المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب الربا والصرف] - الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين - جـ ٢

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌(باب صفة الصلاة)

- ‌[مكروهات الصلاة]

- ‌[أركان الصلاة وواجباتها]

- ‌[باب سجود السهو]

- ‌(كتابُ الْمَنَاسِكِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط وجوب الحج والعمرة]

- ‌[باب المواقيت]

- ‌[باب الإحرام]

- ‌(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)

- ‌(بابُ الفِديةِ)

- ‌(باب جزاء الصيد)

- ‌[باب صيد الحرم]

- ‌[باب ذكر دخول مكة]

- ‌[باب صفة الحج والعمرة]

- ‌[باب الفوات والإحصار]

- ‌[باب الهدي والأضحية]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب البيع

- ‌[باب شروط البيع]

- ‌[باب الشروط في البيع]

- ‌[باب الخيار]

- ‌[باب الربا والصرف]

- ‌[باب بيع الأصول والثمار]

- ‌[باب السلم]

- ‌[باب القرض]

- ‌[باب الرهن]

- ‌[باب الضمان]

- ‌[باب الحوالة]

- ‌[باب الصلح]

- ‌[باب الحجر]

- ‌[باب الوكالة]

- ‌(باب الشركة)

- ‌[باب المساقاة]

- ‌[باب المزارعة]

- ‌[باب الإجارة]

- ‌[باب السبق]

- ‌[باب العارية]

- ‌[باب الغصب]

- ‌[باب الشفعة]

- ‌[باب الوديعة]

- ‌[باب إحياء الموات]

- ‌[باب الجعالة]

- ‌[باب اللقطة]

- ‌[باب اللقيط]

- ‌(كتابُ الوَقْفِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الهبة والعطية]

- ‌[فصل في تصرفات المريض]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب الوصايا

- ‌[باب الموصى له]

- ‌[باب الموصى به]

- ‌[باب الوصية بالأنصباء والأجزاء]

- ‌[باب الموصى إليه]

- ‌(كتابُ النِّكاحِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[أركان النكاح]

- ‌[شروط النكاح]

- ‌[باب المحرمات في النكاح]

- ‌[باب الشروط والعيوب في النكاح]

- ‌[باب نكاح الكفار]

- ‌[باب الصداق]

- ‌[باب وليمة العرس]

- ‌[باب عشرة النساء]

- ‌[باب الخلع]

- ‌(كتاب الطلاق)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب ما يختلف به عدد الطلاق]

- ‌[باب الطلاق في الماضي والمستقبل]

- ‌[باب تعليق الطلاق بالشروط]

- ‌[باب التأويل في الحلف]

- ‌[باب الشك في الطلاق]

- ‌[باب الرجعة]

- ‌(كتابُ الإيلاءِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[من يصح منه الإيلاء]

- ‌[مدة الإيلاء وما تحصل به الفيئة أو فسخ النكاح]

- ‌(كتابُ الظِّهارِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[كفارة الظهار]

- ‌(كتابُ اللِّعانِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط صحة اللعان]

- ‌[ما يلحق من النسب]

- ‌(كتابُ العِدَدِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الاستبراء]

- ‌(كتابُ الرَّضَاعِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط الرضاع المحرِّم]

- ‌[من يُحَرَّم بالرضاع]

- ‌[مدخل]

- ‌[باب نفقة الأقارب والمماليك والبهائم]

- ‌[باب الحضانة]

- ‌[باب شروط القصاص]

- ‌[باب استيفاء القصاص]

- ‌[باب العفو عن القصاص]

- ‌[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس]

- ‌(كتاب الديات)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب مقادير ديات النفس]

- ‌[باب ديات الأعضاء ومنافعها]

- ‌[باب الشجاج وكسر العظام]

- ‌[باب العاقلة وما تحمله]

- ‌[باب القسامة]

- ‌(كتاب الحدود)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب حد الزنا]

- ‌[باب حد القذف]

- ‌[باب القطع في السرقة]

- ‌[باب حد قطاع الطريق]

- ‌[باب حد المسكر]

- ‌[باب قتال أهل البغي]

- ‌[باب التعزير]

- ‌[باب حكم المرتد]

- ‌(كتاب الأطعمة)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الذكاة]

- ‌[باب الصيد]

- ‌(كتاب الأيمان)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب جامع الأيمان]

- ‌[باب النذر]

- ‌(كتاب القضاء)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب آداب القاضي]

- ‌[باب طريق الحكم وصفته]

- ‌[مدخل]

- ‌(كتاب الشهادات)

- ‌[باب موانع الشهادة وعدد الشهود]

الفصل: ‌[باب الربا والصرف]

الشيخ: طيب، لكنك أنت لم تأخذ النصيب من سامح؛ لأنك تقول: هذا رجل فاضل وحبيبٌ إليَّ ما آخذ منه الشفعة، خلوه، ما دام اشتراه اشتراه، ولكن سامحًا رجع إلى سعدٍ وقال: أقلني، أنا هونت، فقال سعد: مرحبًا، خذ هذه الدراهم وأعطني نصيبي، هل لك أن تأخذ من سعدٍ هذا النصيب بالشفعة؟

طالب: على قول المؤلف ..

