌ الوَكالةَ حَلَفَ وضَمِنَه عمرٌو، وإن كان المدفوعُ وَديعةً أَخَذَها، فإن تَلِفَتْ ضَمِنَ أيَّهما شاءَ.

(باب الشركة)

وهي أنواعٌ:

فشَركةُ (عَنانٍ) أن يَشترِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِما

طالب: بارك الله فيك، الضابط الأخير هذا اللي ذكرناه، ألَّا يتمشى مع ما نعرفه عن الناس اليوم الذي تكثر أمواله -مثلًا- وتجارته، يوكل إنسانًا في كل قليل وكثير، لا يمكن أن يرجع إليه في البلاء وفي كل شيء؟

الشيخ: هو القاعدة اللي ذكرناها أو الضابط هي التي ينبغي أن يتمشى عليها، وما ذكره الفقهاء رحمهم الله لا ينافي ذلك؛ لأنهم يعللون كل مسألة بما يقتضيه هذا الضابط.

طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا نهى الموكِّل الوكيل عن قبض الثمن، ولم يجد إلا ذلك المماطل أو الغريب مشتريًا فلم يقبض، هل يضمن؟

الشيخ: موجب اللفظ لا يضمن، مقتضى اللفظ أنه لا يضمن، لكن من النصيحة بلا شك أنه إذا لم يجد إلا المماطل أو المعسر فإنه يجب عليه أن يتوقف ويرجع إلى الموكل؛ إما أن يقول: امضِ في ذلك، أو يمنعه.

طالب: (ولا يقبض الثمن) هل النهي موجه للمشتري أو لوكيل البائع؟

الشيخ: كيف؟

طالب: هل نقول للمشتري .. ؟

الشيخ: الوكيل في البيع لا يقبض الثمن، إذا وكله في بيع ما يقبض الثمن؛ لأنه قد يرضى في البيع من لا يرضاه لقبض الثمن.

الطالب: ولكن النهي عن قبض الثمن هل نوجهه للمشتري؟

ص: 1676

الشيخ: لا، لو كان للمشتري قلنا: ولا يسلم الثمن، هذا موجه للوكيل، الوكيل في البيع لا يقبض الثمن.

الطالب: وإذا قبضه؟

الشيخ: إذا قبضه فهو ضامن، أما المشتري فلا يضمن؛ لأن المشتري ما يدري.

طالب: ما هو الدليل على هذه المسألة أن الوكيل في البيع لا يقبض الثمن ما دام أن الموكل ناب عنه ذلك، فلماذا لا يقبض؟ لأنه مادام وكله إذن فإنه واثق منه؟

الشيخ: مثلما قلت قالوا: لأنه إنما وكله في البيع وليس قبض الثمن من مقتضاه تعليل؛ ولهذا المؤلف رحمه الله قال: (إلا بقرينة) مع أنه خالف المذهب؛ مؤلف زاد المستقنع في هذا خالف المذهب، المذهب: لا يقبضه إلا بإذنه، حتى في القرينة ما يقبض، والصواب: أنه يقبضه بالقرينة، وذكرنا لكم أن القرينة عرفية وشرعية.

طالب: بارك الله فيكم، سبق بأنه إن وكَّله أن يشتري هذا القلم، وهذا القلم سعره معروف؛ أنه سعره مئة ريال، فذهب الوكيل واشتراه بأقل، قلنا: إن الزيادة من حق الموكل، وهذه مسألة يكثر جدًّا السؤال عنها ومنتشرة كثيرًا، فيقول الوكيل: إنما أنا أتيت بأقل باجتهادي ومعرفتي بالسوق، فهذا حقي، وإنما هو وكلني بمئة ريال، فزيادته عن السعر دليل على إسقاطه ما قل منه، فكيف الجواب؟

الشيخ: معلوم أن التسعين -مثلًا- لو اشتراه بتسعين، ما يقبض من الموكل إلا تسعين.

الطالب: هو أعطاه مئة.

الشيخ: يرد عشرة.

الطالب: نعم، هذا ما دار، لكن أنا أسأل: الدليل؟

الشيخ: الدليل: لأني وكلته يشتري قلمًا، وكنت أظن أنه يساوي مئة وصار يساوي تسعين، أما لو قلت: اشتره بمئة، فإن نقص عن ذلك فالزائد لك، هذا واضح.

طالب: بعضهم يقول بأن تحديد الثمن من الموكل دليل على إسقاطه لهذه الزيادة، فهل هذا سائغ؟

الشيخ: ما هو بصحيح أبدًا، الغالب أن تحديده للثمن الجهل، الغالب أنه ما حدد الثمن إلا جاهلًا به.

طالب: فإن انتفى الجهل ويقدم انتفاء الجهل؟

ص: 1677

الشيخ: على كل حال المسألة ما هي مشكلة، إذا اشتراه بتسعين قال: واللهِ، أنا اشتريته بتسعين، وأنت أعطيتني مئة، هذه عشرة، فإذا قال الموكل: هي لك، ما هي بإشكال.

طالب: الذين يرون أن الخمرة نجسة، هل يرون أن النجاسة تذهب إذا تخللت من جنسها؟

الشيخ: إي نعم.

الطالب: كيف -يا شيخ- وهي في الأول نجسة؟

الشيخ: وهل هي في الأول طاهرة أيضًا؟ هي قبل النجاسة طاهرة لما كانت خلًّا، الحكم يدور مع علته.

طالب: بالنسبة إذا كان وكَّل في المجلس لشراء، وكله شخص في البيع ووصف له شيئًا بصفة معينة، ووكله الآخر بشراء شيء بصفة معينة، فهل تكفي نيته؟ نويت ..

الشيخ: إي نعم، هذا يسمى تولي طرفي العقد.

الطالب: (

) بمجرد بالنية؟

الشيخ: إي نعم، ينتقل الملك من هذا إلى هذا بمجرد النية، ولكن في مثل هذا ينبغي أن يشهد؛ لأنه لا يدري، ربما يفجؤه الموت أو يحصل له حادث ولا يدري، فمثل هذا يُشْهِد؛ اشهدوا بأني بعت ملك فلان على فلان، إذا كان زوج المرأة وليها وأراد يعقد النكاح لنفسه، يجوز؟

طالب: نعم.

الشيخ: يزوج نفسه؟

طالب: نعم.

الشيخ: عندكم معارضة ولَّا موافقة؟ خلاص موافقة، السكوت يكفي، هو وليها وأراد أن يتزوجها فهل يجوز؟

طالب: نعم.

طالب آخر: يتولى هو يا شيخ.

الشيخ: إي، هو.

طالب: وليها.

الشيخ: إي نعم.

طالب: الرسول.

الشيخ: ابن عمها أقرب الناس إليها، يجوز، لكن كيف يكون يجيب اثنين ويشهدوا يقول: أشهدكم أني تزوجت فلانة؟ وهنا صار الإيجاب هو القبول، إي نعم.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: والوكيل في الخصومة لا يقبض، والعكس بالعكس، واقبض حقي من زيدٍ لا يقبض من ورثته، إلا أن يقول: الذي قبله، ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشْهِد.

ص: 1678

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

رجل وكل شخصًا أن يبيع جملًا شاردًا؟

طالب: الوكالة هنا فاسدة.

الشيخ: فهل تصح الوكالة؟

طالب: لا.

الشيخ: حضر الجمل هل يبيعه بالوكالة الأولى أو لا؟

طالب: لا يبيعه بالوكالة الأولى.

الشيخ: لا يبيعه بالوكالة الأولى، لماذا؟

الطالب: لأنه كان نقص الثمن.

الشيخ: لو قال: إذا حضر جملي الشارد فبعه؟

طالب: يصح؛ لأن الوكالة تصح معلقة.

الشيخ: يصح؛ لأن الوكالة تصح معلقة.

إذا وكله أن يشتري عينًا بما شاء؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز، لماذا؟

طالب: لأن فيه مفسدة، فيها جهالة عظيمة.

الشيخ: فيها جهالة عظيمة؛ قد يشتري ما يساوي عشرة بألف، لو علمنا أن مراده بقوله: بما شئت؛ أي: بما تراه صالحًا ولو زاد الثمن؟

طالب: نعم، يصح.

الشيخ: نعم، يصح.

طالب: لأن الوكالة تنصرف إلى العرف أو لفظ الموكل.

الشيخ: إذا كان هذا قصده؛ معناها إن ما أحدد لك الثمن، وليس مراد الموكل (بما شئت) يعني: بكل ثمن قليل أو كثير، هذا ما أحد يقوله، لكن معنى (بما شئت) أي: بما تراه صالحًا فلا بأس به.

قال المؤلف رحمه الله: (والوكيل في الخصومة لا يقبض، والعكس بالعكس) أفادنا المؤلف أولًا: أنه يجوز التوكيل في الخصومة؛ يعني: يجوز أن توكل شخصًا يخاصم عنك، وحينئذٍ نسأل هل يجوز قبول هذه الوكالة أو لا؟ في ذلك تفصيل؛ لأنه لا يخلو من إحدى أحوال ثلاث: إما أن تعلم أنه محق، أو تعلم أنه مبطل، أو تتردد، فإن علمت أن الموكل محق لكن خصمه خصم جدل فهنا يجوز لك أن تقبل الوكالة في الخصومة، بل قد نقول: إنه يشرع أو يجب؛ لأن في هذا استنقاذًا لحق أخيك ونصرة له، وللظالم أيضًا؛ أما نصرته فواضح؛ لأنك سبب لوصول الحق إليه، وأما نصرة الظالم فلمنعه من الظلم، هذا متى؟ إذا علمنا أن الموكل محق في خصومته.

ص: 1679

إذا علمنا أنه مبطل لكنه اختار هذا الوكيل؛ لأنه وكيل جدلي يستطيع أن يقلب الباطل حقًّا والحق باطلًا، فهل يجوز أن تُقْبَل هذه الوكالة؟ لا يجوز؛ لقوله تعالى:{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

إذا ترددت فالإمام أحمد رحمه الله لا يعدل بالسلامة شيئًا، لا سيما في أوقاتنا هذه عند تغير الزمان واختلاف الذمم، فإذا ترددت هل الذي أراد أن يوكلك تخاصم عنه محق أو غير محق فالسلامة أولى؛ أي: ألَّا تقبل الوكالة.

من هذا الآن هؤلاء الذين يتوكلون ويسمونهم أيش؟

طلبة: المحامون.

الشيخ: المحامون، يسمونهم المحامين، فالمحامي إذا قال: هل يجوز أن أشتغل بالمحاماة؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إن كنت تحامي عن شخص عاجز عن دفع الظلم عن نفسه فهذا خير وصحيح، وهو دائر بين الوجوب أو الاستحباب وإن كنت تحامي لأجل أن تحصل على فلوس سواء كان صاحبك محقًّا أو مبطلًا فهذا لا يجوز، وإن علمت أنه مبطل صار ذلك أشد تحريمًا.

نرجع الآن ونقول: هل يجوز أن يوكل من يخاصم عنه؟

الجواب: نعم، يجوز.

فإذا قيل: ما الدليل؟

قلنا: لا حاجة لطلب الدليل، لماذا؟ لأن الأصل في المعاملات الحل، فأي واحد يطالبك بدليل أي معاملة فقل: الدليل عليك أنت، هاتِ الدليل على التحريم، وعلى العين والرأس.

وكَّله بالخصومة هل يملك القبض أو لا يملك؟

يقول المؤلف: إنه لا يملك القبض، فإذا وكَّل زيدٌ عمرًا أن يخاصم عنه خصمه فخاصمه وحكم القاضي للموكل، فهل للوكيل أن يقبض ما حصلت فيه الخصومة؟ يقول المؤلف: لا، لماذا؟ لأنه ربما يرضى في وكالة الخصومة من لا يرضاه في وكالة القبض، قد يكون؛ لأنه ربما يكون هذا الرجل قويًّا في الخصومة، لكنه غير أمين، ربما لو يقبض مالي ذهب يفسده، أو يدعي التلف، أو يؤذيني في تخليصه منه، فقد أوكل في الخصومة من لا أرضاه في القبض.

