المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الشيخ: طيب، وإن أعطاه ساعة قيمتها ألف ما هي مئتان؛ - الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين - جـ ٢

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌(باب صفة الصلاة)

- ‌[مكروهات الصلاة]

- ‌[أركان الصلاة وواجباتها]

- ‌[باب سجود السهو]

- ‌(كتابُ الْمَنَاسِكِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط وجوب الحج والعمرة]

- ‌[باب المواقيت]

- ‌[باب الإحرام]

- ‌(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)

- ‌(بابُ الفِديةِ)

- ‌(باب جزاء الصيد)

- ‌[باب صيد الحرم]

- ‌[باب ذكر دخول مكة]

- ‌[باب صفة الحج والعمرة]

- ‌[باب الفوات والإحصار]

- ‌[باب الهدي والأضحية]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب البيع

- ‌[باب شروط البيع]

- ‌[باب الشروط في البيع]

- ‌[باب الخيار]

- ‌[باب الربا والصرف]

- ‌[باب بيع الأصول والثمار]

- ‌[باب السلم]

- ‌[باب القرض]

- ‌[باب الرهن]

- ‌[باب الضمان]

- ‌[باب الحوالة]

- ‌[باب الصلح]

- ‌[باب الحجر]

- ‌[باب الوكالة]

- ‌(باب الشركة)

- ‌[باب المساقاة]

- ‌[باب المزارعة]

- ‌[باب الإجارة]

- ‌[باب السبق]

- ‌[باب العارية]

- ‌[باب الغصب]

- ‌[باب الشفعة]

- ‌[باب الوديعة]

- ‌[باب إحياء الموات]

- ‌[باب الجعالة]

- ‌[باب اللقطة]

- ‌[باب اللقيط]

- ‌(كتابُ الوَقْفِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الهبة والعطية]

- ‌[فصل في تصرفات المريض]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب الوصايا

- ‌[باب الموصى له]

- ‌[باب الموصى به]

- ‌[باب الوصية بالأنصباء والأجزاء]

- ‌[باب الموصى إليه]

- ‌(كتابُ النِّكاحِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[أركان النكاح]

- ‌[شروط النكاح]

- ‌[باب المحرمات في النكاح]

- ‌[باب الشروط والعيوب في النكاح]

- ‌[باب نكاح الكفار]

- ‌[باب الصداق]

- ‌[باب وليمة العرس]

- ‌[باب عشرة النساء]

- ‌[باب الخلع]

- ‌(كتاب الطلاق)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب ما يختلف به عدد الطلاق]

- ‌[باب الطلاق في الماضي والمستقبل]

- ‌[باب تعليق الطلاق بالشروط]

- ‌[باب التأويل في الحلف]

- ‌[باب الشك في الطلاق]

- ‌[باب الرجعة]

- ‌(كتابُ الإيلاءِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[من يصح منه الإيلاء]

- ‌[مدة الإيلاء وما تحصل به الفيئة أو فسخ النكاح]

- ‌(كتابُ الظِّهارِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[كفارة الظهار]

- ‌(كتابُ اللِّعانِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط صحة اللعان]

- ‌[ما يلحق من النسب]

- ‌(كتابُ العِدَدِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الاستبراء]

- ‌(كتابُ الرَّضَاعِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط الرضاع المحرِّم]

- ‌[من يُحَرَّم بالرضاع]

- ‌[مدخل]

- ‌[باب نفقة الأقارب والمماليك والبهائم]

- ‌[باب الحضانة]

- ‌[باب شروط القصاص]

- ‌[باب استيفاء القصاص]

- ‌[باب العفو عن القصاص]

- ‌[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس]

- ‌(كتاب الديات)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب مقادير ديات النفس]

- ‌[باب ديات الأعضاء ومنافعها]

- ‌[باب الشجاج وكسر العظام]

- ‌[باب العاقلة وما تحمله]

- ‌[باب القسامة]

- ‌(كتاب الحدود)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب حد الزنا]

- ‌[باب حد القذف]

- ‌[باب القطع في السرقة]

- ‌[باب حد قطاع الطريق]

- ‌[باب حد المسكر]

- ‌[باب قتال أهل البغي]

- ‌[باب التعزير]

- ‌[باب حكم المرتد]

- ‌(كتاب الأطعمة)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الذكاة]

- ‌[باب الصيد]

- ‌(كتاب الأيمان)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب جامع الأيمان]

- ‌[باب النذر]

- ‌(كتاب القضاء)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب آداب القاضي]

- ‌[باب طريق الحكم وصفته]

- ‌[مدخل]

- ‌(كتاب الشهادات)

- ‌[باب موانع الشهادة وعدد الشهود]

الفصل: الشيخ: طيب، وإن أعطاه ساعة قيمتها ألف ما هي مئتان؛

الشيخ: طيب، وإن أعطاه ساعة قيمتها ألف ما هي مئتان؛ لأننا حين ذكرنا في الدرس مثَّلنا بساعة قيمتها مئتان، لكن الآن صار قيمتها ألفًا.

الطالب: برئ من ذمته، إذا كان مكافأته ليس عليه ..

الشيخ: يعني إذا كافأه بما يساوي ألفًا.

الطالب: ويقول له (

).

الشيخ: فلا بأس. طيب، أو احتسابه من دَيْنه، ويش معناه؟

الطالب: يعني إذا قيد الخسائر، وصل من فلان هذا وبقي عليه كذا؟

الشيخ: تمام، أفهمتم كلامه؟ احتسبه من دينه؛ يعني يُقيِّد له قيمة الهدية.

طيب، هذه ننتقل بها إلى مسألة، وهي ما لو أهدى أحد الطلاب إلى المدرس شيئًا، يجوز أن يقبل ولَّا لا؟

طالب: على التفصيل (

)، إذا كان معتادًا .. ؟

الشيخ: لا، أبدًا ولا اعتاد، ولا عرف المدرس إلا في المدرسة.

الطالب: لا يهديه يا شيخ.

الشيخ: أهداه، جاء إليه بساعة، وتفضل يا أستاذ، أنت رجل حريص ومجتهد، وجزاك الله خيرًا، وهذه إكرامًا لك، ساعة!

الطالب: لا يقبلها إلا إذا نوى أن يرد ذلك.

الشيخ: إي، أحسنت، يعني في مثل هذا ربما يخجل المدرس أن يردها؛ لأن الطالب إنما جاء بها ليفرح إذا قبلها المدرس، فهنا ربما ما يخجل، نقول: اقبلها ولكن كافئه بمثلها أو أحسن، وهذه تُفرِّج عن الإحراجات في بعض الأحيان.

طيب، إنسان أقرض شخصًا ألف ريال في مكة، وتصادفا في المدينة فقال: أعطني القرض، ما تقول؟

طالب: يلزمه الرد.

الشيخ: يلزمه؟ قال: ما معي شيء، قال: ما معي إلا نفقتي اللي توصلني إلى بلدي، يحبسه؟

الطالب: لا، يؤجل يا شيخ.

الشيخ: طيب، من أين نأخذ أنه يجب عليه إنظاره؟

الطالب: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

الشيخ: من قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]، إي نعم، أحسنت.

***

[باب الرهن]

ص: 1335

بسم الله الرحمن الرحيم (باب الرهن)، الرهن: مصدر رَهَنَ يَرْهَنُ رَهْنًا. وهو في اللغة: الحبْس، ويُطلق على الثبوت، فمن الأول قوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]، أي: محبوسة بما كسبت. {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، أي: محبوس. وأما الثبوت فمنه قولهم: ماء راهن، أي: راكد ثابت. هذا في اللغة.

وأما في الاصطلاح: فهو توثِقة ديْن بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.

أُعيد مرة ثانية: توثِقة ديْن بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه، أي يعني أو استيفاء بعضه، منها أو من بعضها. هذا تعريفه اصطلاحًا.

فقولنا: توثِقة دَيْن بعين، مثاله: إنسان في ذمته لي ألف ريال، فأعطاني ما قيمته ألفا ريال رهنًا بالدَّيْن، هنا يمكن استيفاء الدَّيْن من بعض الرهن أو من كل الرهن؟

طلبة: من بعض الرهن.

الشيخ: من بعض الرهن، طيب.

مثال آخر: رجل في ذمته لي ألف ريال، وأعطاني رهْنًا يُساوي خمس مئة ريال، هذا يمكن استيفاء بعضه منها. وكله جائز، يعني سواء كان الرهن أكثر من الدَّيْن أو الدَّيْن أكثر من الرهن؛ لأنه إن كان الرهن أكثر من الدَّيْن فالتوثقة ظاهرة، وإن كان أقل من الدَّيْن فالتوثقة في بعض الدَّيْن خير من لا توثقة.

طيب، وقولنا:(توثقة دَيْن بعين) يُفيد أنه لا بد أن يكون الرهن عينًا، فإن كان دينًا فإنه لا يصح على كلام الفقهاء.

مثال ذلك: أنا أطلب فلانًا عشرة آلاف ريال، فأمسكته وقلت: أعطني عشرة آلاف ريال، قال: ما عندي، قلت: طيب، أنت تطلب فلانًا عشرة آلاف ريال، اجعل دَيْنَه الذي لك رهنًا لي. فهنا توثقة دَيْن بِدَيْن، فلا يصح؛ وذلك لأن الدَّيْن الذي في ذمة الآخر لا يجوز بيعُه إلا على من هو عليه، فإذا كان كذلك فإنه لا يصح أن يكون رهنًا.

ص: 1336

وقيل: بل يصح أن يُوثَّق الدَّيْن بالدَّيْن، ويكون المدِين الثاني كأنه ضامن، يقول: نعم، أنا مستعد أن أوفيك ما في ذمتي لفلان إذا لم يوفك. وهذا هو الصحيح؛ لأنه يجب أن نفهم قاعدة مفيدة جدًّا: أن الأصل في المعاملات الحِلُّ والصحة ما لم يُوجد دليل على التحريم والفساد. وهذه من نعمة الله أن الطريق الموصل إلى الله الأصل فيه المنْع، يعني العبادات الأصل فيها المنع حتى يقوم دليل على أنها مشروعة، وأما المعاملات بين الناس، فمن رحمة الله وتوسعته على عباده أن الأصل فيها الإباحة والحل إلا ما ورد الدليل على منعِه. وعلى هذا فنقول: ما المانع من أن نوثق الدَّيْن بالدَّيْن؟ أي مانع؟ ما دام ليس فيه مانع لا ظُلم ولا غرر ولا ربا؛ فالأصل الصحة.

طيب، الرهن من عقود التبرعات، المعاوضات، التوثقات؟

طالب: التوثقات.

طالب آخر: الثالث.

الشيخ: الثالث، نعم، من عقود التوثقات. وعقود التوثقة رهن وضمان وكفالة، ثلاثة أشياء: عقود توثقة رهن، وضمان، وكفالة.

الرهن يقول المؤلف: (يصح في كل عين يجوز بيعها)، الآن بيَّن المؤلف ما الذي يصح رهنه، وربما نأخذ من ذلك أيضًا ما حُكم الرهن؟

الأصل في الرهن الصحة كما قلنا، ودليله من كتاب الله، وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإجماع، والنظر الصحيح، فأدلته كم؟ أربعة: كتاب، سُنَّة، إجماع، نظر صحيح.

أما الكتاب، فقال الله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283].

وأما السُّنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (7)، هذا دليل من السنة.

ص: 1337

الإجماع منعقد على هذا، النظر والقياس يقتضي ذلك؛ لأن الناس محتاجون إلى أن تمشي معاملاتهم، محتاجون إلى ذلك، فيستفيد الراهن والمرتهن؛ لأن المرتهن يقول: أنا لا أقرضك مثلًا إلا برهن، فإذا أعطى الراهن المرتهن رهنًا انتفع، الراهن ينتفع أيضًا حيث يجد من يُقرضه ويقضي حاجته، وكل شيء يتضمن المصلحة بدون مفسدة راجحة فإن القياس يقتضي حِلَّه وجوازه؛ لأن أصل الشريعة الإسلامية أصلها مبني على المصالح؛ المصالح الخالِصة أو الراجحة، هذا مبنى الشريعة الإسلامية.

إذن الرهن جائز بأيش؟

طالب: نعم، يصح.

الشيخ: جائز بأيش؟ دليله؟

الطالب: (

).

الشيخ: اصبر، دليله أيش؟ أنواع الأدلة؟

الطالب: (

).

الشيخ: لا، أنا سألتك؛ لأنك الآن تفكر، أليس كذلك؟ قل: نعم ولَّا لا؟

الطالب: نعم.

الشيخ: ولهذا انتبه، إذا فكرت وراح عليك كلمة واحدة ما عاد تبني على شيء.

طالب: جائز بالكتاب، والسُّنة، والإجماع، والنظر الصحيح.

الشيخ: تمام، الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والنظر الصحيح. لكن ما الذي يصح رهنه؟

يقول: (يصح الرهن في كل عين يجوز بيعها حتى المكاتب).

كل عين يجوز بيعها يصح رهنها، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه إلا ما سيأتي من رهن الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها والزرع قبل اشتداد حبه فإنه يجوز رهنه مع أن بيعه في هذه الحال غير جائز؛ هذه القاعدة: كل عين يجوز بيعها يجوز رهنها، وما لا فلا.

طيب، رهن الولد، إنسان أراد أن يستدين، فقال له الدائن: لا أدينك إلا إذا رهنتني ولدك؟ قال: لا بأس، أرهنك ولدي. يصح؟

طلبة: لا يصح.

الشيخ: ليش؟ لأن الولد لا يصح بيعه.

ص: 1338

طيب، إنسان بدوي عنده ماشية وله كلب يحرس هذه الماشية، فجاء إلى إنسان وقال: أريد أن تقرضني كذا وكذا ألف ريال، قال: لا أقرضك إلا برهن، قال: أرهنك كلبي، لا يصح؛ لأن الكلب لا يصح بيعه، فإذا كان لا يصح بيعه فما فائدته؟ ما يكون فيه التوثقة، إذا كانت العين لا يصح بيعها فلا فائدة في رهنها إطلاقًا؛ لأنه إذا حَلَّ الدَّيْن، وأراد صاحب الدَّيْن أن يبيع الرهن ليستوفي حقه صار الرهن ممنوعًا بيعه، فلا يستفيد.

إنسان عنده بيت وقْف موقوف عليه وعلى ذريته، فأراد أن يستدِين من آخر، فقال: لا بد من رهْن، قال: أرهنك هذا البيت، وقفًا، يجوز أو لا؟

طلبة: لا.

الشيخ: ليه؟

الطلبة: لا يصح بيعه.

الشيخ: لا يجوز؛ لأنه لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه.

طيب، إنسان آخر قال: أريد منك رهنًا، قال: بيتي رهن، أرهنك بيتي، وكان البيت مرهونًا لإنسان سابق، فلا يصح، ليش؟ لأنه لا يصح بيعه، والمشغول لا يُشغَل.

يقول: (حتى المكاتَب) يصح رهنه، والمكاتَب هو الذي اشترى نفسه من سيده، يعني العبد الذي اشترى نفسه من سيده بثمن مُؤجَّل بأجلين فأكثر؛ هذا المكاتَب.

والكتابة مطلوبة شرعًا، بل قال بعض العلماء: إنها واجبة إذا طلبها العبد، وعلم السيد فيه خيرًا؛ لقول الله تعالى:{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، أي: صلاحًا في دينهم وكسبًا في دنياهم.

طيب، هذا الرجل له مُكاتَب؛ يعني له عبد اشترى نفسه منه، وأراد أن يرهنه، هل يجوز رهنه؟

طلبة: لا يجوز.

الشيخ: مكاتب يا إخوان!

طالب: يجوز.

الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأن المكاتب يصح بيعه، ثم إن أوفى عتق وبطل الرهن، وإن لم يُوفِ، يعني حل ديْن الكتابة ولم يُوفِ عاد رهنًا هو وكسبه، إذن المكاتَب يصح رهنه. المدَبَّر؟

طالب: لا يجوز رهنه.

ص: 1339

الشيخ: الْمُدَبَّر، أتعرفون من هو؟ هو الذي عُلِّق عتقه بالموت، فقال سيده: إذا مِتُّ فعبدي حُر، فهل يجوز له أن يرهنه؟

طلبة: نعم.

الشيخ: يجوز؛ لأنه يجوز أن يبيعه، فجاز أن يرهنه؛ لأن هذا الْمُدبَّر لم يعتق حتى الآن، متى يعتق؟ إذا مات سيده.

طيب، قال:(مع الحق وبعده) يعني يصح الرهن مع الحق، يعني مع الدَّيْن، (وبعده) أي بعد الحق.

مثاله، قال: بعتُك هذا البيت بمئة ألف، على أن ترهنني بيتك الثاني، فقال: قبلتُ، فهنا الرهن مع الحق ولَّا قبله؟

طالب: مع الحق.

الشيخ: مع الحق.

(ويصح بعده) مثاله: رجل أقرض شخصًا مئة ألف، ثم جاء يطلبه: أعطني مئة الألف؛ لأني أقرضتك بدون تأجيل، قال: ما عندي، قال: إذن أرهنِّي بيتك، قال: رهنتك إياه، يصح، وهذا أيش؟ بعد الحق.

هل يصح قبل الحق؟ كلام المؤلف يدل على أنه لا يصح، لأنه قال:(مع الحق وبعده) أما قبله فلا، مثال هذا: إنسان جاء يطلب مني قرضًا مئة ألف، وقلت أنا: لا بد من أن أتوثَّق، أترهنني بيتك؟ قال: نعم، رهنتك بيتي بالقرْض الذي ستُقرضني إياه. هنا الرهن؟

طلبة: قبل الحق.

الشيخ: قبل الحق نعم، يقولون: لا يصح؛ لأنه متقدم على سببه، إذ إن الرهن توثقة دَيْن بعين، فإذا وثَّقت قبل الدَّيْن فإنه لا يصح؛ لأنه قبل وجود السبب، وكل شيء يُقدَّم على سببه فهو لاغٍ، ولهذا لو أن إنسانًا أراد أن يحلف يمينًا، ثم قدَّم الكفارة قبل أن يحلف لم تجزئه؛ لأنها قبل وجود السبب.

وما ذهب إليه المؤلف هو المشهور عند فقهائنا رحمهم الله: أن الرهن لا يصح قبل ثبوت الحق. وعرفتم السبب.

وقيل: إنه يصح قبل الحق، وكونه قبل السبب لا يضر، كما لو أن الإنسان اشترط في المبِيع شرطًا قبل تمام العقد فإنه يصح إذا اتفقا على الشرط قبله، هذا أيضًا إذا اتفقا على الرهن قبل العقد، فما المانع؟ !

ص: 1340

في الحقيقة أنه لا مانع، ولو أننا فتحنا الباب وقلنا: إنه لا يصح لتحيَّل المتحيلون، فجاء المستدِين للدائن وقال: أنا أريد منك مئة ألف، ولكني أعرف أنك لن تُقرضني إلا برهن، وأنا الآن أكتب لك رهن بيتي، رهنتك بيتي بالمئة ألف التي تقرضني، قال: طيب، ما دام رهنتني البيت، هذه مئة ألف، ولما انتهى العقد قال له المستدين: الرَّهْن غير صحيح، ولا لك رهن، فيكون بهذا فتح باب لأهل الحيل.

فالصواب أن الرهن جائز مع الحق، وقبل الحق، وبعد الحق، وأنه لا مانع؛ لأنه عقد توثقة، فيصح.

طالب: هل يجوز رهن الأمة؟

الشيخ: الأمة نعم.

الطالب: وهل يجوز استمتاع المرتهِن؟

الشيخ: المرتهِن بها؟

الطالب: إي.

الشيخ: أسألك: هل هو مالك؟

الطالب: ليس بمالك.

الشيخ: ليس مالكًا.

الطالب: (

).

الشيخ: اصبر يا رجَّال! ليس مالكًا. طيب، ومن الذي يجوز له الاستمتاع؟

الطالب: المالك.

الشيخ: إما الزوج.

الطالب: لا، ليس بزوج.

الشيخ: لا، أقول اللي يجوز له الاستمتاع بالمرأة؛ إما الزوج وإما المالِك:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 5، 6].

الطالب: فيوجد فيه فتنة كما في (

الشيخ: لا، ما فيها فتنة، هذه يأتينا إن شاء الله، هل يُشترط القبْض؛ قبض الرهن أو لا؟ يأتينا إن شاء الله؛ لأن القول الراجح أنه يجوز أن يرهن الشيء ويبقيه عند الراهن، على القول الراجح، وحينئذٍ (

).

طالب: شيخ، قلنا: إن القاعدة إن ما لا يجوز بيعه لا يجوز الرهن به، وضربنا مثالًا على ذلك الكلب.

الشيخ: إي نعم.

الطالب: فضربنا مثالًا على ذلك الكلب.

الشيخ: أعد.

الطالب: قلنا: ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، مثاله الكلب.

الشيخ: لا، من أمثلته.

الطالب: من أمثلته، فإذا كان المرتهِن مثلًا يقول: ارهن لي كلبًا (

) بحيث لو لم تعطني ديني فأنا آخذ كلبك أستفيد به.

الشيخ: صار فيه عِوض، أليس كذلك؟

ص: 1341

الطالب: لكن عِوض يأتيه من بعد أن ..

الشيخ: أجبني بس، صار فيه عوض ولَّا لا؟

الطالب: نعم.

الشيخ: ما يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيْع الكلب (8).

الطالب: لكن هذا لا ..

الشيخ: هذا بيع، الآن أخذ الكلب عوضًا عما في ذمة صاحب الكلب.

الطالب: على أنه لو لم يأتِ به ..

الشيخ: هو على كل حال قد لا يأتي.

الطالب: (

).

الشيخ: نعم.

طالب: لو فرضنا له (

)، لكن قال: يشرط ألا يُباع بأقل؟

الشيخ: من يقوله؟

الطالب: الراهن.

الشيخ: ما يحصل، نقول: هذا لا يمكن.

الطالب: لو قال: بما تريد.

الشيخ: لا يمكن، يمكن تنزل الأشياء، هو (

الطالب: ما يحصل.

الشيخ: ما هي حاصلة، هو تحت الطلب والعرْض، ما يصح.

طالب: (

) كلبًا، أو أن يستنفع به إذا ما (

الشيخ: يمكن يقول لصاحبه: أنا محتاج وأنت غير محتاج، وأنت إذا كنت غير محتاج لا يحل لك أن تقتنيه، ففك نفسك من الإثم وأعطني إياه.

الطالب: لا يكون له عليه منة؟

الشيخ: هو ويش يسوي؟ لأنه لو قلنا مثلًا: له أن يتنازل عن اختصاصه بهذا الكلب بِعِوض صار هذا هو بيع الكلب في الواقع؛ فلا يصح.

طالب: أحيانًا تكون عبارات (

) المشهور بالمذهب، وأحيانًا المشهور عند الفقهاء ظاهرًا، هل هي واحدة يا شيخ؟

الشيخ: إي واحدة، المعنى واحد؛ ولأن المراد بالمشهور من المذهب عند المتأخرين، إي نعم.

طالب: أليس قلنا -يا شيخ-: ببيع الكلب إذا كان مضطرًّا.

الشيخ: إذا كان الطالب مضطرًّا فلا يجوز بيعه، يجب عليك إذا كان مضطرًّا وأنت ليس لك به حاجة أن تعطيه إياه (

).

طالب: (

) البيوع يا شيخ، أن المضطر يجوز شراء الكلب والإثم على من أخذ الثمن؟

الشيخ: لا لا، قلنا: لأنه يتنازل ذاك عنه بعِوَض ما هو على سبيل البيع، ويكون الإثم على صاحب الكلب.

طالب: من ناحية يا شيخ الهدايا التي يعطيها البنك للمودعين.

الشيخ: نعم، أيش؟

الطالب: هدية يعطيها البنك لمن يودع عنده.

ص: 1342

الشيخ: إي، ما دام بلا شرط، ثم هذه الهدية تُعطى لكل أحد؛ لأن البنك ما هو يعطيها العميل فقط، يُعطيها العميل وغيره.

الطالب: هو يعطيها العميل، وكلما زادت عمالته كلما (

).

الشيخ: عجيب! على كل حال، إذا كان كذلك لا يأخذ شيئًا.

الطالب: ما يأخذ شيئًا؟

الشيخ: نعم.

الطالب: (

الشيخ: كل قرض جرَّ منفعة.

الطالب: لكن هناك ما هو شرط، ما فيه لا شرط ولا عقد.

الشيخ: مطلقًا؛ لأن الآن الدراهم، الدراهم تراها عند البنك، ما هي بعد (

).

الطالب: إي، لكن ما فيه شرط؟

الشيخ: وإن لم يكن شرط.

الطالب: من باب الإحسان.

الشيخ: لولا أنه أعطاه المال ما أحسن إليه أبدًا.

الطالب: أحسن لأنه قبض.

الشيخ: ولهذا أنا قلت لك في الأول: هل إنه يعطي الهدايا لكل إنسان؟ فهذا لا بأس؛ لأنهم أحيانًا يعطون الهدايا من باب الدعاية.

الطالب: ممكن يرونها يا شيخ من باب الإحسان من المقترض إلى (

).

الشيخ: طيب، المكافأة بعد الوفاء، أما قبل لا.

الطالب: لا يصح.

الشيخ: لا يجوز، نعم.

طالب: شيخ، بالنسبة إذا دخل أحد محلًّا يشتري، فقال له: أعطيك الثمن بعد أسبوع (

)، فترك عنده بطاقته، ماذا تشتمل على العين، من أي الأقسام بطاقته؟

الشيخ: هذا ليس رهنًا، توثقة لكن لا تسمى رهنًا؛ لأن البطاقة هذه ما تنفع، لكن جرت العادة أن هذه من جنس الرهينة في الفداء، فداء الكفار، نأخذ واحدًا منهم حتى يعطونا ما عندهم من الأسرى.

الطالب: ما تدخل في الضمان.

الشيخ: لا، هذه ما هي من الضمان، هذه توثقة فقط، ما يصدق عليها الرهن.

طالب: شيخ -بارك الله فيك- لو إنسان دائن دينًا ورهن مملوكه الذي هو مدبَّر، ثم مات صاحب المملوك، فهل يُفكُّ رهنه ولا يبقى مرهونًا؟

الشيخ: إي، يعتق.

الطالب: يعتق؟

الشيخ: نعم، يعتق.

الطالب: كيف إذا كان هذا ضمان توثيق أو كان عقد توثيق، فكيف توثيقه يعني .. ؟

الشيخ: ما دام صاحب الحق عالمًا بأن هذا مدبر فقد دخل على بصيرة. (

)

***

ص: 1343

طالب:

وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال رحمه الله تعالى: ويلزم في حق الراهن فقط، ويصح رهن المشاع، ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره. وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه، إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع. ولا يلزم الرهن إلا بالقبض.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.

الرهن أحد عقود التوثقات، هل هناك عقد آخر للتوثقة؟

طالب: إي نعم.

الشيخ: وهو؟

الطالب: الضمان والكفالة.

الشيخ: الضمان، والثالث: الكفالة. طيب، هل الرهن جائز شرعًا؟

طالب: نعم.

الشيخ: الدليل؟

الطالب: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، ومن السُّنَّة.

الشيخ: لماذا لم تقل: الكِتاب والسُّنة، وما تضيف إليهما أيضًا؟

الطالب: جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

الشيخ: الكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح. الكتاب؟

الطالب: يقول الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283].

الشيخ: السُّنة؟

الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِنْ كَانَ مَرْهُونًا» .

الشيخ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» .

الطالب: «ولبن الدُّرِّ» .

الشيخ: «الدَّرِّ» ، ترى الفرق بين الدَّر والدُّر؟

الطالب: «وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الرَّاكِبِ وَالشَّارِبِ» .

الشيخ: «وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (7).

الطالب: والإجماع أجمع العلماء بثبوته وجوازه.

الشيخ: نعم.

الطالب: أما القياس فلأن الأصل في العقود الحل.

الشيخ: لا، هذا دليل.

الطالب: ولأن حاجة المسلمين تدعو إلى ذلك.

ص: 1344

الشيخ: لأن الحاجة داعية إلى ذلك، وفيه مصلحة للطرفين للراهن والمرتهن.

طيب، ما هو الضابط فيما يجوز رهنه؟

طالب: كل ما يصح بيعه.

الشيخ: كل ما يصح بيعه صح رهنه، إلا؟

الطالب: إلا العبد على خلاف.

الشيخ: العبد؟ !

الطالب: المكاتب.

الشيخ: المكاتب؟ !

طالب: إلا الثمر على الكراهة.

الشيخ: لا.

طالب: إلا الآدمي يا شيخ، إلا بني آدم.

الشيخ: أنا أريد هذا، سيذهب وهلكم إلى باب القرْض.

الطالب: ما يصح رهن الأمة، ويصح رهن العبد.

الشيخ: لا، نحن قلنا في القرض: كل ما يصح رهنه يصح بيعه، حتى بني آدم؛ لأنه يجوز بيع العبد، لكن لما كان باب القرض قريبًا من باب الرَّهْن ربما يذهب بذهن الطالب إلى باب القرض.

الطالب: هو ذهب.

الشيخ: فعلًا هو ذهب.

طالب: الثمر يا شيخ؟

الشيخ: ما هي بهذا، ما هي على القاعدة هذه، على قواعد أخرى، ما هي بهذه.