الشيخ: اترك قول المؤلف، على حسب ما قررنا، ما بعد وصلنا للترجيح، أنت ما فهمت المسألة حتى ترجح، الآن هل تأخذها ولَّا لا؟

طالب: آخذها.

الشيخ: إي، أنت فاهم الآن؟

الطالب: (

).

الشيخ: زين، أنت الآن فهمت أن سعدًا اللي هو شريكك إذا باع على سامح تأخذ النصيب ويكون كل الملك لك، فهمت هذا ولَّا لا؟ طيب، لكن سامح وسعد تسامحا ورجعت إلى سامح، هل تأخذها من سعدٍ أنت بالشفعة ولَّا لا؟ لا تأخذها.

لو أن سامحًا باع على سعدٍ من جديد؛ يعني أن سعدًا قال لسامح: أنا واللهِ الحقيقة أرغب أن تبيع عليَّ، وباع عليه، باع سامح على سعد، هل تأخذها بالشفعة أو لا؟ تأخذها.

إذن تبين أن الإقالة ليس فيها شفعة، لماذا؟ لأنها ليست بيعًا.

المهم الآن نرجع إلى البحث نقول: الإقالة في حق الطالب حكمها؟

طلبة: جائزة.

الشيخ: وفي حق المقيل سنة؛ لما فيها من الإحسان؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (10).

هل هي بيع؛ يعني: تجديد عقد أو هي رجوع في عقد سابق؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إنها فسخ، فلا يترتب عليها أحكام البيع، فليس فيها خيار، وليس فيها شفعة، وتجوز قبل قبض المبيع فيما يشترط لصحة بيعه قبضه.

***

[باب الربا والصرف]

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الربا والصرف).

ص: 1089

الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى:{فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5] أي: زادت، إذا أنزلنا على الأرض الماء اهتزت وربت؛ يعني: اهتزت بأشجارها وعشبها، {وَرَبَتْ} أي: زادت، وليس المراد الأرض نفسها، بل المراد ما ينبت فيها، فمعنى ربت؛ أي: زادت.

وأما شرعًا فهو: الزيادة في بيع شيئين يجري فيهما الربا.

إذن ليس كل زيادة ربًا في الشرع، وليس كل زيادة في بيع ربًا إذا كان المبيعان مما تجوز فيه الزيادة، فلو بعت سيارة بسيارتين فلا بأس، وكتابًا بكتابين فلا بأس؛ لأنه ليس كل زيادة تكون ربًا، بل الزيادة التي تكون ربا هي ما إذا وقع العقد بين شيئين يحرم بينهما التفاضل، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.

حكم الربا أنه محرم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين، ومرتبته أنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه (11)، ولأن الله تعالى قال:{وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، وقال تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]. فهو من أعظم الكبائر، والإجماع على تحريمه؛ ولهذا من أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد.

(بابُ الرِّبَا والصرْفِ)

ص: 1090

يَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ في مَكيلٍ ومَوزونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ، ويَجِبُ فيه الْحُلولُ والقَبْضُ، ولا يُباعُ مَكيلٌ بجِنْسِه إلا كَيْلًا، ولا موزونٌ بجِنْسِه إلا وَزْنًا، ولا بعضُه ببعضٍ جُزَافًا، فإن اخْتَلِفَ الجنْسُ جَازَت الثلاثةُ. والجِنْسُ ما لَه اسمٌ خاصٌّ يَشْمَلُ أنواعًا كَبُرٍّ ونحوِه، وفروعِ الأجناسِ، كالأَدِقَّةِ والأخبازِ والأَدْهَانِ، واللحمُ أَجناسٌ باختلافِ أُصولِه، وكذا اللَّبَنُ، واللحم والشحْمُ والكبِدُ أَجناسٌ، ولا يَصِحُّ بَيْعُ لحمٍ بحيوانٍ من جِنْسِه، ويَصِحُّ بغَيرِ جِنْسِه، ولا يَجوزُ بيعُ حبٍّ بدَقيقِه ولا سَوِيقِه ولا نِيئِه بِمَطْبُوخِه وأَصْلِه بعصيرِه وخالِصِه بِمَشوبِه ورَطْبِه بيَابِسِه،

وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.