ص: 1680

وقال بعض أهل العلم: ينظر في ذلك إلى القرائن؛ قرائن الأحوال، فإذا كان الوكيل بالخصومة في بلد غير الموكل فهنا القرينة تقتضي أن يقبض؛ لأن الموكل ليس حاضرًا حتى يقال: إن الموكل هو الذي يقبض، وقد جرت العادة أن مثل هذا؛ يعني: أن الوكيل في الخصومة يقبض إلا إذا نهاه قال: أنت وكيلي في الخصومة، ولكن لا تقبض شيئًا، فهنا لا يقبضه على كل حال.

وحينئذٍ نقول على القول الراجح: لا تخلو المسألة أيضًا من ثلاث حالات؛ إما أن يقول: أنت وكيلي في الخصومة والقبض، فالأمر واضح؛ يعني: يملك الخصومة والقبض، وإما أن يقول: أنت وكيلي في الخصومة لا في القبض، فهذا أيضًا واضح، يكون وكيلًا في الخصومة ولا يقبض، وإما أن يسكت، فالمؤلف يرى أنه لا يقبض، والراجح أنه يرجع في ذلك إلى القرائن؛ إلى قرائن الأحوال، فإن دلت القرينة على أنه يقبض قبض، وإلا فلا. وإذا قلنا بهذا القول ولم يقبض صار مفرطًا، فيكون عليه الضمان.

(العكس بالعكس) الوكيل في القبض له أن يخاصم؛ يعني: لو قلت: يا فلان، أنت وكيلي، اقبض حقي من زيدٍ، له أن يخاصم إذا طلب الحق من زيد، وقال زيد: ليس عندي له شيء؛ أنكر، هنا نحتاج إلى الخصومة.

هل يملك الوكيل في القبض أن يخاصم؟

يقول المؤلف: نعم، التعليل: لأنه قد لا يتأتى القبض إلا بخصومة، فالخصومة قد تكون أحيانًا هي التي يتمكن بها من القبض؛ فلهذا إذا وكله في القبض فله أن يخاصم، هكذا قال المؤلف رحمه الله وأطلق.

ولكن في الإطلاق نظر؛ لأني قد أثق به في القبض، لكنني لا أعتمد عليه في الخصومة؛ لكونه رجلًا ضعيفًا لا يعرف أن يحاج ولا يعرف أن يخاصم، وصاحبي الذي أنا أطلب منه رجل قوي في الخصومة، فيقول له: اذهب، ما عندي لك شيء، ولا عندي لموكلك شيء، وإذا خاصمه غلبه؛ إذا خاصم وكيلي في القبض يغلبه، فهذا الذي قال المؤلف فيه نظر، بل نقول: إذا وكله في القبض فإنه لا يملك الخصومة، إلا إذا قال: وإن احتجت إلى خصومة فخاصم.

ص: 1681

ماذا يصنع إذا وكله في القبض، ثم ذهب إلى الغريم وقال: ليس عندي شيء؟

يرجع إلى الموكل يقول: الرجل أنكر، فهل توكلني أن أخاصم، أو وكل غيري؛ يعني: الإنسان ما هو ملزم إذا وُكِّل في شيء أن يتمه، الوكالة -كما عرفتم- عقد جائز، فإذا طلب الحق وقال المحقوق: ليس عندي لموكلك شيء، يجب أن يتوقف ولا يخاصم؛ لأنه قد يخاصم، فيغلب والحق معه، يغلب؛ لأن صاحبه ألد خصم، وهو ضعيف، فنقول: الوكيل في القبض لا يملك الخصومة إلا بإذن خاص.

(والعكس بالعكس، واقبض حقي من زيد لا يقبض من ورثته إلا أن يقول: الذي قبله) إذا وكَّله في قبض حقه من زيد قال: يا فلان، لي عند زيدٍ عشرة آلاف ريال، أنت وكيلي في قبضها، ذهب الوكيل إلى زيد ووجده قد توفي، إلى من ينتقل المال؟

طلبة: إلى ورثته.

الشيخ: ينتقل إلى ورثته، هل يقبض من الورثة؟ يقول المؤلف: لا يقبض من الورثة؛ لأن الوكالة تتقيد بما قيدها به الموكل، والموكل -يا جماعة- قال: اقبض حقي من زيد، هذا الوكيل وصل إلى زيد فوجده قد توفي، نقول: لا تقبض من الورثة، حتى لو قال الورثة: يا فلان، أنت وكيل فلان؟ قال: نعم، قال: عند أبينا لك كذا وكذا، اتفضل خذ، لا يستلمه؛ لأن الموكل قال: اقبض حقي من زيد، وقد تتغير حال الموكل إذا علم أن غريمه قد توفي ويكون قد ترك صغارًا وأيتامًا وعجائز، فيريد أن يهبه، أو أن يبرئهم منه.

وعلى هذا فماذا يصنع إذا كان لا يقبض من ورثته؟ يخبر الموكل يقول: إني وجدته قد توفي، فهل توكلني في أن أقبض من ورثته أو لا؟ هو عاد بالخيار، إلا إذا قال: اقبض حقي الذي عند زيد، أو اقبض حقي الذي قِبَل زيد -انتبه للفرق بين العبارات، كن فقيهًا- اقبض حقي من زيد؛ هذا لا يقبض من الورثة، اقبض حقي الذي عند زيد؛ يقبض من الورثة؛ لأنه وكله في قبض حقه دون تعيين من يقبضه منه.

اقبض حقي الذي عند زيد، اقبض حقي الذي قِبَل زيد؛ أي: من جهة زيد، يقبض من الورثة؟

طلبة: نعم.

ص: 1682

الشيخ: يقبض من الورثة، واضح. اقبض حقي من زيد؟

طلبة: لا يقبض.

الشيخ: هي المسألة الأولى، ففرق بين العبارات، مع أن أكثر الناس لا يميز الفرق بين: اقبض حقي من زيد، واقبض حقي الذي عند زيد، واقبض حقي الذي من قِبَل زيد، وما أشبه ذلك، لكن الواقع أن بينهما فرقًا واضحًا؛ لأن (اقبض حقي من زيد) عيَّن المقبوض منه، و (اقبض حقي الذي عند زيد) ما عين المقبوض منه، اقبض الحق، لكن عين الجهة صحيح، لكن (الذي عند زيد) هذا تعيين جهة، ليس تعيين من يقبض منه، لكن هذه المسائل الدقيقة أتظنون أن العوام يفرقون بينها؟

طلبة: لا.

الشيخ: في ظني -والله أعلم- أن العامي إذا قال: اقبض حقي من زيد فهو بمنزلة قوله: اقبض حقي الذي عند زيد، فإذا علمنا -يقينًا- أن هذا هو المراد فإن الوكيل يقبض منين؟

طلبة: من الورثة.

الشيخ: من الورثة، وإذا شككنا فالسلامة، انتبهوا لهذا، متى شككنا في ملك الشيء فخذوه بالسلامة، كان الإمام أحمد رحمه الله لا يعدل بالسلامة شيئًا، وأنت الآن إذا قبضت من الورثة وأنت شاك فقد أخذت ما ترددت فيه، لكن إذا لم تقبض فليس عليك لوم، فأنت سالم، وعليه فمتى -هذه خذوها قاعدة- متى تردد الإنسان في الإمضاء أو التوقف فما السلامة؟

طلبة: التوقف.

الشيخ: التوقف.

ثم قال رحمه الله: (ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشْهِد)(وكيل الإيداع) معناه: وكلتك أن تودع شيئًا عند شخص، قلت: يا فلان، هذه -مثلًا- عشرة آلاف ريال، اذهب بها إلى فلان وديعة عنده، ويش معنى وديعة؟

طالب: أمانة.

ص: 1683

الشيخ: يعني ويش معنى أمانة؟ وديعة؛ معناه: أستودعها عنده، ويكون حافظا لها، خذ عشرة آلاف أعطها فلانًا وديعة، أخذها الوكيل وذهب بها إلى فلان وأعطاها إياه بدون شهود، يقول المؤلف: إنه لا يضمن الوكيل، لماذا لا يضمن؟ لو فُرِضَ أن المودع أنكر قال: ما أعطيتني وديعة، قال: يا رجل، أعطيتك، جئت إليك في البيت وأعطيتك عشرة آلاف ريال وقلت: هذه وديعة من فلان، احفظها له حتى يرجع من سفره -مثلًا- قال: أبدًا، أنكر، فهل يضمن الوكيل بالإيداع الذي وكَّلته أن يودعها عند زيد؟ يقول المؤلف: لا يضمن؛ لأن المودع يقبل قوله في نفي الوديعة.

لو أن إنسانًا ادَّعى أنه أودع شخصًا مالًا وأنكر المودع، هل يلزمه شيء؟ أجيبوا يا جماعة.

طلبة: لا.

الشيخ: جواب بارد هذا، لا!

طالب: لا يلزمه.

الشيخ: لا، نعم، لا يلزمه؛ لأنه الأصل براءة ذمته، يقولون: إن هذا الوكيل لما لم يشهد لم يكن مفرطًا؛ إذ لو قُدِّرَ أنه أشهد وثبتت الوديعة عند المودع، ثم ادعى ردها؛ ثبتت الوديعة عند المودَع -بفتح الدال- ثم ادعى ردها قال: صحيح، أنت أودعتني لفلان عشرة آلاف ريال، لكنني رددتها عليك، يُقْبَل قوله أو لا؟

طلبة: يُقْبَل.

الشيخ: يُقْبَل قوله، فيكون إذن الإشهاد لا فائدة منه، حتى لو أشهد أو لم يُشْهِد فإن المودع يُقْبَل قوله في رد الوديعة، هكذا قال المؤلف رحمه الله، ولكن في كلامه نظر، والصواب: أنه يضمن إذا لم يشهد، إلا فيما جرت العادة بأنه لا يشهد فيه؛ لقلته وحقارته، أو لكون المودع ممن جرت العادة ألَّا يُشْهَدَ عليه؛ من أجل أنه مبرز في العدالة.

أقول: إذا قلت لفلان: خذ، أنت وكيلي، أودع هذه عشرة آلاف ريال عند شخص، فأودعها بدون إشهاد، ثم إن المودع أنكر هل يضمن؟ لا يضمن، ليش؟ على كلام المؤلف لا يضمن؛ لأن المودع لو ثبتت الوديعة عليه وادعى أنه ردها قُبِلَ قوله، إذن لا فائدة من الإشهاد، هذا كلام المؤلف رحمه الله، ولكن نقول: الصحيح أنه يضمن إلا في حالين:

ص: 1684

الحال الأولى: إذا كان المُودَعُ شيئًا زهيدًا لم تجر العادة بالإشهاد عليه، هذه واحدة.

والثانية: إذا كان المُودَعُ رجلًا مبرِّزًا في العدالة، جرت العادة ألَّا يُشْهَدَ عليه إذا أودع؛ لأنه مؤتمن، أمين عند الناس كلهم، فهنا نقول: إن المودِع الذي وُكِّل في الإيداع لا يضمن؛ لأن الناس كلهم لا يقولون: هذا مفرط.

رجل أعطى شخصًا عشرة ريالات، قال: واللهِ، أنا بسافر، وهذه عشرة ريالات حطها عند فلان أمانة، أعطاها إياه قال: هذه أمانة لفلان، هل يضمن إذا لم يُشْهِد؟

طلبة: لا يضمن.

الشيخ: ليش يا جماعة؟ زهيدة، لو أن هذا الوكيل راح يجيب اثنين يشهدون، قال: اشهدوا أني أعطيت هذا عشرة ريالات وديعة لفلان، ويش يقولون الناس؟ يستخفون بي لا شك، ولا يعدون هذا مناسبًا.