إذن كل عين يصح بيعها يصح رهنها، كل عيْن لا يصح بيعها لا يصح رهنها إلا الثمرة، وسيأتي إن شاء الله، فالقاعدة هذه بالعكس.

هل يصح الرهن قبل الحق أو بعده أو معه؟

طالب: معه.

طلبة: (

).

الشيخ: أجمعوا على خلافك.

طالب: فيه خلاف يا شيخ، الصحيح أنه

الشيخ: لا، هي ثلاثة أقسام: قبله، وبعده، ومعه.

الطالب: قبله وبعده، هذا جائز ومشروع، لكن مع الحق فيه اختلاف، والصحيح (

).

الشيخ: سبحانه وتعالى!

طالب: بعده ومعه جائز، وأما قبله فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز قبله، والصحيح أنه يجوز.

الشيخ: والصحيح أنه جائز، تمام. طيب، مثاله مع الحق؟

طالب: مثاله مع الحق أن يعطيه مثلًا مئة ريال قرْضًا، ويشترط عليه أن يعطيه ساعة رهنًا فيعطيها إياه (

).

الشيخ: طيب، هذا مع الحق، وبعده؟

الطالب: بعده أن يعطيه القرض، ثم (

) بعد أن يتفرقا من المجلس ويطلب منه رهنًا.

الشيخ: بعد أن ثبت الحق جاء إليه يطلب حقه وقال: والله ليس عندي شيء، قال: أنا أرهنك، فأعطاه رهنًا. وقبله؟

طالب: قبله، قبل الحق أن يقول له: أعطيك كذا وكذا.

ص: 1345

الشيخ: رهنتُك بيتي هذا.

الطالب: رهنتك بيتي على القرض.

الشيخ: على القرض الذي ستقرضنيه غدًا.

الطالب: نعم، هذا قبله.

الشيخ: قبله، ودليل صحته قبله عموم قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

ثم قال المؤلف رحمه الله: (بدَيْن ثابت)، هذا متعلق بـ (يصح)، يعني لا بد أن يكون بدَيْن ثابت. (بدين ثابت) يعني لا بد أن يكون الرهن بدَيْن ثابت على الراهن، الراهن هو الذي يبذل الرهن، وهو الذي عليه الدَّيْن، فلا بد أن يكون دَينه ثابتًا الدين الذي عليه، فإن كان غير ثابت كدَيْن الكتابة مثلًا ليس ثابتًا على المكاتَب؛ إذ بإمكان المكاتب أن يُعجز نفسه، فإنه لا يصح الرهن به، وذلك لأن الرهن عقْد لازم، والدَّيْن غير الثابت ليس بلازم، ولا يمكن أن يُوثَّق غير الثابت بالثابت، فلذلك قالوا: لا يصح أن يرهن إلا بدَيْن ثابت.

ولكن القول الراجح أنه يصح الرهن بالدَّيْن غير الثابت، ويكون الرهن تبعًا للدَّيْن، إن استقر الدَّين وثبت، ثبت الرهن واستقر، وإلا فلا؛ لأن الرهن فرع عن الدَّيْن، فإذا كان الدَّيْن غير ثابت، صار الرهن كذلك غير ثابت حتى يثبت الدَّيْن.

يقول: (ويلزم في حق الراهن فقط).

أفادنا المؤلف رحمه الله أن الرهن عقْد لازم من وجه، جائز من وجه آخر، والمراد باللزوم والجواز هنا ليس الشرعي، بل المراد الحكمي، أو إن شئت قل: الوضعي، هو لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن.

ص: 1346

مثال ذلك: رجل استدان من شخص مئة ألف وأرهنه سيارته، السيارة الآن بيد المرتهن، الرهن لازم في حق الراهن، لا يمكن للراهن أن يفسخ الرهن ويقول: أعطني السيارة، والمرتهن في حقه جائز، ووجه ذلك أن الرهن حق على الراهن للمرتهِن، وحق للمرتهن على الراهِن، وكل ذي حق فله أن يُسقط حقه؛ لأنه يملك ذلك، فإذا قال المرتهِن: أنا أبرأتك من رهنك، وخذ الرهن، وأنت في حل، بقي الدَّيْن مرسلًا لا رهن فيه. لكن هل يُؤجر المرتهِن على ذلك أو لا؟

يُنظر، إذا كان هناك مصلحة، بأن كان الراهن محتاجًا للرهن، وكان رجلًا عاقلًا، نعرف أنه يُقدِّر الأمور، وأنه لن يلعب بالمال، فهنا قد نقول: من المصلحة أن يتنازل عن الرهن؛ لأجل أن ينتفع به صاحبه. أما إذا علمنا أن الراهن رجل مبذر سفيه، لو أطلقنا له الرهن لباعه وتصرف، وأضاع ذمته، وأضاع حق الآخرين، فهنا نقول: الأفضل ألا يتنازل؛ لأن الله تعالى قال في العفو -وهو مما يحبه الله عز وجل قال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]، فأما بدون إصلاح فعدم العفو هو الخير وهو الصلاح.

أفادنا المؤلف بهذا أن الرهن عقد لازم من وجه، جائز من وجه آخر.

هناك قِسْم آخر من العقود لازم من الطرفين، مثل عقد البيع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (9)، «وَجَبَ» يعني لزم، من الجانبين أو من جانب واحد؟ من الجانبين، هذا عقد لازم من الجانبين.

هناك عقد جائز من الجانبين، كعقد الوكالة: إنسان وكَّل شخصًا، وكَّله أن يشتري له سيارة، فلكل واحد من الوكيل والموكل أن يفسخ العقد.

ص: 1347

طيب، الآن هذا عقْد جائز من الطرفين، للوكيل أن يفسخ الوكالة، وللموكِّل أن يفسخ الوكالة، لكن لو فُرِض أن ذلك يتضمن ضررًا على أحدهما، فإن عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (10) يمنع الضرر، وقياس قوله تعالى:{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231]، مع أنها رجعية، يريد إمساكها قبل أن يتم الأجل؛ أجل العدة، يقول الله عز وجل:{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} ، يعني لأن تقعوا في العدوان.

فإذا قدَّرنا أن الوكيل قَبِل الوكالة في موسم الناس فيه نشيطون على البيع والشراء، ثم لما فتر الناس فسخ الوكالة، أو لما رأى أن الوكلاء المعروفين قد انشغلوا فيما وكلوا فيه، فسخ الوكالة؛ من أجل أن يضطر الموكل إلى البحث عن وكيل ولا يجد، ففي هذه الحال نقول: إن فسخَه يتضمن ضررًا على الآخرين، فلا نجيز له ذلك إلا بعذر، أما إذا كان عذر كعجز أو ما أشبه ذلك فهو معذور، لكن بلا عُذر نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، والقرآن الكريم يُرشد إلى هذا المبدأ العظيم؛ وهو قوله تعالى:{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} .

صارت العقود تنقسم إلى كم قسم؟

طلبة: ثلاثة.

الشيخ: لازم من الطرفين، جائز من الطرفين، لازم من طرف دون الآخر، وذلك حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية، وعرفتم ما يستدل بها.

قال: (ويصح رهن المشاع)، (المشاع) يعني المشترك، يصح أن يرهن المشاع.

مثال ذلك: بيت بين رجلين، لكل واحد منهما النصف، فرهن أحدهما نصيبه لدائنه، يصح؟

طالب: لا يصح.

طالب آخر: يصح.

الشيخ: مشاع؟

طالب: يصح.

الشيخ: ولو كان؟

طلبة: ولو كان.

ص: 1348

الشيخ: ولو كان؛ لأن هذا الجزء المشاع يجوز بيعه، فإذا حل أجل الدَّيْن ولم يوف بِيع. والدليل على جواز بيع المشاع قول جابر رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شُفعة (11).وهذا يدل على جواز بيع المشاع، فإذا كان بيع المشاع جائزًا كان رهنه جائزًا؛ لأنه إذا حل أجل الدَّيْن ولم يُوفَ بِيع، وبيع المشاع جائز. إذن يصح رهن المشاع.

يقول: (يصح رهن المشاع، ويجوز رهن المبيع غير المكِيل والموزون على ثمنه وغيره).

يعني أيضًا المبيع يجوز أن يُرهن على ثمنه وغيره. غير الثمن يعني؟ إي نعم، على ثمنه وغيره.

مثال ذلك: رجل اشترى من شخص بيتًا بمئة ألف، والمشتري عنده للبائع مئة ألف من قبل، فباع عليه، ولكنه رهن البيت بثمن البيت وبالمئة السابقة، مئة الألف السابقة، هنا رهن المبيع على أيش؟

طلبة: على بيته وغيره.

الشيخ: على ثمنه وغيره. معلوم ولَّا غير معلوم؟

طالب: معلوم.

طالب آخر: غير معلوم.

الشيخ: طيب، رجل اشترى من آخر بيتًا بمئة ألف، وكان في ذمته للبائع -بائع البيت- مئة ألف أخرى، صار في ذمة المشتري مئتا ألف، فقال له البائع: أريد أن ترهنني البيت بثمنه الذي هو مئة ألف وبمئة الألف السابقة التي عندك، أيجوز أو لا؟ المؤلف يقول: يجوز رهن المبيع على ثمنه وغيره، هو على ثمنه رهْن مع الحق أو قبل الحق أو بعد الحق؟

طالب: بعد الحق.

طلبة: مع الحق.

طالب آخر: أو بعده.

الشيخ: مع الحق. طيب، هو بالنسبة للرهن السابق بعد الحق، تمام. كل مبِيع يجوز أن يُرهن على ثمنه، وعلى غيره من ديْن سابق.

ص: 1349

يقول المؤلف: استثنى شيئًا قال: (غير المكِيل والموزون)، المكِيل لا يجوز رهنه على ثمنه ولا على غيره، يعني لو بعتُ عليك مئة صاع بُرٍّ بمئتي ريال، وقلت: أنا بأرهنها لي، مئة الصاع البر أنا أرهنها حتى تجيب لي مئتي ريال، المؤلف يقول: ما يجوز. ليه؟ لأن ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، والمكِيل قبل أن يُقبض لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه، عرفتم؟ هذا وجه العِلَّة.

طيب، إذن رهن المبيع جائز على ثمنه وغيره، يُستثنى من ذلك المكِيل والموزون لا يجوز رهنه قبل أن يُقبض لا على ثمنه ولا على غيره، والعِلَّة في ذلك أنه لا يصح بيعه؛ هذه العلة. والقاعدة عندهم: ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، وهذا هو المذهب، والصحيح الجواز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيْع المبيع قبل قبضه على غير بائعه، والحكمة من ذلك لئلا يربح فيما لم يدخل في ضمانه، ولئلا يربح ربحًا يغار منه البائع ويحاول فسخ البيع، أما إذا رهنه على البائع وهو مكِيل أو موزون، فالصحيح أنه جائز، وأنه لو قال البائع الذي باع عليه مئة صاع بمئتي ريال: أنا لا أُسلِّمك الأصواع إلا أن تأتي لي بالثمن، أريد أن تكون عندي رهنًا، يجوز أو لا؟ افرض أنكم ممن يقلد صاحب الكتاب، يجوز ولَّا ما يجوز؟

طلبة: ما يجوز.

الشيخ: طيب، لكن القول الراجح أنه جائز؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع المكيل والموزون قبل قبضه على غير بائعه، وهذا رهن على بائعه، فإذا حل الأجل إذا كان الدَّيْن مُؤجلًا ولم يُوفِ، باعه البائع واستوفى حقه.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع.

كل ما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه؛ لأن رهنه حينئذٍ لا فائدة منه، ولهذا نسأل: لو أنكَ رهنت ولدك أيصح؟

طالب: لا يصح.

الشيخ: كيف؟

الطالب: لأنه لا يصح بيعه.

الشيخ: ولدك؟

الطالب: لا يصح.

ص: 1350

الشيخ: ما هو يجب عليه الإنفاق عليك إذا كنت فقيرًا، أجبني: هل يجب عليه الإنفاق عليك إذا كنت فقيرًا؟

الطالب: نعم.

الشيخ: طيب، أنت احتجت إلى نفقة، ولكنه أبى أن يُنفق، فقلت: أبيعه وآخذ الثمن وأنفق على نفسي؟

الطالب: أرفعه للسلطان، أرفعه للحاكم يعني.

الشيخ: إي، المهم لا يصح. إذن القاعدة: ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه. لماذا؟ لأن رهن ما لا يصح بيعه لا فائدة منه، والعقود التي لا فائدة منها كلها لغو، لا يعتبرها الشارع شيئًا، أي فائدة من أن أرهن شيئًا لا يصح بيعه، فإذا حل الأجل ماذا أعمل؟ ! ليس إلا زيادة عناء ومشقة لا فائدة منها، فما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، والعلة: أنه لا فائدة من رهن ما لا يصح بيعه؛ لأنه إذا حل الأجل لم يتمكن المرتهِن من بيعه.

(إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع). متى يبدو صلاح الثمرة؟

طالب: إما أن تصفر أو تحمر.

الشيخ: إذا اصفرت أو احمرت. والزرع؟

الطالب: والزرع بُدو صلاحه بأن يشتد حبه.

الشيخ: إذا اشتد حبه.

طيب، (الثمر والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع). بيعهما قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع لا يصح، لكن رهنهما قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع صحيح، ليش؟ لأنه إذا حل الأجل فإن كان قد بدا صلاحهما أمكن البيع وإلا انتظر حتى يبدو الصلاح، والمرتهن إذا كان يعرف أن الصلاح قد بقي عليه شهران أو ثلاثة قد دخل على بصيرة، ما فيه إشكال، وهذا الاستثناء واضح، أنه يجوز أن ترهن الثمرة قبل بدو صلاحها، وإن لم يُشترط القَطْع؛ بل إن شرْط القطع قد يكون مفسدًا للعقد؛ لأنه لا فائدة منه.

طيب، ورَهْن الثمرة قبل خروجها، والزرع قبل زرعه، أيصح؟

طالب: لا يصح.

ص: 1351

الشيخ: من أين نأخذه من كلام المؤلف؟ قوله: (إلا الثمرة والزرع)، وقبل خروج الثمرة معدوم، والرهن توثقة دَيْن بعين، وهنا لا عيْن. وعلى هذا فإذا جاء الفلاح إلى التاجر، وقال: أنا أريد أن أحرث هذه الأرض وأزرعها، أريد أن تُديِّنني، تُقرضني مثلًا، قال: نعم، أنا أقرضك عشرة آلاف ريال، لكن بشرط أن أرهن الزرع الذي سوف تزرعه في هذه الأرض، فإنه لا يصح؛ لأن الزرع الآن ما هو موجود، كيف يرهن شيئًا معدومًا؟ ! لكن عمل الناس على خلاف ذلك، يرهنون ذلك باعتبار المآل.

فإن قال قائل: لماذا لا نعدل عن رهن الثمرة إلى رهن الشجرة والشجرة قائمة، وعن رهن الزرع إلى رهن الأرض، الأرض قائمة؟

نقول: الأرض قد تكون لغير المستدين، يكون المستدين مجرد زارع، وكذلك الشجر ..

ص: 1352

ولا يَلزَمُ الرهْنُ إلا بالْقَبْضِ، واستدامتُه شَرْطٌ، فإن أَخْرَجَه إلى الراهنِ باختيارِه زالَ لُزومُه، فإن رَدَّهَ إليه عادَ لُزُومُه إليه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ واحدٍ منهما فيه بغيرِ إِذْنِ الآخَرِ، إلا عِتْقُ الراهنِ فإنه يَصِحُّ مع الْإِثْمِ، وتُؤْخَذُ قِيمتُه رَهْنًا مَكانَه، ونَماءُ الرَّهْنِ وكَسبُه وأَرْشُ الْجِنايةِ عليه مُلْحَقٌ به، ومُؤْنَتُه على الراهنِ وكَفَنُه وأُجرةُ مَخْزَنِه، وهو أمانةٌ في يدِ الْمُرْتَهِنِ إن تَلِفَ من غيرِ تَعَدٍّ منه فلا شيءَ عليه، ولا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ من دَيْنِه، وإن تَلِفَ بعضُه فباقِيهِ رَهْنٌ بجميعِ الدَّيْنِ، ولا يَنْفَكُّ بعضُه معَ بقاءِ بعضِ الدَّيْنِ، وتَجُوزُ الزيادةُ فيه دونَ دَيْنِه، وإن رَهَنَ عندَ اثنينِ شيئًا فوَفَّى أحدَهما أو رَهَنَاهُ شيئًا فاسْتَوْفَى مِن أحدِهما انْفَكَّ في نَصيبِه، ومَتَى حَلَّ الدَّيْنُ وامْتَنَعَ من وَفائِه فإنْ كانَ الراهنُ أَذِنَ للمُرْتَهِنِ أو العَدْلِ في بيعِه باعَه وَوَفَّى الدَّيْن، وإلا أَجْبَرَه الحاكِمُ على وَفائِه أو بيعِ الرهنِ ، فإن لم يَفْعَلْ باعَه الحاكمُ ووَفَّى دَيْنَه.

(فصلٌ)

ويكونُ عندَ مَن اتَّفَقَا عليه، وإن أَذِنَا له في البيعِ لم يَبِعْ إلا بنَقْدِ البلَدِ ، وإن قَبَضَ الثمَنَ فتَلِفَ في يدِه فمِن ضَمانِ الراهنِ،

نقول: الأرض قد تكون لغير الْمُسْتَدِين، يكون المستدين مجرد زارع، وكذلك الشجر قد تكون لغير المستدين، المستدين فلَّاح ليس له إلا الثمرة، والشجر لِمَنْ؟ لمالك الأرض، فلا يمكن.

نعم لو أمكن بأن يكون المستَدِين هو مالك الأصل والفرع، قلنا: لا بأس، ارهن الشجرة وتدخل فيها الثمرة، أو ارهن الأرض ويدخل فيها الزرع، أما ألَّا يكون له ملك في الأرض، ولا ملك في الشجرة، هذا لا يصح.

ص: 1353

لكن كما قلت لكم: عمل الناس اليوم على خلاف ذلك، يأتي الفلاح ويقول للتاجر: أنا أريد أن أحرث في هذه الأرض، وأريد أن تُدَيِّنَنِي وأرهنك الزرع، فيعطيه هذا.

وإذا تأملت وجدت أنه ليس في الشرع ما يمنع ذلك؛ لأن المعاملات الممنوعة -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، وقوله صحيح- مبناها على ثلاثة أشياء: الظلم، والغَرَر، والْمَيْسِر، فإذا وَجَدْتَ معاملة تشتمل على واحد من هذه الأمور الثلاثة فاعلم أن الشرع لا يقرها.

وأما ما عدا ذلك مما ينفع الناس ويُسَيِّرُ أحوالهم فاستَعِن بالله وأَفْتِ بحله، حتى يتبين لك التحريم، وأنت إذا أفتيت بِحِلّ ما لم يتبين تحريمه فأنت على حق، لماذا؟ لأن الأصل في المعاملات الحِلّ، وأنت يوم القيامة سوف يسألك الله عز وجل: لماذا حَرَّمت على عبادي ما لم أُحَرِّمه؟ أيش جوابك؟ ما عندك جواب.

لكن لو أَحْلَلْت لهم شيئًا لا تعلم أنه حرام قلت: يا رب، مشيت على قاعدة شرعية؛ أن الأصل الإباحة، كُلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وليس في كتاب الله بطلان هذا الشرط، والْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

فالإنسان في هذه المسألة بالذات ينبغي أن يُغَلِّب جانب الحِلّ؛ لأن تحليل المحرَّم أهون من تحريم الحلال؛ لأن تحليل المحرَّم في المعاملات مبني على أيش؟ على أصل، لكن تحريم الحلال مبني على غير أصل، وفيه تضييق على العباد بدون برهان من الله عز وجل.

ونحن نقول: هذه القاعدة -إن شاء الله- مفيدة، وتنفعنا وتنفع غيرنا، لكن عسى الناس يمشون على هذا، الناس الآن بدؤوا يتفلَّتون، والحلال ما حلَّ باليد، أو هذا يسمونه تأمينًا تعاونيًّا، وجاءنا في هذه الأيام وقبل خمس سنوات ما يسمى بالصاروخ، بالدولار الصاروخي أظن، ورقة وُزِّعَت على الناس، يقولون (

) ويجيك أربعين ألف دولار، ويش لون خدوا الورقة هذه؟

طالب: منتشر.

الشيخ: منتشر.

ص: 1354

على كُلِّ حال بدأ الناس الآن يظهرون علينا بمعاملات تحتاج إلى تأملٍ كبير، هل تنطبق على الشريعة الإسلامية، أو هي لعبة من اللعب، أو ماذا؟ !

طالب: القول يا شيخ: (ويجوز رهنُ المبيعِ غيرِ المكيلِ والموزونِ).

الشيخ: نعم.

الطالب: (

) لا يجوز مكيل بموزون؟

الشيخ: داخلة في هذا؛ المعدود والمذروع داخل في هذا.

طالب: المبيع (

الشيخ: ما أدري عن هذه، تحتاج إلى تأمل، لكن المعدود والمذروع داخل في هذا.

طالب: إذا أفتى مجتهدٌ -يعني من له حق الاجتهاد- بصحة عقد فبان خلافه، فاحتج المشتري بأن هذا العقد باطل، يريد الإقالة بسبب هذا ..

الشيخ: ما حصل.

الطالب: له ذلك يا شيخ.

الشيخ: لا أبدًا، ولا له كذلك، هذا المشتري ينبغي أن يُؤدَّب.

الطالب: يجري العقد صحيحًا.

الشيخ: ما دام من الأول قبله، ليش أول ما تبين له أنه خسران يروح يدَّعِي، مثل بعض الناس الآن يتعاملون مع البنوك، ولما صار عليه مليونان، ثلاثة ملايين قال: أعوذ بالله من الربا، لعن الله آكل الربا ومُوكِلَه، اليوم ملعون وأمس مَرْضِيّ عنه؟ ! سبحان الله، أعوذ بالله! هؤلاء يتلاعبون بدين الله.

رأينا في هذا ألَّا نُمَكِّن البنك من الربا، ولا نُمَكِّن هذا من التلاعب، نقول: سلِّم اللي أنت اتفقت عليه مع البنك، ونأخذه ونحطه في بيت المال، نأخذه ونجعله في بيت المال، نَحْرِم المرابي اللي هو البنك؛ لأنه أخذه بغير حق، ونمنع هذا من التلاعب، ولَّا ويش لون بالأمس حلال ويوم هو انتفع وقضى حاجته وكل شيء جاءنا يتباكى، {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16]، يقول: والله هذا حرام، ونبرأ إلى الله (

).

طالب: إذا ما فَرَّط؟

الشيخ: أبدًا ما يرجع، ما دام أنه باع أو اشترى بناءً على فتوى هذا المجتهِد أنه صحيح فلا حق له بعد ذلك في الرجوع، لا سيما ما دامت المسألة اجتهادية ما تخالف نصًّا قاطعًا.

ص: 1355

طالب: يا شيخ، هل يصح الرهن في الزروع في الثمار المختفية في الأرض، يعني زي البطاطس مثلًا مع أن فيها نوعًا من الغَرَر.

الشيخ: إي، هذا الغَرَر يقول العلماء، على القول الراجح، وإلَّا فيه الخلاف، بعض العلماء يقول: ما نستطيع أن (

)، يعني الفجل والبصل والثوم لا يصح بيعه وهو في باطن الأرض، والصحيح بيعه، وأن ما ظهر منه يدل على ما بطن، وأن الغَرَر المترقَّب فيه غَرَرٌ يسير، يعني يعرِفُه أهل الخبرة، فالصواب بيع ذلك، وما زال المسلمون على هذا، وإذا صح بيعه صح؟

طالب: رهنه.

الشيخ: نعم.

الطالب: من رهن زرعًا أو ثمارًا قبل بُدُوّ صلاحها، ثم بَدَا صلاحها، (

).

الشيخ: مَن المالك؟

الطالب: المالك الراهن.

الشيخ: الراهن؟ عليه هو.

الطالب: (

).

الشيخ: الحصاد على الرهن.

الطالب: إذا أخذ ثمر الراهن.

الشيخ: لا يا أخي، يحصده (

) المرتهن.

الطالب: وليس (

).

الشيخ: الْخِرْبِزَّة وغيرها، ويش هي الخربزة؟ !

الطالب: ما عندهم وقت، قليل، حتى ..

الشيخ: تُبَاع في الحال، وياخد دراهمه.

الطالب: (

).

الشيخ: إي، هذه.

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، رهن ما لا يُتَيَقَّن سلامته، مثل رهن الحمل في البطن، أو رهن التجارة في البحر، هل تصح؟

الشيخ: هو على كل حال، إحنا ذكرنا لكم قاعدة في قواعد الفقه، تستحضرونها؟

طالب: نعم.

الشيخ: قلنا لكم: إن عقود التوثقة والتبرعات أيش؟ أسهل من عقود المعاوضة؛ لأن هذه إن حصلت فمَغْنَم، وإن فاتت فلا مَغْنَم فيها، فإذا رهنه شيئًا في البحر، نقول: يصح الرهن، إن نجا فهذا خير للجميع، وإن هلك فدَيَنْهُ باقٍ، فباب التوثيقات اعلموا أنه أهون وأوسع من باب التبرعات، ولهذا من قرن باب التبرعات والتوثيقات بباب المعاوضات فقد أخطأ.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى:

ص: 1356

وَلا يَلْزَمُ الرَّهنُ إلا بالقبض، واستدامَتُه شَرْطٌ، فإن أخرجه إلى الراهِن باختياره زَال لُزُومُه، فَإِنْ رَدَّه إليه عاد لُزُومُه إليه، ولا يَنْفُذ تصرفُ واحدٍ منهما فيه بغير إذن الآخر، إلا عِتْقَ الراهنِ فإنه يصحُّ مع الإثم.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

هل عقد الرهن لازم أو جائز؟

طالب: جائز.

الشيخ: ما هو معنى جائز، يعني هل هو جائز شرعًا، لكن هل هو من العقود الجائزة أو من العقود اللازمة؟

طالب: لازم من جانب جائزٌ من جانبٍ آخر.

الشيخ: فَسِّر.

الطالب: فهو لازم من جانب الراهن، وجائز من جانب المرتَهِن.

الشيخ: نعم، عَلِّل.

الطالب: لأن الرهن حق المرتَهِن، فله أن يتنازل عن حقه إن تراجع، إن رأى ذلك.

الشيخ: نعم.

الطالب: أما من جانب الراهن فهو توثقةٌ لدَيْنٍ عليه، فهو لازم له حتى يتوثق المرتَهِن من دينه.

الشيخ: تمام، ما معنى قول المؤلف:(يصحُّ رهنُ الْمُشَاعِ)؟

طالب: يعني إذا كان هناك شيء مشاع فإنه يصح رهنه.

الشيخ: ويش معنى مشاع؟

الطالب: أن يكون بين اثنين أو ثلاثة على وجه غير مُمَيّز.

الشيخ: يعني مشترك، المشاع المشترك، يصح رهنه؟

الطالب: نعم.

الشيخ: ولو بغير إذن شريكه؟

الطالب: ولو بغير إذن شريكه.

الشيخ: طيب.

الطالب: لأنه يصح بيعه.

الشيخ: إي نعم، لأنه يصح بيعه، وما صح بيعُه صحَّ رهنه، هل القاعدة أن كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه مطلقًا؟

طالب: (

).

الشيخ: نعم، لماذا؟

الطالب: لأن للمرتَهِن أن يأخذها، إذا بدا صلاحها باعه، إن لم يَبْدُ صلاحها انتظر حتى يبدو صلاحها ثم باعها.

الشيخ: تمام، بخلاف البيع فإنه ناقل الملك، هل كُلُّ ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه؟

طالب: كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه؟

الشيخ: نعم.

الطالب: لا، الْمَكِيل والموزون.

الشيخ: نعم.

الطالب: المكيل والموزون لا يصح رهنه.

ص: 1357

الشيخ: لا يصح رهنه، ويصح؟

الطالب: العكس، يصح رهنه ولا يصح بيعه قبل قبضه.

الشيخ: إي، يصح رهنه ولا يصح بيعه قبل قبضه، حتى لو على ما هو عليه؟ يعني حتى على البائع؟

الطالب: على كلام المؤلف نعم.

الشيخ: نعم.

***

قال المؤلف: (ولا يلزم الرهنُ إلا بالقبض).

(لا يلزم) أي: في حق مَن هو لازم في حقه وهو الراهن، (لا يلزم الرهن إلا بالقبض)، القبض من المرتَهِن، يعني لا بد أن يقبض المرتهنُ الرهن، فإن لم يقبضه فالعقد صحيح، ولكنه ليس بلازم.

دليل هذا قول الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، فوصفها بأنها مقبوضة.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (1)، أخرجه البخاري، وهذا يدل على أن المرتَهِن يقبض الرهن، وعلى هذا فإذا رهن شخصٌ بيتًا بدَيْنٍ عليه ولكن المرتهن لم يقبضه فله أن يبيع البيت، أي: للراهن أن يبيع البيت ويتصرف فيه، لماذا؟ لأن الرهن لم يلزم إلا بالقبض، ولا قبض هنا، وهذا أحد القولَيْن في هذه المسألة.

والقول الثاني: أنه يلزم بالعقد في حق مَن هو لازم في حقه، بدون قبض.

ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وهذا يدخل فيه عقد الرهن، سواء قُبِض المرهون أم لم يُقْبَض.

وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 34]، ولأن جميع الناس يستقبحون هذا، أي أن يرهنه ويعطيه الثقة، ثم بعد ذلك يبيع ويفسخ الرهن، وهذا القول هو الراجح؛ للأدلة التي سمعتموها.

ص: 1358

وأما قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} فليقرأ الإنسان ما بعدها، حيث قال:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]، يعني بدون قبض، وإنما نص الله على القبض في المسألة الأولى؛ لأنه لا يمكن أن يتمكن من التوثقة حق التمكن إلا إذا قبض، هو على سفر، وليس عندهم كاتب، فبماذا يتوثق من حقه؟ بالرهن المقبوض؛ لأنه إذا لم يقبضه فإنه يجوز للمَدِين أن ينكر الرهن، كما أن الرهن إنما كان من أجل ألا يحصل هناك تناكُر بين البائع والمشتري.

وعلى هذا فنقول: ليس في الآية ما يدل على أن القبض شرط، وإنما يدل على أن القبض من كمال التوثقة؛ لأن الله تعالى ذكره في صورة معينة:{إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، ثم أعقب ذلك بقوله:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283].

أما الحديث وهو: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ» (1)، فهذا نعم، نقول بموجبه، لكن متى؟ إذا قُبِض، ولكن هل هذا يدل على أن القبض شرط للزوم؟ لا، فالصواب الذي عليه عمل الناس من قديم الزمان أنه يلزم بمجرد العقد، ولا يملك الراهن أن يفسخه.

***

ثم قال المؤلف: (وَلا يَلْزَمُ إِلا بالقبض، واستدامتُه شَرْط).

هذه زيادة على القبض، يعني استدامة القبض شرط في اللزوم، فلو قبضه المرتَهِن لمدة يوم أو يومين ثم رده على الراهن زال اللزوم؛ لأنه لا بد أن يستمر القبض.

ص: 1359

مثال ذلك: رجل رهن سيارته عند إنسان بدَيْن عليه، فقبضها المرتَهِن صاحب الدَّيْن، وبعد مُضِيّ يومين أتى إليه الراهن وقال: أرجو أن تعطيني السيارة؛ لأني أحتاجها، وهي عندك واقفة لا تستفيد منها، قال: نعم، فردها المرتهن إلى الراهن. ففي هذه الصورة يزول لزوم الرهن، وللراهن أن يتصرف فيه، هذا على كلام المؤلف.

ولهذا قال: (فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه، فإذا رَدَّه إليه عاد لزومه إليه).

وهذا كُلُّه مبني على أن القبض شرط في لزوم الرهن، وأن استدامته شرط كذلك، والصواب خلاف هذا، فليس القبض شرطًا، ولا استدامته شرطًا.

***

ثم قال المؤلف: (وَلا ينفُذ تَصَرُّفُ واحدٍ منهما فيه بغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ إلَّا عِتْقَ الرَّاهِنِ).

(لا ينفذ) يعني: لو أن أحدهما -أي: الراهن أو المرتهن- تصرف فيه بأي تصرف فإنه لا ينفذ، لماذا؟ أما كون الراهن لا ينفذ تصرفه فلأن الرهن مشغول بحق غيره، وتصرفه فيه إبطال لحق الغير، وأما كون المرتَهِن لا يملك التصرف فلأن المرتهن ليس مالكًا، الرهن ملك لمن؟ للراهن، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه، فلا يصح أن يتصرف لا الراهن ولا المرتهن في المرهون.

وعلى هذا فيبقى الرهن مُعَطَّلًا، إذا امتنع كُلٌّ منهما أن يأذن للآخر يبقى مُعَطَّلًا، فلو أن الإنسان رهن بيتًا في دَيْن، الدَّيْن خمس مئة ألف، والبيت يساوي أجرةً خمسين ألفًا، فطلب الراهن من المرتهن أن يؤجِّر البيت لينتفع بالأجرة، فأبى المرتهن، أو طلب المرتهن من الراهن أن يؤجِّر البيت فأبى الراهن، فإن البيت يبقى مُعَطَّلًا، لا ينتفع به أحد، وهذا القول كما ترى فيه شيء من إضاعة المال.

ص: 1360

والصواب: أنه إذا طلب أحدهما عقدًا لا يضر بحق المرتهن فإن الواجب إجابته، فإذا قال الراهن: أنا أريد أن أُوجِرَ البيت وأنتفع بالأجرة، خمسون ألفًا تمثل قسطًا كبيرًا من الدَّيْن الذي عليَّ، وأبى المرتهن، فإنه يُجْبَر أن يرهن، لكن بشرط على وجه لا يضيع به حق مَنْ؟ حق المرتهن.

فإن كان يضيع به حق المرتهن، مثل أن يطلب الراهن تأجيره على مَن يدمر البيت، يكسر الأبواب، يكسر الزجاج، يَلْحَى البويه وما أشبه ذلك فللمرتهن أن يمتنع؛ لأن ذلك يضر به؛ إذ إن هذا المرهون عند بيعه سوف ينقص، فله أن يمتنع، أما إذا لم يكن هناك نقص فإن الممتنع منهما يُجْبَر؛ لأن في تركه وإهماله إضاعةً للمال وضررًا على الراهن.

يقول المؤلف: (بغير إذنِ الآخر)، وعُلِمَ منه أنه إذا أَذِن أحدهما للثاني أن يتصرف فهو جائز، فإذا قال المرتهن للراهن: أَجِّره مَن شئت، فأَجَّرَه، فلا حرج، ولكن ماذا تكون الأجرة؟ تكون تبعًا للرهن، تُحْفَظ في أي مكان يحفظ فيه الدراهم حتى يحِلّ الدَّيْن، وكذلك إذا أذن الراهن للمرتهن وقال: لا بأس أجِّره، فإنه يُؤَجِّره، وإذا قبض الأجرة أسقط قدرها من أيش؟ من دَيْنِه، وهذا هو المتعيِّن، أعني أنه إذا امتنع أحدهما أُجْبِر، ما لم يكن هناك ضرر على المرتهن.

***

قال: (إلا عتق الراهن فإنه يصح مع الإثم وتؤخَذ قيمتُه رهنًا مكانه).

يعني: (إلا عتق الراهن) فإنه ينفذ، ويعتق العبد المرهون، لكن مع الإثم، ويُضَمَّن الراهن قيمته، تكون رهنًا مكانه.

مثال ذلك: رجل استدان من شخص خمسين ألفًا، وأرهنه عبده، ثم إن الراهن أعتق العبد، يقول المؤلف: إعتاقه العبد حرام، لكن العتق ينفذ، أما كون إعتاقه حرامًا؛ فلأنه تصرُّفٌ يسقط به حق المرتهن فكان حرامًا، وأما كونه نافذًا فلقوة سريان العتق، نفذ مع التحريم.

فماذا يكون حق المرتهن؟

يقول المؤلف: (تؤخذ قيمته رهنًا مكانه).

ص: 1361

تؤخذ القيمة من أين؟ من الراهن الذي أعتقه، تُؤْخَذ وتُجْعَل رهنًا، ولم يقل: يُؤْخَذ ثمنه؛ لأنه لم يبعه. وعلى هذا فيقوَّم هذا العبد، ثم تُجْعَل القيمة رهنًا مكانه، فإذا كان الراهن ليس عنده شيء، فماذا يصنع؟ يبطل حق المرتهن؛ لأنه ليس عنده شيء، ويبقى الدَّيْن الأصلي في ذِمَّتِه.

وعُلِمَ من قول المؤلف: (إلا عتق الراهن) أن عتق المرتهن لا يصح ولا ينفذ، والعلة: أنه لا يملكه، ليس مالكًا له، فالمرتهن لا ينفذ عتقه مطلقًا.

لو أنك رهنت الأخ هذا المسجِّل ثم بعته بدون رضاه، يصح البيع؟

طالب: هذا يصح.

الشيخ: لا، أنت أخذت دَيْنًا من الأخ وأرهنته هذا المسجل، هل يجوز أن تبيع هذا المسجل؟ لا، لا يجوز؛ لأنه قد تعلق به حق المرتهن، حق الغير، ولو رهنته عبدًا لك فأعتقت العبد ينفذ العتق أو لا ينفذ؟

الطالب: ينفذ.

الشيخ: نعم، هذه، يقول المؤلف: إنه ينفذ.

لو باع هذا العبد، الراهن لم يعتقه لكن باعه؟

طلبة: لا يصح.

الشيخ: يحرُم ولَا يصح.

وعرفتم لماذا نفذ العتق مع التحريم؛ أن العلة قوة سريان العتق، لكن هذا القول ضعيف جدًّا، والصواب أنه لا يصح عتقه؛ أن عتقه حرام ولا يصح.

أما كونه حرامًا فلأن في تنفيذه إسقاطًا لحق المرتَهِن، وأما كونه لا ينفذ؛ فلأنه أمر ليس عليه أمر الله ورسوله، هو حرام، فكيف نقول: حرام، ثم نقول: ينفذ؟ ! تناقض، مُحَادَّة لله ورسوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (2).

وأما قولهم: إن هذا من أجل قوة سريان العتق، فنقول: قوة سريان العتق ما لم يبطل به حق الغير، وإذا بطل فلا يجوز؛ لأنه يكون حينئذٍ محرَّمًا، والعتق عبادة، فإذا وقع على وجه محرَّم كان باطلًا.

فإن أَذِنَ المرتهن للراهن أن يعتقه؟

طالب: إذا أذن المرتهن للراهن أن يعتقه على كلام المؤلف يجوز.

الشيخ: وعلى كلامك؟

الطالب: أيضًا يجوز.

ص: 1362

الشيخ: أيضًا يجوز، إذن ما حاجة لنقول: المؤلف؟

الطالب: يمكن يكون فيه استقراء ..

الشيخ: المهم أيش؟ أنه إذا كان اعتاقه إياه بإذن المرتهن فلا إشكال في جوازه ونفوذه.

الخلاصة الآن: تصرُّف الراهن أو المرتهن في الرهن بغير إذن الآخر؟

طلبة: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز، النفوذ؟

طالب: أيضًا.

الشيخ: لا ينفذ إلا مسألة واحدة، وهي العتق، والصواب أنه لا ينفذ حتى العتق، وعرفتم تعليل ذلك.

***

يقول: (وتؤخذ قيمته رهنًا مكانه، ونماء الرهن وكسبه، وأَرْش الجناية عليه مُلْحَق به).

نماء الرهن مُلْحَق به، كَسْبُه مُلْحَق به، أَرْش الجناية عليه مُلْحَق به، يعني أنه يكون رهنًا.

النماء يكون متَّصلًا ويكون منفصلًا، فإذا رهنه شاةً هزيلة، ثم سمِنت، وزاد لحمها، وكبر جسمها، فهذه الزيادة هل رهن أو لا؟

طلبة: نعم.

الشيخ: لا شك أنها تدخل في الرهن، ولو قلنا: إنها لا تدخل، لقال الراهن للمرتهن: ليس لك إلا قيمته هزيلًا، ولكن الأمر كما قال المؤلف؛ الزيادة المتصلة تلحق، ولا إشكال.

الزيادة المنفصلة أيضًا تلحق، مثاله: رهنه شاة، فحملت الشاة بعد الرهن وولدت، وحملت وولدت، وحملت وولدت، وأولادها وَلَدُوا، فهل الأولاد منها أو من أولادها يتبعون الرهن؟ نعم؛ لأنه نماء.

وكذلك يقال فيما لو رهنه نخلًا، فنما النخل وكبر، فإن النماء يتبع الأصل، وكذلك لو أثمر النخل بعد أن رُهِن فإن ثمرته تكون رهنًا؛ لأنها نماء له.

(كَسْبه) أي: ما اكتسبه؛ الرهن، كعبد اتَّجَر، يعني رهن عبدًا واتَّجَر العبد وكسب، فَكَسْبُ العبد رهن تبعًا لأصله، وكذلك لو أذن الراهن للمرتهن أن يؤجِّر البيت المرهون وأُجِّر فأجرته تكون رهنًا؛ لأن الفرع يتبع الأصل.

ص: 1363

الثالثة: (أَرْش الجناية عليه مُلْحَق به)، أيضًا يتبع الرهن، مثال هذا: رَهَنَ شاةً عند إنسان، ثم إن أحدًا من الناس اعتدى عليها وكسر رِجلها ونقصت قيمتها، فإن الراهن صاحب الشاة سوف يأخذ النقص من المعتدي الذي جَنى، هذا النقص الذي أخذه من الجاني يكون رهنًا، وهكذا أيضًا لو كان عبدًا رهنه ثم جَنَى عليه الإنسان فأتلف منه عضوًا فإن دِية هذا العضو تكون رهنًا.

فصار النماء وأيش؟ والكسب وأَرْش الجناية يُلحَق بالرهن، يعني جميع ما يتفرع من الرهن يُلحَق به.

(ومؤونته على الراهن، وكفنه، وأجرة مخزنه).

(مؤونته) يعني طعامه وشرابه، وكسوته إن كان يحتاج إلى كسوة على الراهن؛ لأنه ملكه، فله غُنْمُه وعليه غُرْمه.

مثال ذلك: إذا كان الرهن يحتاج إلى الحراسة، واستأجرنا حارسًا يحرسه، فعلى مَن تكون الأجرة؟

طلبة: على الراهن.

الشيخ: على الراهن؛ لأنه حراسة ملكه، لا يقول قائل: إنه بين الراهن والمرتهن؛ لأن كلًّا منهما سوف يستفيد.

نقول: هذا خطأ؛ لأن الغُرْم بالغُنْم، فمن له غُنْمُ شيء فعليه غُرْمه.

كذلك أيضًا كفنه لو مات، يعني لو كان المرهون عبدًا فمات، إذا مات يحتاج إلى أجرة غاسل، قيمة ماء، قيمة كفن، فعلى مَنْ تكون هذه؟ تكون على الراهن؛ لأنه ملكه، له غُنْمه وعليه غُرْمه.

كذلك (أجرة مخزنه)، يعني لو كان الرهن يحتاج إلى خزن، واستأجرنا مكانًا نخزنه فيه، فأجرة المخزن؟

طالب: على الراهن.

الشيخ: على الراهن، ولا يقال: إن المخزن فيه مصلحة للجميع فينبغي أن تكون أجرة المخزن على الجميع، نقول: لأن عين هذا المال للراهن، وغُنْمه له وغُرْمه عليه.

قال: (وهو أمانة في يد المرْتَهِن إن تلف من غير تَعَدٍّ منه فلا شيء عليه).

(هو) الضمير يعود على المرهون.

ص: 1364

(أمانة في يد المرتَهِن)، فيد المرتهن يد أمانة، وجه ذلك أنه حصل المال في يده بإذن من مالكه، وكُلُّ مال حصل بإذن من المالك، أو إذن من الشارع فهو بِيَد صاحبه أيش؟ أمانة؛ لأنه لم (

)، بل قبض بحق، فهو أمانة في يد المرتهن، وإذا كان أمانة فإنه لا يجوز له أن يتصرف فيه، إلا ما استثنى الشرع في قوله:«الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» (1)، وما عدا ذلك لا يجوز التصرف فيه، وقد سبق.

ولكن يتفرع على قولنا: إنه أمانة، أنه إذا تلف من غير تَعَدٍّ منه فلا شيء عليه، (إن تلف) الضمير يعود على أيش؟

طالب: الشيء المرهون.

الشيخ: الشيء المرهون.

(من غير تعدٍّ منه فلا شيء عليه)، فإن كان تعدٍّ منه فالضمان عليه، أي: على المرتهن.

وكذلك أيضًا لو فَرَّط فإن ضمانه عليه.

وعلى هذا ينبغي أن يُزَاد في كلام المؤلف: من غير تَعَدٍّ ولا تفريط، والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعلُ ما لا يجوز، والتفريط تركُ ما يجب.

يظهر بالمثال؛ لو أن شخصًا ارتهن ناقة من آخر، ثم لم يُحِطْها بعناية، فقضى عليها البرد، ماتت من البرد، ماذا نقول لهذا؟ هذا تفريط؛ لأن الواجب عليه أن يجعلها في مكانٍ دافئ لئلَّا تموت.

ومثال آخر: رجل رهن بعيرًا، ثم إن المرتهن صار يُحَمِّل عليها ويكُدّها، فماذا نسمي ذلك؟ نسميه تعديًا.

فالفرق إذن بين التعدي والتفريط أن التعدي فعلُ ما لا يجوز، وأن التفريط تركُ ما يجب.

إن تعدَّى أو فرَّط -الذي هو مرتهن- فهو ضامن، وإن لم يَتَعَدّ ولم يُفَرِّط فليس بضامن، وعلمتم العلة في ذلك؛ أنه قَبَضَه من صاحبه بإذنه.

(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنه).

(لا يسقط بهلاكه) أيش؟ الرهن.

(شيء من دَيْنِه) أي: من الدَّيْن الذي عليه، بل يبقى الدَّيْن على ما هو عليه.

ص: 1365

مثال ذلك: رجل استدان من شخص وأرهنه سيارته، ثم إن السيارة جاءها قضاءٌ وقدرٌ من الله عز وجل واحترقت، وكانت مرهونة بخمسين ألف ريال، فهل يسقط شيء من الدَّيْن في مقابلة الاحتراق؟

طلبة: لا.

الشيخ: لا، لكن يجب أن تلاحظ أنه لا يسقط إلا إذا كان بتَعَدٍّ أو تفريط، فإنه إذا كان بتعدٍّ أو تفريط أُلْزِم المرتهن بالضمان، وحينئذٍ لا بد أن يُسقَط من الدَّيْن بمقدار ما لزمه من ضمان، لكن الكلام فيما إذا لم يَتَعَدّ أو يفرِّط فإنه لا يَسقط بهلاكه شيء من الدَّيْن؛ لأن الجهة منفكة، هذا رهنُ توثقة، وهذا دَيْن ثابت في الذمة فلا يتساقطان.

(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنه)، فإن أسقطه المرتهن، يعني: أن المرتهن رَحِمَ الراهن الذي تلف ماله المرهون، فأسقط شيئًا من دَيْنه، أيجوز هذا؟

طلبة: نعم.

الشيخ: نعم يجوز؛ لأن الحق له، بل يُحْمَد ويُشْكَر على هذا أن جَبَرَ قلب أخيه بإسقاط شيء من الدَّيْن مقابل ما تلف.

(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنِه، وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن).

(إن تلف بعضه) أي: بعض المرهون، (فباقيه رهن بجميع الدَّيْن)، وليس بقسط التالف، انتبه.

المثال: رجل رَهَنَ خمس شياه متقاربة الثمن بخمس مئة ريال، فتلفت واحدة، هل يَسقط مقابلها مئة؟ لا؛ لانفكاك الجهة.

تلف اثنتان، يثبت الخمس مئة؟

طلبة: نعم.

الشيخ: طيب، وهلمَّ جرّا.

فما هلك من المرهون فإنه لا يُسقَط من الدَّيْن، إلا إذا كان متعديًا أو مفرِّطًا فهنا (

) ويُسقَط من دَيْنِه إلا إذا أوفاه.

(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنِه، وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن).

إن تلف البعض؛ بعض المرهون، (فباقيه رهنٌ)، لكن رهنٌ فيما يقابله من الدَّيْن أو رهن بجميع الدَّيْن؟

طلبة: بجميع الدَّيْن.

ص: 1366

الشيخ: بجميع الدَّيْن، مثال ذلك: رجل رهن عشر شياهٍ بمئة ريال، وتلف من عشر الشياه خمس، وبقي خمس، هل نقول: إن هذه الْخَمس رهنٌ بجميع الدَّيْن، أو رهنٌ بما يقابلها من الدَّيْن وهو خمسون، ويبقى الرهن الثاني مرسَلًا ليس فيه رهن؟

الجواب: الأول؛ لأن هذا عقد تَوْثِقَة، ليس عقد معاوضة (

) يقابَل بعِوَض، هذا عقد توثقة، والتزاحم فيه تزاحم استحقاق، وعلى هذا فنقول: إنه إذا تلف بعضه فباقيه رهن بكُلِّ الدَّيْن، لا نقول: إن الدَّيْن نصفه له رهن ونصفه ليس له رهن؛ لأن المرهون تلف بعضه، أي نصفه.

يقول: (وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن، ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدَّيْن).

هذا أيضًا مهم، لا ينفك بعض الرهن مع بقاء بعض الدَّيْن، ومع بقاء كُلِّ الدَّيْن من باب أولى.

والمثال نرجع إليه، نقول: رجل رهن خمس شياه بخمس مئة درهم، ثم إنه فَكّ، يعني أوفى من الخمس مئة الدرهم؛ أوفى ثلاث مئة درهم، والمرهون كم؟ خمس شياه، هل نقول: إن ما يقابل الوفاء ينفك به الرهن؟

لا، بل نقول: يبقى الرهن بجميع الدَّيْن، ولهذا قال:(لا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدَّيْن)، بل يبقى على ما هو عليه؛ رهن بباقي الدَّيْن.

(وتجوز الزيادة فيه دون دَيْنِه).

تجوز الزيادة في الرهن دون دَين، أما الزيادة في الرهن فلأن فيها مصلحة، وهي زيادة التوثقة، وأما الزيادة في دَيْنِه فلا يجوز؛ لأنه شغْلٌ بمشغول؛ لأنه يريد أن يشغل هذا الرهن بالدَّيْن الثاني، مع أنه مشغول بالدَّيْن الأول، والمشغول -كما قلنا- لا يُشْغَل.

لمثال: رجل استدان من شخص خمسين ألفًا، وقال له الشخص: أريد رهنًا، قال: هذه السيارة، فأخذها، وانتهى العقد على هذا؛ أن الرهن سيارة واحدة، ثم إن صاحب الدَّيْن -وهو المرتهن- شعر بأن السيارة لا تكفي في الدَّيْن، فطلب ممن رهنه السيارة أن يرهنه سيارة أخرى، هل تجوز أو لا تجوز؟

طلبة: تجوز.

ص: 1367

الشيخ: تجوز؛ لكن هل يُجْبَر الْمَدِين على أن يرهن الأخرى؟ لا، لا يجوز، لكن لو اتفقا فلا بأس؛ لأنه ليس فيه ظلم ولا ربا، وأما الزيادة في الدَّيْن فلا، الزيادة في الدَّيْن هي صورة المسألة: رجل استدان من شخص وأرهنه البيت، استدان خمسين ألفًا وقال: لك البيت رهنًا، ثم إن الْمَدِين احتاج زيادة الفلوس، فجاء إلى المرتهن وقال: أَقْرِضْنِي، قال: أعطني رهنًا، قال: الرهن الأول، هذه الأخيرة تتبع الرهن الأول، يقول المؤلف: إن هذا أيش؟ لا يجوز؛ لأن الرهن بَقِيَ مشغولًا بالدراهم الأولى.

والصواب الجواز، الصواب أن هذا جائز، وأنه لا بأس بزيادة الدَّيْن؛ لأنه برضا الطرفين، وفيه مصلحة، مصلحة لِمَن؟ الحقيقة أن المصلحة هنا للراهن، وذلك لأن المرتهن قد توثَّق لنفسه، فإذا جاء الراهن وطلب منه أن يُضِيف إلى الدَّيْن الأول شيئًا يدخل في الرهن صار من نصيب الراهن، ولكن نقول: لا مانع، ما المانع أن يكون لأحد الطرفين مصلحة فيما فعل، وهي مصلحة ليس فيها ربا، وإنما هي معاملة مستقلة.

طالب: إذا تلف الرهن بدون تعدٍّ أو تفريط من المرتهن فهل يُلْزَم الراهن بأن يؤدي بدله؟

الشيخ: لا، ما يُلزم؛ لأن الراهن لا يلزم بوضع بدل عنه إلا إذا كان من تصرفه هو، إذا كان من تصرفه هو فلا بأس.

الطالب: قد يقول المرتهن: إن حقه سقط.

الشيخ: لكن ما هو بيده، لكن لو أتلفه آخر فله أن يطالب بالضمان، وإذا ضمن صار رهنًا.

طالب: لو كان الرهن أقل من الدَّيْن، وقد رضي المرتهن (

) واحد، فهل تبرأ ذمته أم يبقى في ذمته ما بقي من الدَّيْن؟

ص: 1368

الشيخ: الظاهر أنه يبقى، وأن ذمته ما تبرأ براءةً تامة، لكنها لا تتعلق بدَيْنِه. أقول: لا تبرأ براءةً تامة، يعني ليس معناه أنه إذا مات والرهن أقل من حقه نقول: ما فيه إلا هذا، لا نقول هكذا؛ لأن الدَّيْن متعلق بالذمة، لكن من جهة أنه لا تتعلق به نفسه كما جاء في الحديث نفسه أنه معلَّقٌ بدَيْنِه (3) إن صح، فإنها لا تتعلق نفسُه بذلك؛ لأن صاحب الدَّيْن رضي بهذه الرهينة.

طالب: إذا رهن يا شيخ شيئًا قيمته ألف على دَيْن ألف، وأتلفه المرتهن باختياره متعديًا أو مفرِّطًا، ثم قال: أريد أن يكون الألف هذا مقابل الألف ويسقط الدَّيْن، فقال الراهن: أريد أن تأتي بالرهن بدله، يعني مثله وقيمته، حتى إذا بعته في وقت السداد يكون أكثر؟

الشيخ: إي نعم، له ذلك، يعني إذا قال: أنا أريد أن تضمن بالقيمة؛ لأنه ربما عند السداد تكون قيمة هذا الشيء الذي تلف أعلى.

طالب: إذا كان جرى العرف أن الإنسان إذا رهن عند شخص كتابًا أن له أن يقرأه، فهل نقول: إن هذا العرف يجري مجرى الإذن؟

الشيخ: إذا كان عرفًا مضطردًا معروفًا فلا بأس، وأما إذا كان يفعله بعض الناس دون بعض فلا يجوز إلا بإذن خاص.

الطالب: لا يكون قرضًا جَرَّ نفعًا من نفس هذا التصرف، قراءته يعني.

الشيخ: هذا غير مقصود ولا شرط في العقد، لكن لو فرض أن المراجعة هذه لها قيمة لكان يجب أن يحتسبها من دَيْنِه.

طالب: لو أن رجلًا استدان من رجلٍ مالًا وأرهنه عبدًا ثم عتق ذلك العبد ونحن قلنا: إن العبد لا يعتق.

الشيخ: الصحيح أنه لا يعتق.

الطالب: لو أن الرجل بعد ذلك وَفى به، هل يلزم عتق العبد بـ (

).

الشيخ: لا يلزم.

طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا كان النماء المنفصل مما يتعرض للتلف، فهل يقوِّمه المرتهن ويضاف إلى قيمة الرهن، أم له أن يتصرف فيه؟

الشيخ: لا، يقوَّم وتُجعل القيمة مع الرهن.

طالب: الراهن والمرتهن إذا رهنه خمس مئة ريال بخمسة (

) لا يعني.

ص: 1369

الشيخ: لا ينفق الرهن بالخمس، تبقى الخمس كُلُّها رهنًا.

الطالب: هذا مع الاتفاق الأول، لأنه اتفق قبل أن يسلِّم.

الشيخ: أنه؟

الطالب: يعني إذا سلمه ثلاث مئة (

).

الشيخ: يعني على أنه كُلَّما أوفى شيئًا من الدَّيْن انفك ما يقابله من الرهن.

الطالب: علم الراهن أن المرتهن يتحايل عليه، (

).

الشيخ: أمامهم القضاة، يذهبون إلى المحكمة.

طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا كان المرهون سيارة وأوقفها المرتهن في الشارع، هل يعتبر تفريطًا، وسرقت؟

الشيخ: بالنسبة لعرفنا الآن إذا كان الشارع واسعًا فإنه ليس بتفريط، أما إذا كان ضيقًا فهو تفريط ولا شك؛ تفريطٌ من وجه، وتعدٍّ من وجهٍ آخر، تفريطٌ من جهة حفظ السيارة، وتعدٍّ على أهل الشارع.

الطالب: لكن السرقة ويش علاقتها؟ السيارة سُرِقَت.

الشيخ: لا، أنت تقول: صُدِمَت.

الطالب: لا، سُرِقَت.

الشيخ: هذا ينبني على أنه هل السيارات في الأسواق تعتبر مُحْرَزة أو لا، هذا محل خلاف بين القضاة الآن؛ منهم مَن يرى أنها حرز؛ لقوة الأمن واستتبابه، ومنهم من يرى أنها ليست بحرز، والصحيح من حيث الضمان أنها حرز فتُضْمَن، وأما من حيث قطع اليد بالسرقة فدرء الحدود بالشبهات أمرٌ لا بد منه.

طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، إذا كان الرهن سيارة، فهل له أن يركبها بنفقتها كما يركب الظهر؟

الشيخ: لا، والفرق بينهما أن الظهر لا بد له من نفقة؛ لأنه حيوان، مضطر إلى أكل وشرب، بخلاف السيارة، لكن كما قلت لكم قبل قليل: إذا طلب أحدهما أن يُنتفع بالرهن بلا ضرر على الآخر وجبت إجابته.

طالب: حفظك الله، لو استدان منه مالًا فطلب رهنًا، فأرهنه بُرًّا، ثم سافر الراهن وانقطع، فخشي هذا المرتهن أن يفسد البُرّ مع الزمن، فهل له بيعه بدون إذن المرتهن هنا؟

الشيخ: كيف؟

الطالب: وهل له أن يبيعه يجعل قيمته رهنًا مكانه؟

الشيخ: مَن اللي يبيعه؟

الطالب: المرتهن.

الشيخ: إذا خاف فساده؟

الطالب: إذا خاف فساده.