حكم الربا أنه مُحَرَّم بالقرآن والسُّنَّة وإجماع المسلمين، ومرتبته أنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا ومُوكِلَه وشاهِدَيْه وكاتبه (1)، ولأن الله تعالى قال:{وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، وقال تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279].

فهو من أعظم الكبائرِ، والإجماعُ على تحريمه، ولهذا مَن أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد؛ لأن هذا من المحرَّمات الظاهرة الْمُجْمَع عليها.

ولكن إذا قلنا هذا، هل معناه أن العلماء أجمعوا على كُلِّ صورة؟ لا، يقع خلاف في بعض الصور، مثل ما قلنا: الزكاة واجبة بالإجماع، ومع ذلك ليس الإجماع على كُلِّ صورة، اختلفوا في الإبل والبقر العوامل، اختلفوا في الحُلِيّ، وما أشبه ذلك.

لكن في الجملة العلماء مُجْمِعُون على أن الربا حرام، بل من كبائر الذنوب، فما هي الأشياء الربوية؟

ص: 1091

الأشياء الربوية حددها النبي صلى الله عليه وسلم بالعدّ، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2).

فعَدَّهَا ستة، أعيدها: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، هذه ستة أشياء، وهذه الأشياء الستة مُجْمَعٌ عليها على حسب ما جاء في الحديث، أي: مُجْمَع على أنها هي الأموال الربوية، وأن الربا يجري فيها على حسب ما جاء في الحديث.

واختلف العلماء فيما سواها، هل يُلْحَق بها بالقياس أو لا يُلْحَق؟ فأما أهل الظاهر فقالوا: لا يُلْحَق بها شيء، والربا خاصٌّ بهذه الأشياء الستة؛ لأن أهل الظاهر يمنعون القياس.

وقال أهل المعاني: بل يقاس عليها ما يماثلها. وقال بعض أهل المعاني -أعني القياسيين-: إنه لا يجري الربا إلا في هذه الستة فقط، وعلَّل ما ذهب إليه بأن العلماء اختلفوا في العلة، فلما اختلفوا في العلة صار الواجب التوقف، وألَّا نزيد على ما جاءت به السُّنَّة.

ولكن الراجح أن الشريعة عمومًا لا يمكن أن تفرق بين متماثِلَيْن؛ لأن الشريعة مُحْكَمَة من لدن حكيم خبير، والقياس فيها ثابت.

ولكن ما هو مناط الحكم؟ أي: ما هي العلة الدقيقة التي يمكن أن نُلْحِقَ بها ما سوى هذه الأصناف الستة؟ هذا أيضًا محل نزاع.

فقال بعض العلماء: العلة الكيل في الأصناف الأربعة، والوزن في الذهب والفضة.

ص: 1092

وبناءً على هذا نقول: يجري الربا في كُلِّ مَكِيل قياسًا على الأصناف الأربعة، وفي كُلِّ موزون قياسًا على الصنفَيْن الآخرَيْنِ الذهب والفضة، ولا يجري الربا في غير الْمَكِيل والموزون.

وعلى هذا القول لو أَبدَل برتقالةً ببرتقالَتَيْنِ، يجوز أو لا؟

طلبة: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز؟

طالب: يجوز.

الشيخ: يجوز يا جماعة، هذا ليس مَكِيلًا ولا موزونًا.

طالب: (

) معدود.

الشيخ: لا، هذا عُرفٌ طارئ، ويعتبر من المعدود.

وقال بعض العلماء: العلة الطعم في الأصناف الأربعة، والثمنيَّة في الذهب والفضة. وبناءً على هذا نقول: إذا أَبدَل برتقالة ببرتقالتين فإنه لا يجوز؛ لأنها كُلّها مطعومة، وأيضًا إذا أبدل طنًّا من الحديد بطنَّين من الحديد يجوز، وعلى القول الأول لا يجوز.

فالمهم أن العلماء اختلفوا في العلة، وأقرب شيء أن يقال: إن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، سواءٌ كانَا نقْدَيْنِ أو غير نقْدَيْنِ.

والدليل على أن الربا يجري في الذهب والفضة وإن كانَا غير نَقْدَيْن حديثُ القلادة الذي رواه فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصلها فوجد فيها أكثر، فنهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تُبَاع حتى تُفْصَل (3).

ومعلومٌ أن القلادة خرجت عن كونها نقدًا، وعلى هذا فيجري الربا في الذهب والفضة مطلقًا، سواءٌ كانتا نقدًا أم تِبرًا أم حُليًّا، على أيِّ حالٍ كانت، ولا يجري الربا في الحديد والرصاص والصُّفر والماس وغيرها من أنواع المعادن.