مثال آخر: رجل أعطى شخصًا دراهم قال: حطها أمانة عند شخص يحفظها لي، فذهب الرجل إلى رجل مبرز في العدالة؛ أمين عالم عابد حافظ، ما هو كثير النسيان حتى نقول: هرف ونسي، ثم أودعها، هل جرت العادة أن يُشْهَد على مثل هذا؟

طلبة: لا.

الشيخ: لا، ما جرت. فالصواب إذن أن يقال: إن الموكل في الإيداع إذا لم يُشْهِد؛ إن عُدَّ مفرطًا فهو ضامن، وإلا فلا.

ولكن كيف يُعَد مفرطًا؟ نقول: هو مفرط إذا لم يشهد مطلقًا، إلا في حالين: إما لزهادة الوديعة، وإما لاعتبار المودَع.

الفائدة من الإشهاد، إذا قال قائل: ما الفائدة من الإشهاد إذا كان قول المُودَع مقبولًا في الرد؟

الفائدة هو أنه قد لا يدعي الرد، قد يكون عنده من الإيمان ما يمنعه أن يدعي الرد، وهو لم يرد، لكن ينسى فينكر الوديعة، يقول: ما ودعتني، حينئذٍ إذا لم يكن شهود تضيع أو لا تضيع؟ تضيع الوديعة، وإذا كان شهود لا تضيع؛ لأن الشهود سيثبتونها، وحينئذٍ فيكون عدم الإشهاد تفريطًا من الوكيل، فيضمن.

ص: 1685

قال: (ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشْهِد) ما هو تعليل كلام المؤلف؟ أن الوديعة يُقْبَل فيها قول المودَع إذا ادَّعى الرد، فلا فائدة من الإشهاد، حتى لو أقر قال: نعم، أنت أودعتني، ولكن رددتها، هذا هو التعليل.

فنقول: هذا التعليل صحيح من جهة، لكنه عليل من جهة أخرى، نحن نقول: يُشْهِد خوفًا من النسيان؛ يعني: إذا قدَّرنا أن المودع رجل ثقة لا يمكن أن يدعي الرد، لكن قد ينسى وينكر، فيكون الإشهاد فيه فائدة.

***

ثم قال: (فصل: والوكيل أمينٌ لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريطٍ)(الوكيل أمين) أفادنا المؤلف رحمه الله أن الناس الذين بأيديهم أموال الناس منهم أمناء ومنهم غير أمناء، فما هو الضابط للأمين من غير الأمين؟ لما قال:(الوكيل أمين) علمنا أن هناك طرفًا آخر ليس بأمين، فما هو الضابط؟

نقول الضابط: كل من كان المال بيده بإذن من الشارع أو بإذن من المالك فهو أمين، هذا الضابط، ومن كان في يده بغير إذن من الشارع أو من المالك فليس بأمين، فلننظر: ولي اليتيم من أذن له؟

طلبة: الشرع.

الشيخ: الشرع، هذا أمين من قبل الشرع.

ناظر الوقف؟

طلبة: أمين.

الشيخ: من أذنَ له؟ الواقف. الوصي -يعني المُوصَى إليه- أمين، من أذن له؟

طلبة: الموصي.

الشيخ: الموصِي. المستأجر تحتَ يده العين المؤجرة أمين ولَّا غير أمين؟ من أذن له؟ المُؤجر، وهلم جَرًّا.

إذن الضابط للأمين: كل من كانت العين بيده بإذن من الشارع أو إذن من المالك فهو أمين.

نأتي للوكيل؛ الوكيل أمين؛ لأن العين حصلت بيده بإذن من الموكِّل، متى ترتفع الأمانة؟ ترتفع الأمانة إذا تعدَّى أو فرَّط ارتفعت الأمانة وصارت يده غير أمينة.

مثال ذلك: المودع؛ أودعت شخصًا عشرة آلاف ريال في ربطتها وجعلها أمام عينه في الصندوق، بقيت في الصندوق لم يتصرف فيها، هو الآن أيش؟

طلبة: أمين.

ص: 1686

الشيخ: أمين؛ لأن الدراهم تحت يده بإذن من المالك، الرجل احتاج يومًا من الأيام واستقرض هذه الدراهم، واشترى بها حاجة، ثم ردها في يومها إلى الصندوق، هل تزول أمانته؟

طلبة: نعم.

الشيخ: نعم، تزول أمانته، الآن صارت يده غير أمينة، لماذا؟ لأنه تصرف في المال بغير إذن مالكه، وهذا تعدٍّ.

إذا قال قائل: هو أخذ عشرة آلاف ورد عشرة آلاف بيومه وفي الصندوق نفسه؟

نقول: لكن ليس له حق أن يتصرف في عين مال الغير إلا بإذنه، وهذا لم يُؤْذَن له.

لو فُرِضَ أن هذا الصندوق احترق وتلفت الأموال اللي فيه ومن جملتها عشرة الآلاف هذه، يضمن؟

طلبة: لا يضمن.

طالب: بلى.

الشيخ: بعد أن تصرف فيها وردها؟

طلبة: نعم، يضمن.

الشيخ: تمام، يضمنها؛ لأنه صار غير أمين بتصرفه فيها، أما لو أبقاها ولم يتصرف فيها ثم احترق الصندوق فليس عليه ضمان، لماذا؟ لأنه أمين، انتبهوا للقواعد هذه؛ لأنها مفيدة جدًّا.

(الوكيل أمين) ثم بيَّن الحكم الذي يترتب على كونه أمينًا فقال: (لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط) لا يضمن ما تلف بيده من المال الذي اؤتمن عليه، (بلا تفريط) يعني: شرط عدم الضمان ألَّا يفرط، ونحن نزيد شرطًا آخر من باب أولى: وألَّا يتعدى؛ يعني: بلا تفريط ولا تعدٍّ.

وهنا نسأل ما الفرق بين التفريط وبين التعدي؟ الفرق؛ التعدي: أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط: أن يترك ما يجب، فما طُلِبَ فعلُه فتركه يُسَمَّى تفريطًا، وما طُلِبَ الامتناع منه ففعله يُسَمَّى تعديًا.

في المثال اللي ذكرنا من قبل في مسألة الوديعة: إذا أخذ الدراهم التي أودعَها وتصرف فيها، هذا تعدٍّ، إذا وضع الدراهم فوق سطح الصندوق وغفل، ثم سُرِقَت، فهذا تفريط؛ لأنه ترك ما يجب؛ إذ إن الواجب عليه أن يحفظها فورًا بما تحفظ به عادةً.

ص: 1687

الوكيل الآن وكَّله في شراء حاجة من الحوائج، ولنقل: إنه وكَّله في شراء ساعة، اشترى الساعة، ثم وضعها في بيته على رفٍّ يتناوله الصبيان، فأتت الصبيان فأخذت الساعة وخرَّبتها، ما تقول؟

طالب: يضمن يا شيخ.

الشيخ: لماذا يضمن؟

طالب: لأنه فرَّط.

الشيخ: لأنه فرَّط، صحيح كلامه؟

طلبة: نعم.

الشيخ: يضمن؛ لأنه فرَّط.

مثال آخر: وكلته أن يشتري لي ساعة فاشتراها، اشترى ساعة، ثم إنه نسي ساعته في البيت، فوضع الساعة التي اشتراها لي في يده -يعني استعملها- فجاءها شيء وكسرها، يضمن أو لا؟

طلبة: يضمن.

الشيخ: ليش؟

طلبة: للتعدي.

الشيخ: لأن هذا تعدٍّ.

الصورة الثالثة نشوف ما فيها من تعدٍّ ولا تفريط؛ اشترى الساعة ووضعها في رف رفيع لا يتناوله الصبيان، ولكن أحد الصبيان كان بذيًّا، أتى بسلم من الجيران وصعد على الرف وأخذ الساعة وكسرها؟

طلبة: لا يضمن.

الشيخ: لا يضمن؟

طلبة: نعم.

الشيخ: ليش؟

طلبة: لأنه بدون تعدٍّ ولا تفريط.

الشيخ: لأن هذا ليس تعديًا ولا تفريطًا؛ إذ إنه جرت العادة أن الناس يحفظون مثل الساعة وشبهها في الرفوف العالية عن الصبيان، وهذا الصبي خرج عن العادة، من يُقَدِّر أن صبيًّا يذهب ليأتي بسلم ويصعد عليه ليجد هذه الساعة؟

فعلى كل حال القاعدة عرفناها؛ إذا تلف الشيء تحت يده بتعدٍّ أو تفريط فهو ضامن، وبلا تعدٍّ ولا تفريط فهو غير ضامن.

طالب: إذا كان لي عند زيد -مثلًا- مبلغ من المال، فوكلت أحدًا أن يُحْضِر لي هذا المال؟

الشيخ: يحفظه؟

طالب: يحضره، ولكن زيد مماطل، فقال لي الوكيل: أنا أعطيك نصف المبلغ، واتركني أنا أتصرف مع زيد؟

ص: 1688

الشيخ: إي، سمعتم السؤال؟ يقول: إن شخصًا وكَّل آخر أن يقبض حقه من زيد، ولنجعله عشرة آلاف ريال، فقال الوكيل: إن زيدًا رجل مماطل، ولكن أنا أعطيك الآن ثمانية آلاف ريال، وآخذ من هذا المماطل عشرة آلاف ريال، نقول: هذا حرام ولا يجوز؛ لسببين: السبب الأول: أنه ربًا، والسبب الثاني: أنه باع دينًا في ذمة الغير على غير من هو عليه، وبيع الدين على غير من هو عليه لا يجوز؛ لأنه لم يقبض، وإذا كان مماطلًا ففيه بعد علة أخرى؛ أنه قد يكون غير مقدور على تسليمه. المهم أن هذه حرام.

طالب: يا شيخ، بالنسبة لما ذكرنا الآن التصرف في الأموال؛ الأوراق النقدية جرت العادة أن الإنسان إذا أودع شيئًا فإنه يتصرف؛ يمكن له أن يتصرف فيها ويردها، كما لو كان في سفر فأخذ مالًا يوصله إلى آخر في بلد آخر عشرة آلاف، وجرت العادة أنه يمكن أن يتصرف فيها، ثم يرد؟

الشيخ: واللهِ، ما تعرف العادة هذه، ما عرفت العادة.

الطالب: ليست عينية.

الشيخ: إي، دراهم.

الطالب: ليس المراد إيصالها بعينها؟

الشيخ: هو الواجب إيصالها بعينها وألَّا يتصرف فيها.

طالب: ذكرنا من قبل أن الدراهم ليست كالـ ..

الشيخ: لا، الدراهم بالتعيين، هذا شيء ثانٍ، هذا في البيع والشراء، لكن مسألة الأمانة تتعين، ما يمكن يتصرف فيها أي تصرف إلا بإذن، لو قال له -مثلًا-: خذ هذه أعطها أهلي في البلد الفلاني، قال: تأذن لي أني أستقرضها، إذا أذن له لا بأس.

طالب: ما شأن المحامين الذين يدافعون عمن له حق، لكنهم يستخدمون وسائل غير شرعية؟

الشيخ: مثل؟

الطالب: يستخدمون قوانين (

).

ص: 1689

الشيخ: هذه مسألة في الحقيقة مهمة جدًّا؛ يعني -مثلًا- هل يجوز أن نتحاكم إلى من يحكمون بالقانون إذا كنا محقين، أو نضيع حقوقنا؟ ذكر ابن القيم رحمه الله في أول كتاب الطرق الحكمية أن من الفقهاء من قال: لا تتحاكم إليهم، وليضيع كل حقك، وقال: هذا لا يمكن أن تصلح به أحوال الناس، لا سيما مع كثرة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، لك أن تحاكم، ولكن إذا حكم لك بغير ما أنزل الله فردها، أما أن تضيع حقوق الناس، ربما تكون أملاك وفيها وراث كثيرون، نضيعها لأن هذا يحكم بالقانون؟ ! أنت تحاكم إليه، وإذا حكم بالحق فالحق مقبول من أي إنسان.