ص: 1370

الشيخ: إي، ما به شك.

الطالب: أن يحصل إذا سافر الراهن.

الشيخ: إي نعم، هذا يباع وتُجْعَل القيمة رهنًا مكانه.

طالب: بالنسبة لفك الرهن، لو كان الرهن قابلًا للتجزئة، والرهن مثلًا قارب الخمس شياه، وسَدَّد قسطًا من الدَّيْن، ولو إحنا قلنا: الرهن لا ينفك، معناه إنه مفيش تناسب ما بين الرهن وما بين القيمة؟

الشيخ: إي، لا بأس، نحن نقول هذا، وإن لم يكن تناسب، أليس يجوز أن يرهنه بيتًا يساوي مليون ريال بمئة ريال؟

الطالب: نعم.

الشيخ: هكذا.

الطالب: بس هذا الرهن قابل للتجزئة.

الشيخ: لا فرق؛ لأن الرهن (

).

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَإِنْ رَهَنَ عند اثنين شيئًا فَوَفَّى أَحَدَهُمَا، أَوْ رَهَنَاهُ شيئًا فاستوفى من أحدهما انْفَكَّ في نصيبه، ومتى حَلَّ الدَّيْن وامتنع من وفائه، فإن كان الرَّاهنُ أَذِنَ للمرتهن أو العَدْلِ في بَيْعِه، باعه وَوَفَّى الدَّيْن، وإلَّا أجبره الحاكم على وفائه أَو بَيعِ الرَّهنِ، فَإِن لم يفعل باعه الحاكمُ وَوَفَّى دَيْنه.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

رجل رهن عبدًا فجُنِيَ على هذا العبد وأُخِذَ أَرْش الجناية، فهل يكون الأَرْش رهنًا أو لا؟

طالب: نعم، يكون الأرش رهنًا مع العبد.

الشيخ: يكون الأرش رهنًا مع العبد، لماذا؟

الطالب: لأنه مُلْحَق به، يعني يُعْتَبر جُنِيَ على العبد فنقص.

الشيخ: يعني عِوَضًا عن نقيصة الرهن، فيُلْحَق به.

وآخر رهن عبدًا فكسب العبد وحصَّل، هل يُلْحَق كَسْبُه به؟

الطالب: نعم، يُلْحَق به.

الشيخ: نعم، لماذا؟

الطالب: لأنه من كسبه، يعتبر تابعًا له.

الشيخ: لأنه من عمله وكسبه فيكون تابعًا له.

لو مات الرهن فعلى مَن تكون مؤونة تجهيزه؟

ص: 1371

طالب: على مالكه وهو الراهن.

الشيخ: على مالكه وهو الراهن، فيها دليل؟

الطالب: نعم، فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» . (4)

الشيخ: نعم، «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» .

الطالب: «مِنْ صَاحِبِهِ» ، له غُنْمه وعليه غُرْمه.

الشيخ: أحسنت.

ما هو الذي ينفذ من تصرف الراهن؟

طالب: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان مقبوضًا.

الشيخ: لا ينفذ أيش؟

الطالب: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان الرهن مقبوضًا.

الشيخ: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان الرهن مقبوضًا.

طالب: ينفذ عتق العبد، إذا أعتق العبد فإنه ينفذ.

الشيخ: تمام، توافقه؟

طالب: أوافقه على المذهب.

الشيخ: إي على المذهب ينفذ العتق، فيضيع حق المرتهن؟

الطالب: لا، يقول: تُؤخَذ قيمته مكانه.

الشيخ: وإذا كان مُعْسِرًا الراهن؟

الطالب: نظره، يصبر.

الشيخ: طيب، المسألة هذه فيها أقوال ذكرناها من قبل.

طالب: شيخ، القول الصحيح أنه لا يعتق.

الشيخ: القول الصحيح أنه لا ينفذ العتق كغيره من التصرفات.

الطالب: نعم.

الشيخ: تعليلهم بماذا نجيبه؟

الطالب: مَنْ؟

الشيخ: تعليل المذهب؛ اللي يقول: ينفذ؛ لأن العتق له سِرَاية وتغليب، مبني على السراية والتغليب.

الطالب: نعم، يقولون: العتق ينفذ؛ لأنه مبني على السراية والتغليب، هذا تعليلهم.

الشيخ: وهل هذا صحيح؟

الطالب: لكن هذا غير صحيح، نقول: نعم، هو فيه سراية، لكن لو كان فيه غير إسقاط حق الغير، أما وفيه إسقاط حق الغير فلا ينفذ.

الشيخ: إي نعم؛ ولأن العتق قُرْبَة، فلا يُتَقَرَّب إلى الله بمعاصيه، والمسألة إذا كان فيها ..

الطالب: شيخ، قلتم: لأنه يحرُم، هذا فعل يحرُم، هم يقولون: حتى وإن حَرُم فإنه مع حرمته لجريان أو لسريان العتق.

ص: 1372

الشيخ: نعم، القول الثاني في المذهب أنه ينفذ، والقول الثالث: أنه إن كان مُعْسِرًا لم ينفذ، وإن كان مُوسِرًا نفذ؛ لأن الْمُعْسِر يتعذر منه أَخْذ القيمة التي تكون رهنًا، وأما الْمُوسِر فتسهل، فلا يضيع حق المرتهن، ولكن الصواب أنه لا ينفذ مطلقًا حتى وإن كان الراهن من أيسر الناس؛ لأنه تعلق به حق الغير.

يقول المؤلف: إن الرهن أمانة في يد المرتهن، فما هو الضابط في الشيء الذي يكون أمانة أو غير أمانة؟

طالب: نقول: لأنه يا شيخ حصل التصرف فيه بإذن المالك.

الشيخ: لا، ما هو الضابط؟ نريد ضابطًا يكون عامًّا في هذا وغيره.

الطالب: ما كان بإذن المالك أو بإذن الشارع فإنه يصح صرفه.

الشيخ: فهو أمانة، لا ما هو يصح صرفه، فهو أمانة، وما كان بغير إذنٍ من الشارع والمالك فليس بأمانة.

ينبني على هذا أن الأول؛ الذي حصل عليه الشيء بيده أمانة لا يضمن إلا إذا تعدَّى أو فرَّط، وأن الثاني ضامن بكلِّ حال، هذه قواعد مفيدة لكم؛ الثاني الذي حصل المال بيده بغير إذن الشارع والمالك هذا مُتَعَدٍّ، فيضمن بكُلِّ حال، والأول الذي حصل المال بيده بإذن من الشارع أو إذن من المالك هذا أمين، فلا يضمن إلا بِتَعَدٍّ أو تفريط.

إذا رهن بيتًا وسلَّمَه إلى المرتَهِن، فهل يُؤَجِّره المرتهن، أو الراهن، أو ماذا؟

طالب: على قول المصنف فإنه لا يجوز لأحدهما أن يتصرف فيه إلا بإذن الآخر، إذا لم يأذن بقي مُعَطَّلًا.

الشيخ: إذا لم يتفقَا بقي معطلًا، ولو كانت أجرته في السنة عشرة آلاف أو أكثر.

الطالب: لكن الصحيح أن مَن طلب منهم عقدًا لا يضر بحق الآخر يجب على الثاني موافقته.

الشيخ: نعم، عرفتم؟ الصحيح أنه إذا طلب أحدهما ما لا يتضرر به الآخر وجبت إجابته؛ لأنه إن طلب الراهن فهو ملكه، له أن يُؤَجِّره وهو لا يضر المرتهن بل ينتفع به؛ لأن الأجرة تكون رهنًا معه، فهو تقوية له.

ص: 1373

وإن طلبه المرتهن وأبى الراهن فهذا محل إشكال؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا طلب المرتهن دون الراهن فإنه لا يُجْبَر الراهن؛ لأن الراهن مالك، فكيف يُجْبَر على تأجير ملكه؟ لكن الصحيح أنه يُجْبَر؛ لأن المرتهن يقول: أنا لي أيش؟ أنا لي حق في هذا، أنا أريد أن يُؤجَّر حتى تكون أجرته رهنًا وزيادة في التوثقة.

فعلى هذا تكون القاعدة ما ذكرناه أولًا، وهي أنه إذا طلب أحدهما من الآخر ما فيه منفعة دون مضرة على صاحبه وجبت إجابته حتى لا يضيع المال ويخسر الجميع.

رجل رهن بيتًا بمليون ريال، كم مليون ريال؟

طالب: مليون ريال يعني عَشر مئة.

الشيخ: عَشر مئة لا، غلط، عَشر مئة ألف.

الطالب: المليون عَشر مئة ألف.

الشيخ: عَشر مئة ألف غلط، المليون كم؟

طالب: عَشر مئة ألف صحيح.

الشيخ: ما هو ألف ألف؟

الطالب: ألف ألف أو عَشر مئة ألف.

طالب آخر: هو نفسه.

الشيخ: طيب، عَشر مئة ألف، ثلاث كلمات، لكن ألف ألف كلمتان، ألف ألف، ثم أوفى نصيبه، الْمَدِين أَوْفَى ما عليه إلا درهمًا من ألف الألف، هل يَنْفَكّ الرهن أو لا؟

طالب: لا؛ لأنه لا يتبعض.

الشيخ: يعني لا ينفك الرهن إلا بقضاء الدَّيْن كُلِّه؟

الطالب: نعم.

الشيخ: كذا؟

الطالب: هذا ليس عقدًا ..

الشيخ: اصبر، اصبر، يعني لا ينفك الرهن إلا بقضاء الدَّيْن كُلِّه ولو بقي واحد من مليون، توافقون على هذا؟

طلبة: نعم.

الشيخ: نعم؛ لأن الحق باقٍ في الرهن.

رهن عند اثنين شيئًا فوفى أحدهما، هل ينفك الرهن في حق الذي استوفى حقَّه؟

الطلبة: درس اليوم.

الشيخ: صحيح، إذن نبدأ به إن شاء الله.

***

(وإن رَهَنَ عند اثنين شيئًا فوفَّى أحدَهما، أو رَهَنَاه شيئًا فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه).

رَهَنَ عند اثنين شيئًا فوفَّى أحدهما، هذا الشيء المرهون ملك لواحد، رَهَنَه عند اثنين، فوفَّى أحدهما، فإنه ينفك الرهن في نصيبه دون نصيب صاحبه.

ص: 1374

مثال ذلك: استدان زيد من عمرٍو وبكر مئة ألف، كل واحد أدانه خمسين ألفًا، ثم رهن عندهما، قال: هذا البيت رهن بدَيْنِكما، ثم أوفى أحدَهما؛ أوفى عَمْرًا، فهل ينفك في نصيبه؟

الجواب: نعم، ويبقى هذا البيت مرهونًا نصفه فقط، وباقيه غير مرهون، هذا معنى قوله:(إن رهن عند اثنين شيئًا فوفَّى أحدَهما).

(أو رهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما)، الآن المرهون لواحد أو لشركة؟

طلبة: لشركة.

طالب آخر: لواحد.

الشيخ: (أو رَهَنَاه شيئًا)، المرهون الآن لواحد ولّا لشركة؟

طلبة: لشركة.

الشيخ: لشركة، هذا بيت مشترك بين زيد وعمرو، استدان الرجلان من شخص فرَهَنَاه البيت المشترك، فاستوفى من أحدهما، هل ينفك الرهن في نصيبه؟ يقول المؤلف: نعم، ينفك في نصيبه، وذلك لأن الصفقة اشتملت على عقدين، فإذا انفك الرهن في أحد العقدين بقي الرهن الآخر.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومتى حَلَّ الدَّيْن وامتنع من وفائه) .. إلى آخره.

(متى حَلَّ الدَّيْن) على مَنْ؟ على الْمَدِين الذي هو الراهن، (وامتنع) أي: الْمَدِين وهو الراهن (من وفائه).

(فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه).

إن كان الراهن أَذِنَ للمرتَهِن أو للعدل في بيعه، أذن للمرتهن إذا كان الرهن بيد المرتهن، أو العدل إذا كان الرهن عند عدلٍ، يعني عند رجل عدل اتفقَا عليه، فإن كان الراهن أَذِنَ للمرتهن أو للعدل في بيعه باعه ووَفَّى الدَّيْن.

مثاله: رهن سيارته عند شخص استدان منه مئة ألف، ثم حلَّ الدَّيْن، وكان قد أَذِنَ للمرتهن أنه إذا حَلَّ الدَّيْن ولم أُوفِ فبِعْ، فهنا نقول: إذا حَلَّ الدَّيْن، وقال: أوفني، وقال: لا، ما عندي شيء، فهنا يبيعه، يحتاج إلى تجديد الإذن؟ لا، يكفي الإذن الأول.

ص: 1375

(أو العدل) مثل أن تكون السيارة التي رهنها عند الدائن بيد شخصٍ ثالث، يعني أن الراهن الذي استدان لم يَثِق بالمرتهن، وجعل السيارة عند شخصٍ آخر عدل مأمون، وقال له: إذا حَلَّ الدَّيْن ولم أُوفِ فبِع السيارة وأَوْفِ المرتهن، فنقول كالأول، نقول: إذا حَلَّ الدَّيْن وامتنع الراهن من الوفاء فإن العدل يبيعها، ولا يحتاج إلى تجديد إذن للإذن السابق.

ولهذا قال: (فإن كان الراهن أَذِنَ للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفَّى الدَّيْن، وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن).

(وإلَّا) يعني إن لم يكن أَذِن، يعني رهن العين ولم يأذن في بيعها عند حلول الأجل إذا امتنع من الوفاء، هنا يترافع الطرفان إلى الحاكم، ما لم يَرْضَ الدائن ببقاء الدَّيْن بدون أن يُبَاع الرهن، هنا يترافعان إلى الحاكم، فيُجْبِرُه الحاكم على وفائه، وهذا إن كان بيده شيء، إن كان الْمَدِين بيده شيء أجبره الحاكم على وفائه، وإن كان فقيرًا أو ماطَل أجبره على بيع الرهن، قال: بِعْه، أو ائذن للمرتهن أو العدل في البيع، يعني يأمره أن يبيعه مباشرةً، أو أن يأذن للعدل أو للمرتهن في بيعه.

فإن أبى؟

قال: (فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفَّى دَيْنَه)، وإنما احتجنا إلى هذه المراتب مع إمكان الحاكم أن يتولى بنفسه من أول الأمر بَيْعَ الرهن والوفاء، لكن احتجنا إلى هذه المراتب حفاظًا على أموال الناس، وعلى ألَّا نعتدي عليها، حتى الحاكم لا يعتدي على أموال الناس إلا إذا تعذَّر مباشرتهم إياها بأنفسهم، فإن لم يتعذر فإن الواجب أن تكون الأموال محترَمة، فلا نبيع على الراهن ملكه بدون أن نعجز عن وفائه، فإذا عجزنا عن وفائه فحينئذٍ يتولى الحاكم بيع الرهن ووفاء الدَّيْن.

وحينئذٍ إما أن يكون ثمن الرهن أقل من الدَّيْن، أو أكثر، أو مساويًا.

ص: 1376

إن كان مساويًا فهذه بتلك، أعطيناه ثمنه وانتهى الموضوع، وإن كان أقل، يعني الدَّيْن عشرة آلاف ريال، وثمن الرهن ثمانية، أعطيناه ثمن الرهن وبقي له على الراهن ألفان، ولا نقول: إن قيمة الرهن تكفي؛ لأنه - أي: المرتهن- رضي بالرهن، فليس له إلا ما ارتهن، نقول: لأن الدَّيْن متعلق بأيش؟ بالذمة، والذمة الآن لم تبرأ، الذمة فيها عشرة آلاف، وهذا الرهن بِيعَ بثمانية، فبقي ألفان.

وإن كان الرهن بِيعَ بأكثر من الدَّيْن استوفى الْمَدِين حقه، والباقي يُرَدّ إلى مَن؟ إلى الراهن، وهذا واضح.

***

ثم قال: (فصل. ويكون عند مَن اتفَقَا عليه).

(يكون) الضمير يعود على الرهن، و (اتفقا) الألف تعود على الراهن والمرتهن.

هذا ما لم يَرْضَ الراهن بكونه بيد المرتهن، فإن رضي فذاك المطلوب، وإن لم يَرْضَ لعدم ثقته به، قيل لهما: اختارَا مَن يكون بيده، إذا اختارَا فلانًا صار بيده، فإن اختلفَا قال أحدهما: أنا أريد فلانًا، وقال الثاني: أنا أريد فلانًا الآخر، فكيف نعمل؟ هل نقدِّم قول الراهن؛ لأنه المالك الذي يخشى على ملكه، أو نقدِّم قول المرتهن؛ لأنه الطالب للحق الذي يريد أن يتوثَّق، أو نقول: لا نأخذ بقولكما ونرجع إلى المحكمة، إلى القاضي، فيُعيَّن؟

طالب: الثالث.

الشيخ: نعم، الثالث أقرب إلى الصواب، لماذا؟ لأنه مُشْكِل؛ إن راعينا قول الراهن لأنه مالك فقد يختار المالكُ رجلًا لا يثق به المرتهن، أليس كذلك؟ وإن قَدَّمْنَا قول المرتهن لأنه صاحب حق ويريد أن يتوثق بحقه فإن الراهن قد لا يثق به، يقول: أنا أخشى على ملكي إذا كان بيد هذا الرجل.

لذلك لا نرى -فكًّا للنزاع وحلًّا للمشكلة- إلَّا أن تُرْفَع إلى القاضي ويُعيِّن مَن شاء، فعلى هذا يقول:(يكون عند مَن اتفقَا عليه) إن اتفقا على أحد، وإن اختلفَا فالمرجع إلى القاضي؛ لأن له الولاية العامة.

(وإن أَذِنَا له في البيع لم يَبِع إلا بنقد البلد).

ص: 1377

(إن أَذِنَا) الضمير يعود على مَنْ؟ الراهن والمرتهن، (له) أي: للعدل.

(في البيع لم يَبِع إلا بنقد البلد)، ولا يبيع بنقد آخر، فمثلًا هنا الآن نقد البلد ما هو؟ الريال السعودي، لا يبيع بدولار مثلًا؛ لأنه إذا أُطْلِق العقد رجع إلى العُرْف المتعارف بين الناس، والمتعارف بين الناس هو النقد المتداول بينهم، فهو لا يبيع إلا بنقد البلد.

لو قال: أنا أريد أن أبيعه بمثل الدَّيْن، يعني أنَّ هذا مرهون بدولارات، وأَذِنَا له في البيع، هل يبيع بالدولارات أو بنقد البلد؟

بنقد البلد، هذا ظاهر كلام المؤلف، يبيع بنقد البلد؛ لأنه ربما ترتفع القيمة؛ قيمة الدولارات، فيخسر الراهن، وربما تنخفض فيكون في هذا ضرر على المرتهن، وعلى هذا فلا عبرة بالدَّيْن أو بجنس النقد الذي هو الدَّيْن، بل العبرة بنقد البلد.

وهل يبيع بفئة خمس مئة، أو فئة مئة، أو فئة خمسين، أو فئة عشرة، أو فئة ريال؟

طالب: (

) الأصلح.

الشيخ: نعم، كله واحد، لكن في ظني أن الدَّيْن إذا كان كثيرًا فالأحسن الخمس مئة، لكن إذا كان مليون بيجيب لهم مليون واحدة من أمهات ريال هذه تحتاج إلى خيشة كبيرة، على كل حال نقول: النقد، لا بد من نقد البلد، أما كونه من فئة كبيرة أو صغيرة هذا يرجع إلى ما تقتضيه المصلحة.

يقول: (إلا بنقد البلد) ويش بعدها عندكم؟

طالب: (وإن قبض الثمن).

الشيخ: (وإن قبض الثمن في يده فمن ضمان الراهن).

طلبة: فتلف.

الشيخ: (فتلف) نعم، (وإن قبض الثمن).

طالب: (باع وقبض) يا شيخ.

الشيخ: أنا (إن باع) مشطوب عليها، ثم هذا ملخلبط عندي.

الطالب: (وإن باع وقبض) يا شيخ.

الشيخ: ما يخالف (وإن باع وقبض)(وإن قبض) كله واحد، ما هو بقابض الثمن إلا بعد البيع، ولهذا كانت هذه شرحًا، الظاهر أنها شرح (إن باع وقبض).

يقول: (وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن).

باعه وقبض الثمن.

طالب: عندنا (وإن باع بيديه).

الشيخ: كيف؟

طالب: الشرح.

ص: 1378

الشيخ: الشرح، (وإن قبض الثمن) هذه النسخة الصحيحة، (إن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن)، وذلك لأن الدَّيْن ثابت في ذمة الراهن حتى يستلمه مَن؟ المرتهن، المرتهن الآن ما استلم الثمن، لم يُوفَ دينَه، فإذا تلف فمن ضمان الراهن، ولكن يشترط في ذلك أن يكون بلا تعدٍّ ولا تفريط، فإن كان بتعدٍّ أو تفريط صار هناك ضامن آخر، وهو العدل الذي وُكِّل مِن قِبَل الطرفين.

وعلى هذا فلننظر: باع العدل الرهنَ وقبض الثمن، ثم أتى حريق، شب في البيت ومنه الثمن وتلف، فهنا المرتهن يرجع على مَنْ؟ على الراهن، لا إشكال، ولا يرجع الراهن على العدل؛ لأنه تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط.

مثال آخر: قبض العدل الثمن، ووضعه على عتبة الدُّكَّان، ثم نسي وذهب يصلي، فأتى وقد سُرِق، الضمان للمرتهن على مَنْ؟

طلبة: على العدل.

الشيخ: يا إخواني.

طالب: على العدل يا شيخ.

طلبة آخرون: على الراهن.

الشيخ: رويدكم، الضمان بالنسبة للمرتهن على الراهن، والراهن يرجع على العدل؛ لأن المرتهن يقول: حقي في ذمتك -يعني الراهن- فيرجع المرتهن على الراهن، ثم الراهن يرجع على العدل، أما رجوع المرتهن على الراهن فظاهر؛ لأن الدَّيْن في ذمته وهو لا يعرف إلا الراهن، وأما رجوع الراهن على العدل فلأنه فَرَّط؛ لأن هذا ليس حفظ المال، الأموال المهمة أن تضعها على طول في الصندوق؛ لأن الإنسان مُعَرَّض للنسيان، وهذه أيضًا مسألة ينبغي للإنسان أن يسير عليها في حياته، وقد نبهنا عليها؛ أن يبدأ الإنسان بالأهم، وذكرنا هذه مرة في أيش؟ في حديث عتبان بن مالك، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء إليه قال:«أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟ » (5)، وقد صنع له طعامًا، ولكنه لم يبدأ بالطعام؛ لأنه إنما جاء ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى، وذكرنا أيضًا لما بال الصبي في حجره دعا بماءٍ فأتبعه إياه. (6)

ص: 1379

إن الإنسان لا يفرط، لا يقول: أبغي أخلي هذا إذا قمت حطيته في مكانه، أبدًا، حتى في المراجعة الآن الإنسان يراجع كم كتاب؟ يراجع مثلًا خمسة كتب، كل كتاب في رَفّ، إذا راجعت واحدًا لا تقل: أبغي أحطه عندي وأنتم ما محتاجون له، ضعه أولًا في مكانه؛ لأنك ستضعه ولا بد، فأولًا ليسلم المكان اللي حولك من تكديس الكتب، ولأجل أن يكون منظَّمًا.

فمثلًا نقول: إن الدراهم مثلًا إذا أُعْطِيتَها أمانة، لا تخليها مثلًا عندك أمامك، تقول: إذا قمت دخلتُها في الصندوق، دخَّلها على طول؛ لأن الإنسان بشر، ربما ينسى ويضيع.

كذلك إذا عَنَّ في ذهنك وأنت طالب علم، ما فيه مانع أن ينتقل من المال إلى العلم، إذا عَنَّ في ذهنك مسألة قلت: هيِّنَة أخليها بعد، لا، راجعها على طول ما دام إنك محتاج لها، ولست تراجع مسألة معينة من قبل، أما إذا كنت تراجع مسألة معينة من قبل لا تتلهَّى بغيرها فتضيع، كذلك أيضًا يمر بك فائدة قد لا تراها في أي كتاب، وقد لا تكون هذه الفائدة في الموضع الذي تظن أنها فيه، فيقول الإنسان: خلاص، إن شاء الله ضبطتها في قلبي، خلاص ما أنساها، ولا يذهب يقيِّدها، أو على الأقل يشير إلى صفحتها في جانب الكتاب، ثم بعد ذلك ينساها وتضيع عليه، وهي فائدة دُرَّة تعتبر، ولكن يقول: خلاص هذه ما أنساها أبدًا؛ لأنها مهمة، ولكنه ينسى، الإنسان بشر، على الأقل قيِّد الصفحة، إذا أردتها وجدتها مُسَهَّلة مُيَسَّرة.

فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أن يتفطن لها؛ لأنها مفيدة.

***

طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أعطى واحدًا (

) خذ هذا الشيك بعشرة وأَقْرِض لنا دراهم من البنك، ثم أعطى صاحب البنك دراهم وقال (

).

ص: 1380

الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: إذا قبض الدراهم المعدودة وصَدَّق الْمُقْبِض، الدافع، قال الدافع: هذه ألف، أخذها مُصَدِّقًا إياه، ثم لما رجع إلى البيت وعدَّها وجدها تسع مئة، هل يرجع عليه؟ لا، لا يرجع، ما دام صدَّقه؛ لأنه هو الْمُفَرِّط، أليس الغلط واردًا من كُلِّ أحد؟

طالب: بلى.

طالب آخر: وحتى هذه المسألة يا شيخ وقعت.

طالب آخر: شيخ؛ إذا كان الراهن مُعْسِرًا وحلَّ موعد الوفاء، وكان رهنه مما لا يستغني عنه عادةً كبيتٍ ونحوه، فهل يُبَاع عليه، أم يؤمَر الدائن بأن يُنظِره إلى الميسرة؟

الشيخ: هل أُجْبِر على الرهن؟

الطالب: إي، الدائن إن قال له: لا أعطيك إلا أن ترهنني شيئًا.

الشيخ: هل أُجْبِر على الأخذ؟

الطالب: محتاج يا شيخ معسر.

الشيخ: ولو كان محتاجًا، ما أُجْبِر، المهم أنه إذا حلَّ الدَّيْن يباع الرهن ولو كان الإنسان فقيرًا.

الطالب: ولو كان مما لا يستغني عنه.

الشيخ: ولو كان مما لا يُستغنى عنه؛ لأنه رهنه باختياره.

طالب: عفا الله عنكم، شيخ، يقولون في موافقة المؤلف: عدم جواز البيع بالرهن إلا بنقد البلد، وقسنا على الدولار، قلنا: لا يجوز؛ لأن الدولار متفاوت وقابل للارتفاع والنزول، شيخ، حتى عملة البلد تنزل وترتفع؟

الشيخ: إي نعم، هو أصلًا إذا نقصت قيمة الدولار زادت قيمة نقد البلد.

الطالب: شيخ، ما فيه بأس أن يكون بالدولار.

الشيخ: لا يجوز، إلا بنقد البلد.

الطالب: لماذا يا شيخ؟

الشيخ: لأن هذا المتعارَف عليه، أنا ما أروح أتعامل بالدولار بنقد أمريكا وأنا هنا في القصيم.

طالب: شيخ، عفا الله عنك، إذا امتنع الراهن عن الوفاء ولم يأذَن له بالبيع، واختصمَا، ولكن لا يوجَد هناك حاكم يحكم بينهما، ماذا يصنعان؟

الشيخ: لا بد من أن يتفقَا على شخص يحكم بينهما، يُحَكِّمَان رجلًا.

ص: 1381

وإن ادَّعَى دَفْعَ الثمنِ إلى الْمُرْتَهِنِ فأَنْكَرَه ولا بَيِّنَةَ ولم يكنْ بحُضُورِ الراهنِ ضَمِنَ كوكيلٍ، وإن شَرَطَ إلا يبيعَه إذا حَلَّ الدَّيْنُ، أو إن جاءَه بحَقِّه في وَقتِ كذا ، وإلا فالرهنُ له لم يَصِحَّ الشَّرْطُ وحْدَه، ويُقبلُ قولُ الراهنِ في قَدْرِ الدَّيْنِ والرهنِ، ورَدِّه، وفي كونِه عصيرًا لا خَمْرًا، وإن أَقَرَّ أنه مَلَكَ غيرَه ،

الشيخ: نعم.

طالب: عفا الله عنكم، شيخ يقول: إنه في موافقة المؤلف عدم جواز البيع للرهن إلا بنقد البلد، وقسنا على الدولار قلنا: لا يجوز؛ لأن الدولار متفاوت وقابل للارتفاع والنزول، شيخ حتى عملة البلد تنزل وترتفع؟

الشيخ: إي، هو أصلًا إذا نقصت قيمة الدولار زادت قيمة نقد البلد.

الطالب: شيخ ما في بأس أن يكون بالدولار.

الشيخ: لا يجوز، إلا بنقد البلد.

الطالب: لماذا يا شيخ؟

الشيخ: لأن هذا المتعارف عليه، أنا ما أروح أتعامل بالدولار بنقد أمريكا وأنا هنا في القصيم.

طالب: شيخ، عفا الله عنك، إذا امتنع الراهن عن الوفاء ولم يأذن له بالبيع، اختصما ولكن لا يوجد هناك حاكم يحكم بينهما، ماذا يصنعان؟

الشيخ: لا بد من أن يتفقا على شخص يحكم بينهما، يُحَكِّمَان رجلًا.