أما العلة في الأربعة فالعلة في الأربعة كونها مَكِيلة مطعومة، يعني أن العلة مُرَكَّبة من شيئين: الكيل والطَّعم، ويظهر أثر الخلاف في الأمثلة:

إذا باع صاعًا من الأشنان.

طالب: ما هو الأشنان؟

الشيخ: دقيق يا أخي.

إذا باع صاعًا من الأشنان بصاعين منه، إن قلنا: العلة الكيل، لا يجوز، إن قلنا: العلة الطعم، جاز، إن قلنا: العلة الكيل مع الطعم، جاز أيضًا.

ص: 1093

وإذا باع فاكهة بجنسها متفاضِلة، إذا قلنا: العلة الطعم، لا يجوز، إن قلنا: العلة الكيل، يجوز، إذا قلنا: العلة الكيل مع الطعم، يجوز، فالأمثلة تُبْنَى على الخلاف في هذا.

ولكن أقرب شيء فيما أرى أن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، وأن الربا يجري فيهما على كُلِّ حال، والعلة في الأربعة أنها مطعومة مكيلة؛ لأن هذا هو الواقع.

فإن قال قائل: سَلَّمنا أنها مطعومة في الْبُرّ والشعير والتمر، لكن الملح؟

أجاب عنه شيخ الإسلام بأن الملح يُصْلَحُ به الطعام فهو تابعٌ له، ولهذا يقال: النحو في الكلام كالملح في الطعام، فالملح من توابع الطعام، وبناءً على هذا التعليل يجري الربا في التوابل ولّا لا؟ التي يُصْلَحُ بها الطعام؛ لأنها تابعةٌ له.

***

يقول المؤلف رحمه الله: (ويَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ فِي كُلِّ مَكِيْلٍ وَمَوْزُونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ)، بناءً على أن العلة أيش؟ الكيل والوزن، الكيل في الأربعة، والوزن في الذهب والفضة، فيحرم في كُلِّ مكيل وموزون بِيعَ بجنسه.

وقوله: (ربا الفضل) أي: ربا الزيادة.

(في كُلِّ مكيلٍ بيع بجنسه)، بُرٌّ ببُر يحرُم فيهما ربا الفضل، شعيرٌ بشعير يحرُم، تمر بتمر يحرُم، ملح بملح يحرُم، ذهب بذهب يحرُم، فضة بفضة يحرُم، حديد بحديد؟

طالب: لا يحرم.

الشيخ: يحرُم على كلام المؤلف؛ لأنه موزون، (في كل مكيل بيع بجنسه).

بُرٌّ بشعير لا يحرُم ربا الفضل؛ لأن المؤلف قيَّده، قال:(بجنسه)، والشعير ليس جنسًا من البُرّ.

وكُلُّ شيءٍ حرُم فيه ربا الفضل فإنه يحرُم فيه ربا النسيئة، كل ما حرُم فيه ربا الفضل حرُم فيه ربا النسيئة، ولهذا لم يقل المؤلف: ربا الفضل والنسيئة؛ لأن هذا معلوم أنه متى حرُم ربا الفضل حرُم ربا النسيئة.

ص: 1094

(ويجب فيه) أي: في بيع مَكِيل أو موزون بجنسه، يجب فيه (الحلول والقبض)، يعني أن يكون البيع حالًّا، وأن يقبض، فلو باع ذهبًا بذهبٍ مؤجَّلًا حرُم أو لا؟ يحرُم؛ لأنه يجب فيه الحلول، وإنما وجب فيه الحلول لئلا يدخله ربا النسيئة.

وقوله: (والقبض)، إذا قال قائل: أليس القبض مُغْنِيًا عن الحلول؟ يعني لو قال: يُشْتَرَط فيه القبض، كما جاء في الحديث؛ لقوله:«يَدًا بِيَدٍ» (2)؟

طالب: (

).

الشيخ: هو الواقع يُغْنِي، لكن قد تأتي صورة يكون فيها القبض، ولا يكون فيها الحلول، مثل: أن يبيع عليه ذهبًا بذهب مؤجَّل إلى شهر، ويقول: خذ هذا عندك وديعةً، وإذا جاء الشهر فاقبضه، يمكن أو لا يمكن؟ يمكن، فهذا فيه قبضٌ وليس فيه الحلول، ولهذا بيَّن المؤلف رحمه الله أنه يُشْتَرَط الحلول والقبض.

فإذا قال إنسان: أليس الحديث ليس فيه إلا القبض؟ وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه أبلغ من كلام المؤلف.