طالب: شخص إذا كان محامي نفسه؟

الشيخ: نفس المحامي، الوكيل قائم مقام الموكل، فإذا كان الموكل محقًّا فلا بأس أن يتوكل عنه.

طالب: أحسن الله إليك، قولنا: وكل يُقْبَل قوله (

) هل هو على إطلاقه فيمن قبض؟

الشيخ: لا، كل يُقْبَل في الأمور المالية، لكن فيه أشياء ما يحتاج إلى الحلف.

طالب: في الأمور المالية هل مرتبطة بحظ نفسه أم بغيره؟

الشيخ: كل الدعاوي هذا الضابط فيها.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كان فيها مانع؛ مثل عشرة آلاف ريال جت ضرورة لي ولَّا لأحد من الناس، ضرورة لازمة، ونويت أتصرف فيها ..

الشيخ: وتستأذن صاحبها؟

الطالب: إي نعم.

الشيخ: إي.

الطالب: أو لا استأذن صاحبها، (

) الحقيقة هذه تيجي فجأة.

الشيخ: إي، إذا كان ضرورة بمعنى الموت إن لم تفعل؟

الطالب: لا، يا شيخ، هم غالبًا ما يسجنون الإنسان.

الشيخ: هذا (

) معناه: أن ما عندك فلوس توفيه.

الطالب: بيسجن الإنسان، ولًّا بيسجني أنا، ولَّا بيسجنك، وأنا نويت أني آخدها أتصرف فيها وأخبره بعد ..

ص: 1690

الشيخ: ما يكفي النية، لا بد أن تستأذن من صاحبها، نعم لو فُرِضَ أن الذي أعطاك إياها رجل من أقاربك وتعلم علم اليقين أن من أحلى ما يكون على قلبه أن تزيل ضرورتك باستعمالها فلا بأس، أو إنسان صديق لك صداقة تعلم أن من أحلى ما يكون على قلبه أن تتصرف بدراهمه تفك حاجتك فلا بأس، وهذا يُسَمَّى عند العلماء تصرف الفضولي.

طالب: بارك الله فيك، المحامون الذين يدافعون عن حقوق الناس بالحق، ولكن يتحاكمون بحكم بغير ما أنزل الله، فهل يجوز له أن يزوِّر؛ لأن بعض الناس يجي بأوراق مزورة لكي يصل لما فيه من حق، فهل يجوز له تزوير أوراق؟

الشيخ: أبدًا، ما يجوز، التزوير هذا حرام.

الطالب: يقول: لو لم أفعل ذلك ما جاب حقًّا؟

الشيخ: لا يجيب حقًّا، التزوير محرم.

طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قلنا: تجوز الخصومة، هل يجوز التوكيل في الخصومة بدون رضا الخصم؟

الشيخ: إي، أسمعتم ما قال؟ يقول: هل يجوز أن أوكل شخصًا يخاصم عني بدون رضا خصمي؟ الجواب: نعم؛ لأن الإنسان له أن يأخذ الحق بنفسه أو بوكيله.

الطالب: حتى لو قال الوكيل: أنا لا ..

الشيخ: لو قال الخصم: أنا ما أبغي هذا، ليش توكل هذا؟ هذا رجل لدود، هذا رجل خصوم، أنا ودي أنت؛ رجل طيب القلب، حبيب؛ علشان أركبك!

طالب: وكَّل الموكل الوكيل على أن يبيع له سلعة بعشر، قال له: والزائد على العشرة لك إجارة؟

الشيخ: ما فيه بأس، إذا قال: بعْ هذا بعشرة وما زاد فهو لك فلا بأس به.

طالب: أحسن الله إليك، إذا كان -مثلًا- الوكيل في بلاد ليس للموكل أن يأتي إليها وغريمه هناك، ولا يجد من يوكله إلا ذاك الوكيل، فهل يجوز للوكيل أن يقول: أنا لا أسعى لك في قضيتك إلا بأخذ مالي، أم نظرًا لضرورة ذلك يقال: إنه لا يجوز له ذلك؟

ص: 1691

الشيخ: لا، له أن يأخذ المال، لكن بقدر العادة؛ لا يزيد ويتغلب عليه عشان هو مضطر، سمعتم كلامه؟ يقول: إذا كان الإنسان في مكان آخر وله خصم في بلد آخر، ووكل شخصًا لقبض حقه، وقال الوكيل: أنا لا أقبضه إلا بكذا وكذا؛ إما بدراهم مقطوعة؛ كألف ريال مثلًا، أو بالعشر، لي عشر ما قبضت أو ما أشبه ذلك، نقول: لا بأس، لكن بشرط ألَّا يستغل ضرورته فيطلب عليه أكثر من العادة.

طالب: قلنا في تعريف الأمين: كل من أخذ المال بإذن الشارع وبإذن ..

الشيخ: كل من كان المال في يده بإذن من الشارع أو إذن من المالك.

الطالب: يدخل في هذا التعريف المستعير يا شيخ؟

الشيخ: نعم، هو أمين.

طالب: ماذا تقولون في (

الشيخ: هذه مسألة غير الأمانة، القول الراجح أنه ما يضمن (

)، هذا القول الراجح، لكن المذهب يقولون: لأنه قبضه لحظ نفسه المحض؛ فلذلك ضمَّناه على كل حال، وهو أمين.

طالب: شيخ -بارك الله فيكم- من المعلوم أن الجهل والنسيان عذر، فهل يكون عذرًا للوكيل بأن جهل بأنه -مثلًا- لو وضع الساعة تحت الشمس خربت؟

الشيخ: بأنه أيش؟

الطالب: فهل يكون العذر والجهل بالنسبة للوكيل أيضًا مخرجًا له من التفريط أو التعدي؛ بأن يجهل بأنه -على مثال الساعة- أن يجهل بأنه لو وضع الساعة تحت الشمس أنها تتلف، أو ينسى فيضعها في مكان يناله الأولاد، أو -أيضًا صورة ثالثة- ممكن أن تدخل هنا ألَّا يقصد أن يتلفها؛ بأن يضعها في جيبه فيجلس عليها فتنكسر، هذه الصور الثلاثة هل يخرج منها شبهة التعدي أو التفريط؟

الشيخ: أما الأخيرة فلا ضمان عليه؛ لأنه جرت العادة أن الساعة وأشباهها توضع في الجيب فليس عليه شيء، وأما الأولى والثانية فعليه.

واعلم أن الجهل والنسيان بالنسبة لحقوق الإنسان لا يسقط بهما الضمان، يسقط بهما الإثم فقط، أما الضمان فلا بد منه.

طالب: إذا قال الموكل للوكيل: بعِ السيارة واقبض الثمن، فوجد الوكيل سيارة بخمسين ألفًا؟

الشيخ: هو قال: بع السيارة؟

ص: 1692

الطالب: هو قال: بع السيارة واقبض الثمن، فوجد الوكيل سيارة بخمسين ألفًا.

الشيخ: وجد السيارة؟ هو ما وكله بالشراء!

الطالب: نعم، هو يريد أن يشتري له، والوكيل يريد أن يشتري لنفسه، ذهب إلى ..

الشيخ: يعني باع السيارة؟

الطالب: ما باعها، يريد أن يبيع السيارة، فوجد السيارة بخمسين ألفًا، فقال لصاحب السيارة: أعطيك هذه السيارة -سيارة موكلي- بثلاثين، وهي تسوى ثلاثين، وأزيدك عليها عشرين ألفًا، فوافق صاحب السيارة، فأعطاه السيارة، وأعطاه عشرين ألفًا ورجع إلى الموكل (

الشيخ: كيف؟ يعني رجع بثلاثين ألفًا والسيارة؟

الطالب: الموكل قال: بع سيارتي هذه.

الشيخ: بثلاثين ألفًا.

الطالب: بثلاثين ألفًا.

الشيخ: فوجد سيارة بخمسين ألفًا.

الطالب: فوجد سيارة بخمسين ألفًا.

الشيخ: وقال لصاحبها: خذ هذه السيارة بثلاثين ألفًا.

الطالب: وعليها عشرين ألفًا.

الشيخ: وأعطيك عشرين ألفًا.

الطالب: إي نعم.

الشيخ: طيب، فعل.

الطالب: فعل، ثم أخذ السيارة التي قيمتها خمسون ألفًا له، ورجع إلى الموكل وأعطاه ثلاثين ألفًا من جيبه.

الشيخ: إذن هو في الواقع باعها، لكن يبقى النظر على ما سبق أن الوكيل في البيع لا يبيع على نفسه.

الطالب: هل هذا بيع على نفسه؟

الشيخ: شبيه بالبيع على نفسه؛ لأنه ربما .. ، لكن ذكرنا فيما سبق أنه إذا عيَّن الثمن فلا بأس أن يشتري من نفسه وأن يبيع من نفسه.

الطالب: لم يعين في هذه الصورة؟

الشيخ: هنا عيَّن قال: بعْها بثلاثين، هذا الكلام تقول: عيَّن.

الطالب: إذا لم يعين.

الشيخ: إذا لم يعين ما يجوز (

).

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة:

فصل

ص: 1693

والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط، ويُقْبَل قولُه في نفيه والهلاك مع يمينه، ومن ادَّعى وكالة زيدٍ في قبض حقه من عمرٍو لم يلزمه دفعه إن صدَّقه، ولا اليمين إن كذَّبه، فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حَلِفَ وضمنه عمرو، وإن كان المدفوع وديعة أخذها، فإن تلفت ضمن أيهما شاء.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

سبق لنا في كلام المؤلف ما يُفْهَم منه جواز التوكيل في الخصومة.

طالب: (

).

الشيخ: لا ما يُفْهَم من كلام المؤلف، ما يُفْهَم منه جواز التوكيل في الخصومة، من أين تؤخذ من كلامه؟

طالب: من قوله: (والوكيل في الخصومة لا يقبض).

الشيخ: من قوله: (والوكيل في الخصومة لا يقبض)، هل هذا على إطلاقه؛ أي: أنه يجوز أن يتوكل شخص في الخصومة أو لا؟

طالب: هذا به ثلاثة أحوال.

الشيخ: لا، سؤالي هل هذا على إطلاقه أو لا؟

طالب: على المشاع؛ يعني نعتبره على إطلاقه.

الشيخ: معناه: يجوز أن أتوكل لشخص في الخصومة الباطلة.

طالب: ثلاثة أحوال في قبول الخصومة.

الشيخ: أحوال ولَّا أقوال؟

الطالب: ثلاث حالات؛ إما أن يعلم أن هذا على باطل، وإما أن يعلم أنه محق، وإما أن يتردد، فإن علم أنه على باطل فلا يجوز له قبول الخصومة، وإن علم أنه محق فهذا من التعاون على البر والتقوى، وإن تردد فالسلامة هي أولى وألَّا يقبل.

الشيخ: أحسنت، إذن له ثلاث حالات؛ إن علم أنه محق جاز، بل قد يسن أو يجب، وإذا علم أنه مبطل حرم، وإذا تردد فالسلامة أولى، لو علم أنه مبطل، ولكن يوكل له في الخصومة من أجل أن يمنعه؟

طالب: يجوز.

الشيخ: يجوز، الدليل؟

طالب: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

الشيخ: ما تعاون.

طالب: من أجل أن يمنعه من الظلم.

الشيخ: ائتنا بالدليل؟

طالب: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» (1).

ص: 1694

الشيخ: أحسنت، «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» ، تمام، الوكيل في القبض هل يملك الخصومة أو لا؟ الوكيل في القبض؛ وكلتك تقبض حقي من زيد، فهل إذا أنكر زيد يمكنك أن تخاصمه أو لا؟

طالب: إذا وكله في خصومة ..

الشيخ: لا، وكله في القبض قال: فلان عنده لي عشرة آلاف روح جيبها منه.

طالب: إذا وكله في القبض فإنه لا يملك الخصومة.