الطالب: ما يمكن أن يبيع يا شيخ لو ما وجدوا أحدًا.

الشيخ: يحصل نزاع، يعني المرتهن في هذه الحال لو باع قهرًا حصل نزاع، وربما أن الراهن يمشي في الناس ويقول: احذروا أن تشتروا هذا فإني لا آذن بذلك، فيحصل النزاع.

طالب: شيخ، حفظك الله، لو استدان شخص من آخر خمسين ألف ريال، ورهنه خمس سيارات، كُلُّ سيارة قيمتها عشرة آلاف، ثم وفَّاه أربعين ألفًا، وقال: أعطني أربع سيارات، والسيارة الخامسة تبقى رهنًا بالعشرة آلاف، هل يجوز؟

الشيخ: ما فهمت السؤال.

الطالب: أخذ منه خمسين ألفًا، وأعطاه رهنًا خمس سيارات، كل سيارة قيمتها عشرة آلاف.

الشيخ: يعني رهن كُلَّ سيارة بعشرة أو رهن السيارات كلها بالخمسين؟

ص: 1382

الطالب: لا، بالخمسين، إجمالي، ثم أوفاه أربعين ألفًا، قيمة كل سيارة عشرون ألفًا، معروف، ثم قال: أنا أعرض الأربع سيارات (

).

الشيخ: لا، ترجع السيارات كلها لهذا، ولهذا سألتك قلت: هل قال: كل سيارة بعشرة ولّا لا؟ فقلت: لا، إنها جميعًا، فيكون هذا رهنًا واحدًا.

الطالب: (

).

الشيخ: لا، يجوز لو شاء، لكن لا يجب عليه، لو طلب الراهن ذلك ما يلزم (

).

ويش تقول إذا قال: حي الصلاة حي على الفلاح؟

طالب: لا حول ولا قوة إلا بالله.

الشيخ: عجيب، فيه مصيبة حتى تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؟

الطالب: الرسول أمرنا أن نقول هذا.

الشيخ: إي، نعم، لكن ما وجه ذلك؟

الطالب: قالوا: إن بعض الكلام قد يمكن أن يتجه لـ

الشيخ: أنت ما تعلمنا (

).

الطالب: قولنا: لا حول، يعني: لا تَحَوُّل.

الشيخ: إي، هذه معنى الكلمة، لكن ما مناسبتها هنا حين قال: حي على الصلاة حي الفلاح؟

طالب: أي لا يستطيع الإنسان أن يقوم إلى الصلاة بحوله ولا قوته، ولكن بعون الله وتوفيقه، إذا دعا المؤذن وقال له: تعالَ إلى الصلاة تعالَ إلى الفلاح، فبحول الله وقوته يستطيع الإتيان إلى أداء (

).

الشيخ: تمام، صحيح؛ لأن الدعوة إذا لم يُعِنْكَ الله عز وجل على التلبية ما تستطيع، هذا هو المناسبة.

طالب: في المصيبة يقول الإنسان: لا حول ولا قوة إلا بالله.

الشيخ: يقولها العامة، ولها وجه، يعني يستعين بذلك على تحمل المصيبة، لكن لفظًا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما جاء في القرآن.

طالب: شيخ، إذا باع المرتهن رهنًا فتلف الرهن قبل قبضه، فيكون الضمان؟

الشيخ: الرهن ولّا الثمن؟

الطالب: باع الرهن.

الشيخ: إي، باع الرهن لكن تلف الثمن ولّا تلف الرهن؟

الطالب: الثمن قبل قبضه، فيكون ضمانه من الراهن؟

الشيخ: يكون بضمان الراهن.

الطالب: لكن يا شيخ ما هو باعه عليه؟

ص: 1383

الشيخ: لأنه باعه نيابةً عن الراهن، فالثمن هذا من اللي يسلمه له؟ ما هو يأخذه هو، ولا يعتبر نفسه الآن استوفى، الثمن سيعطيه الراهن ثم يسلمه له.

طالب: بارك الله فيكم، إذا كان الدَّيْن من غير جنس نقد البلد، فمن المعلوم بأنه -على ما ذهبنا إليه- ينبغي أن يُبَاع بنقد البلد، ولكن هو سيأخذ نقد البلد ثم يبيعه مرة أخرى بالنقد الآخر.

الشيخ: سيشتريه بالنقد الآخر.

الطالب: فيعني لماذا لم نقل بأنه يجوز أن يُبَاع؟

الشيخ: كما قلنا: قد يزيد وقد ينقص، ما هو بواضح؟ يعني مثلًا مئة دولار، وكان قيمة الدولار أربعة ريالات، كم قيمتها هنا؟ أربع مئة ريال، كذا ولّا لا؟ إذا حلَّ الدَّيْن وكانت قيمة الدولار ثلاثة ريالات، بيعود عليها مئة، وفي مثل هذه الحال إذا كان يرغب ألَّا يوفى إلا دولارًا يشترط، يقول مثلًا: شرط أن تبيعه بالدولارات، لكن حتى هذا الشرط ما ينبغي؛ لأنه تختلف القيمة.

طالب: عفا الله عنك، ما فائدة كون تكسُّب الراهن إن كان عبدًا مثلًا كون الكسب الذي يحصل عليه يوجب أن يكون تبعًا لهذا الرهن، ولا يأخذه الراهن ليستفيد منه؛ أذن المرتهن أو لم يأذن، لا سيما أن الرهن إذا كان أكثر من الدَّيْن، فلماذا قلنا: إنه (

الشيخ: ما هو كسبه؟

الطالب: بلى.

الشيخ: إذا كان كسبه يتبعه.

الطالب: والمرتهن لا.

الشيخ: لا، المرتهن يستفيد؛ لأن الرهن هذا قابل للتلف، وهل لدينا ضمان أنه سيبقى إلى حلول الأجل، وهل لدينا ضمان أيضًا أن قيمته ستبقى على ما هي عليه؟ قد يتغير.

***

(

) على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الرهن أحد عقود التوثقة، فما هي العقود الأخرى؟

طالب: ما في العقود إلا التوثقة.

الشيخ: إي، ما هي العقود، إحنا قلنا: من عقود التوثقة، و (من) للتبعيض، فهل هناك عقود أخرى للتوثقة، ما هي؟

الطالب: الوكالة والضمان.

الشيخ: خطأ، الوكالة ما هي توثقة.

الطالب: بلى.

الشيخ: الوكالة، وكَّلتك تشتري لي شيئًا؟

ص: 1384

طالب: لا، اللي هي (

).

الشيخ: الكفالة.

الطالب: نعم.

الشيخ: نعم، الكفالة والضمان، أحسنت.

الرهن ثابت بالقرآن والسُّنَّة.

طالب: أما القرآن فقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، وأما السُّنَّة فقوله صلى الله عليه وسلم:«الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (1).

الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هل المصلحة تقتضي الرهن، بمعنى: القواعد العامة في الشريعة تقتضي حِلَّ الرهن؟

طالب: نعم.

الشيخ: كيف؟

الطالب: لأن فيه مصلحة للراهن والمرتهن، فالمرتهن يستوثِق من دَيْنِه، والراهن يجد مَن يُقرضه.

الشيخ: أحسنت، فيه مصلحة للطرفين: المرتهن يستوثق بدَيْنِه، والراهن يجد مَن يُقْرِضه، أو يبيع عليه بالمؤجَّل، أو ما أشبه ذلك.

قول المؤلف: (مع الحقِّ وبعدَه)، هذه (مع) ظرف، وكُلُّ ظرفٍ لا بد له من متعلَّق، فأين متعلَّقُها؟

طالب: (يصح).

الشيخ: متعلَّقُها (يصح)، يعني إذن يصح مع الحق وبعده، صَوِّر لي مع الحق.

الطالب: مع الحق مثل أن يشتري منه شيئًا ويقول: اشتريت مثلًا منك هذا البيت ورهنته سيارتي أو رهنته بيتي.

الشيخ: نعم، هذا مع الحق، يقول مثلًا: اشتريت منك هذا البيت ورهنتك سيارتي، هذا معه. بعده؟

الطالب: بعده أنه يقترض من شخص ثم عند الوفاء لا يكون عنده (

)، فإذا طالبه المقرِض يقول: انتظر لي وأرهنك بيتي.

الشيخ: تمام، (بعد الحق) يعني بعدما ثبت الدين وجاء صاحبه يطلبه، قال له: أنا ليس عندي شيء، ولكن أَنْظِرْنِي حتى أُوسِر، فإن لم تَثِق فهذا بيتي رهنًا لك، هذا يكون بعد الحق، هل يصح قبله؟

طالب: لا، على قول المذهب: لا يصح.

الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف لا يصح، وهو المذهب، والصحيح؟

ص: 1385

الطالب: الصحيح أنه جائز.

الشيخ: الصحيح أنه جائز. ما معنى قول المؤلف: (يَلزمُ في حقِّ الراهنِ فقط)؟

طالب: نعم يا شيخ، المصنف رحمه الله يشير إلى ما كان لازمًا وما كان جائزًا، فأما الرهن ..

الشيخ: معنى (يلزم) هنا اللزوم الشرعي أو الوضعي؟

الطالب: اللزوم الوضعي، وليس اللزوم الشرعي.

الشيخ: نعم، أي أنه لو رهن شيئًا؟

الطالب: أي أنه إن رهن شيئًا فليس جائزًا في حقه.

الشيخ: نعم، يعني: فلا يملك فسخ الرهن؟

الطالب: نعم.

الشيخ: والمرتهن؟

الطالب: والمرتهن له ذلك؛ لأنه جائزٌ في حقه.

الشيخ: نعم.

لماذا لا يملك الراهن فسخَ الرهن؟

الطالب: الراهن لا يملكه لأنه تعلق به حق الغير.

الشيخ: أحسنت، والمرتهن ليش يجوز أن .. ؟

الطالب: والمرتهن لأن هذا حقه، وله أن يُسْقِط حقه.

الشيخ: بارك الله فيك. أشار إلى أن الحقوق أو العقود تنقسم إلى؟

طالب: ثلاثة أقسام.

الشيخ: نعم.

الطالب: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف وجائز من طرف.

الشيخ: نعم، لازم من الطرفين، وجائز منهما، ولازم في حق أحدهما، الرهن لازم في حق أحدهما، والبيع؟

الطالب: لازم من الطرفين.

الشيخ: من الطرفين، الدليل على الأخيرة؟

الطالب: على اللزوم؟

الشيخ: إي، على لزوم البيع؟

الطالب: حديث ابن عمر في الخيار.

الشيخ: حديث ابن عمر في الخيار: «إِنْ تَفَرَّقَا» .

الطالب: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (2).

الشيخ: نعم، الثالث؟

الطالب: جائز من الطرفين.

الشيخ: مثل؟

الطالب: الوكالة.

الشيخ: الوكالة، جائز من الطرفين.

ما معنى قول المؤلف: (يصح رهن الْمُشَاع)؟

طالب: الْمُشاع أي: المشترك.

الشيخ: المشترَك، صورته؟

الطالب: أن يكون بيت مشتركًا بين اثنين، فأحد الاثنين يقترض من الآخر دَيْنًا، يقول: رهنتك نصيبي في البيت.

الشيخ: أحسنت، كأن يكون بيت مشتركًا بين اثنين، فيستقرض أحدهما من شخص ويقول: رهنتك نصيبي من البيت.

ص: 1386

يقول المؤلف: (ما لا يجوز بيعُه لا يصحُّ رهنُه)، مثِّل؟

طالب: كالكلب مثلًا.

الشيخ: كالكلب.

الطالب: لا يجوز بيعه فلا يصح رهنه.

الشيخ: فلا يصح رهنه، لماذا؟

الطالب: لأنه لا فائدة من رهنه؛ لأن المرتهن إذا لم يف بالوعد فلن يستفيد ..

الشيخ: أحسنت، وجه ذلك أنه لا فائدة من هذا الرهن؛ إذ إن المرتهن إذا حلَّ الدين ولم يوفِ الراهن لم يستفد شيئًا؛ لأنه لا يُبَاع.

هل يُسْتَثْنَى من هذا شيء؟

طالب: إلا الثمرة والزرع قبل بُدُوّ صلاحهما.

الشيخ: نعم، إلا الثمرة والزرع قبل بُدُوّ صلاحهما، فيجوز رهنهما، ولا يجوز؟

الطالب: ولا يجوز بيعهما.

الشيخ: بيعهما، لماذا اسْتُثْنِي هذا من القاعدة؟

طالب: اعتبارًا بالمآل.

الشيخ: اعتبارًا بالمآل؛ لأنه لو رهنهما فلا يمكن بيعهما إلا بعد بُدُوِّ الصلاح.

استدان شخص من آخر دَيْنًا وأرهنه حَمْلَ ما في بطن شاته، ما تقول؟

طالب: يصح الرهن يا شيخ.

الشيخ: يصح الرهن؟ لا تستعجل بالجواب، هل يجوز بيع الْحَمْل؟

الطالب: لا يجوز.

الشيخ: وما لا يجوز بيعه؟

الطالب: لا يصح رهنه.

الشيخ: إذن تَغَيَّر رأيك ولّا لا؟

الطالب: تغير.

الشيخ: تغير، إذن لا يصح أن يرهن الْحَمْل في البطن؛ لأنه لا يصح بيعه.

استدان مِن شخص شيئًا ورهنه شاة حاملًا، ما تقول؟ يصح الرهن؟

الطالب: نعم، يا شيخ.

الشيخ: يصح؟

الطالب: يصح؛ لأنه يجوز بيعه.

الشيخ: لأنه يجوز بيع الحامل، الحامل مجهول؟

الطالب: لكن الشاة يا شيخ يجوز بيعها.

الشيخ: إي، بس هذه شاة بها حمل؟

الطالب: وإذا كان، ما يمنع هذا من البيع.

الشيخ: ما هي القاعدة التي تنطبق عليها هذه المسألة؟

الطالب: أي شيء يا شيخ؟

الشيخ: القاعدة التي ينبني عليها أن الحمل لا يصح، ولو أنه رهن حاملًا صح الرهن؟

الطالب: يثبت تَبَعًا ما لا يثبت استقلالًا.

الشيخ: يثبت تَبَعًا ما لا يثبت استقلالًا، تمام.

المؤلف يقول: (إن الرهن لازم في حق الراهن، لكنه لا يلزم إلا بشرط)؟

طالب: القبض.

ص: 1387

الشيخ: القبض، نعم، ما هو الدليل؟

الطالب: الدليل قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283].

الشيخ: قال: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، فدل هذا على أنه لا بد من قبض الرهن، هل هناك قول آخر خلاف ذلك؟

الطالب: نعم، الصحيح أن الرهن لازم عن الراهن بالعقد.

الشيخ: نعم.

الطالب: والدليل في الآية: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283].

الشيخ: كيف الجواب عن أول الآية: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ؟

الطالب: هذا رهان مقبوضة إذا لم يكن هناك أمان بين ..

الشيخ: لأن هذا من تمام؟

الطالب: نعم، هذا من تمام الرهن.

الشيخ: التوثقة، ولهذا قال:{إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ} ، وشرط آخر:{وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} ، ومثل هذا لا بد أن يقبض الرهن، وإلا لضاع حقه؛ لأنه ما فيه أحد يشهد، فصار ذِكر القبض هنا من أجل تمام أيش؟ التوثقة، والدليل على هذا أن الذين قالوا بأنه لازم إلا بالقبض لم يجعلوه في هذه الصورة فقط، ولو أردنا أن نستدل بالآية للزم أن نتمم الاستدلال ونقول: يُشْتَرَط القبض فيما إذا كان على سفر ولم يجد كاتبًا.

رجلٌ رهن سيارته عند شخص، ثم قال الراهن للمرتهن: أَعِرْنِيها سأصل عليها إلى البلد الفلاني، فأعارها إياه، هل يبقى الرهن في هذه الصورة لازمًا أو جائزًا؟ فهمنا الصورة ولّا لا؟

استقرضتَ مني عشرة آلاف ريال، قلت: أريد قرضًا قدره عشرة آلاف ريال، فأعطيتك، لكن قلت: أعطني رهنًا، فأعطيتني سيارتك، أخذت السيارة وحطيتها عندي بالبيت، ثم أتيتَ إليَّ أنت وقلت: أَعِرْنِيها أصل عليها الرياض، فأعرتك إياها، هل يبقى الرهن لازمًا أو لا؟

طالب: ما هو لازم.

الشيخ: ليش؟

الطالب: أخذت السيارة أنا، الرهن اللي أنا أعطيتك إياه (

).

الشيخ: ولَّا فيه خلاف؟

طالب: على ما مشى عليه المؤلف أنه رهنٌ زال.

ص: 1388

الشيخ: زال اللزوم.

الطالب: زال اللزوم.

الشيخ: وعلى القول الراجح؟

الطالب: الراجح أنه لم يَزُل.

الشيخ: أنه لم يَزُل، صح، وما ذهب إليه المؤلف قد يكون حيلة، يتحايل بعض الناس يأخذها ويتصرف فيها ويقول: الرهن غير لازم.

إذا رهن بيتًا وأخذه المرتهِن، فهل يبقى البيت مُعَطَّلًا أو يؤجَّر أو ماذا؟

طالب: حسب المصلحة يا شيخ.

الشيخ: أنا أريد أن تقرِّر، أن يكون الجواب على حسب ما في المتن.

الطالب: إنه ما يؤجَّر.

الشيخ: يعني يبقى مُعَطَّلًا.

الطالب: الراجح.

الشيخ: الراجح؟ !

الطالب: حسب المصلحة، إذا تضرر منه المرتهِن (

).

الشيخ: يعني أن مَن طلب تأجيره أُجِيبَ بشرط ألَّا يكون هناك ضررٌ على الآخر.

إذا قال قائل: كيف يُجْبَر الراهن على أن يؤجِّر ملكه؟

طالب: أَعِد أحسن الله إليكم.

الشيخ: السؤال: إذا قال قائل: ذكرتم أن القول الراجح أنه إذا طلب أحد التأجير فإنه يُؤَجَّر إذا لم يكن على الآخر ضرر، فإذا قال قائل: كيف يُجْبَر الراهن على أن تأجير ملكه؟

الطالب: لأنه لا يدخل عليه ضرر.

الشيخ: إي، لكن يقول: ملكي، أليس للإنسان يجوز أنه يُبْقِي بيته مغلقًا ولا يؤجِّره؟

الطالب: بلى.

الشيخ: طيب، وهذا؟

الطالب: (

).

الشيخ: إي، تجده إن شاء الله الآن.

الطالب: أَعِدْهَا عَلَيَّ.

الشيخ: أعيدها عليك؛ رهنتني بيتك، ثم إني أنا طلبت أن يؤجَّر البيت، قلت: يؤجَّر، فأنت قلت: لا، فالقول الراجح: نُجْبِرك على أن يؤجَّر، فلماذا نُجْبِرك وهو ملكك؟

الطالب: لأنه في هذه الحالة ليس عليه ضرر والبيت الآن مرتهَن عند المرتهِن، وليس عليه ضرر؛ على الراهِن.

الشيخ: يقول: أنا ما علي، هذا بيتي؟

طالب: فيه مصلحة له، بحيث إنه يسد الدَّيْن اللي عليه.

الشيخ: إي.

طالب: نقول: المرتهن هنا له مصلحة، وهو أنه إذا زاد الرهن يكثر للطمأنينة على حقه الذي هو الدَّيْن.

ص: 1389

الشيخ: نقول: الآن تعلق به حق الغير وهو المرتهن؛ لأن الأجرة سوف تكون رهنًا، فيستفيد المرتهِن، ولأن في عدمه؟

طالب: تعطيلًا.

طالب آخر: تضييع مال.

الشيخ: تعطيلًا لمصلحة، وإضاعة للمال، فلذلك قلنا: يُجبر على هذا.

لو قال هذا الراهن: أنا أخشى أن المستأجِر يُدَمِّر البيت، كما هو الواقع فيمن استأجر بيتًا وعنده أطفال وسفهاء؟

طالب: هنا يا شيخ لا يُجبر.

الشيخ: هنا لا يُجْبَر، إذن لا يُجْبَر على أن يؤجر شخصًا بعينه خوفًا من الضرر، إي نعم.

كيف يقول المؤلف: (كَفَنُ الرَّهْن على الراهن)؟

طالب: كُلّ ما هو كلفة ..

الشيخ: هو الرهن؛ إذا رهنتك بيتًا (

) كفن البيت؟

الطالب: لا، يعني إذا كان عبدًا، يعني في هذه الحالة إن كان عبدًا.

الشيخ: يعني إذا كان آدميًّا عبدًا ثم مات ..

الطالب: ثم مات يُكَفَّن على

الشيخ: فالكفن على الراهن، لماذا؟

الطالب: لأنه له غُنْمُه وعليه غُرْمُه.

الشيخ: إي، لأنه ملكه، فله غُنْمُه وعليه غُرْمُه، صحيح.

أظن وقفنا على (وهو أمانةٌ).

طالب: نعم.

الشيخ: فيه سؤال مهم: لو أن الراهن باع الرهن، هل يصح بيعه؟

طالب: لا يصح بيعه إلا بإذنه.

الشيخ: بإذن المرتهِن؟

الطالب: نعم.

الشيخ: لكن المرتهن ما أَذِن.

الطالب: ما أَذِنَ لا يصح.

الشيخ: لا يصح، لماذا؟

الطالب: لأنه تصرَّف في غير حقه.

الشيخ: لا، تصرف في غير حقه وهو ملكه؟ !

الطالب: ليس ملكه يا شيخ.

الشيخ: لماذا ما هو ملكه؟ له غُنْمُه وعليه غُرْمُه؟

طالب: لأنه تعلَّق به حق المرتهِن.

الشيخ: إي، تعلَّق به حق الغير، وإلا ويش الفائدة من الرهن إذا قلنا: يصح؟ هل يُسْتَثْنَى من هذا شيء؟

طالب: من البيع؟

الشيخ: لا، لو قلنا: إنه ما يصح التصرف فيه، فهل يُسْتَثْنَى بذلك شيء؟

الطالب: بالإذن.

الشيخ: الإذن انتهينا منه، لكنه ما أَذِنَ.

الطالب: ما يُسْتَثْنَى.

الشيخ: ما يُسْتَثْنَى شيء، يعني جميع التصرفات لا تصح.

الطالب: نعم.

الشيخ: إي.

ص: 1390

طالب: استثنى المذهب عتق الراهن.

الشيخ: على كلام المؤلف يستثنى عتق الراهن، يعني أن الراهن لو أعتق العبد المرهون نَفَذَ العتق. العلة؟

الطالب: العلة لقوة سريان العتق.

الشيخ: لقوة سريان العتق، ما فيه غير هذا؟

طالب: ولأن الشارع مُتَشَوِّف للعتق.

الشيخ: نعم، ولقوة تشوُّف الشارع للعتق، وفي هذا الحال إذا قلنا بصحة العتق ماذا نقول؟

طالب: ماذا؟

الشيخ: إذا قلنا بصحة العتق على ما مشى عليه المؤلف هل يضيع حق المرتهن؟

الطالب: لا يضيع حق المرتهن، يرجع إلى نفس ..

الشيخ: لا، ما هو بأصل الدَّيْن، لكن هل يضيع حق المرتهِن من الرهن؟

طالب: يقولون: تلزمه قيمته.

الشيخ: إي نعم، تؤخَذ قيمته رهنًا مكانه، إذا كان الراهن مُعْسِرًا ليس عنده شيء؟

الطالب: على قول المذهب؟

الشيخ: إي نعم، نقول: انتظر حتى يغنيه الله ويوفيك، على القول الراجح في هذه المسألة الحكم؟

طالب: أن العتق لا يصح.

الشيخ: إي نعم، أن العتق لا يصح، ونسلَم، نقول: العبد لا زال عبدًا، ولو أعتقته فهو لاغٍ، فيه قول ثالث توسَّط بين القولين؟

طالب: إذا كان مُعْسِرًا يا شيخ.

الشيخ: إذا كان معسرًا نَفَذَ، وإن مُوسِرًا؟

الطالب: لم ينفذ.

الشيخ: لم ينفذ.

الطالب: لا، العكس يا شيخ.

طالب آخر: إذا كان معسرًا لا يصح.

الشيخ: نعم، إذا كان معسرًا لم ينفذ، وإن كان موسرًا نفذ، ولكن القول الراجح أنه لا ينفذ مطلقًا؛ لأن العتق لا يقع إلا قُرْبَة، ولا يُتَقَرَّب إلى الله تعالى بمعصيته، ولأنه تعلَّق به حق الغير.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 1391

قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وإن ادَّعى دفعَ الثمنِ إلى المُرْتَهِن فأنكَرَهُ ولا بَيِّنَةَ، ولم يكنْ بحضورِ الراهنِ ضَمِنَ كَوَكِيلٍ، وإن شَرَطَ ألَّا يبيعَه إذا حلَّ الدَّينُ، أو إن جاءه بحقِّه في وقتِ كذا، وإلا فالرَّهْنُ له لم يصحَّ الشرطُ وحدَه).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ما معنى قول المؤلف: (ويكون عند مَن اتَّفقا عليه)؟

طالب: المراد به العدل.

الشيخ: إي نعم، العدل الذي يرضيانه.

إن اختلفا فقال أحدهما: أريد فلانًا، والثاني قال: أريد فلانًا؟

الطالب: يُرجع في هذه الحالة إلى الحاكم.

الشيخ: نعم، يُرَدُّ الأمر إلى الحاكم ويُعيِّن، ولا تُسْتَعْمَل القرعة هنا؛ لأنها ليست حقًّا ماليًّا، إنما هي توثقة.

إذا قبض العدل الثمن وتلف في يده، فهل يضمن؟

الطالب: العدل؟

الشيخ: نعم.

الطالب: لا، إذا تلفت بدون تعدٍّ أو تفريط لا يضمن.

الشيخ: نعم، إذا قبض الثمن أو تلف بيده بتعدٍّ أو تفريط فهو ضامن، وإلَّا فليس بضامن.

ثم قال -هذه المسألة الآتية الآن مهمة جدًّا-: (وإن ادَّعى دفعَ الثمنِ إلى المُرْتَهِن فأنكَرَ ولا بَيِّنَةَ، ولم يكنْ بحضورِ الراهنِ، ضَمِنَ) أي: ضمن العدل، (كَوَكِيلٍ) أي: كما يضمن الوكيل في مثل هذه الصورة.

العدل باع الرهن بإذن الراهن؛ لأن الدَّيْن حلَّ والراهن لم يُوفِِ، فباعه، وادعى أنه دفع الثمن إلى مَن؟ إلى المرتهن الذي هو صاحب الحق، فأنكر المرتهن، قال: أبدًا، ما جاءني شيء، فهنا مشكلة: العدل أمين، والمفروض أن يُقْبَل قوله، لكن المؤلف يقول: لا يُقْبَل، إذا أنكر المرتهن الذي له الدَّيْن أن العدل سلَّمه ثمن الرهن فإن العدل يضمن، إذا لم يكن هناك بينة ولم يكن بحضور الراهن، انتبهوا.

ص: 1392

مثال ذلك أو صورة المسألة: أذِن الراهن للعدل أن يبيع الرهن ويوفي صاحبه، فباعه ثم جاء إلى صاحبه في دكانه وقال: يا فلان، هذا ثمن الرهن الذي ارتهنتَه، قال: بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وما آمنَك من عدل! ثم أخذ الدراهم وأدخلها في الدُّرْج، وفي آخر النهار ذهب المرتهِن إلى الراهن وقال: أَوْفِني، فرجع الراهن إلى العدل وقال: ألستَ تقول: إنك أوفيته؟ قال: بلى. قال: الرجل يقول: أوفني، فذهبَا إلى المرتهِن فقال: لم يُوفنِي، والعدل ما عنده بينة، والراهن ما حضر، من يضمن؟ العدل؛ لأنه فرَّط، كيف فرَّط؟ فرَّط أنه لم يُشهِد، وكان عليه أن يُشْهِد حتى تبرأ ذمته ويؤدي الأمانة كما أُمِر.

نعم لو أن العدل استأذن من الراهن وقال: يا فلان، إنَّ المرتهِن رجل شريف كريم، وأبغي أجيب واحد أشهده على أني أوفيته، هذه تكون ما هي طيبة في حقه، قال: أوفِه وإن لم تُشهِد، وثبت أن الراهن قال هذا، فهل يضمن أو لا؟ لا، وكذلك لو كان بحضور الراهن الذي عليه الدَّيْن، يعني أوفاه، يَنظر، فلا ضمان على العدل؛ لأن المفرِّط هنا مَنْ؟ الراهن الذي عليه الحق، لماذا لم يطلب شهودًا يشهدون أنه أوفى؟

والخلاصة: أن العدل إذا أوفى المرتهن بدون بينة ولا حضور الراهن وأنكر المرتهِن فعليه الضمان.

قال: (كوكيل) يعني: كما لو فعل الوكيل في قضاء الدَّيْن وقال: إني أوفيتُ، وأنكر الدائن، ولم يكن هناك بينة، ولم يكن بحضور الموكِّل؛ فإنه يضمن، وهذه مسألة تقع كثيرًا، انتبهوا لها؛ واحد مثالًا راعي بَقَّالَة اشتريتُ منه كيس خبز، بكم ريال؟ بريال، ثم أتيت به إلى البيت، وإذا جاري ذهب يشتري خبزًا، فقلت: يا فلان، خذ هذا الريال قيمة الكيس أعطِه البقَّال، فأخذ الريال وأعطاه البقال، قال: هذا عن الرجل الذي أخذ منك كيس الخبز، ولم يكن هناك شهود، والموكِّل دخل بيته وأكل خبزه.