قلنا: ليس في كلام المؤلف إلا زيادة الإيضاح فقط، فهو للحديث بمنزلة الشرح، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما يُحْمَل على المعهود، والمعهود أنه إذا تقابض الرجلان في البيع فالبيع حالٌّ؛ لأنه ويش معنى أن يقول: اشتريت منك كيلو من الذهب بكيلو من الذهب، وخذ هذا الكيلو عندك وديعة لمدة شهر، ثم بعد ذلك اقبضه لنفسك؟ صورة نادرة أو لا توجد أيضًا، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما يتكلم في الأمور الدائمة المعروفة والغالبة.

فهمنا الآن أنه إذا بِيعَ مَكِيلٌ بجنسه وجب فيه شيئان: التساوي والتقابض؛ لأن المؤلف يقول: (يَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ)، قال:(ويجب فيه الحلول والقبض)، وإذا قال: يجب الحلول والقبض، معناه: يحرم تأخير القبض.

فالقاعدة -علشان ما تذهب أفكاركم بعيدًا- القاعدة: أنه إذا بِيعَ مَكِيلٌ بجنسه وجب شيئان، هما: التساوي والقبض قبل التفرق.

طالب: العلة هي الكيل والطعم.

ص: 1095

الشيخ: نعم، الكيل والطعم في الأربعة، فما ساواها في هذه العلة جرى فيه الربا.

الطالب: والقول بعلة الادِّخَار؟

الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأن التمر قد لا يُدَّخَر.

طالب: شيخ، بارك الله فيك وأحسن الله إليك، كنا قرأت قبل مدة أحاديث كثيرة في هذه الستة فيها الزيادة على هذه الستة، مثل الأقط ومثل الشعير.

الشيخ: الشعير موجود.

الطالب: مثل الأقط؟

الشيخ: هو مطعوم في الواقع، فإن صح الحديث به فقد ثبت بالنص، وإن لم يصح فقد ثبت بالقياس.

طالب: لو باع عليه شيئًا ربويًّا ثم قال (

).

الشيخ: كيف؟

الطالب: لو باع عليك شيئًا، جنيهات مثلًا، ثم قال (

) هل يصح فيه هذا؟

الشيخ: لكن بيمشي معه؟

الطالب: (

).

الشيخ: إي، هذا ما يصح، نقول: إذا رجع من بيته وجاء بالعِوَض فاعقد عقدًا جديدًا، وفي هذه الحال يمكن أن يتغير السعر.

الطالب: ينفسخ العقد؟

الشيخ: يبطل العقد.

طالب: فإن قال: الاقتيات في البيع.

الشيخ: إذا قلنا: الكيل والطعم، أعم، إي نعم، ما هو شرط الاقتيات. (

)

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب الربا والصرف

يَحرُم ربا الفَضْلِ في مَكِيلٍ وموزونٍ بِيعَ بجنسِه، ويجب فيه الحُلولُ والقبضُ، ولا يُباع مكيلٌ بجنسه إلا كيلًا، ولا موزونٌ بجنسه إلا وزنًا.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف:(ولا يُبَاع مَكِيلٌ بجنسه إلا كيلًا ولا موزون بجنسه إلا وزنًا).

لما بيَّن المؤلف رحمه الله الضابط فيما يحرُم فيه الربا بيَّن بأيِّ طريقٍ نصل إلى المساواة؛ لأن بيع الشيء بجنسه من الأموال الربوية يُشْتَرَط فيه الحلول والقبض، فبأي شيء يكون القبض؟ وبأي شيء نعرف المساواة؟

ص: 1096

إذا بِيعَ الربوي بجنسه وجب فيه الحلول والقبض والتساوي، فما هو الطريق إلى العلم بالتساوي؟ بيَّنه بقوله:(ولا يُبَاع مكيل بجنسه إلا كيلًا، ولا موزونٌ بجنسه إلا وزنًا)، وعلى هذا فالتساوي في الْمَكِيل عن طريق أيش؟ الكيل، وفي الموزون عن طريق الوزن، والفرق بينهما أن المكيل تقدير الشيء بالحجم، والوزن تقديره بالثِّقَل والخِفَّة، هذا هو الفرق، فالمكيل يُقَدَّر بحجم الشيء، والوزن بماذا؟ بالخِفَّة والثِّقَل؛ هذا هو الفرق بينهما.