الشيخ: لا يملك الخصومة، وإن وكله في الخصومة؟

طالب: وإن وكله في الخصومة فيجوز له أن يخاصم.

الشيخ: يملك القبض، إذن إذا وكله في الخصومة ملك القبض، وإن وكله في القبض لم يملك الخصومة.

طالب: إن وكله في القبض فلا يملك الخصومة.

الشيخ: فلا يملك الخصومة، صح، وإن وكله في الخصومة؟

الطالب: وإن وكله في الخصومة لا يملك القبض.

الشيخ: لا يملك القبض، إي.

طالب: قول المصنف: إذا وكله في القبض ملك الخصومة.

الشيخ: ملك الخصومة، وإن وكله في الخصومة؟

الطالب: لا يملك القبض.

الشيخ: أحسنت، هذا هو، أسمعت، انتبه، لماذا لا يملك القبض إذا وكله في الخصومة؟

طالب: لأنه قد يرتضيه في الخصومة، ولا يرتضيه في الأمور المالية أو في القبض.

الشيخ: في القبض، صحيح قد لا يأتمنه على المال، لكن يرتضيه في الخصومة؛ لأنه جيد إذا وكله في القبض، يقول المؤلف: إنه يملك الخصومة؛ لأنه قد لا يتوصل إلى القبض إلا بالخصومة، هل هناك رأي آخر؟

طالب: نعم.

الشيخ: ما هو؟

طالب: قال الشيخ: لا يملك الخصومة.

الشيخ: الرأي الثاني: أنه لا يملك الخصومة، لماذا؟

طالب: لأنه يوهته.

الشيخ: يوهته، ويش معنى يوهته؟ يعني يسقيه ماء؟

الطالب: لا، يماطل يا شيخ.

الشيخ: لا، إذا خاصمه على طول؛ لأنه قد يرضى للقبض من لا يرضاه للخصومة، قد يكون على درجة ضعيفة والخصم قويًّا لسنًا فيغلبه، اقبض حقي الذي عند زيد، ومات زيد، فهل يقبض من ورثته أو لا؟

طالب: يقبض من ورثته.

الشيخ: يقبض من ورثته. واقبض حقي من زيد؟

طالب: إذا قال: اقبض حقي من زيد، لا.

ص: 1695

الشيخ: فجاء فوجده ميتًا؟

طالب: يقبض من ورثته.

الشيخ: يقبض من ورثته، واقبض حقي الذي قِبَل زيد؟

طالب: من زيد؟

الشيخ: اقبض حقي من زيد، فجاء فوجده ميتًا، هل يقبض من ورثته أو لا؟

طالب: لا يقبض منهم.

الشيخ: لا يقبض، هذه واحدة. اقبض حقي الذي عند زيد، فجاء فوجده ميتًا؟ لك السؤال.

طالب: يقبض.

الشيخ: اقبض حقي الذي قِبَل زيد؟

طالب: يقبض.

الشيخ: يقبض، تمام.

اقبض حقي من زيد غدًا هل يملكه بعد غد؟

طالب: لا.

الشيخ: يملكه؟

طالب: إن قصد فيما بعد، ما تحدد اليوم.

الشيخ: إي، قال: اقبض حقي من زيد غدًا يوم الثلاثاء، هل يقبضه يوم الأربعاء؟

طالب: ينظر إلى قصد الموكل؛ إن قصد -مثلًا- بغد هو ما بعد اليوم فإنه يقبضه، أما إن قصد يوم معينًا ..

الشيخ: وإن قصد به يوم القيامة؟

طالب: لأنه قد يكون المقصود بهذا، قد يكون هذا تاجر يشتري -مثلًا- يكون يربح يوم الثلاثاء ويشتري الأربعاء، فإن قبض الثلاثاء لم يكن (

).

الشيخ: إذا قلنا: يأخذ بظاهر اللفظ؟

طالب: فإنه يقبض غدًا فقط.

الشيخ: ولا يقبضه يوم الأربعاء.

إذا قال: اقبض يوم الأربعاء هل يملك يوم الثلاثاء؟

طالب: لا.

الشيخ: ما يملك. علل؟

طالب: لأنه يكون القصد ..

الشيخ: اترك المقصود، علل بشيء؛ لفظ واضح، التصرف في مال الغير مقيد بما أذن فيه الغير، فهو قال: اقبض يوم الأربعاء، ما أقبض يوم الثلاثاء ولا يوم الخميس، اقبض يوم الثلاثاء، ما أقبضه يوم الأربعاء، كذا ولَّا لا؟ لكن إذا علمنا أنه قال: اقبض حقي من زيد غدًا أنه يريد المبادرة في القبض، ما أراد تعيين اليوم، هل يقبضه بعد غد؟

طالب: يقبض.

الشيخ: يقبض، زين، المهم -يا إخواني- هل الأصل أن نعتمد على مجرد اللفظ ولَّا نقول: لعله أراد كذا، لعله أراد كذا؟

طلبة: مجرد اللفظ.

ص: 1696

الشيخ: الأول؛ نعتمد على مجرد اللفظ، إلا إذا علمنا المراد هذا شيء آخر؛ ولهذا الصحابة الذين علموا مراد الرسول بقوله:«لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (2) صلوا قبل بني قريظة.

يقول المؤلف: إن الإنسان إذا وكَّل شخصًا أن يودع له دراهم عند آخر ولم يشهد الوكيل فإنه لا ضمان عليه، علل؟

طالب: لأنه لا فائدة من الإشهاد؛ لأنه يقبل قول المودع في الرد.

الشيخ: في الرد؛ يعني حتى لو ثبت أنه أودعه وقال: رددت؟

طالب: يُقْبَل قوله.

الشيخ: هل هناك قول آخر؟

طالب: نعم.

الشيخ: ما هو؟

الطالب: أنه إذا لم يشهد فإنه يضمن، إلا إذا كان الأمر مما جرت العادة أنه لا يشهد عليه؛ إما لحقارته، أو لكون المودع مبرزًا في العدالة.

الشيخ: أحسنت، الصحيح أنه يضمن إذا أودع ولم يشهد؛ لأننا نستفيد من الإشهاد أنه ربما ينكر نسيانًا، فإذا أشهد حفظنا الحق، إلا إذا كان الشيء مما جرت العادة ألَّا يشهد عليه؛ إما لكونه حقيرًا يسيرًا، وإما لكون المودع مبرزًا في العدالة، لو أنك طلبت أحدًا يشهد عليه لعد الناس ذلك سوء أدب منك مثلًا.

ما ضابط الأمين في قول المؤلف: (الوكيل أمين) الضابط؟

طالب: الأمين: هو كل من كان المال في يده بإذن من الشارع أو بإذن من المالك.

الشيخ: أحسنت، حكم الأمين يقول المؤلف: لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط؛ يعني: وبلا تعد أيضًا، والفرق بين التفريط والتعدي أن التفريط: ترك ما يجب، والتعدي: فعل ما لا يجوز.

رجل أمين على جمعية تحفيظ قرآن، جمعية خيرية وما أشبه ذلك، احتاج يومًا من الدهر مئة ألف ريال، واستقرض من دراهم الجمعية التي هو أمين عليها، هل يكون أمينًا أو لا؟ أجب.

طالب: لا، أخذه هذا بدون إذن منه، لا يُعْتَبر أمينًا.

الشيخ: يعني: فيما أخذ فقط ولَّا في الكل؟

طالب: لا يعتبر أمينًا في الكل.

الشيخ: في الكل؟

طالب: أو فيما أخذ.

الشيخ: فيما أخذ؟

طالب: إي نعم.

الشيخ: والباقي يكون أمينًا؟

ص: 1697

طالب: نعم، الأصل الأمانة.

الشيخ: هل تعدى أو لم يتعد؟

طالب: تعدى يا شيخ.

الشيخ: تعدى، كل أمين يتعدى تبطل أمانته، خذ هذا قاعدة، كل أمين يتعدى فإن أمانته تبطل، وعلى هذا فيكون ضامنًا (

) بيده بلا إذن، فيكون ضامنًا، وهذه مسألة يتساهل فيها بعض الناس إذا أودع وديعة أو كان ناظرًا على الوقف أو كان وصيًّا في وصية واحتاج ذهبًا يستقرض، هذا لا يجوز، ولا سيما في المسألة الكبيرة.

طالب: يا شيخ، أمانته فيما أخذ ولَّا في الجميع الآن؟

الشيخ: في كلها؛ يعني: يجب عليه الآن أن يرفع يده ويذهب إلى القاضي أو إلى الجهة المسؤولة ويقول: واللهِ، أنا أطلب العفو عن هذا.

***

ثم قال المؤلف: (ويُقبَل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه)(يقبل قوله) أي: الوكيل، (في نفيه) أي: نفي التفريط، ويُقْبَل قوله في الهلاك؛ أي: التلف، لكن مع يمينه، (يُقْبَل قوله في نفيه) يعني: لو قال الموكل: إنك قد فرَّطت، فقال: لم أفرط، فالقول قول الوكيل؛ لوجهين:

الوجه الأول: أن الأصل عدم التفريط.

والوجه الثاني: أن الموكل قد ائتمنه على ذلك، وإذا ائتمنه فإنه لا يصح أن يعود فيُخَوِّنه بدون سبب أو بدون ثبوت شرعي.

وكذلك أيضًا يُقْبَل قوله في الهلاك؛ أي: تلف المال؛ مثل أن يقول: واللهِ، أنا أخذت منك هذه السلعة لأبيعها لك، لكن تلفت؛ يُقْبَل قوله.

وهل يقبل قول الموكل في طلب التفصيل؛ بمعنى أن يقول الموكل: بأي شيء تلفت؟

الجواب: لا؛ يعني: لا يلزم الوكيل أن يبين بماذا تلفت، يقول: تلفت، وإذا قال: تلفت فهو أمين، لكن لا بد من اليمين، كما سيأتي.

لكن لو ادعى هو -أعني: الوكيل- ادعى الهلاك بسبب ظاهر؛ مثل أن يقول: واللهِ، المال تلف؛ لأن دكاني احترق، السبب الآن؟

طلبة: ظاهر.

الشيخ: ظاهر، يقال: هاتِ بينة على أنه احترق، لا بد، فإذا أتى ببينة قُبِلَ قوله؛ أن المال الذي وُكِّلَ فيه مع المال الذي تلف.

ص: 1698

كذلك أيضًا لو قال: إنه انهدم عليه الدكان، نقول: هاتِ بينة؛ لأن انهدام الدكان سبب ظاهر، فإذا أتى ببينة وقال: إن المال مع المال الذي تلف بانهدام الدكان؛ يُقْبَل قوله.

الخلاصة الآن يُقْبَل قوله في التلف؛ وهو الهلاك الذي ذكر المؤلف بلفظ الهلاك ولا يُلزم بالتفصيل؛ يعني: لا يلزم بأن يُقَال له: بماذا تلف؟ وكيف تلف؟ ومتى تلف؟ لا يلزمه، لكن لو أنه ادعاه بسبب ظاهر قال: واللهِ، الدكان احترق أو الأمطار هطلت وهدمت البناء، أو ما أشبه ذلك، فماذا نصنع؟ نقول: أقم بينة أنه حصل الحريق، أقم بينة أنه حصل الهدم.

فإذا ادعى الموكِّل أن المال لم يكن مع ما احترق، فالقول قول من؟ الوكيل؛ لأنه مؤتمن.

***

ثم قال: (ومن ادَّعى وكالة زيدٍ في قبض حقه من عمروٍ لم يلزمه دفعُه إن صدَّقه، ولا اليمينُ إن كذَّبه).

انتبه لهذه المسألة، مسألة تبدو غريبة، ادَّعى وكالة زيدٍ في قبض حقه من عمرٍو، (وكالة زيدٍ) هنا (وكالة) مصدر مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول؟

طالب: الفاعل.

طالب آخر: المفعول.

الشيخ: يا أيها النحاة، هل هو مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول؟

طلبة: الفاعل.