ص: 1393

ثم إن صاحب البقالة لما مَرَّ به المشتري قال: أعطني قيمة الخبز، فقال: أعطيته رجَّالًا جاري، قال: ما أعطاني شيئًا، أذهب إلى الجار أقول له أو أضمن الريال؟ لأنك لم تُشهِد عليه، صح؟ نعم، هذا مقتضى كلام المؤلف؛ لأنه ما أشهد، كان الواجب عليه أنه راح دوَّر اثنين يشهدون بأنه سلَّم هذا ريال قيمة كيس خبز، هكذا كلام المؤلف.

لكن ينبغي أن يُقَال: لكل مقام مقال، الشيء الخطِر؛ يعني الدراهم الكبيرة الكثيرة، هذه لا بد أن يُشهِد عليها، فإن لم يفعل فهو مفرِّط، أما الشيء اليسير الذي جرت العادة أنه لا يُشهَد عليه فإنه لا يُعَدّ مفرِّطًا، والرجل الْمَدِين قد ائتمنه ورضي بأمانته.

فالصحيح في هذا أنه لا يضمن؛ لأن هذا الوكيل يقول للذي وكَّله: أنت لو ذهبت تُوفِي هذا الريال .. أيش؟ ما أشهدت عليه، كيف تَعدُّني مفرِّطًا وأنت بنفسك تفعل ما أفعل؟ !

فالصواب في هذه المسألة أن فيها تفصيلًا، فالمال الخطِر يجب أن يُشهِد عليه؛ لأنه كثير اللي جرت العادة بأنه يُشهد عليه، والشيء اليسير لا يعد مفرِّطًا إذا لم يشهد؛ لأن العادة لم تَجْرِ به، وأنا أعتقد أنكم كُلّكم ترون أني لو أردت أن أوفي صاحب البقالة ريالًا ثمن كيس خبز وجيبت اثنين يشهدون، تعالوا اشهدوا أني سلَّمته ريالًا، أن هذا أيش؟ قَدْح ونَقْص عقل، تُشْهِد أنك أوفيته ريالًا ثمن كيس خبز؟ !

فهذا القول هو الصحيح؛ الصحيح أنه ليس على إطلاقه، وأن يقال: المال الخطِر الذي لا يُقْضَى مثله إلا ببيِّنة هذا لا بد من البيِّنة، وإذا لم يكن بينة فهو مفرِّط فيضمن، وأما ما جرت العادة بأنه يوفَى بلا إشهاد فإنه لا يعد مفرِّطًا.

الفاتورة، ما تقولون فيها؟ يعني لو أن صاحب الدكان أعطى الوكيل فاتورة بأنه استلم الثمن؟

طالب: بينة.

طالب آخر: قرينة.

ص: 1394

الشيخ: نشوف، الظاهر أن الفاتورة بمنزلة الإقرار؛ لأن صاحب المحل أقرَّ بأنه استلم الثمن، ووقَّع على ذلك، وإن كان أحيانًا قد يفعل صاحب المحل هذا ثقةً بمن؟ بمن سَلَّم، وهذا وارد، لكننا نقول: الأصل أن الإقرار مقبول، هذا هو الأصل، فيكفي إعطاء الفاتورة عن الإشهاد.

طالب: شيخ، في حال رهن ريال واحد هل الضمان على المشتري أم على صاحب البقالة، فالوكيل قد برئ؟

الشيخ: برئ الوكيل.

الطالب: وفي هذا (

).

الشيخ: صاحب البقالة عاد يطالب المشتري.

الطالب: والمشتري (

).

الشيخ: لكن هذا الذي أعطاه إياه أمين، وأدَّاه على الوجه المعروف، فيُقَال: أنت يا صاحب البقالة ارجع إلى الذي أخذ منك الخبز وخذ الريال، فيذهب الريال على مَن الآن؟

الطالب: على المشتري.

الشيخ: على المشتري، صح.

الطالب: والمشتري فيه ضرر، راح منه ريالان (

).

الشيخ: نعم، لكنه بفعل نفسه، هو الذي ائتمن هذا الرجل، والرجل أدى الأمانة على ما جرى به العُرف.

طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة للشهادة لا بد أن تكون كتابية أم يكفي أن تكون .. ؟

الشيخ: لا ما هو لازم، لكن الأحسن لا سيما في الأمور الْخَطِرة أن يكتب، قال الله تعالى:{وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282].

طالب: إذا أنكر المرتهِن تُقْبَل شهادة الراهن إذا حضر القبض؟

الشيخ: الراهن؟

الطالب: نعم.

الشيخ: هذا لاحَظ بنفسه، يشهد لنفسه الراهن.

الطالب: لا، الذي قد أقبضه؛ العدل.

الشيخ: إي، لكن هو يشهد الآن لنفسه.

الطالب: ما تُقْبَل.

الشيخ: ما تُقْبَل.

طالب: العتق يا شيخ لو قال قائل: إنه يصح العتق مع التحريم؛ لأن الجهة مُنْفَكَّة بين التقرب إلى الله بالعتق وتحريمه، كالصلاة في دار مغصوبة.

الشيخ: لا لا، الصلاة في الدار المغصوبة غيرها؛ لأن الدار المغصوبة يحرم استعمالها بالصلاة أو غيرها.

الطالب: وهذا أيضًا يا شيخ لا يصح التصرف في البيع وغيره، وفي العتق وغيره.

ص: 1395

الشيخ: لا، لا يصلح البيع؛ لأنه تعلق به حق الغير، وصار فيه إبطال لحق الغير.

طالب: بارك الله فيكم، لماذا لم نذهب إلى يمين الراهن أو العدل في تسليم الثمن؟

الشيخ: ما يحتاج إلى الحَلِف، اللهم إلا بالنسبة لصاحب البقالة، وحتى صاحب البقالة مُدَّعًى عليه فعليه اليمين، يعني اليمين ما تتوجه على أحد الآن.

الطالب: لماذا؟

الشيخ: لأن صاحب البقالة الآن منكِر، يُحَلَّف، إذا وصلت المسألة إلى الحكومة يُحَلَّف لا شك، لكنه سيحلف.

طالب: شيخ، (

) من جواز بيع الرهن في حالة الضرورة إذا خِيفَ التلف مثلًا تلف الرهن؟

الشيخ: هذا من الأصل لا بد منه، يعني مثلًا لو رهنه بطيخة، البطيخة لو بقيت فسدت، هذه تباع وتبقى قيمتها رهنًا.

طالب: هل ينعقد الرهن إذا لم يتفقَا على العدل؟

الشيخ: إي نعم.

الطالب: مش إحنا بنقول: يلزم القبض للرهن؟

الشيخ: الصحيح أنه لا يلزم، إحنا رجَّحْنا أنه لا يلزم، وعمل الناس الآن عليه من قديم، تجد الرجل قد رهن سيارته وهو الذي يستعملها، قد رهن بيته وهو ساكنٌ فيه، فالصحيح أن قابض الرهن ليس بشرط اللزوم وأن الرهن يلزم بالعقد.

طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل يُقْبَل قول الراهن لو ادَّعَى بأن العدل قد غَرَّر به، حينما قال له: إن المرتهن عدلٌ وثقة وأمين، فجاء الراهن وقال: أنا غَرَّرَنِي هذا العدل وأنا ما ظنيت أنه ليس كذلك، فهل يُقْبَل قوله ويُعَادُ على الـ ..

الشيخ: لا يُقْبَل، والسبب أنه لماذا لم يَحْتَط لنفسه، الواجب أن يحتاط، إذا شك في الإنسان لازم يعيد النظر فيه ويبحث.

طالب: إذا تَدَيَّنْت المبلغ ورهنته مثلًا فيلا أكثر من المبلغ، هل تُعْتَبَر ربًا؟

الشيخ: لا لا؛ لأن هذا صاحب الدَّيْن إذا باع الرهن لا يأخذ من ثمنه إلا مقدار دَيْنِه فقط. (

)

يقول المؤلف: إن الرهن أمانة في يد المرتهن، فما هو الضابط في كون الشيء أمانة؟

طالب: ما صار في يد العدل.

الشيخ: ما حصل في يد الإنسان.

ص: 1396

الطالب: ما حصل في يد الإنسان بإذنٍ من الشارع أو بإذنٍ من المالك فهو أمانة.

الشيخ: مثال ما حصل للإنسان بإذنٍ من مالكه؟

طالب: لو كان يعطيه الشيء فيقول: هو أمانةٌ عندك.

الشيخ: ما هو شرط هذا.

طالب: المستأجر والمضارب والشريك.

الشيخ: والرهن.

الطالب: والرهن.

الشيخ: الرهن بيد المرتهِن أمانة بيد المالك. ومثال ما كان بيد الشارع أمانة من قِبَل الشارع؟

طالب: كالولي على مال اليتيم.

الشيخ: كالولي على مال اليتيم، فمال اليتيم حصل بيده بإذنٍ من الشارع.

الضابط فيما تلف بيد الأمين من حيث الضمان؟

طالب: إن تلف بتعدٍّ أو تفريط ضمن (

).

الشيخ: أنت قلت: (أو تفريط) والمؤلف يقول: (بغَيْرِ تَعَدٍّ).

الطالب: لا بد من الزيادة.

الشيخ: لا بد من الزيادة، كُلُّ مالٍ بيد الغير أمانة، إذا تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان، ما الفرق بين التعدي والتفريط؟

الطالب: التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.

الشيخ: التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب. مثال التعدي؟

طالب: لو أقرضه ناقة فذبحها عمدًا فهو متعدٍّ.

الشيخ: لا يا أخي، إذا أقرضه الناقة ملكها، يذبحها ويسوِّي فيها ما يشاء.

الطالب: لا، يعني إن جعلها أمانة عنده حتى يأتي من سفر مثلًا، فذبحها فهو متعدٍّ.

الشيخ: والتفريط؟

الطالب: والتفريط أن يضعها مثلًا في غير مكانها فتنطلق فتصدمها مثلًا شاحنة أو كذا فتموت، فهكذا يكون تفريطًا.

الشيخ: يعني ألَّا يضعها في مكان يُحْرِزها.

الطالب: نعم.

الشيخ: أو يتركها مثلًا في شتاءٍ شديد البرودة، أو في حر شديد الحرارة، المهم ترك ما يجب.

رجل ارتهن سيارتين بمئة ألف، ثم تلفت إحدى السيارتين، فهل ينفك الرهن في خمسين ألفًا مثلًا؟

طالب: لا، إنما يكون الباقي بجميع الدَّيْن رهنًا.

الشيخ: يكون الباقي رهنًا بجميع الدَّيْن، ما الفرق بين قولنا: إنه يبقى خمسون ألفًا بدون رهن، أو أن نقول: إن الرهن رهن بجميع الدَّيْن؟

طالب: كيف يا شيخ؟

ص: 1397

الشيخ: ما الفرق بين أن نقول: إنه إذا تلفت إحدى السيارتين المرهونتين فإنه يبقى خمسون ألفًا لا رهن فيها، أو أن نقول: إن الرهن الباقي رهنٌ بجميع الدَّيْن؟

طالب: شيخ، الرهن ليس في مقابل الدَّيْن، إنما هو توثقة فقط، فمتى نَقَصَ فيبقى هو في مقابل الدَّيْن.

الشيخ: إي، لكن فما الفرق بين هذا وهذا؟ يعني لماذا لا نقول: بقيت خمسون ألفًا الْمُرْسَلة ليس فيها رهن، وخمسون ألفًا رهن بالسيارة الباقية.

الطالب: لأنه أول كان العقد على جميع السيارتين.

الشيخ: يعني مُشَاعٌ، وأنا أريد الآن ما الفرق من حيث الحكم؟

طالب: أنه إذا سَدَّد الخمسين ألفًا في كون خمسين مُرْسَلة انفك الرهن، وإذا كان الرهن للجميع لم ينفك الرهن إلا بسداد جميع الدَّيْن.

الشيخ: إي، يعني مثلًا لو جاب خمسين ألفًا وقال: هذه عن السيارة المرهونة الآن، خذ خمسين ألفًا وأعطني سيارتي، تبقى الخمسون الأخرى مُرْسَلة، فيقول: لا، السيارة رهنٌ بجميع المئة، فلا يمكن أفك رهنها حتى توفي المئة كلها.

حَلَّ الدين وامتنع الْمَدِين من الوفاء والرهن موجود، فماذا نصنع؟

طالب: ننظر في حاله، هل أَذِنَ للمرتهن أو العدل أم لا؟ إن أذن له يكفي إذن الأول، فيبيع العدل الرهن ووَفَّى الدَّيْن، وإلا أَجْبَرَه الحاكم -هذا الرجل- لوفائه ببيع الرهن.

الشيخ: أحسنت.

الطالب: إن كان عنده شيء بوفاء وإلا فببيع الرهن.

الشيخ: توافقون على هذا؟

طلبة: نعم.

الشيخ: صحيح، إن امتنع، قال: لا أوفي ولا أبيع الرهن؟

الطالب: الحاكم يبيع هذا الرهن ووفاه الدَّيْن.

الشيخ: إي، الحاكم يتولى البيع ويوفي الدَّيْن، أليس جاء في الحديث:«إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (3)؟

الطالب: وكذلك وفاء دَيْن الغير، وهذا معسر.

الشيخ: ما هو مُكْرَه الرجل الآن؟ مُكْرَه على بيعه.

الطالب: لا، حق الغير لا يجزئه، فإذا كان هو معه وهو يقول: أنا معي، فالحاكم ما عنده قدرة على ذلك فلا بد أن يُجْبِرَه حتى (

).

ص: 1398

الشيخ: نقول: هو أجبره بأيش؟ بحق، وبيع الْمُكْرَه إذا كان بغير حق، ثم إنه هو الذي رهنه، وهو يعرف أن الرهن توثقة إذا لم يوفِ استوفي من الرهن، فقد دخل على بصيرة، إذن ما فيه إكراه في الواقع.

المؤلف يقول: إن الرهن يكون عند مَن اتفقا عليه، معنى هذا؟

طالب: يعني أنه إذا لم .. مثلًا الراهن قال: أنا ما أضمن على حقي بأن يبقى عندك، وهذا قال له: أنا ما أعطيك شيئًا حتى ترهنني، فاتفقَا على أن يكون عند فلان زيد أو خالد، فيبقى الرهن عنده.

الشيخ: المراد بالعدل هنا من اتفقَا عليه أو لا بد أن يكون عدلًا في دِينه؟

الطالب: الظاهر هنا أنه لا بد أن يكون عدلًا، وإن لم تتوفر به كُلُّ الشروط حتى مثلًا يعطي كلًّا منهما.

الشيخ: يعني إذن معناه أن يكون عند من اتفقَا عليه ولو كان فاسقًا؟

الطالب: إي.

الشيخ: توافقون على هذا؟

طلبة: نعم.

الشيخ: نعم، صح، فكلامه هنا -كلمة العدل- يعني مَن اتفقَا عليه حتى وإن كان فاسقًا، لو فُرِضَ أنهما اتفقا على شخصٍ يدخِّن أو شخصٍ يحلق لحيته فالأمر إليهم.

أَذِنَا له في البيع، فهل يبيع بجنس الدَّيْن أو بنقد البلد؟

طالب: بنقد البلد، العدل يبيع بنقد البلد.

الشيخ: بنقد البلد، فإن قال: بِعْه بجنس الدَّيْن؟

الطالب: لا يجوز له أن يبيعه بجنس الدَّيْن.

الشيخ: قالَا جميعًا: بِعه بجنس الدَّيْن؟ يعني رجل استدان دولارات وأرهن سيارته، وعند حلول الأجل قال: بِع، فهو ما دام في السعودية يبيع بالنقد السعودي، لكن إذا قال: بعْ بجنس الدَّيْن، فهل يجوز أن يبيع بجنس الدَّيْن؟

الطالب: إذا أَذِن له الراهن والمرتهن؟

الشيخ: كلاهما.

الطالب: الظاهر يجوز إذا أَذِنَا له.

الشيخ: هذا الظاهر يجوز، والباطن؟ !

طالب: يحتمل الجواز ويحتمل عدم الجواز.

الشيخ: إذن فيها وجهان (

)؟ !

طالب: يجوز قطعًا.

ص: 1399

الشيخ: يجوز، الحق لهما، والأصل أنه سيوفي من جنس الدَّيْن، هذا حتى لو بعناه بنقد البلد الآن فالوفاء سيكون بجنس الدَّيْن، عرفتم يا جماعة؟

فإن قال: لا بأس أن تعطيني دراهم سعودية بدل الدولارات، قلنا: نطبقه على حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه (2)، لا بأس في ذلك بشرط أن يكون بسعر يومها، وألَّا يتفرقَا حتى يتقابَضَا.

***

قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وَإِنْ شَرَطَ).

فيه مسألة مهمة؛ مسألة قضاء الدَّيْن بالوكالة بدون إشهاد، ما هو ظاهر كلام المؤلف؟

طالب: ظاهر كلام المؤلف أن الوكيل إذا لم يُشْهِد يُعْتَبَر مُفَرِّطًا.

الشيخ: يعني يضمن بكُلِّ حال.

الطالب: يضمن بكُلِّ حال.

الشيخ: والصحيح؟

الطالب: قلنا: الصحيح أن نفرق بين الشيء الخطِر الذي لا يقضى عادة إلا بالإشهاد، وبين الشيء اليسير الذي يُقْضَى بدون إشهاد، فإذا لم يُشْهِد في الأول كان مُفَرِّطًا، والثاني ليس مُفَرِّطًا.

الشيخ: أحسنت، وهذا هو الصحيح، يعني إذا أعطيتك عشرة ريالات وقلت: أوفي صاحب البقالة عشرة ريالات فأعطيتَه، هل نقول: إنه لا بد من الإشهاد؟

الطالب: لا.

الشيخ: أبدًا، ما جرت به العادة، حتى لو استشهد الوكيل أحدًا عُدَّ ذلك مخالفًا للعادة، لكن إذا قال: خذ مئة ألف أعطها فلانًا قيمة السيارتين، فهذا لا بد من الإشهاد.

***

ثم قال: (وَإِنْ شَرَطَ ألَّا يَبِيعَهُ إِذَا حَلَّ الدَّيْنُ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ).

(إن شرط) الفاعل هو الراهن، (ألَّا يبيعه) أي: المرتهن، (إذا حَلَّ الدَّيْن) قال: رهنتك هذه السيارة بخمسين ألفًا بشرط ألَّا تبيعها إذا حَلَّ الدَّيْن. فالرهن صحيح، والشرط فاسد، ولو أن أحدًا قال بعدم صحة الرهن والشرط لكان له وجه؛ لأن هذا الشرط لو صَحَّحْناه لكان منافيًا لمقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد هو التوثقة، وإذا كان إذا حَلَّ الدَّيْن لم يَبِعْه فأين التوثقة؟ !

ص: 1400

لكن المذهب أن العقد صحيح والشرط فاسد، وبناءً على ذلك إذا حلَّ الدَّيْن فهل يجوز للمرتهِن أن يبيعه؟ نعم؛ لأن الشرط غير صحيح.

هذه مسألة، المسألة الثانية يقول:(أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده).

(إن جاءه) الفاعل مَنْ؟ الراهن، والمفعول؟ المرتهِن.

(بحقه) الضمير يعود على مَنْ؟ المرتهن، والحق هو الدَّيْن.

(إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له) فإنه لا يصح الشرط وحده، فإن جاءه بحقه في الوقت انفك الرهن، وإن لم يأتِ بحقه في الوقت المحدد بقي الرهن بحاله، وبقي الدَّيْن بحاله؛ لأن الشرط غير صحيح.

مثال ذلك: رجل أرهن شخصًا سيارة، قال: خذ السيارة رهنًا عندك، فإن جئتُ بحقك في أوَّلِ يومٍ من رمضان وإلا فالسيارةُ لك. قال: ما فيه مانع. اتفقا على هذا الشرط، الشرط هذا لا يصح، إذا جاء أول يومٍ من رمضان ولم يَجِئْ بحقه، بقيت السيارة على رهنها، وبقي الدَّيْن في ذمة الراهن، يعني كأن شيئًا لم يكن، ما دمنا ألغينا هذا الشرط صار كأنه لم يكن.

فإن قال قائل: ما وجه بطلان الشرط؟

قالوا: وجه بطلان الشرط أنه بيعٌ معلَّق، إن جاءه بحقه وإلا فالرهن له، وهذا بيع، لكنه بيعٌ معلَّق، ومن شروط البيع أن يكون مُنَجَّزًا، فالبيع المعلَّق غير صحيح، لا بد أن يكون مُنَجَّزًا، هذا وجه المنع.

وفيه أيضًا دليل آخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (4)، يعني: لا يؤخذ منه قسرًا.

فأما التعليل الأول بأن البيع معلَّق فيحتاج إلى دليل، يعني يُقَال: ما هو الدليل على أن البيع المعلَّق غير صحيح؛ هذه واحدة.

ص: 1401

أما الثاني: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» ، فهنا الرهن لم يَغْلَق من صاحبه، غَلَقُ الرهن من صاحبه أنه إذا حلَّ الدَّيْن ولم يأتِ به أخذه المرتهن قهرًا، سواءٌ يساوي الدَّيْن أو أكثر أو أقل، هذا الذي يقال إنه غُلِقَ من صاحبه، وأما إذا كان باختيار صاحبه فهو باختياره، ما فيه أحد أغلقه عليه، فصار هذا التعليل غير صحيح، والاستدلال غير صحيح.

نرجع إلى الأصل، الأصل في العقود وشروطها الجواز والصحة؛ لقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وهذا يشمل الوفاء بالعقد أصلِه وشرطِه، ولقوله تعالى:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 34]، والشرط عهد، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:«كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (5).

فعُلِمَ منه أن الشرط الذي لا ينافي كتاب الله صحيح، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (6).

فهذه أربعة أدلة؛ اثنان من القرآن، واثنان من السُّنَّة، مع بطلان ما استدل به الأصحاب رحمهم الله. التعليل قلنا: لا دليل عليه، والدليل قلنا: لا دلالة فيه.

وحينئذٍ يكون القول الثاني أن هذا الشرط صحيح، فإذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، وقَبِلَ؛ فهو صحيح، وبهذا أخذ الإمام أحمد رحمه الله في فعله، فإنه اشترى -أظن- من بقال شيئًا ورهنه نعليه، الإمام أحمد، ما عنده فلوس! رهنه نعليه وصار يمشي حافيًا، وقال له: إن جئتك بحقك في الوقت الفلاني وإلا فالنعال لك، فوافق صاحب البقالة، يمكن النعال أكثر من قيمة الدَّيْن، والله أعلم.

على كُلِّ حال هذا عمل من الإمام أحمد رحمه الله، فيكون في المسألة عنه روايتان:

ص: 1402

الرواية الأولى: القولية؛ أنه لا يصح؛ لدخوله في الحديث: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» .

والرواية الثانية: الفعلية، وهو أنه فعل ذلك بنفسه، وهذا هو القول الراجح.

بقي علينا أن يُقَالَ: ربما يكون الرهن حين العقد مساويًا للدَّيْن، لكن عند حلول الدَّيْن قد تزيد قيمته وقد تنقص، الإيراد واضح؟ نعم.

رهنه هذه السيارة بخمسين ألفًا، وقال: إن جئتك بحقك في أول يوم من رمضان وإلا فالسيارة لك، هي تساوي في ذلك الوقت خمسين ألفًا، لكن لما دخل رمضان صارت تساوي عشرين ألفًا، أو صارت تساوي ثمانين ألفًا، أفهمتم؟ هذا وارد ولّا غير وارد؟ وارد، فيكون حينئذٍ الثمن مجهولًا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغَرَر (7).

يقال: أما إذا نقصت قيمة الرهن فإن المرتهن قد أسقط بعض الدَّيْن باختياره، دخل على بصيرة، وأما لو زادت فإن الراهن لا يمكن أبدًا أن يؤخِّر الوفاء عن وقته؛ لئلا تفوته هذه أيش؟ الزيادة، واضح؟

إذن فلا غَرَر، وذلك بالنسبة للمرتهن أنه يجوز أن يُسْقِط بعض حقه، وحصوله على بعض حقه خير من عدمه بالكلية، أما بالنسبة للراهن فقلت لكم: إنه لا يمكن أبدًا أن يؤخِّر الوفاء عن وقته إذا كان يعلم أن قيمة الرهن أكثر من الدَّيْن؛ لأنه لا أحد يرضى بهذا، لو ذهب يستقرض ويوفِي لفعل؛ لئلا تفوته هذه الزيادة، وعلى هذا يُجَاب عن هذا الإيراد فيزول الإشكال.

إذن الصحيح أنه إذا رهنه شيئًا وقال: إن جئتك بحقك في الوقت الفلاني وإلا فالرهن لك، الصحيح أن هذا جائز، شرطٌ صحيح ولازم.

***

يقول رحمه الله: (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ).

ص: 1403

يعني لما حَلَّ الدَّيْن أتى الراهن بألف ريال، وقال للمرتهن: تفضل هذا دينك، أعطني الرهن، قال: الدَّيْن ما هو ألف ريال، الدَّيْن خمسة آلاف ريال. فقال الراهن: بل هو ألف ريال. يقول المؤلف: (يُقْبَل قول الراهن)، وهذا مُقَيَّدٌ بما إذا لم يكن للمرتهن بينة، أما إذا كان للمرتهن بينة فالقول قول مَنْ؟ القول قول ما شَهِدت به البينة، وهي شهدت للمرتهن، فيلزمه كم في المثال؟ خمسة آلاف.

كذلك أيضًا يُقْبَل قول الراهن مع يمينه، لا بد أن يحلف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (8)، ونحن الآن لدينا طرفان: الطرف الأول الراهن ينكر أنه يلزمه خمسة آلاف، والطرف الثاني المرتهن يدعي أن له خمسة آلاف.

نطبق على الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، فنقول: القول قول الراهن بيمينه، وأما المرتهن فلا نقبل قوله إلا بالبينة.

وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه لا فرق بين أن يكون الدَّيْن الذي ادَّعاه الراهن قريبًا من قيمة الرهن أو بعيدًا؛ هذا ظاهر كلامه؛ أنه يُقْبَل قوله في قدر الدَّيْن مطلقًا، سواءٌ كان قريبًا من قيمة الرهن أو لا.

فلو رهنه سيارة مثلًا بِدَيْن، ولما حلَّ الدَّيْن جاء الراهن إلى المرتهن بمئة ريال، فقال المرتهن: الدَّيْن أكثر، الدَّيْن خمسة آلاف ريال، قال: لا، مئة ريال، فهنا عندنا أصل وعندنا ظاهر، ويش الأصل؟

الأصل عدم ثبوت ما ادعاه المرتهن؛ لأن الراهن أيش؟ ينكره، يقول: أبدًا، ما يلزمني إلا مئة ريال، فالأصل عدم لزوم ما ادعى به المرتهن.

ص: 1404

لكن عندنا ظاهر، ما هو الظاهر؟ السيارة، لم تجر العادة أن شخصًا يرهن سيارة تساوي خمسة آلاف بمئة ريال، أو قل: تساوي خمسين ألفًا، قال: والله أنت تطلب المئة ريال، قال: سبحان الله! أنا أطلبك ثلاثين ألفًا، هذا مثال آخر، السيارة تساوي خمسين ألفًا وهو يقول - أعني المرتهن -: إن الدين ثلاثون ألفًا، وذلك يقول: الدين مئة ريال، مئة ريال ما تساوي ولا كفر السيارة، وهو يقول: سيارة بخمسين ألفًا يقول: رهنتها بمئة، فإذا كان هناك ظاهر وأصل، فأيهما نقدم؟

كلام المؤلف ظاهره العموم، لكن إذا أردنا أن نطبقها على قواعد الشريعة فإننا نقدم الأقوى من الظاهر أو الأصل؟ نقدم الأقوى، ولهذا لو ثبت ببينة أَخَذْنَا بما قالت البينة، ولو كان هذا ادعاء أقل، أعني الراهن.

على هذا نقول: إن الظاهر يُكذِّب مَنْ؟ يكذب قول الراهن، فيكون الأصل مع المرتهِن.

ولكن يبقى النظر: إذا ادعى المرتهن أن الدَّيْن خمسون ألفًا، بناءً على أن قيمة السيارة تساوي خمسين ألفًا، ولكن هذا لما رأى أنه غير مقبول قال: إذن الدَّيْن أربعون ألفًا، فهل في هذه الحال نقول: إن رهن سيارة قيمتها خمسون ألفًا قريبٌ من أن يكون الدَّيْن أربعين ألفًا، فهل لما رجع نقبل قوله، أو نقول: إن هذا الرجل كاذب فلا يُقبل قوله؟

الظاهر أن الثاني هو الأَوْلَى، وعليه فنقول: يكون الدَّيْن ما ادَّعَاه المرتهِن.

وعلى هذا لنأخذ قاعدة في هذه المسألة: متى ادعى أحدهما ما يخالف الظاهر مخالفة بينة فإننا لا نقبله.

***

طالب: في هذا الوقت إذا اتفق الراهن والمرتهن على إن خلى الدَّيْن وما أوفيته إليه والرهن له، ثم نقص قيمة الرهن، ثم نقصها المرتهن من دَيْنِه بنصف مثلًا، والنصف الآخر يطلبه من الراهن و ..