فالبُرُّ مكيل، إذا بيع بِبُرٍّ فلا بد من أن يكون طريقه للتساوي هو الكيل، فلو وُزِن، يعني بِيعَ بجنسه وزنًا فإنه لا يصح، ولا يُعْتَبَر ذلك تساويًا، حتى فيما لا يختلف بالوزن والكيل، كالأدهان والألبان، فإن الأدهان والألبان من قسم المكيل؛ لأن كُلَّ مائع مكيل، كُلُّ مائعٍ يجري فيه الربا فهو مكيل، فعلى هذا تكون الألبان من المكيلات، ولا يختلف بها الوزن والكيل، ومع ذلك لو بِيعَت وزنًا فإنها -على كلام المؤلف- لا يصح، يعني لو بيع لبنٌ بلبن من جنسه وزنًا فإنه لا يصح، مع أنه لو كِيلَ لكان متساويًا.

واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه إذا كان الكيل والوزن يتساويان فلا بأس أن يُبَاع المكيل بجنسه كيلًا أو وزنًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مِثْلًا بِمِثْلٍ» (2)، والمثلية هنا متحققة، أما ما يختلف بالكيل والوزن فلا بد أن يكون المكيل يباع كيلًا، والموزون يباع وزنًا.

(ولا موزون بجنسه إلا وزنًا)، مثل اللحم، لو باع الإنسان لحمًا من خروف بلحم من خروف آخر فهذا موزون، فلو أراد أن يقطع اللحم قطعًا صغيرة ويضعه في إناء ويبيعه بجنسه كيلًا فإنه لا يصح؛ لأن معيار اللحم هو الوزن.

ص: 1097

وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يباع المكيل وزنًا، فيُعْتَبَر بالوزن، ولا العكس، يعني فلا يباع الموزون كيلًا، بخلاف المكيل فإنه يجوز أن يباع وزنًا، لكن الاحتياط ألَّا يباع المكيل إلا كيلًا، ولا يباع الموزون بمثله إلَّا وزنًا، إلا ما يتساوى فيه الكيل والوزن، فلا شك في أن بيعه كيلًا أو وزنًا جائز.

وقول المؤلف: (ولا يباع مكيلٌ).

كلمة (مكيل) نكرة في سياق النفي تشمل القليل والكثير، والمساوي في الجودة والمخالِف، فلو باع الإنسان تمرة بتمرة فالتساوي بماذا؛ بالكيل ولَّا بالوزن؟ بالكيل، تمرة بتمرة، لا بد من أن يتساويَا كيلًا.

لكن كيف تُكَال التمرة؟ يؤتى بإناءٍ صغير كملعقة مثلًا، توضع التمرة في هذه الملعقة وتوضع التمرة الأخرى فيها.

وقال بعض أهل العلم: ما لا يوزن لقِلَّتِه وحقارته فإنه لا يُعْتَبَر فيه التماثل، كتمرة بتمرتين مثلًا فلا بأس، فمن أخذ بعموم الحديث:«التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (2)، قال: هذا يشمل التمر القليل والكثير، ومَن أخذ بما تعارف به الناس وقال: إنه لا يمكن أن تُكَال التمرة، قال: هذا محمول على ما يعرفه الناس مما يمكن فيه الكيل، لكن ظاهر كلام المؤلف:(ولا يُبَاع مكيلٌ) أنه يشمل القليل والكثير، (ولا موزون بجنسه إلا وزنًا).

قال: (ولا بعضه ببعض جزافًا)، يعني: ولا يُبَاع بعض المكيل بالمكيل جزافًا، ولا بعض الموزون بالموزون جزافًا؛ لأنه لا بد فيه من العلم بأيش؟ بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، يعني حتى لو فُرِض أننا أتينا بخارص حاذق، وقال: هذه الكومة من البُرِّ تساوي هذه الكومة من البُرِّ، فإنه لا يجوز تبايعهما؛ لأنه لا بد من أيش؟ العلم بالتساوي عن طريق الكيل، إلا أنه يُسْتَثْنَى مسألة واحدة تأتينا إن شاء الله، وهي العرايا، فإن العرايا يجوز أن تباع خَرْصًا.

ص: 1098

والعرايا أن يكون هناك رجل فقير لا يجد مالًا ويحتاج إلى الرطب، وليس عنده إلا تمر، فيأتي إلى صاحب البستان ويقول: أنا أريد أن أشتري منك رطبًا بهذا التمر، فهذا يجوز على أن يُخرَص الرطب بمثل التمر بعد جفافه وتَحوُّلِه إلى التمر، وهذه مسألة مُسْتَثْنَاة مما يُشْتَرَط فيه العلم بالكيل.

(ولا بعضه ببعض جزافًا).

لو باع بعضه ببعض جزافًا، وقَبْل التقابض كال كل منهما ما آل إليه، فوجده مساويًا للآخر، فهل يصح العقد؟

الجواب: نعم، يصح العقد؛ لأن المحظور قد زال، وليس هناك جهل، الْمَبِيع معلوم من الطرفين، وإنما العلة هو معياره، وقد علمنا الآن أنهما سواء في المعيار الشرعي.