طالب: إلى المفعول.

الشيخ: متفق عليه، فيه خلاف، الآن فيه قولان، لكن هو مضاف إلى الفاعل؛ يعني: ادَّعى أن زيدًا وكَّله في قبض حقه؛ أي: حق زيدٍ من عمرٍو، فصورة المسألة: شخص اسمه عبد الله أتى إلى عمرٍو وقال: إن زيدًا وكَّلني في قبض حقه منك، واضحة الصورة الآن؟ أركانها كم؟

طلبة: ثلاثة.

الشيخ: ثلاث؛ زيد طالب، عمرو مطلوب، عبد الله وكيل، جاء عبد الله إلى عمرٍو وقال: إن زيدًا وكَّلني في قبض حقه منك، قال: واللهِ، أنت رجل صدوق، رجل دين، رجل ورع، ولكن ما أنا معطيك، له الحق؟

طالب: نعم.

ص: 1699

الشيخ: يقول المؤلف: (لم يلزمه دفعه إن صدَّقه) لم يلزم من؟ لم يلزم عمرًا، (دفعه) أي: الحق، (إن صدَّقَه) أي: إن صدَّق مدعي الوكالة، والذي سميناه في هذا المجلس عبد الله، فعمرٌو قال لعبدِ الله: أنا لا أقول لك: إنك كاذب، أنت رجل صدوق، وكأني أسمعه وهو يوكلك من أمانتك عندي وصدقك، لكن ما أنا معطيك، لن أسلمك، نقول: ما يلزمه.

كيف ما يلزمه وهو مصدِّقه؟ لاحتمال أن زيدًا ينكر التوكيل، ما فيه احتمال هذا؟ نعم، ربما يقول زيدٌ: أنا ما وكلته، حتى لو كان صادقًا أنه موكله، فزيدٌ قد يكون ظالمًا، ويقول: أبدًا، ما وكلته، إذا قال: ما وكلته؛ يضيع حق عمرو، يؤخذ الحق من عمرو مرتين؛ لأن زيدًا الذي هو صاحب الحق سيقول لعمرو: حقي ما وصلني؛ لأني ما وكلت عبد الله، له الحق ولَّا لا؟ له الحق.

قدَّرنا أن زيدًا أخذ الحق من عمرٍو، أين يكون حق عمرٍو في الذي قبضه عبد الله؟ يرجع إلى عبد الله، يرجع للذي ادعى الوكالة؛ لأنه أخذه منه.

لو ادعى قبض حقه من عمرٍو وأتى ببينة؛ جاب شهودًا أو وثيقة من المحكمة، يلزمه الدفع؟

طلبة: نعم.

الشيخ: يلزمه الدفع؛ لأن زيدًا صاحب الحق له أن يقبضه بنفسه وبوكيله، فإذا أتى ببينة قلنا: يلزمك أن تدفع.

(ولا اليمين إن كذَّبه) يعني: ولا يلزم عَمْرًا اليمينُ، (إن كذَّبه) أي: كذب مدعي الوكالة؛ لما جاء عبد الله إلى عمرو وقال: إن زيدًا وكَّلني في قبض حقه منك، قال: أبدًا، أنت كذاب، فإنه لا يلزمه أن يحلف على كذب مدعي الوكالة، قال: احلف أنه ما وكَّلك، قال: ما أحلف، لكن أنت كاذب ولا مسلمك، لماذا؟ لأنه لو نكل لم يُقْضَ عليه بالنكول، لو أن عَمْرًا نكل وقال: ما أحلف، فإن القاضي لا يقول له: إذن يلزمك الحق؛ لأنه سبق لنا أنه لا يلزمه التسليم ولو صدَّقه.

إذن لدينا مسألتان الآن:

المسألة الأولى: ادَّعى عبد الله أن زيدًا وَكَّلَه في قبض حقه من عمرو، فقال عمرو: صدقت، ولكن لا أسلمك، يصح ولَّا ما يصح؟

ص: 1700

طلبة: يصح.

الشيخ: يصح.

ادَّعى عبد الله أن زيدًا وَكَّلَه في قبض حقه من عمرو، فقال عمرو: كذبت، أبدًا، ولا أصدقك، هاتِ بينة، وإلا غير صادق، يلزمه أن يسلم الحق أو لا يلزمه؟

طلبة: لا يلزمه.

الشيخ: هل يلزمه اليمين إذا قال عبد الله: احلف أنه ما وكلني؟ لا يلزمه، لماذا؟ لأنه لا يُقْضَى عليه بالنكول، حتى لو صدقه؛ لو قال: إنه صادق فإنه لا يُلْزَم بالدفع على ما سبق.

ثم قال (فإن دفعه) أي: الحق، الفاعل من؟

طلبة: عمرو.

الشيخ: عمرو، والمدفوع إليه؟

طلبة: عبد الله.

الشيخ: عبد الله.

(إن دفعه) أي: عمرو إلى عبد الله، (فأنكر زيد الوكالة) قال: ما وكَّلته، فهنا نقول لزيد: احلف؛ ولهذا قال: (حلف وضمنه عمرو) حلف من؟ زيد الذي له الحق، إذا قال: ما وكَّلت عبد الله، نقول: احلف، إذا حلف فإن عَمْرًا يضمنه لزيد، وماذا عن الحق الذي دفعه يرجع به على من؟ على عبد الله الذي ادعى الوكالة بلا بينة؛ ولهذا قال:(ضمنه عمرو) يعني: ويرجع عمرو على مدعي الوكالة بما أقبضه إياه.

وإن لم يحلف زيد، إذا قال: ما أحلف، احلف أنك ما وكلته، قال: ما أحلف؛ يُقْضَى عليه بالنكول، ويقال: حقك وصل إلى وكيلك ولا شيء لك.

فإذا قال: واللهِ، ما أنا بحالف أخشى من الإثم، ماذا نقول؟ نقول: إن كنت صادقًا فلا إثم عليك، وإن كنت كاذبًا فالإثم عليك؛ تتحمل.

يقول: (وإن كان المدفوع وديعة) يعني: ليس حقًّا ثابتًا في ذمة الآخر، (أخذها) من يأخذها؟

طلبة: الوكيل.

الشيخ: يا إخوانا.

طالب: صاحبها.

الشيخ: صاحبها الذي هو زيد، زيد قال لعبد الله: إن عند عمرو لي وديعة، اذهب وائت بها إليَّ، فذهب إلى عمرو وصدَّقه، قال: أعطني الوديعة التي عندك لفلان، قد وكَّلني في قبضها، قال: اتفضل، ثم إن زيدًا أنكر الوكالة، نقول: الحمد لله، إذا أنكرت الوكالة، فالوديعة موجودة الآن، خذها ممن؟ ممن يا إخوان؟

طلبة: من عبد الله.

ص: 1701

الشيخ: من عبد الله اللي هو مدعي الوكالة، مالك الآن موجود، تفضل، فإن تلفت يقول:(إن تلفت ضَمَّنَ أيهما شاء)(ضَمَّنَ) الفاعل من؟

طلبة: زيد.

الشيخ: زيد، (أيهما) أي: عمرو، أو عبد الله مدعي الوكالة، (أيهما شاء) إذا تلفت نقول الآن: أنت ضَمِّن من شئت، لننظر كيف يضمن مدعي الوكالة؟ نقول: يضمنه؛ لأنه أنكر الوكالة، فيكون مدعي الوكالة أخذ المال بغير حق، فيضمنه.

كيف يضمن المودَع الذي كان محسنًا؟ من هو؟ عمرو.

نقول: لأنه فرَّط؛ حيث دفعها إلى هذا بدون بينة، فصار الآن يخير؛ إن شاء ضمَّن هذا، وإن شاء ضمَّن هذا.

(إن تلفت ضمن أيهما شاء) والمسألة الأولى إذن ما هي في الوديعة المسألة الأولى دين، زيد له حق على عمرو، فادعى عبد الله أنه موكل في قبضها، أما هذه فهي وديعة، إن تلفت ضمن أيهما شاء.

وهذه المسائل في الحقيقة تنبني على ضابط سبق ودلت عليه السنة؛ أن الأصل في أموال المحترمين العصمة، وأنك لا تتصرف فيها إلا حسب ما أُذِنَ لك فيها، «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (3). هذه هي القاعدة الأساسية، ثم التفريعات هذه تكون على حسب القواعد، وقد يصح التفريع، وقد لا يصح.

***

قال: (باب الشركة) الشَّرِكَة، ويقال: الشِّرْكَة، ويقال: الشَّرَكَة. الشِّرِكَة، والثاني الشِّرْكة، والثالث الشَّرَكة، كلها جائزة، وهي في الأصل: الاختلاط، الاختلاط يُسَمَّى شركة.

لكنها في تعريف الفقهاء يقول: (اجتماع في استحقاق أو تصرف)، هذه الشركة.

الاجتماع في الاستحقاق؛ كورثة ورثوا عقارًا من أبيهم، هؤلاء اجتمعوا في أيش؟ في استحقاق، ما بينهم عقد، كذلك أيضًا اشتراك المجاهدين في الغنيمة، هذا اجتماع في استحقاق.

ص: 1702

(أو تصرف) وتُسَمَّى شركة العقود، وهذه هي التي تحتاج إلى عقد بين المتشاركين، فصار التعريف للشركة هي: اجتماع في استحقاق أو تصرف. والثانية تسمى شركة العقود؛ وهي التي لا تثبت إلا باتفاق بين الشريكين. الأولى تثبت بدون أن يكون اتفاق بين الشريكين؛ لأنها من الأصل ثابتة، وأما العقود فلا بد من اتفاق.

وهنا نسأل هل الأولى المشاركة أو الأولى الانفراد؟ يعني هل الأولى أن الإنسان يتصرف في ماله بنفسه ولا يجعل معه شريكًا أو الأولى أن يشارك؟ الواقع أنه ما تستطيع تقول: هذا أولى، وهذا أولى، لكن إذا تردد الإنسان فالانفراد أولى؛ لأن الإنسان يكون حرًّا في ماله لا أحد يحاسبه، وهو إن شاء تبرع، وإن شاء منع، وإن شاء تصدق، وإن شاء جمع.

المهم أنه إذا كان منفردًا صار أكثر حرية من المشاركة، وأسلم أيضًا، أسلم في الغالب، لكن قد يكون الإنسان لا يستطيع أن يتصرف في ماله بنفسه، فيحتاج إلى المشاركة.

وعلى هذا فتجويز المشاركة من نعمة الله عز وجل ومن رحمته بالخلق، وإلا لو قيل: لا أحد يتصرف إلا في ماله الخاص صار في هذا تضييق؛ قد يكون الإنسان عنده مال كثير، لكن ما يحسن التصرف؛ إما لعجزه في بدنه، أو لعجزه في فكره، أو لانشغاله في علمه، أو ما أشبه ذلك، لكن المال كثير فهنا لا بد من المشاركة؛ يعطيه إنسان حاذق في البيع والشراء يقول: خذ، بعْ واشتر بهذا المال ولك نصف الربح أو ربع الربح، أو ما أشبه ذلك، ولَّا لا؟ الناس في حاجة لهذا؛ لذلك كان من نعمة الله عز وجل جواز الشركة.

قال: (وهي أنواع؛ الأول: شركة عنان) وهو من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الشركات أجناس، وأفرادها أنواع.

شركة العنان مشتقة من: عنان الفرس، وتعرفون عنان الفرس، ما هو اللجام المقود؛ لأن هذين المشتركين كأنهما فرسا رهان.

ص: 1703

قال: وهي (أن يشترك بدنان بماليهما) هذه شركة عنان، أنا -مثلًا- عندي عشرة آلاف ريال، وأنت عندك عشرة آلاف ريال، اتفقنا على أننا نجمعهما -أي: العشرة والعشرة- ونبيع ونشتري فيهم، هذه تُسَمَّى شركة عنان؛ لأن كل واحد منا قد أطلق فرسه للتجارة، ولكن لا بد من شروط سنذكرها فيما بعد، إن شاء الله.