الشيخ: إي، لا ما يحصل، لا يحصل هذا، يعني لو أنه قال: إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك، فقال: قبلت، وحَلَّ الدَّيْن ولم يأت بحقه، وصار الرهن يساوي نصف الدَّيْن فقط، نقول للمرتهن: ليس لك إلا هذا.

ص: 1405

طالب: فيه غرر.

الشيخ: ما فيه غرر، أرأيت لو حلَّ الدَّيْن وقال: أسقطت نصفه، يجوز أو لا؟

الطالب: نعم.

الشيخ: يجوز، هذا هو، هذا يقول: الآن حلَّ الدَّيْن والرجل لم يوفينِي، يكفيني نصفه، وهو قيمة الرهن الذي نقص.

طالب: ونصفه (

).

الشيخ: أجبنا عنه، هذا الغرر أجبنا عنه، ولّا لا يا جماعة؟ أجبنا عنه، وقلنا: الحق الآن للمرتهن، والمرتهن إذا حلَّ الدَّيْن وقال المدين: ما عندي إلا هذا، يجوز أن يتنازل.

طالب: شيخ، حفظك الله، ما اتضح الوجه الثاني؟

الشيخ: اللي هو؟

الطالب: تَكَلُّمُنَا عن فيما إذا جعل الوفاء فزادت قيمة الرهن أو نقصت، فذكرنا أنه بالنسبة للمرتهن هو الذي رضي بهذا الشيء، هو الذي أسقط حقه، فبالنسبة للراهن ما اتضح يا شيخ.

الشيخ: بالنسبة للراهن قلنا: إنه لا يمكن للراهن إذا عرف أن قيمة الرهن أكثر من دَيْنِه، لا يمكن أن يتوانى في الوفاء، لا بد أن يَحُثّ نفسه حتى يوفي، إذا كان دَيْنُه ثلاثين ألفًا والسيارة تساوي خمسين ألفًا، وحلَّ الدَّيْن، قَرُب حلول الدَّيْن، لا بد أن يبحث عن ثلاثين ألفًا حتى يوفي. (

)

طالب: إذا حَلَّ الدَّيْن ولم يَفِ بالرهن، وقال الراهن للمرتهن: إن حلَّ الدَّيْن أوفيتك (

) إذا غلق الدَّيْن (

) فإنه لن يتضرر هذا الراهن لأنه سوف يوفيه بالنقود.

الشيخ: قلنا: لا بد أن يستقدر.

الطالب: يستقدر من غيره.

الشيخ: إي يستقدر من غيره.

الطالب: من نفسه هو.

الشيخ: من نفسه أو من غيره؛ لأن مصلحته لا يمكن أن يضيعها أبدًا.

طالب: شيخ، إذا قامت الراهن يا شيخ، إذا جاء إنسان للراهن وقال: أريد أن أشتري الرهن، فلا يجوز بيعه، ولكن إذا قال له: إن أوفيت الدَّيْن فالرهن عليك بكذا، يجوز؟

الشيخ: إن أوفيتَ؟

الطالب: يعني إن سددت الدَّيْن فالرهن.

الشيخ: يقوله الطرف الثالث؟

الطالب: إي نعم، يعلِّق بيع الرهن على سداد الدَّيْن.

الشيخ: يعني أنا أسدد عنك والرهن لي.

ص: 1406

الطالب: لا يا شيخ؛ نفس الراهن يقول: إذا سددت الدَّيْن يعني أوفيت، فإن الرهن الذي رهنتُكَه عليك بكذا.

الشيخ: إي، ما يصح هذا؛ لأنه مجهول.

طالب: علشان ربما معلَّق.

الشيخ: لا، ما هو علشان معلق، علشان مجهول الآن، القيمة قد ترتفع وقد تنقص، والغالب من هذا ما يكون إلا إنسانًا مضطرًّا.

طالب: شيخ، إذا قال الراهن: إذا حال الأجل ..

الشيخ: إذا حال ولّا إذا حَلَّ؟

الطالب: إذا حلَّ الأجل فالرهن لك، وحلَّ الأجل، وأخذ المرتهن الرهن، ونقصت القيمة، هل يجب على الراهن إعطاء المرتهن مقدار النقص؟

الشيخ: لا.

الطالب: وفي حال الزيادة، هل يجب على المرتهن إعطاء الرهن .. ؟

الشيخ: لا، هذا بيع تام.

طالب: شيخ، بالنسبة للمرتهن عندما يأخذ الرهن فإنه يأخذه في المقابل بعض دَيْنِه، هل يكون هذا إجحافًا في حق المرتهن أن يأخذ بعض دَيْنِه.

الشيخ: المرتهن راضٍ، أرأيت لو حلَّ الدَّيْن وقال الراهن: ما عندي شيء، فقال: أنا يكفيني نصفه، أعطني نصفه والباقي مُعْفًى عنه، ما هو يجوز هذا؟

الطالب: نعم يا شيخ.

الشيخ: هذا يجوز على القول الراجح؛ لأن بعض العلماء ما يُجَوِّزُه، ولكن نحن نرى أنه جائز، فهذا مثله، هذا راضٍ بالنقص؛ لأنه كونه يعطيه بعض ماله ولا يفقد كُلَّ ماله.

الطالب: يا شيخ في حالة عدم رضاه، هل نعطيه هذا الرهن؟

الشيخ: هو راضٍ.

الطالب: أقول: في حالة ..

الشيخ: وإذا كان .. شوف، المسألة ما هي إلزامية حتى يَرِد هذا الإشكال عليكم، المسألة إذا قال: لن أقول: إذا حلَّ الدَّيْن ولم أوفِ فالرهن لك، ما أنا بقائل، نبغي الرهن عادي، إذا حَلَّ الدين يباع الرهن ولي غنمه وعليَّ غرمه، يعني لا تظن المسألة ملزِمة، لكن هل يصح الشرط أو لا يصح، هذا محل الخلاف؟ أما أنه هل يلزم أو لا يلزم، هذا ما هو لازم، يعني لو أن الراهن لم يقل هكذا، لم يقل للمرتهن: إن حلَّ الدين وأنا لم أُوفِ فهو لك، فلا عليه، هذا هو الأصل في الرهن.

ص: 1407

الطالب: شيخ، أيضًا في حالة البيع مثلًا يكون الرهن أقل مثلًا من دَيْنِه الذي هو له.

الشيخ: ما يخالف، قلنا: دَيْنُه خمسون ألفًا، حلَّ الدَّيْن ولم يوفِ، والسيارة المرهونة تساوي الآن ثلاثين ألفًا، فقال المرتهن: أنا أقبلها بثلاثين ألفًا، هل يُمْنَع من هذا؟

الطالب: لا.

الشيخ: أيضًا هذه المسألة.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى:(أو إن جاءه بحقِّه في وقتِ كذا وإلا فالرَّهْنُ له، لم يصحَّ الشرطُ وحدَه، ويُقبَلُ قولُ الراهنِ في قدر الدَّيْنِ والرَّهْنِ ورَدِّهِ، وفي كونِه عصيرًا لا خمرًا، وإن أَقرَّ أنه مِلْكُ غيرِه أو أنه جَنَى قُبِلَ على نَفْسِه، وحُكِمَ بإقراره بعد فَكِّه، إلا أنْ يُصدِّقَه المُرْتَهِنُ).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

لماذا لا يصح شرط: إن جاء بحقه وإلا فالرهن له؟

طالب: لماذا لا يصح الشرط؟ قالوا: لأنه يعتبر بيعًا معيَّنًا، والبيع لا بد أن يكون مُنَجَّزًا.

الشيخ: نعم.

الطالب: كذلك استدلوا بالحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُه، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (9).

الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هل هناك قول آخر؟

طالب: نعم فيه قول آخر.

الشيخ: وهو؟

الطالب: أنه يجوز.

الشيخ: أن الشرط جائز.

الطالب: (

).

الشيخ: نعم. ما دليل هؤلاء؟

الطالب: دليل هؤلاء عدم الدليل، وهو أن تعليلهم هذا ليس عليه دليل، والدليل أنه لا يغلق على الراهن أن هذا أغلق وهو موافق عليه.

ص: 1408

الشيخ: إي، يعني والحديث مُنَزَّل على ما كانوا يفعلون في الجاهلية إذا حَلَّ الأجل ولم يَقْضِ الدَّيْن أخذه قهرًا، بارك الله فيك، أنت قلت: إن الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟ لماذا؟

الطالب: لأن الأصل في البيع الحِلّ.

الشيخ: أحسنت، وكل مَن ادعى خلاف الأصل نقول له: الدليل عدم الدليل؛ لأنه لا بد من دليل ينقل على الأصل، وإلا فالأصل بقاء ما كان على ما كان.

هذه الرواية أو هذا القول هل عمل به الإمام أحمد؟

طالب: نعم.

الشيخ: كيف؟

الطالب: رُوِيَ عنه أنه اشترى من بقال ولم يكن معه ثمن يستوفيه، فرهن عنده نعالًا، فقال: أوفي لك بالثمن في وقت كذا وإلا فالنعال لك.

الشيخ: إي نعم، هكذا فعل الإمام أحمد رحمه الله.

يقول المؤلف: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدَّيْن فمَن نقدِّم؟

طالب: نقدِّم قول الراهن.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأنه هو الغارم.

الشيخ: لأنه غارم، توافقون على هذا؟

الطلبة: نعم.

الشيخ: طيب، هل هذا على إطلاقه أنه يقدِّم قول الراهن؟

طالب: ليس على إطلاقه، إذا وُجِدَت قرينة تصرف عن قبول قوله فلا يُقْبَل، أما إذا لم توجد قرينة فنعم يُقْبَل.

الشيخ: كأنك فهمت أنه ليس على إطلاقه من قولي: هل هذا على إطلاقه، صحيح؟

الطالب: نعم.

الشيخ: لماذا لم يكن على إطلاقه؟

الطالب: هو في الأصل أنه يبقى القول، لكن لو وُجِدَت قرينة تكذِّب قوله ..

الشيخ: مثال؟

الطالب: يقول مثلًا: الرهن هذا صفته كذا، ولَمَّا تأملوا فيه وَجَدُوا أن القرينة لا تؤيد ما ..

الشيخ: لا؛ لأن الآن الاختلاف في قَدْر الدَّيْن، يعني قال المرتهن: إن الدَّيْن خمسون ألفًا، وقال الراهن: الدَّيْن ألف ريال.

الطالب: قال الراهن: الدَّيْن ألف ريال؟

الشيخ: إي نعم، وذلك يقول: هو خمسون ألفًا.

الطالب: ننظر في الرهن كم يساوي.

الشيخ: إي، يعني معناه أننا ننظر إلى قيمة الرهن، إذا كانت تُرَجِّح قول المرتهِن فالقول قول .. ؟

ص: 1409

الطالب: قول المرتهن، وإلا فـ ..

الشيخ: يعني مثلًا لم تَجْرِ العادة أن الإنسان يرهن سيارة تساوي خمسين ألفًا ويتعطل من منفعتها بألف ريال، هذا ما جرت به العادة.

إذن معناه نرجع إلى قرينة الحال فنُغَلِّب من شهدت له القرينة، وذكرنا أن هذا من باب تعارض أيش؟

طالب: من باب تعارض الظاهر والأصل.

الشيخ: من باب تعارض الظاهر والأصل، وإذا تعارض الأصل والظاهر فأيهما نقدِّم؟

الطالب: نقدم الأقوى منهما.

الشيخ: الأقوى منهما، تمام.

***

قال: (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ في رَدِّهِ).

أي: في رد الرهن، يعني: لو ادعى المرتهِن أنه رد الرهن إلى الراهن، وقال: لم ترده، فالقول قول الراهن، كيف يكون القول قول الراهن؟ لأن الأصل عدم الرد، وبقاءُ ما كان على ما كان، والرهن الآن في يد مَنْ؟ في يد المرتهِن.

فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن الوديعة -المودَعة يعني- لو ادَّعَى رد الوديعة إلى المودِعِ قُبِل قوله، فلماذا لا تقبلون قول هذا -أي قول المرتهن في رد الرهن؟ - فاهمون الإشكال الآن؟ يعني: إنسانٌ أعطى شخصًا وديعة قال: خذ هذه الساعة أمانة عندك، وبعد مدة جاء صاحب الساعة يطلبها، فقال المودَع: إني قد أعطيتُكها، فيُقْبَل قول المودَع، وهذا المرتهِن لا نقبل قوله، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة: أن مَن قَبَضَ الشيء لحظ نفسه لم يُقبَل قوله في الرد، هذه القاعدة، ومَن قبضه لحظ مالكه قُبِلَ قوله في الرد.

أما في التلف فيُقبَل قولهما جميعًا، يعني لو ادعى المرتهن أن الرهن تلف قُبِل قوله؛ لأنه أمين، وفي نظم القواعد:

كُلُّ أَمِينٍ يَدَّعِي الرَّدَّ قُبِلْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وعلى هذا فنقول: إذا ادَّعَى المرتهن أنه رد الرهن إلى الراهن فإننا لا نقبل قوله؛ فالقول قول الراهن.

واعلموا أن كُلَّ من قلنا: القول قوله، فلا بد من اليمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم:«الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (8).

ص: 1410

(وفي كونه عصيرًا لا خمرًا) يعني: يُقْبَل قول الراهن في كونه عصيرًا لا خمرًا، ولكن هذا في صورة معينة، يُقْبَل قول الراهن في كون الرهن عصيرًا في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، ولهذا يحتاج إلى هذا القيد: في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، بأن قال المرتهن: بعتُك هذه السلعة على أن ترهنني هذا العصير، قال: طيب، فأرهنه العصير.

ثم رجع المرتهن وقال: إن العصير كان خمرًا، يعني فلا يصح الرهن، إذا كان خمرًا لم يصح الرهن، وإذا لم يصح الرهن يقول البائع: فلي الفسخ؛ لأني اشترطت رهنًا، وتبيَّن أن الرهن غير صحيح، فلي الفسخ؛ لأنه صار العقد الآن بلا رهن، وأنا لم أَبِعْهُ إلا برهن، فقال الراهن: إنه كان عصيرًا وليس خمرًا، وإذا كان عصيرًا صار الرهن صحيحًا، وإذا كان صحيحًا فلا خيار للبائع، واضح؟ غير واضح.

مثلًا: رجل اشترى من شخص ساعة وليس معه ثمن، لكن معه كرتون عصير، كرتون العصير معروف ولّا لا؟ واضح، فقال للذي اشترى الساعة: خذ هذا الكرتون رهنًا، فقال: لا بأس، أبيعك هذه الساعة بمئة ريال بشرط أن ترهنني كرتون العصير، فقبضه المرتهن، قبض الكرتون رهنًا، ثم بعد أيام رجع، وقال: وجدت الكرتون خمرًا، يعني قد تخمَّر؛ لأن العصير إذا تأخَّر يكون خمرًا، وجدته خمرًا، ليش يقول هذا الكلام؟

طلبة: ليفسخ العقد.

الشيخ: ليكون العقد على هذا الخمر باطلًا، ما صح الرهن الآن، لما تبيَّن أنه خمر فالخمر لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا يجوز رهنه، تبين الآن أن الرهن غير صحيح.

لما تبين أن الرهن غير صحيح والبيع مشروط بالرهن صار الراهن لم يَفِ بالشرط حقيقةً، فيقول البائع الآن: لي الفسخ -فسخ العقد-؛ لأني بعتك بشرط الرهن، وتبيَّن أن الرهن غير صحيح، فلي الفسخ.

فقال الراهن: بل إنه كان عصيرًا وتخمَّر عندك، ليش؟ ليصح الرهن، فلا يكون للبائع فسخ العقد، واضح ولا ما هو بواضح؟ واضح.

إذا قال قائل: لماذا نقبل قول الراهن في هذه المسألة ولا نقبل قول المرتهن؟

ص: 1411

نقول: لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، هو عصير، والأصل أنه عصير باقٍ، فيكون تَخَمُّرُه في عهدة مَنْ؟ في عهدة المرتهِن، والأصل أن هذا العصير باقٍ لم يتخمَّر، وحينئذٍ لا فسخ للبائع، واضح يا جماعة؟ الحمد لله.

يقول: (في كونه عصيرًا لا خمرًا).

إذن كلام المؤلف رحمه الله يحتاج إلى قيد، ما هو القيد؟

في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، فرهن عصيرًا ثم ادعى المرتهِن أنه كان خمرًا من أجل أن يفسد الرهن، ثم يكون له الخيار في عقد البيع.

قال: (وإن أقر أنه ملك غيره)، (أقر) الفاعل يعود على الراهن، إن أقر الراهن أنه ملك غيره قُبِل على نفسه، ولم يُقبَل على المرتهِن، وهذا لا شك أنه عين الحكمة.

يعني هذا رجل رهن سيارة شخصًا استدان منه مئة ألف، ثم بعد يومين ثلاثة رجع المرتهن وقال: السيارة ليست لي، السيارة لفلان وهذه استمارتها، هنا ماذا نقول؟ القول قول مَنْ؟ قول الراهن من وجه، لكن لا على حق المرتهن.

نقول: الآن يُقْبَل إقرارك، لكن لا نحكم بمقتضاه حتى ينفك الرهن، تبقى السيارة الآن مرهونة، وإذا انفك الرهن قلنا: رجِّعها لمن أقررت أنها ملكه، أما الآن فلا؛ لأن هذا يؤدي إلى إبطال حق مَنْ؟ حق المرتهن، وحق المرتهن سابق على هذا الإقرار فيقدَّم عليه.

وهذا لا شك أنه عين الحكمة؛ لأننا لو لم نقل بذلك لكان كلُّ راهنٍ مبطِل إذا رهن ادَّعى أنه ملك لفلان، يعني اتفق هو وفلان وقال: تعالَ، أنا أريد أن أُقِرَّ بأن هذا الشيء لك، علشان أيش؟ علشان يقول: أنا رهنت ملك غيري، فنقول: الرهن باقٍ بحاله، وإذا انفك الرهن أخذه المُقَرُّ له، واضح؟

طلبة: نعم.

الشيخ: طيب، إذا قدَّرْنَا أن الرجل لم يُوفِ الدَّيْن فهل يُبَاع؟ نعم يُبَاع، ويرجع المُقَرُّ له على مَنْ؟ على الراهن ..

أو أنه جَنَى قبلُ على نفسِه ، وحَكَمَ بإقرارِه بعدُ فَكَّه إلا أن يُصَدِّقَه الْمُرْتَهِنُ.

(فصلٌ)

ص: 1412

ولِلْمُرْتَهِنِ أن يَرْكَبَ ما يَركبُ ويَحْلُبُ ما يَحْلُبُ بقَدْرِ نَفَقَتِه بلا إِذْنٍ، وإن أَنْفَقَ على الرَّهْنِ بغيرِ إذنِ الراهنِ معَ إمكانِه لم يَرْجِعْ، وإن تَعَذّرَ رَجَعَ ولو لم يَستأْذِن الحاكمَ، وكذا وَديعةٌ ودَوَابُّ مُستأْجَرَةٌ هَرَبَ رَبُّها، ولو خَرِبَ الرهنُ فعَمَّرَه بلا إذنٍ رَجَعَ بآلَتِه فقطْ.

(باب الضمان)

ولا يَصِحُّ إلا من جائزِ التَّصَرُّفِ، ولِرَبِّ الحقِّ مُطالَبَةُ مَن شاءَ منهما في الحياةِ والموتِ، فإن بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضمونِ عنه بَرِئَتْ ذِمَّةُ التضامُنِ، لا عَكْسُه، ولا تُعْتَبَرُ مَعرِفَةُ الضامنِ للمَضمونِ عنه ولا له ، بل رِضَا الضامنِ، ويَصِحُّ ضَمانُ المجهولِ إذا آلَ إلى العِلْمِ

وإذا انفك الرهن أخذه المُقَرُّ له، واضح؟

طالب: نعم.

الشيخ: طيب، إذا قدرنا أن الرجل لم يوفِ الدَّيْن فهل يباع الرهن؟ نعم يُبْاع، ويرجع المُقَر له على مَنْ؟ على الراهن؛ لأن الراهن هو الذي أتلفه؛ حيث رهنه، هذا إن بقي على إقراره أنه لغيره. إذن هذا الإقرار قُبِل من وجه، ولم يُقْبَل من وجه آخر.

الشيخ: فسر لي الوجهين؟

طالب: يُقْبَل قوله إذا أقر بأنه ملكٌ لغيره.

الشيخ: نعم، قلنا: يُقْبَل من وجه، ولا يُقْبَل من وجه.

الطالب: يقبل من وجه، بإقراره هذا لا يضيع حق المرتهن بأنه يبقى في ..

الشيخ: يعني من قِبَل المرتهن لا يُقْبَل؟

الطالب: من ناحية المرتهن لا يُقْبَل؛ يعني: يبقى الرهن على ما هو عليه حتى يؤدي الدين.

الشيخ: طيب، ومن جهة المقَر له؟

الطالب: ومن جهة المقَر له يقبل أنه ملكه، فإذا حلَّ موعد السداد ولم يسد الدين بيع وأحيل على (

).

الشيخ: المهم أنه يقبل في حق المقَر له فيطالبه بمقتضى إقراره.

يقول: (أو أنه جنى)(أو أنه) أي: الرهن، (جنى)، مَنِ المقِر؟

طلبة: الراهن.

الشيخ: الراهن. (أو أنه جنى) يُقْبَل على نفسه ولا يُقْبَل في حق المرتهن.

ص: 1413

صورة المسألة: رجلٌ رهن عبدًا، وبعد أن تم عقد الرهن قال: إن هذا العبد قد جنى على فلان؛ إما بالنفس، أو بما دونها، أو بالمال، والعبد إذا جنى تتعلق الجناية برقبته، فيقال لسيده: إما أن تُسَلِّم الجناية، وإما أن تُسَلِّم العبد في مقابلة الجناية، وإما أن تبيع العبد وتُسَلِّم ثمنه للمجني عليه، ثلاثة أمور؛ لأنه يتعلق برقبته، المرتهن الآن ادعى أن العبد جنى على فلان ..

طالب: الراهن.

الشيخ: نعم، الراهن، أحسنتم. الراهن ادعى أن هذا العبد جنى على فلان، ومعلوم أن حق المجني عليه متعلق بالرقبة، أقوى من تعلق حق المرتهن، المرتهن متعلق بالرهن تعلُّق توثقة، ما هو ضمان، فهو أراد أن يبطل حق المرتهن بهذا الإقرار، فيقال له: إقرارك مقبولٌ من وجه، غير مقبول من وجه، من جهة المجني عليه الذي أقررت أن العبد جنى عليه: الإقرار مقبول، ومن جهة حق المرتهن: غير مقبول، تمام.

إذن ماذا نعمل بالنسبة للمجني عليه؟ نقول: يبقى العبد الآن رهنًا، ثم إذا انفك الرهن أوفينا المجني عليه حقه.

يقول: (قُبِلَ على نفسه)، (قُبِلَ) الضمير يعود على؟

طلبة: الراهن.

الشيخ: خطأ، يعود على الإقرار؛ أي: إقرار الراهن. (على نفسه) الضمير هنا يعود على الراهن، يُقْبَل على نفسه؛ يعني: لا على المرتهن.

(وحكم بإقراره بعد فكه)، (حكم بإقراره) أي: بمقتضى إقراره، (بعد فكه)، فإذا كان أقر أنه ملك غيره نقول: إذا انفك الرهن ينتزعه المقَر له؛ يرجع للمقَر له، إذا كان جانيًا ينتزعه المجني عليه، أو يُبَاع ويُعْطَى قيمته؛ يعني: إما أن يفديه سيده ويقول: أنا أدفع الجناية كلها، أو يُسَلِّم العبد للمجني عليه، أو يبيع العبد ويعطيه قيمته؛ يُعْطَى المجني عليه.

ص: 1414

قال: (إلا) استثنى المؤلف قال: (إلا أن يصدِّقه المرتهن)، (صدقه) الهاء يعود على مَنْ؟ الراهن، والمرتهن فاعل؛ يعني: إلا إذا صدَّق المرتهنُ الراهنَ في دعوى أنه ملك غيره أو أنه جنى، فإذا قال المرتهن: نعم، هو ملك غيرك، حينئذٍ يبطل الرهن، أليس كذلك؟

طلبة: بلى.

الشيخ: لأن الآن المرتهن أقر بأن الرهن غير صحيح؛ إذ إن الراهن رهن ما لا يملك، فيبطل الرهن ويُسَلَّم لمن أقر له الراهن.

وكذلك إذا قال المرتهن: نعم، العبد جنى. نقول: خلاص، الآن الجناية مقتضاها تَعَلَّق برقبته، فسلِّمِ العبد لسيده.

لكن هل يمكن أن المرتهن يصدِّق الراهن في أمرٍ يُبطل حقه؟

طالب: يمكن.

طالب آخر: لا.

الشيخ: كيف لا؟ يمكن، إما أن يعرف أن هذا الراهن رجل صدوق ما يمكن أن يكذب، لكن اغتر أو نوى الخداع في أول الأمر ثم تاب، هذه واحدة، وإما أن يثبت ذلك ببينة، لكن إذا ثبت ببينة حكم بمقتضى البينة، سواءٌ صدقه المرتهن أم لم يصدقه، إي نعم؛ لأن كلامنا الآن على مجرد الإقرار.

***

ثم قال المؤلف: (فصلٌ: وللْمُرتَهِن أن يَرْكب ما يُرْكَب ويَحْلب ما يُحْلَب بقدر نفقته).

(للمرتهن) الذي له الدين، (أن يَرْكب ما يُرْكَب ويَحْلب ما يُحْلَب بقدر نفقته)(بقدر نفقته) متعلقة بـ (يَرْكب) و (يَحْلب) فقد تنازعها عاملان؛ يعني إذا كان الرهن مما يُركب، مثل؟

طالب: الحمار.

طالب آخر: الفرس.

طالب آخر: الحصان.

طالب آخر: السيارة.

الشيخ: لا، السيارة لا.

طالب: ما يركب من الحيوان.

الشيخ: نعم، ما يركب من الحيوان؛ بعير، حمار، بقرة.

طالب: لا، تركب البقرة.

الشيخ: البقرة لا تركب عادةً، لكن مما يُحلب، له أن يركبه بقدر النفقة، سواءٌ ركبه في داخل البلد أو ركبه في سفر، بشرط ألَّا يكون عليه في السفر ضرر؛ أي: على المركوب، فإن كان عليه ضرر فليس له ذلك، لكن إذا لم يكن عليه ضرر.

ص: 1415

فيقال مثلًا: هذا البعير الذي يركبه المرتهن لو استُؤجر لمدة عشرة أيام لكانت الأجرة مئة، والنفقة بقدر مئة، حينئذٍ تساوت النفقة وتساوت الأجرة، فيكون لا له شيء وليس عليه شيء؛ لأنه ركب بقدر النفقة.

فإن كانت أجرته أكثر من النفقة فلا بد أن يدفع ما زاد على النفقة، إذا قدَّرنا أن نفقته خمسون وأن أجرته مئة، فعليه أن يدفع كم؟ خمسين؛ لأنه لو لم يفعل لكان ظالمًا للراهن، وإذا كان دينه قرضًا صار دينه قرضًا جرَّ نفعًا.

لو كان بالعكس: نفقته مئة وأجرته خمسون، فهل يرجع على الراهن بما زاد؟ نعم، يرجع على الراهن بما زاد. النفقة مئة، وأجرة مثله خمسون، الآن يطالب الراهن بما زاد على النفقة وهو خمسون. وكذلك يُقَال فيما يُحْلَب؛ كالشاة والبقرة.

طالب: الناقة.

الشيخ: الناقة في الغالب تُرْكَب؛ ولهذا مثَّلنا في الأول بالناقة.

هذا إنسان رهن بقرة وصار يحلبها، نقول: لك أن تحلبها بقدر النفقة، فإذا كان ثمن حليبها مئة في الأسبوع ونفقتها في الأسبوع مئة، ففي هذه الحال لا له ولا عليه، وإن كان الحليب يساوي مئتين في الأسبوع والنفقة مئة دفع للراهن مئة، لكن هذه المئة تكون رهنًا -انتبهوا- لأنها من نمائه، وإن كان بالعكس: النفقة مئتان، واللبن يساوي مئة، يرجع على مَنْ؟ على الراهن بما زاد على ثمن الحليب.

فإذا قال قائل: ما هو الدليل، وما هي الحكمة؟

قلنا: الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» . رواه البخاري (1).

فقول الرسول: «بِنَفَقَتِهِ» (الباء) هنا ليست للسببية ولكنها بدليَّة، فيكون الركوب بمقدار النفقة، وكذلك الحليب بمقدار النفقة، فإذا زاد أو نقص فعلى ما شرحنا لكم.

ص: 1416

أما الحكمة فلأن الحيوان يحتاج إلى نفقة؛ يحتاج إلى طعام وشراب وظلال وتدفئة في أيام الشتاء، ولو قلنا بأن المرتهن يقوم بهذا ثم يرجع على الراهن لحصل في هذا نزاع وشقاق، وكل يوم يأتي للراهن: أعطني نفقة هذا، ويحصل مشقة، فمن الحكمة أن الشرع جعل المركوب يُرْكَب بالنفقة، والمحلوب يُحْلَب بالنفقة.

وبناءً على هذا نقول: إن السيارة ليست كالبعير، لماذا؟

طالب: ما تحتاج نفقة.

الشيخ: ما تحتاج لنفقة.

طالب: بنزين؟

الشيخ: بنزين إذا مشت، لكن ما دامت ساكتة ما تبغي نفقة، لكن البعير؟

طالب: يموت.