(ولا بعضه ببعض جزافًا، فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة).

(إن اختلف الجنس) أي: بين المبيعين، بأن يباع بُرٌّ بشعير، فإنها تجوز الثلاثة، وهي: أن يباع كيلًا، أو يباع وزنًا، أو يباع جزافًا.

ووجه الجواز أنه إذا بِيعَ الربوي بغير جنسه جاز فيه التفاضل.

مثال ذلك: اشترى شعيرًا بِبُرٍّ، ووزنَاهُمَا فكانَا سواء، يعني: اشترى كيلو بُرّ بكيلو شعير، فهذا جائز أو غير جائز؟

طالب: جائز.

الشيخ: جائز، لماذا؟

طالب: اختلف الجنس.

الشيخ: لا، اختلاف الجنس هذا تعليل الحكم، لكن لماذا جاز؟ لأنه من غير جنسه، وإذا اختلف الجنس فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2).

باع شعيرًا بتمر وزنًا، كيلو من هذا بكيلو من هذا، جائز أو غير جائز؟

طالب: جائز.

الشيخ: جائز، لماذا؟ لاختلاف الجنس، وإذا اختلف الجنس لم يُشْتَرَط التساوي.

باع تمرًا بِبُرٍّ من غير تقدير لا بالوزن ولا بالكيل، يجوز أيضًا، وذلك لأنه لا يُشْتَرَط فيه التساوي.

وخلاصة الكلام الآن أنه إذا بِيعَ الربوي بجنسه اشتُرِط فيه شرطان:

الأول: التقابض من الطرفين.

والثاني: التساوي بالمعيار الشرعي، الْمَكِيل بالكيل، والموزون بالوزن.

ص: 1099

وإذا بِيعَ الربوي بربوي من غير جنسه اشتُرِط شرطٌ واحد، وهو التقابض قبل التفرق، أما التساوي فليس بشرط، ولهذا يجوز بيعهما مكايَلَة وموازنة وجُزافًا.

وإذا بِيعَ ربوي بغير ربوي جاز، يعني جاز التفرق قبل القبض وجاز التفاضل، مثل أن يبيع شعيرًا بشاة، أو يبيع شعيرًا بثياب، أو ما أشبه ذلك، فهذا يجوز فيه التفرق قبل القبض والتفاضل، هذا هو خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.

***

ثم قال: (وَالجِنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أنْوَاعًا؛ كَبُرٍّ وَنَحْوِهِ).

(الجنس) ضابطه: هو الشيء الذي يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، هذا هو الجنس. والنوع: ما يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها.

هذا الفرق، فمثلًا البُرّ جنس أو نوع؟ جنس؛ لأنه يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، البُرّ الآن كما تعلمون فيه ما يسمى بالحنطة، وما يسمى بالْمَعِيَّة، وأنا أكلمكم عن لغة أهل القصيم، أما لغتكم ما أعرف عنها، وما يسمى بالجُرَيْبَاء، وما يسمى بالقِيمِي؛ هذه أربعة أنواع، إذن فالبر جنس شمل أنواعًا.

النوع شيءٌ يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها، كالحنطة مثلًا، الحنطة تشمل أشياء مختلفة بماذا؟ بأشخاصها، تشمل الحنطة اللي عندي واللي عندك، وما أشبه ذلك.

الإنسان جنس أو نوع؟ جنس، يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، ويش أنواع الإنسان؟ ذكر وأنثى.

الحيوان جنس، لكنه أعم من الإنسان؛ لأنه يشمل الإنسان وغير الإنسان، يشمل الإنسان والإبل والبقر والغنم وغير ذلك، فهو أعم.

الجسم جنس، أعم مما سبق؟ أعم مما سبق، يشمل الجماد والحيوان، وكما عرفتم أن الحيوان يشمل أنواعًا.

فتبيَّن بهذا أن الشيء قد يكون جنسًا باعتبار ما تحته، ونوعًا باعتبار ما فوقه، يعني قد يكون الجنس نوعًا باعتبار ما فوقه، وجنسًا باعتبار ما تحته.

ص: 1100

والمراد هنا الجنس الأعم أو الجنس الأخص؟ الجنس الأخص، لا الجنس الأعم، ولهذا لو بِعْنَا بقرة ببعير فقد اتفقا في الجنس الأعم؛ وهو الحيوانية، لكن يجوز التفاضل، ويجوز التفرق قبل القبض، لكن المراد هنا الجنس الأخص، يعني: أخص الأجناس.