طالب: أحسن الله إليك، إذا أقام عبد الله البينة وأخذ المال من عمرو، ثم تبين أنه قد جاء ببينة باطلة؛ بورقة مزورة، ماذا على عمرو؟

الشيخ: فلا ضمان عليه، إذا أتى ببينة ودفع عمرو ذلك فلا ضمان عليه.

طالب: بارك الله فيك، لو وكله بأن يشتري له شيئًا، فذهب إلى المتجر واشترى هذا الشيء، لكن صاحب المتجر حتى يعود هذا الوكيل أن يأتيه دائمًا أعطاه منة وقال: هذه لك، وباعه بسعر المثل، وما نقص له شيئًا، فما حكم المال الذي يأخذه هذا من المتجر؟

الشيخ: لا بأس به؛ يعني: لا بأس أن الإنسان -مثلًا- إذا جاءه الزبون أن يعطيه، لكن بشرط ألَّا يكون ذلك سببًا في قصد هذا التاجر مع كون بضاعته رديئة أو مع كونه يزيد الثمن، فإن كان لذلك فلا يجوز.

طالب: نعم، إن كان لقصده، لكن ليس من ذلك في شيء.

الشيخ: أيش؟

طالب: إن كان قصده أن يقصده ذلك الوكيل، ولكن هو كسعر غيره وبضاعته جيدة؟

الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع.

طالب: إذا وكَّله في حفظ مال معين لكي يشتري له به، ثم وضعه الوكيل فيما يوضع فيه عادة في الخزنة، ثم قال الوكيل: إنه سرق المال، وسرق مال دون ماله، أخذت ألفك من المال الذي له، فهل يُقْبَل قوله؟

الشيخ: يقول: إذا أعطاه مالًا يشتري به سلعة، ووضعه الوكيل في خزانة المال، ثم إنه ادَّعى أنه سُرِقَ من بين ماله، فيُقْبَل قوله؟ إي نعم؛ لأن هذا أمر ممكن.

طالب: أحسن الله إليك، الوكيل بدفع الديون ذهب ليدفع بعض الديون وأعطاه لصاحب الحق، فلما أعطاه أرجع له شيئًا منها، فهل يعطيه عشرة آلاف ليدفع، فلما أعطاه أرجع له مئتين أو ثلاث مئة ريال؟

ص: 1704

الشيخ: أو ألف ريال.

الطالب: إي، ماذا يصنع لمن تكون؟

الشيخ: إذا كان الدافع الذي -مثلًا- يطلب زيدًا عشرة آلاف ريال، ثم جاء وكيله بالعشرة وأسقط ألفين، إذا كان قصده الإسقاط من أصل الدين فهو للموكل، وإذا كان قصده مكافأة هذا الآتي فهو له، ويتبين ذلك بكثرة الذي أسقط، إذا كان -مثلًا- ألفين علمنا أن قصده بذلك مصلحة من؟ مصلحة الموكل، أما إذا كان عشرة ريالات فمعروف أن قصده مكافأة هذا.

طالب: شيخ سؤال الأخ فيما إذا كان ..

الشيخ: أي الأخ؟ ما هو السؤال حتى نعرف؟

الطالب: فيما إذا كانت البينة مزورة قلنا: إنه ..

الشيخ: لا ضمان على عمرو.

الطالب: نعم، فهل يضيع حق الموكل؟

الشيخ: لا، حق الموكل يضمنه مدعي الوكالة، ما يضيع.

الطالب: ما وجد يا شيخ؟

الشيخ: كيف ما وجد؟ هرب هذا كثيرًا من الأموال تضيع على الإنسان.

طالب: بارك الله فيك، إذا وكل الإنسان شخصًا آخر لا يعرفه بناء على تزكية شخص آخر له، فأتلف المال، وكان معروفًا بالتفريط، فهل يضمن المزكي ولَّا لا؟

الشيخ: إي نعم، يضمن المزكي؛ يعني: لو زُكِّي هذا الرجل، زكاه فلان، وهذا أعطاه بناء على تزكيته فإنه يضمن.

طالب: لو أُعْطِي مالًا أمانة وخلطها مع ماله، فهل يجوز له؟

الشيخ: ما يجوز. يقول: إنسان أُعْطِي مالًا وديعة، فخلطه مع ماله، هذا لا يجوز، إلا إذا استأذن من صاحبه، وحينئذٍ يكون قرضًا.

طالب: يضع (

الشيخ: لا بد أن يستأذن من صاحبه.

طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- قلنا: إن عمرًا إذا قبل قول الوكيل في ادعائه؟

الشيخ: مدعي الوكالة؟

الطالب: في مدعي الوكالة قُبِلَ قوله وأعطاه المال في الدين، فإن الموكل يضمن الوكيل.

الشيخ: لو أنكر؟

الطالب: إي نعم.

الشيخ: لو أنكر الموكل؟

الطالب: فإنه حينئذٍ المدين يضمن هو وحده يضمن.

الشيخ: لكن المدين يضمن لزيد؛ يعني: يضمن للدائن، ثم يرجع على مدعي الوكالة.

الطالب: وفي الوديعة قلنا بأنه يضمن أيهما شاء.

الشيخ: نعم.

ص: 1705

الطالب: ما وجه ذلك؟

الشيخ: وجه ذلك لأن الدين ثابت على عمرو.

وهي اجتماعٌ في استحقاقٍ وتَصَرُّفٍ، وهي أنواعٌ:

فشَركةُ (عَنانٍ) أن يَشترِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِما

أن يَشترِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِما المعلومِ ولو مُتَفَاوِتًا ليَعْمَلَا فيه ببَدَنَيْهِما، فيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كلٍّ منهما فيهما بحُكْمِ الْمِلْكِ في نصيبِه ، وبالوكالةِ في نَصيبِ شَرِيكِه، ويُشْتَرَطُ أن يكونَ رأسُ المالِ من النقدينِ الْمَضروبينِ ولو مَغشوشينِ يَسيرًا، وأن يَشْتَرِطَا لكلٍّ منهما جُزءًا من الرِّبْحِ مَشاعًا مَعلومًا، فإن لم يَذْكُرَا الرِّبْحَ أو شَرَطَا لأَحَدِهما جُزءًا مَجهولًا أو دَراهِمَ معلومةً أو رِبحَ أَحَدِ الثوبينِ لم تَصِحَّ ، وكذا مُساقاةٌ ومُزارعةٌ ومُضاربةٌ، والوَضِيعَةُ على قَدْرِ المالِ. ولا يُشْتَرَطُ خَلْطُ المالَيْنِ ولا كونُهما من جِنْسٍ واحدٍ.

طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا: إن عَمْرًا إذا قَبِلَ قول الوكيل في ادعائه ..

الشيخ: مُدَّعِي الوكالة.

الطالب: إي نعم، في مُدَّعِي الوكالة قَبِل قوله وأعطاه المال في الدَّيْن، فإن الْمُوَكِّل يُضَمِّن الوكيل ..

الشيخ: لو أنكر الموكِّل.

الطالب: فإنه حينئذ الْمَدِين هو وحده يُضَمَّن.

الشيخ: لكن الْمَدِين يضمن لزيد، يعني يضمن للدائن، ثم يرجع على مُدَّعِي الوكالة.

الطالب: وفي الوديعة قلنا: إنه يُضَمِّن أيهما شاء.

الشيخ: نعم.

الطالب: ما وجه ذلك؟

الشيخ: وجه ذلك لأن الدَّيْن ثابت على عمرو، والوديعة هي عين قائمة بنفسها نقول: خذها الآن.

الطالب: لكنه يُضَمِّن أيهما شاء.

الشيخ: نعم، يُضَمِّن أيهما شاء؛ لأن كُلًّا منهما مُفَرِّط، هذا معتدٍ مُدَّعِي الوكالة، وده مُفَرِّط حيث أعطاها بدون بينة.

الطالب: وفي الدَّيْن أيضًا كذلك.

الشيخ: الدَّيْن أصلًا ثابت على عمرو من الأصل؛ لأن عمرًا في الوديعة لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط.

ص: 1706

طالب: حفظكم الله، قلتم في جواب سؤال سابق ..

الشيخ: متى؟

الطالب: في باب الوكالة.

الشيخ: متى؟ الليلة ولَّا البارحة؟

الطالب: لا، قبل البارحة.

الشيخ: أَجِّل، خليه معنا لقول البارحة.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا استلف شخصًا سيارة.

الشيخ: إذا استلف شخصًا سيارة! !

الطالب: يعني استلفها من أحد الإخوة.

الشيخ: المهم إذا استلف شخصًا سيارة! !

الطالب: نعم.

الشيخ: هكذا نقول اللفظ؟

الطالب: المعنى هذا أو ذاك.

الشيخ: يا إما أن تتكلم باللغة العربية وتجيدها، ولا خَلِّها بالعامية وكل شيء يُقْبَل منك.

الطالب: إذن هذه عامية يا شيخ.

الشيخ: عامية يلَّا.

الطالب: فخربت عليه، وكان مُؤْتَمَنًا عند مَن أسلفه إياها، ثم قال له: قد تلفت ولم أُفَرِّط، هل يُعْمَل كذلك ..

الشيخ: لكن هو استقرضها منه، استقرض منه السيارة.

الطالب: نعم.

الشيخ: خلاص دخلت ملكه، دخلت ملك المستقرِض، إذا تلفت فهي عليه، سواء بِتَعَدٍّ أو تفريط؛ لأن الْمُقْرِض ثبت له في ذمته سيارة.

الطالب: غير الوكالة هذه؟

الشيخ: الاستقراض يدخل ملك المستقرِض، ما فيه ضمان.

الطالب: أحسن الله إليك، أحيانًا يكون هذا العطل الذي في السيارة يكون من قديم، ما يخرب يعني لأجل هذه الإعارة فقط.

الشيخ: سؤالك مبني على أيش؟

الطالب: على إلزام هذا الرجل بإصلاح السيارة، أنه ضامن هذا الخراب يا شيخ.

الشيخ: سؤالك على الأخ مُفَرَّع عليه؟

الطالب: نعم.

الشيخ: لا، أصل الضمان على المستقرِض على كل حال؛ لأن السيارة ملكه.

الطالب: (

) يا شيخ (

).

الشيخ: الآن إذا استقرض السيارة صارت ملكه، يبيعها ويستطيع يفعل بها ما شاء. (

)

طالب: لماذا ينكر زيد الوكالة؟

الشيخ: لأنه أنكرها، يعني تقول: السبب يعني؟

الطالب: إي نعم.

ص: 1707

الشيخ: السبب ضعف الإيمان، إذا كان مُوَكّل حقيقةً وأنكر ضعف الإيمان، وربما يكون أنكرها؛ لأن وكيله أتلفها، ولو راح يطالب الوكيل، فيقول: ينكر علشان يكون حيلة، كما قال بعض أهل العلم: إذا أرادت امرأة أن تفسخ نكاحها من زوجها فإنها تزني بأبيه، ليش؟ لتكون موطوءة أبيه، وموطوءة الأب تَحْرُم على الابن، هذا موجود في كتب الحِيَل، وهذا -سبحان الله العظيم! ! - تتحيل على هذا بفعلها الزنا؟ ! لكن نقول: إذا زنت بأبيه وهي ثَيِّب الرجم، يفوتها هذا وهذا، لكن قصدي إن هذا من الحِيَل، ولهذا في كتاب يسمى كتاب الْحِيَل، لكن ما رأيناه، كان الإمام أحمد –رحمه الله يُنْكِرُه إنكارًا شديدًا ويغضب منه إذا ذُكِرَ عنده، فهذا الذي أنكره الأخ أنكره علشان الأخ أتلف المال. (

)

هل هي جائزة باعتبار الحكم التكليفي؟

طالب: نعم.

الشيخ: جائزة.