الشيخ: يموت نعم، إلا على رأي بعض العامة فإن السيارة تحتاج إلى نفقة، فإن بعض الناس أول ما ظهرت السيارات لما قدم من كان في سيارة ذهبوا يحصدون المزرعة ويقدمون العلف للسيارة! على رأي هؤلاء تحتاج نفقة.

على كُلِّ حال الآن الحكم فيما يحتاج إلى نفقة لسد نفقته، والدليل كما سمعتم.

وقوله: (بلا إذن) ممن؟ بلا إذن من الراهن، اكتفاءً بإذن الشارع؛ بإذن محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال:«الظَّهْرُ يُرْكَبُ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ» ، ومعلوم أن إذن الشارع مقدم على كل إذن؛ ولهذا إذا لم يأذن الشارع بشيء وأذن المالك به يُنفَّذ ولَّا لا؟ لا ينفذ، فإذا أذن الشارع بشيء نُفِّذَ ولو لم يأذن به المالك، وهنا صرح المؤلف رحمه الله:(بلا إذن).

طالب: وإذا كان (

) يُقْبل قول الراهن من وجه ولا يُقْبل قوله في حق المرتهن؟

الشيخ: في المسألة الأولى؟

الطالب: في المسألة الأولى، يصدق المرتهن وبعد يقبل قوله (

).

الشيخ: إذا صدَّق.

الطالب: إذا صدق، وهنا يجي بعض الناس (

) مثلًا يأخذ من هذه السيارة يقول: هذا (

) ثم بعد يوم يومين يقول: هذا (

) ويصدق المرتهن فكان دينه (

) مع أنه (

) لأن جميع الناس (

الشيخ: إي نعم، أفهمتم سؤاله؟ يقول: إذا صدق المرتهن بأن الرهن ليس ملكًا للراهن طبعًا سيرفع يده عنه، أليس كذلك؟

طلبة: بلى.

ص: 1417

الشيخ: يقول: هل يبطل حق المرتهن أو يكن له الخيار؟

نقول: إذا كان في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن فله الخيار، وأما إذا كان الرهن بعد انتهاء العقد؛ يعني: بعد أن انتهى العقد وثبت الدين في ذمة الراهن جاء المرتهن وقال: يا أخي أعطني ديني، وإلا فأعطني رهني، فهنا لا ينفسخ العقد؛ لأن الرهن صار غير مشروطٍ في العقد.

طالب: إذا رهن شيئًا، مثلًا رهن بُرًّا في أكياس، ثم بعد مدة أتى الراهن وقال: أعطني الرهن -مثلًا- بعد أن سَدد، فوجد أن الذي بالأكياس ليس بُرًّا، بل تراب، فيقول المرتهن: إن الأصل فيها تراب، والراهن يقول: بُر؟

الشيخ: وأيش الأصل؟

الطالب: ما فيه أصل.

الشيخ: ما فيه أصل؟

طالب: الأصل أنها بر يا شيخ.

الشيخ: وذاك يقول: الأصل أنها تراب.

الطالب: لا، هو عقد على أن الرهن بُر، والأصل تصديق قول الراهن في ذلك.

الشيخ: لا، هذه تحتاج إلى تأمل، هذه ليست كالعصير؛ لأن العصير اختلاف وصف، ويُقْبَل قول الراهن كما عرفتم، لكن هذا اختلف في عين، وربما تأتينا -إن شاء الله- اختلفا في عين هل هو بُر ولَّا تراب، يحتاج إلى تأمل.

طالب: بارك الله فيكم، لو أن المرتهن قال: أنا لا أريد أن أركب ولا أن أحلب؛ لأني (

)، هل نلزم الراهن بالنفقة؟

الشيخ: يقول المؤلف: (وللمُرتَهِن أن يَرْكَب) ولم يقل: وعلى المرتهن، (له) واللام لأيش؟ للإباحة؛ لأن الأصل أنه لا يجوز أن يستعمل هذا الرهن، مُلك غيره، لكن الشارع أباح له ذلك، فإذا قال: أنا لا أريد، أنا مستغنٍ، عندي حليب وعندي سيارة وعندي بعير أخرى، فهنا على المذهب تُعَطَّل، ما تُؤجَّر، والنفقة على الراهن.

طالب: إذا ثبت أن الراهن متلاعب في دعواه الإقرار، فهل للحاكم أن يغرمه ذلك الرهن تأديبًا له؟

الشيخ: أنه أيش؟

الطالب: يعني إذا قال: إن هذا الرهن ملك لفلان، وثبت أنه كاذب، فهل للحاكم مثلًا أن ينزع عنه ملكية هذا الرهن تأديبًا له؟

الشيخ: لا، لكن يؤدبه بما شاء.

ص: 1418

الطالب: طيب، إذا أقر المرتهن أو إذا صدق الراهن وقال: أصدقه، لكن ما أعطيه إلا إذا أعطاني رهنًا مكانه، فهل ذلك له؟

الشيخ: لا، ليس له.

طالب: شيخ، إذا المرتهن حلب من هذه الدابة ثم ما زاد يزود منها باعه، وكان قيمة الدين مئة، فاجتمع له من ثمن هذا الحليب مئة، وجعله مع الرهن، فهل ينفك الرهن؟

الشيخ: خلاص إذا صار مئة يأتي الراهن ويقول: هذه المئة الدين، وأعطني دابتي.

الطالب: ينفك بها الرهن؟

الشيخ: لا، ينفك إذا أوفاه؛ يعني: إذا علم (

) الراهن؛ لأن هذه ملك للراهن ورهن للمرتهن؛ المئة ملكٌ للراهن ورهنٌ للمرتهن.

الطالب: لتبقى مع الراهن؟

الشيخ: الآن ليش تبقى، ما دام الآن أدرك من نمائها مقدار حقه فليخبر الراهن، ثم يجري الاتفاق بينهما.

طالب: مسائل ذكرها الأخ عبد الله يا شيخ.

الشيخ: وهي؟

الطالب: إذا كل واحد ادعى منهما أن هذا يقول: رمل وهذا يقول: إنه بر، ممكن نرجع إلى القيمة -يا شيخ- أيهما أقرب إلى الدين؛ مقدار الدين .. ؟

الشيخ: لا، التراب ما له قيمة.

طالب: إذا رهن -مثلًا- بيتًا عند خمسة؛ يعني كل واحد يستدين منه ويرهن هذا البيت.

الشيخ: نعم؟

الطالب: كل واحد يستدين منه هذا الرجل يرهن هذا البيت؛ نفس البيت.

الشيخ: إي، نعم.

الطالب: كيف؟ وقال بعد فترة ..

الشيخ: المعتبر الأول؛ المرتهن الأول.

الطالب: ما يقبل (

) ما يقبل -يا شيخ- الأول.

الشيخ: الأول، العبرة الأول.

الطالب: والباقون؟

الشيخ: الباقون راح حقهم؛ لأنه تبين أنه مرهون، لكن للحاكم في مثل هذه الحال إذا استوفى الأول أن يقول هو رهنٌ للباقين، ويمشِّيهم على الأول فالأول.

إذا شرط ألَّا يبيعه إذا حلَّ الدين، فما حكم الشرط؟

طالب: ألَّا يبيعه إذا حل الدين؟

الشيخ: نعم، شرط الراهن على المرتهن أنه إذا حلَّ الدين ولم يوفه فإنه لا يبيع الرهن، فما حكمه؟

الطالب: يبيعه.

الشيخ: كيف يبيعه؟ ! حكم الشرط.

الطالب: (

).

الشيخ: صحيح ولَّا غير صحيح؟

الطالب: غير صحيح.

ص: 1419

الشيخ: غير صحيح، أليس الرسول يقول:«المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2)؟

طالب: إي، ولكن يضيع حق الراهن.

الشيخ: يعني هذا معناه أنه يبطل فائدة الرهن؛ لأن فائدة الرهن أنه إذا حلَّ الدين ولم يوفِ باع.

شرط إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له، قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك أوَّل يومٍ من رمضان، وإلا فالرهن لك؟

طالب: على قول المؤلف الشرط غير صحيح، والصحيح أنه صحيح.

الشيخ: نعم، ما حجة المؤلف؟

طالب: أقول: إنه استدل بدليل وتعليل، أما الدليل فقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ عَلَى صَاحِبِهِ» .

الشيخ: «مِنْ» «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (3).

الطالب: وقالوا: إن هذا نوعٌ من أنواع إغلاق الرهن على الراهن؛ على صاحبه، والتعليل أنهم قالوا: إن هذا أخذه بدون رضا صاحبه ..

الشيخ: لا، برضاه.

الطالب: أخذه قهرًا.

الشيخ: أبدًا، هو قهره؟ هو اللي قال؟ الراهن هو اللي قال.

الطالب: ليس قهرًا، لكن ..

الشيخ: يشبه القهر.

الطالب: بدون قصد.

الشيخ: حتى يكون جوابك شبيه الصواب!

طالب: يقولون: هذا البيع بقي معلقًا.

الشيخ: نعم، والبيع المعلق لا يصح، تمام، والقول الثاني؟

طالب: القول الثاني أنه صحيح.

الشيخ: صحيح. ما هو الدليل؟

الطالب: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وهذا يشمل الوفاء بأصلها وقيل: بوصفها، وقوله صلى الله عليه وسلم:«كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (4).

الشيخ: والمسلمون؟

الطالب: و «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .

ص: 1420

الشيخ: إذن القول الثاني أن هذا صحيح؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، والأمر بالوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصلها والوفاء بوصفها؛ وهو ما شُرط فيها، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام:«كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» ، وقوله:«الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (2)، وهذا لا يُحِل حرامًا ولا يحرم حلالًا.

بماذا يجيبون على أدلة الآخرين؟

طالب: الذين يصححون؟

الشيخ: الذين يصححون.

الطالب: أن ذلك ليس بيعًا معلقًا ..

الشيخ: هذا الجواب من كيسك.

الطالب: يجيبون عن أدلة القائلين بجواز بيعه؟

الشيخ: لا، أدلة القائلين بأن الشرط باطل.

طالب: أقول: ما ورد دليل على (

).

الشيخ: طيب، أن نقول: أصل التعليل يحتاج إلى دليل، وهو عدم صحة البيع المعلق، هذه واحدة.

طالب: الثاني أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» ، هذا ما (

)، بل هو الذي رضي بذلك واتفقا.

الشيخ: أحسنت، وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم:«لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (5)، فيقال: هذا ما أغلق، بل شرطه باختياره، أحسنت، وهذه قاعدة ينبغي لكم أن تفهموها: كُلُّ إنسان يضعِّف قول غيره فيحتاج إلى أمرين؛ الأول: تقوية قوله، والثاني: الرد على حجة الآخرين، ولا يكفي أن تذكر حجتك فقط، أجب عن حجة الآخرين، وإلا فأنت منقطع.

رجل رهن شيئًا، ثم أقر أن هذا مُلك غيره فما الحكم؟ هل يصدَّق أو لا يصدَّق؟

طالب: قُبِل قوله على نفسه ويحكم بإقراره ..

الشيخ: اصبر، قُبِل على نفسه.

الطالب: على نفسه، ولا يُقْبل من جهة المرتهن.

ص: 1421

الشيخ: إي، إذن يُصَدَّق من وجه، ولا يُصَدَّق من وجه آخر؛ يُصَدَّق بإقراره على نفسه، ولا يُصَدَّق بإقراره على المرتهن؛ لأن هذا يضيع حقه، ويطالب به بعد؟

الطالب: ويطالب بعد (

).

الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، جيد.

هل تُرْكَب السيارة بنفقتها إذا كانت مضمونة؟

طالب: لا تُرْكَب؛ لأنه ما عليها نفقة.

الشيخ: لا، يقول: أنا بأركبها، أنا أتحمل البنزين والزيت؟

الطالب: لا تُرْكَب.

الشيخ: ألا يقاس على البعير؟

الطالب: ما يقاس؛ لأن البعير لا بد من النفقة عليه.

الشيخ: لا يصح القياس؛ لأن البعير يحتاج إلى نفقة، وإلا هلك، والإنفاق عليه من مصلحة الجميع، والسيارة؟

الطالب: لا تحتاج إلى نفقة.

الشيخ: لا تحتاج، تمام، إذن القياس ممنوع.

***

يقول رحمه الله: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع، وإن تعذر رجع وإن لم يستأذن الحَاكِمَ).

(إن أنفق) الضمير يعود على المرتهن، إذا أنفق على الرهن بغير إذن الراهن.

مثال ذلك: احتاج البيت المرهون إلى تعمير فَعَمَرَه؛ أتى بأناس يُليِّسونه، أو يصلحون بابًا سقط، أو ما أشبه ذلك، فهل يرجع المرتهن على الراهن أو لا يرجع؟

فيه تفصيل؛ إن كان الراهن قد أذن له رجع عليه؛ يعني: إن كان الراهن قد قال له: إن خرب شيء من البيت فأصلحه فإنه يرجع عليه؛ لأنه إذا عمل ذلك صار كالوكيل له، بل هو وكيل، فيرجع عليه، وحينئذٍ يُقْبَل قوله في قَدْرِ ما أنفق بيمينه، إلا أن يدَّعي شيئًا يُكَذِّبه الحس فلا يُقبل.

فلو قال: أذنتَ لي أن أصلح الأبواب إذا تكسرت، قال: نعم، أذنت لك، قال: قد فعلت، وقد أنفقت على كل باب ألف ريال، والنفقة المعتادة مئة ريال في مثل هذا العمل، فهل يُقبل قوله؟ لا؛ لأن هذا يُكَذِّبه الحس.

أما إذا ادعى شيئًا قريبًا فإنه يُقْبَل قوله، لكن بيمينه.

ص: 1422

ثانيًا: أن يكون بلا إذنه؛ أن ينفِق بلا إذنه على الرهن، فيُنظر أيضًا: هل يمكن أن يستأذن منه لكونه قريبًا، أو بالهاتف، أو بالمكاتبة؛ فإنه لا يرجع إلا إذا استأذنه، لا يمكن؛ لكون الراهن رجلًا مغمورًا دخل هذه المدينة العظيمة الواسعة ولا يُدْرَى أين هو؟ والرهن يحتاج إلى تعميرٍ عاجل، فهنا يُعمِّره ويرجع وإن لم يستأذنه؛ لأنه لا يمكن استئذانه، فصارت المسألة لها أحوال:

الحال الأولى: أن يكون الراهن قد أذن له بالتعمير، فهنا يرجع؛ لأنه صار وكيلًا له.

الثانية: ألَّا يأذن له بالتعمير ويتعذر استئذانه، فهنا يرجع أيضًا؛ حفظًا لأصل الرهن؛ لأنه لو لم يعمره ازداد خرابه وانتشر وفسد، وصار في ذلك ضرر على الراهن والمرتهن.

الحال الثالثة: ألَّا يأذن له بالتعمير، ويمكن استئذانه، ولكنه عمَّره بدون استئذان، فهنا لا يرجع؛ لأنه يمكنه أن يستأذن ولم يفعل، مسألة سهلة.

فإن قال المرتهن: أنا عمرته لأجل المصلحة لي وله؟

قلنا: وإذا كانت المصلحة لك وله فليكن التعمير منك ومنه؛ بمعنى أنك تعمِّر بإذنه، وحينئذٍ ترجع، أما إذا لم تستأذن منه مع إمكان إذنه فالنفقة عليك.

قال: (ولو لم يستأذن الحاكمَ) هذه إشارة خلاف؛ بعض العلماء يقول: لا يرجع حتى يستأذن الحاكم؛ بمعنى أنه إذا تعذر على المرتهن أن يستأذن من الراهن، قلنا له: الحاكم ينوب منابه، استأذِن منه، فإن لم تفعل فلا رجوع لك.

وهذا القول يزيد المسألة تعقيدًا؛ لأنه يحتاج أنه إذا تعذر استئذان المالك -وهو الراهن- ذهب إلى المحكمة، المحكمة لن تقبل منه بسهولة، ستقول: هات بينة على أنه يحتاج إلى تعمير، فإذا أتى بالبينة أذنت له، وهذا قد يصعب.

والصحيح ما ذهب إليه المؤلف؛ أنه لا يحتاج إلى إذن الحاكم، وأنه إذا تعذَّر استئذان الراهن -الذي هو المالك- فإن المرتهن يعمره ويرجع بنفقته، سواءٌ استأذن الحاكم أم لم يستأذنه.

ص: 1423

قال: (وكذا وديعة) وديعة هَرَبَ رَبُّهَا واحتاجت إلى تعمير وربُّها موجود، فهنا نقول: إن كان ربُّ الوديعة أَذِن لك في تعميرها فعمِّرْها، وترجع عليه أو لا؟ يرجع عليه؛ لأنه أَذِنَ له فهو وكيل، وإن لم يأذن له فهل يتعذر استئذانه؟ الجواب: إن كان يتعذر فإنه يرجع أيضًا؛ لأن تعميرها مما تدعو الحاجة إليه، وصاحبها الآن بعيد لا يمكن استئذانه، وإن كان يمكن وعمَّرها بلا إذن فعليه الضمان، ولا يرجع على المودِع؛ لأنه تمكن من استئذانه ولم يفعل.

كذلك (دواب مستأجرة) كيف دواب مستأجرة؟ إنسان عنده ناقة أجَّرها شخصًا يسافر عليها إلى مكة، وهرب الرجل، وتعلمون أن الدواب تحتاج إلى أيش؟ تحتاج إلى نفقة؛ تريد علفًا وشرابًا، هذا الرجل الذي استأجر الدواب قد أذن له ربُّها بأن ينفق عليها، فأنفق عليها وصار يشتري لها علفًا وماءً ويقوم برعايتها، أيرجع على ربها؟

طالب: نعم.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأنه أذن له.

الشيخ: لأنه أذن له، فيكون وكيلًا عنه، فيرجع.

لم يأذن له ربُّها وتعذَّر استئذانه؛ لأن الحاجة مُلِحة في الإنفاق عليها عاجلًا وتعذر عليه أن يستأذن، فهنا أيضًا يرجع.

ثالثًا: إذا كان موجودًا وتسهل مراجعته وأنفق عليها بدون إذنه، فما الحكم؟ يضمن؛ بمعنى أنه لا يرجع بما أنفق على صاحب هذه الدواب.

لكن لو فُرِض أن هذا المستأجر ذبحها واحتفظ بلحمها لصاحبها، وادَّعى صاحبها أنها لم تصل إلى حالٍ يضطر فيها إلى ذبحها، وقال: أنت ذبحتها وهي صحيحة معافاة، فقال: إنه ذبحها بعد أن خاف أن تموت، فتفوت، فمن القول قوله؟ القول قول المستأجر؛ لأنه أمين، والقاعدة: أن كل إنسانٍ أمين فإنه يُقْبَل قوله فيما ائتمن فيه، وإلا لحصلت مشاكل كثيرة إذا لم نقل بقبول قوله.

(وكذا وديعةٌ ودواب مُسْتَأجَرَةٌ) دوابُّ ولَّا دوابٌّ؟

طالب: دوابٌّ.

الشيخ: دوابٌّ؛ لأنها ممنوعةٌ من الصرف!

طالب: دوابُّ؛ لأنه جمعُ منتهى الجموع.

الشيخ: أسأل بالتنوين أو عدمه، بس.

ص: 1424

الطالب: بغير تنوين.

الشيخ: بغير تنوين، لماذا؟

الطالب: لأنه جمع منتهى الجموع.

الشيخ: لأنه جمعُ منتهى الجموع؟ !

الطالب: لأنه غير (

).

الشيخ: وأيش تقولون؟

طالب: صيغة منتهى الجموع.

الشيخ: صيغة منتهى الجموع، أو تقول: لأنه جمعٌ منتهى الجموع؛ بدون إضافة.

إذن نقول: (دوابُّ مُسْتَأجَرَةٌ هرب ربُّها)(ربها) أي: مالكها، والرب يكون بمعنى المالك، قال النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة:«فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» (6)، وفي بعض ألفاظ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه:«أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (7)، بدل «رَبَّتَهَا» (8)، وهذا جائز سائغ شرعًا ولغة.

(ولو خرب الرهن فعمره بلا إذن رجع بآلته فقط) لو خرب الرهن؛ كالدار مثلًا، (فعمره) من؟ المرتهن، (رجع بآلته فقط) أي: بما جعل فيه فقط؛ كاللَّبِن والخشب، أو نقول في الوقت الحاضر: كاللَّبِن والحديد والأبواب وما أشبهها، يرجع بهذه فقط دون أُجرة العمال والماء وما أشبه ذلك؛ يعني: يرجع بما بقي مما أنفقه من ماله فقط.

مثال ذلك: إنسان ارتهن دارًا وسقط جزءٌ منها، فقام بإصلاحه وأحضر اللَّبِن والمواد والأبواب وبناها، مادة البناء بعشرة آلاف ريال، وأجرة العمال وجلب الماء بعشرة آلاف ريال، فبماذا يرجع؟ بعشرة آلاف ريال اللي هي الآلة فقط، وأما الباقي فلا يرجع به، هذا إذا كان لم يستأذن من ربِّ البيت؛ الذي هو الراهن، أما لو استأذن فإنه يرجع بالجميع؛ لأنه وكيل.

وقال بعض العلماء: بل يرجع بالجميع؛ لأنه ليس كالإنفاق على الحيوان، الإنفاق على الحيوان إذا أكله الحيوان ذهب ولم ينتفع به الراهن، لكن هذا ينتفع به الراهن؛ لأن أثر العمل باقٍ والمصلحة لِمَنْ؟

طالب: للراهن.

الشيخ: للجميع في الواقع، للراهن؛ لأن مُلْكُه عُمِّر، وللمرتهن؛ لأن وثيقته بقيت؛ لأنه لو خرب ما بقي له شيء.

ص: 1425

وفَصَّل بعضهم فقالوا: إن عمَره بما يكفي لتوثيق دينه؛ يعني فقط رجع، وإن كان بأزيد لم يرجع؛ لأنه ليس فيه ضرورة إلى أن يعمره بأكثر مما يُوثِّق الدين، فلو فرضنا أن الذي خرب غرفتان؛ لو صلَّح واحدة كفى لتوثقته في دينه، ولكنه هو عَمَر الثنتينِ جميعًا، فهو يرجع بالأولى ولا يرجع بالثانية إلا بالآلة فقط.

وهذا القول قول وسط بين القولين؛ أن يقال: إن المرتهن يرجع بقدر ما يتوثق به دينُه فقط، وأرجو أن يكون المثال واضحًا للجميع، واضح لكم؟ ما هو بواضح، طيب.

هذا رجل ارتهن بيتًا، وهذا البيت سقط جزءٌ منه، فقام بعمارته، مَنْ الذي قام؟ المرتهن قام بعمارته، فهل يرجع على الراهن الذي هو مالك البيت أو لا يرجع؟

نقول: إن كان بإذنه رجع؛ يعني إن كان صاحب البيت -وهو الراهن- قال للمرتهن: إن خرب شيء من البيت فقد أذنتُ لك في إصلاحه، فهنا يرجع بكُلِّ ما أنفق على البيت؛ من المواد وأُجرة العمال وغير ذلك.

إن كان لم يأذن له فإنه يرجع بما أنفق بالآلة فقط، الآلة عند المؤلف -يعني في لغة الفقهاء- الآلة هي المادة؛ مادة الشيء، فمثلًا هذا الرجل خَسِرَ إسمنتًا وحديدًا وأبوابًا، هذه نسميها أيش؟ آلة، يرجع بها؛ يعني: المرتهن يرجع على الراهن، يقول: الآن هذه بقيت لك، وهذه قيمتها، هذه فواتيرها، فيرجع بها، ما أنفق عليها سوى ذلك -كأجرة العمال، وجلب الماء لعجن الأسمنت، وما أشبه ذلك- هذا لا يرجع به؛ لأنه لم يبقَ؛ ذهب فلم يبق للراهن، فلا يرجع به.

في العلماء من يقول: بل يرجع به؛ يرجع بالآلة وبما أنفق على البناء؛ لأن هذا انتفع به المالك، وانتفع به المرتهن، كلاهما انتفع، فهو مصلحة للجميع.

ص: 1426

وبعضهم يفصِّل يقول: إذا كان ما عمره أكثر مما يوثِّق الدين لم يرجع بما زاد على ما يحصل به توثقة الدين، فإذا قدَّرنا أن الذي خرب حجرتان، إحداهما إذا عُمِرَت اكْتُفِيَ بها في توثقة الدين؛ يعني معناه أنها يحصل بها وفاء الدين أو زيادة، والأخرى زائدة، والمسألة كُلُّها بدون إذن الآن، يقول: يرجع بأيش؟ بواحدة فقط، والثانية لا يرجع إلا بآلتها فقط. ووجه ذلك أن هذا المرتهن لم يعمره لحفظ حقه، بل زاد على ذلك، فلا يأخذ إلا مقدار حقه.

وفيه أيضًا أقوال أخرى؛ مثلًا بعض العلماء يقول: إذا كان لو تركه -أي التعمير- لتداعى بقية البيت، وهذا وارد ولَّا غير وارد؟ وارد؛ يعني لو ترك عمارة المنهدِم لانهدم البيت كله، فهنا يرجع بالجميع؛ لأن هذا لحفظ البيت كُلِّه، وأما إذا كان ما بقي من البيت لا يتأثر بما انهدم فعلى التفصيل الذي سبق.

طالب: شيخ -بارك الله فيكم- رجحنا قول المؤلف بعدم إلزام المرتهن باستئذان الحاكم إذا لم يوف (

) الراهن، وعللنا بأن هذا يزيد مشقة ويؤخره وكذا، لكن إذا افترضنا أن الحاكم -مثلًا- يجعل سلطات أو مسؤولين لمثل هذا الغرض؛ بحيث تسهل عملية الاستئذان يعني، ألا يمكن أن نقول مع هذا: إنه يجب ويلزم باستئذان الحاكم؟

الشيخ: أبدًا، لا نقول بهذا، إلا إذا خفنا أن يقع نزاع، فحينئذٍ لا بد من استئذان الحاكم.

الطالب: هو مظنة النزاع؟

الشيخ: ما هو على كُلِّ حال، قد نعرف صاحب هذا الرهن رجل طيب ويعرف أن صاحبه ليس على وجه يُتَّهَم فيه.

الطالب: هل يفتى في كُلِّ حالة .. ؟

الشيخ: إي نعم.

طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ذكرنا بأن للمرتهن أن يعمر الرهن بما يكفي لتوثقة دينه، وذكرنا أيضًا قولًا آخر بأنه إذا لم يَعمره لانهدم ما بقي، فأي القولين ترجح؟

الشيخ: واللهِ محل نظر؛ محل نظر هذه المسألة، تحتاج إلى .. نحن نذكر لك القولين، وما ترجح عندي شيء.

طالب: ناظر الوقف هل له أن يتصرف فيه حتى لو زاد عن الشيء المتعارف عن عم

ص: 1427

الشيخ: لا، إلا إذا كان هذا مما يزيد أجرته -مثلًا- فلا بأس؛ يعني -مثلًا- لو فرضنا أن هذا الوقف لو جُعل فيه ديكور؛ اللي يسونه الديكور هذا، وأنه تزيد به الأجرة فلا بأس، هذا من مصارته؟ لحته، بشرط ألَّا يؤثر هذا على الشروط التي شرطها الواقف؛ يعني اللي يسمونها (

) في اللغة العامية.

الطالب: شيخ، أحيانًا تكون شروط الواقف وقتية؛ في وقته، ثم تغيرت مع تغير الزمن؟

الشيخ: لا، هذا ما هي سؤالك، سؤالك الأول غيره، سؤالك الأول: هل يجوز للإنسان أن يطور الوقف؛ الأول، أما هذه: أن يغير ما شرطه الواقف، فهذا شيء آخر ينبني على هل يجوز أن ينقل الوقف أو يُغيَّر إلى ما هو أفضل؟ والمسألة فيها خلاف، والصواب جواز ذلك، ودليله حديث الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:«صَلِّ هَاهُنَا» (9).

طالب: إذا كان -يا شيخ- الآلة (

) بأنه يرجع بالآلة فقط (

) الراهن؟

الشيخ: لا، العشرة آلاف هذه على المرتهن.

الطالب: الآن دفعها المرتهن.

الشيخ: إي، خلاص ما يرجع على الراهن بشيء.

الطالب: ولكن الراهن الآن كسب عشرة آلاف؟

الشيخ: إي، فضل الله يؤتيه من يشاء، لماذا يعتدي؟ هل أُذن له؟

الطالب: (

).

الشيخ: إي، الحمد لله، فضل الله واسع.

الطالب: طيب، لو قيل: إنه يُؤجَّر.

الشيخ: حتى لو أُجِّر (

) المسألة أن الراهن ما يجد الوفاء، الراهن يجد الوفاء، لو بعشرين ألفًا، الكلام هل يرجع أو لا يرجع؟

طالب: هدم الخراب بالرهن يُعْمَر؟

الشيخ: هذا هو الأصل، الأصل أن كُلَّ خراب يعمر؛ لأن الخراب إذا لم يعمر ازداد.

الطالب: بعض الخراب لا يؤثر في الإعمار، في الدار يعني، قد يكون جدارًا خارجيًّا أو قد يكون .. ؟

الشيخ: والخارجي ما يؤثر؟

الطالب: لا يؤثر، يعني ..

الشيخ: لا، يؤثر، إذا انهدم الجدار الخارجي أثَّر، حتى اللي في داخل الفيلا ما يثقون؛ يعني: ما يأمنون ذاك الأمان.

طالب: (

).

ص: 1428