الطالب: نعم.

الشيخ: الدليل؟

الطالب: الدليل أن فيها مصلحة ..

الشيخ: لا، هذا تعليل.

الطالب: الدليل قول الله تبارك وتعالى في قصة أصحاب الكهف: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف: 19].

وأما السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم وَكَّل في العبادات وفي المعاملات، ففي العبادات وَكَّلَ عَلِيًّا أن ينحر باقي البُدْن في الحج، وأن يقطعها ويوزعها على المحتاجين (1)، ووكَّل الجعد بن عروة في أن يشتري له شاة بدينار، فاشترى شاتين، باع إحداهما بدينار ورجع بدينار. (2)

الشيخ: وَكَّل في الحدود.

الطالب: ووَكَّل في إقامة الحدود واستيفائها.

الشيخ: إثباتها واستيفائها.

الطالب: نعم، فأرسل إلى المرأة صاحبة العَسِيف أرسل إليها فقال له:«إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» . (3)

الشيخ: وهو أُنَيْس.

الطالب: ذهب إلى (

) «إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» .

ص: 1708

الشيخ: بارك الله فيك، جيد، هل الوكالة عقد جائز أو لازم من حيث الحكم الوضعي؟

طالب: عقد جائز بين الطرفين.

الشيخ: جائز بين الطرفين.

الطالب: نعم.

الشيخ: بالمناسبة تنقسم العقود من حيث الحكم الوضعي إلى كم؟

الطالب: إلى ثلاثة أقسام.

الشيخ: نعم.

الطالب: عقد لازم للطرفين وهو البيع.

الشيخ: لا تُمَثِّل.

الطالب: وعقد جائز من طرف ولازم من طرف آخر، وعقد جائز من الطرفين، هذه ثلاثة.

الشيخ: أحسنت، العقد اللازم من الطرفين مثل؟

طالب: مثل البائع إذا قام عن مجلس البيع.

الشيخ: إذا انتهت مدة الخيار.

الطالب: مدة الخيار.

الشيخ: أحسنت، الجائز من طرف دون آخر؟

الطالب: الجائز من طرف دون آخر مثل الوكالة إذا كان فيها ضرر على الْمُوَكِّل، إذا كان فيها فسخ.

الشيخ: إذا كان في فسخها ضرر ..

الطالب: على الموكِّل.

الشيخ: صارت جائزة في حق الموكِّل المتضرر.

الطالب: وغير جائزة في حق الوكيل.

الشيخ: لكن هذا في الحقيقة شيء طارئ على العقد، لكن نريد اللي من أصل العقد وجائز من طرف لازم من طرف آخر مثل؟

طالب: الرهن يا شيخ.

الشيخ: الرهن.

الطالب: إي نعم.

الشيخ: الرهن جائز من أي طرف؟

الطالب: جائز من طرف الْمُرْهِن.

الشيخ: نعم، ولازم من طرف؟

الطالب: الراهن.

الشيخ: من طرف الراهن، تمام، الجائز من الطرفين؟

طالب: الوكالة.

الشيخ: مثل الوكالة، تمام.

ما هو الحق التي تجوز فيه الوكالة من حقوق الله عز وجل؟

الطالب: إذا كان كبيرًا في السن وكان يتضرر بالصيام، إذا كان الحج ..

الشيخ: إذا كان كبيرًا في السن ويتضرر يقول لواحد: يا فلان صُمْ عني رمضان! !

الطالب: لا.

الشيخ: هذا كلامك.

الطالب: إذا -مثلًا- مات قبل الصوم.

الشيخ: إذا مات ما صار وكالة.

الطالب: إذا كان صيام نذر.

الشيخ: ولو كان صيام نذر، نذر أو واجب نفس الشيء ما يصير وكالة بعد الموت.

طالب: الحج.

الشيخ: الحج.

الطالب: إذا مرض مرضًا لا يُرْجَى برؤه يجوز أن يُوَكِّل.

الشيخ: أو كان كبيرًا.

ص: 1709

الطالب: أو كان كبيرًا في السن لا يستطيع أن يحج.

الشيخ: فله أن يُوَكِّل، دليله؟

الطالب: المرأة اللي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فريضة الحج أدركت أبي كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ (4)

الشيخ: قال: «نعم» .

الطالب: قال: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهُ» .

الشيخ: بارك الله فيك، ذكرنا قاعدة أن الأصل في العبادات منع التوكيل فيها، فما هو التعليل؟

طالب: التعليل: لأن القصد منها هو التعبد، وهو لا يحصل بالتوكيل.

الشيخ: نعم، المقصود من العبادات هو التعبد لله والتذلل له، ولا يحصل بالتوكيل، لكن ما ورد به الشرع فليس لنا منه بُدّ، لا بد أن نقول به، فهمتم يا جماعة؟ الأصل في العبادات أنها حق لله على العبد لا يجوز التوكيل فيها، إلا ما ورد به النص، فما ورد به النص فليس لنا منه بُدّ.

متى يجوز للوكيل أن يوكِّل فيما وُكِّل فيه؟

طالب: في ثلاث حالات.

الشيخ: في ثلاث حالات، نعم.

الطالب: الحال الأولى: إذا كان مثله لا يُوَكِّل فيه.

الشيخ: لا، إذا كان مثله لا يتولاه.

الطالب: أو كان يعجز عن القيام به.

الشيخ: نعم، الثالث؟

طالب: إذا دُعِيَ إليها.

الشيخ: يعني إذا أَذِنَ له الْمُوَكِّل، حقيقة الأمر أن ما لا يتولاه بنفسه وما يعجز عنه حقيقة الأمر أن فيه إذنًا، لكنه إِذْن عرفي، ولكن من أجل إيضاح المسألة نقول: ثلاث حالات.

ما هو التعليل لمنع التوكيل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجْعَل إليه، ما هو التعليل لكون الوكيل لا يُوَكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجْعَل إليه.

الطالب: أن يكون الْمُوَكِّل لا يَقْبَل به، مثلًا أن يكون غير عادل أو ..

الشيخ: لا، نبغي قاعدة عامة أحسن عشان القواعد أنا أَحُثُّكم عليها دائمًا، عليكم بالقواعد.

طالب: لأن الْمُوَكِّل استأمن هذا الوكيل ولا يستأمن غيره.

الشيخ: نبغي بعد زيادة.

طالب: لأن الوكيل لا يصح له أن يتصرف إلا بتصرف أجاز له الْمُوَكِّل ..

ص: 1710

الشيخ: الأصل مَنْع التصرف في مال الغير، هذا الأصل، وهذا اللي أُرِيد، القاعدة العامة، الأصل منع تصرف الإنسان في ملك غيره إلا بإذن من الشارع، أو إذن من المالك، خذ ها القاعدة وامشِ على كل ما قلنا: يجوز للوكيل أن يفعل أو لا يفعل.

الأصل أيش؟ منع أو تحريم تصرُّف الإنسان في ملك غيره إلا بِإِذْن من الشارع، أو إِذْن من المالك، وعلى هذا نقول: ليس للوكيل أن يُوَكِّل فيما وُكِّل فيه لأنه لم يُؤْذَن له.

وَكَّل إنسان شخصًا أن يشتري له سلعة، فعرض ابنُه هذه السلعة في السوق.

طالب: ابن الْمُوَكِّل؟

الشيخ: ابن الوكيل.

الطالب: عرضها؟

الشيخ: في السوق.

الطالب: لا ينبغي له ذلك.

الشيخ: لا ينبغي له ذلك، ويجوز؟

الطالب: ولا يجوز.

الشيخ: ولا يجوز، إذن ليش تجيب لا ينبغي؟

الطالب: تخفيف؛ لأني ما أني متأكد منها.

الشيخ: إي، لا، ما أحسن أن تقول: لا أعلم.

وَكَّلَ رجل شخصًا قال: اشْتَرِ لي سيارة وصِفَتُها كذا وكذا، فعرضها ابن الوكيل على أبيه.

الطالب: لا يجوز له.

الشيخ: لا يجوز؟

الطالب: نعم، إلا في حالة ..

الشيخ: لا يجوز.

الطالب: لا يجوز للابن أن يشتري ما ..

الشيخ: لا، ما هو ابن هذا، الذي عرضها الابن، والوكيل هو الأب.

الطالب: كذلك كل مَن ..

الشيخ: اترك كله، بس أجبني عن هذا السؤال.

الطالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز، لماذا؟

الطالب: لأنه مَظِنَّة التهمة.

الشيخ: إي، صحيح، نقول: لا يجوز؛ لأنه مظنة التهمة، إذا قلنا: هذه هي العلة، فهل يمكن أن نعلم زوال هذه العلة؟

طالب: نعلم مبتدأ العلة.

الشيخ: بماذا؟

طالب: مثل أن ينتهي إليه الثمن في المزايدة.

الشيخ: نعم، مثل أن ينتهي ..

الطالب: إليه الثمن في المزايدة.

الشيخ: هذه واحدة.

الطالب: الثانية: أن يُحَدِّد الْمُوَكِّل سعر هذه السلعة.

الشيخ: أن يحدد الْمُوَكِّل السعر ويعرضها الابن بهذا السعر، ما فيه شيء؟

الطالب: أن يأذن له.

ص: 1711

الشيخ: أن يأذن له، إذا أَذِنَ وقال لَمَّا عرضها ابنه ذهب إلى الْمُوَكِّل قال: السيارة وجدتها عند ابني، قال: ما يخالف اشترها.

يقول المؤلف: إنه -أي الوكيل- لا يبيع بغير نقد البلد، فإذا وُكِّل في السعودية أن يبيع بيتًا، وباعه بدولارات نقد أمريكي، أيجوز؟

طالب: لا يجوز؛ لأن المعروف هو عملة البلد.

الشيخ: لكن هذا دولار عملة صعبة عالمية.

الطالب: ولو دولار؛ لأن العرف الجاري ..

الشيخ: ولو كان عملة صعبة عالمية؟

الطالب: إلا إذا فَوَّضَ إليه الأمر ..

الشيخ: لا، تصريح مُطْلَق قال: بِعْ هذه السيارة هذا الشيء.

الطالب: لا بد من نقد البلد.

الشيخ: ما يجوز غير نقد البلد؟

الطالب: نعم.

الشيخ: افرض إنه باعها بغير نقد البلد، باعها على رجل بدولارات وأخذ الدولارات، نُمْضِيها ولَّا نقول للمشتري: أعطنا دراهم سعودية؟

الطالب: بعدما يبيع يُخَيَّر الْمُوَكِّل، إذا رَضِيَ يقبل وإذا لم يَرْضَ ..

الشيخ: إذا رضي هل يجوز؟

الطالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز، إذن ماذا نصنع؟

الطالب: يضمن.

الشيخ: أنتم فاهمون السؤال الآن؟

الطالب: يضمن نقد البلد.

الشيخ: من اللي يضمن؟

الطالب: الوكيل.

الشيخ: إي، لكن بس الآن البيع هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟

الطالب: غير صحيح.

الشيخ: إذن يجب أن تُسْتَرَدّ السلعة، ويُعْطَى المشتري دولاراته، ثم نبيع.

أما قولك: إذا رضي الْمُوَكِّل، فهذا ينبني على جواز تصرف الفضولي، وجواز تصرف الفضولي هو الصحيح، بمعنى أن مَن له الحق إذا أَذِن ولو بعد إمضاء العقد فإنه يصح، ويمضي العقد، أفهمت؟ الرسول وَكَّلَ عروة بن الجعد أن يشتري له شاة بدينار، اشترى شاتين وباع واحدة، هذا تصرف فضولي.

إذن نقول: إذا باع بغير نقد البلد فالبيع غير صحيح، ويجب رد البيع، إلا على القول الراجح إذا قلنا بجواز تصرف الفضولي، فهذا لا بأس به.

قال له: بِع هذا بمئة مؤجَّلة، فباعه بمئة حالَّة؟

طالب: يصح.

ص: 1712