وإذا أردنا أن نبتعد عن أهل الكلام واصطلاحاتهم نقول: البُرّ، والتمر، والشعير، والملح، والذهب، والفضة، ما نحتاج جنسًا أعم وجنسًا أخص، قد يُشْكَل على الإنسان هذا الشيء.

وعلى هذا فإذا قلنا: لا يُبَاع الربوي بجنسه، فمعناه: لا يُبَاع البُرُّ بأيش؟ بالبُرّ، أما الشعير فإنه جنس مستقل، إذا أردت أن تبيع بُرًّا بِبُرّ، فالواجب شيئان:

الأول: التقابض قبل التفرق.

والثاني: التساوي بالمعيار الشرعي.

وإذا أردت أن تبيع بُرًّا بشعير فالواجب شيء واحد، وهو التقابض قبل التفرق.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (وفروع الأجناس كالأدِقَّة والأخباز والأدهان واللحم أجناس باختلاف أصوله).

فروع الأجناس أجناس، لكن هل هي أجناس مستقلة، أو هي أجناس تابعة لأصولها؟

أفادنا المؤلف رحمه الله في كلامه هذا أنها أجناس تابعة لأصولها، وعلى هذا فإذا بِيعَ بُرٌّ حَبًّا بِبُرٍّ دقيقًا فإنه لا يجوز، لماذا؟ لتعذُّر التساوي؛ لأن الحب إذا طُحِن انتشر، ولا يمكن تقديره بالكيل، ولا يمكن أيضًا تقديره بأيش؟ بالوزن؛ لأن البُرَّ لا يباع بالبُرِّ إلا كيلًا.

بُرٌّ حَبًّا بشعير دقيقًا يجوز بدون كيل ولا وزن؟

طلبة: نعم.

الشيخ: لأن بيع البُرِّ بالشعير لا بأس فيه بالتفاضل، والدقيق جنس باعتبار الأصل.

كذلك أيضًا الأخباز؛ الأخباز إذا أردت أن أبيع خبزًا من البُرِّ بجَرِيش، أتعرفون الْجَرِيش؟ الجريش عبارة عن حب مطحون، لكنه ليس طحنًا دقيقًا، يُطبخ، فأردت أن أبيع خبزًا بجريش كُلّها بُرّ، أيجوز هذا أو لا؟

طلبة: لا يجوز.

طلبة آخرون: يجوز.

ص: 1101

الشيخ: يا جماعة الخير، يحتاج توقف هذا؟ ! لا يجوز يا جماعة؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن الجريش قد تَرَطَّب بالماء ولا يمكن كَيْله، حتى لو أمكن كيله فالخبز لا يمكن كيله.

فإذا قال قائل: يمكن نملأ إناءً من الْجَريش، ونفتت الخبز ونضع عليه ماء ونبدل هذا بهذا.

قلنا: لا يمكن التساوي، والجنس واحد أو مختلف؟

طالب: واحد.

الشيخ: خبز شعير بجَريش من البُرّ، يجوز؟

طلبة: نعم.

الشيخ: لماذا؟ لعدم اشتراط التساوي، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله؛ أن فروع الأجناس تُعْتَبَر أيش؟ أجناسًا بحسب أصولها.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: ما صُنِع من هذه الأجناس فإن خرج عن القوت بسبب هذا الصنع خرج عن كونه رِبَوِيًّا، بناءً على أن العلة في جريان الربا هي أيش؟ هي القوت، كونه قوتًا، وإلَّا يخرج فهو جنسٌ مستقل لا يتبعه أصلًا.

وعلى هذا فيجوز أن أبيع خبزًا من البُرّ بأيش؟ بجَريش من البُرّ؛ لأن كل واحد منهما اختلف اختلافًا بَيِّنًا، لا بالنسبة لأكله ولا بالنسبة للقصد منه، فيكون جنسًا مستقلًّا، ولكن الاحتياط ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لعموم قوله:«الْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (2)، وهذا يعم البُرّ على أي حال كان، «وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ» ، كذلك، يعم الشعير على أي حال.

فإذا قال: أنا ما عندي إلا خبز، وأنا أريد جريشًا، ماذا نقول له؟

نقول: بِع الخبز واشترِ جَرِيشًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في التمر الجيد والتمر الرديء (4).

وقول المؤلف رحمه الله: (كالأَدِقَّة والأخباز)، الأدقة جمع دقيق، والأخباز جمع خبز.

(والأدهان)، الأدهان هذا بناءً على أن الربا يجري في الدهن، أما إذا قلنا: إنه لا يجري في الدهن، فلا بأس ببيع بعضه ببعض متفاضِلًا أو متساويًا.

(واللحم)، اللحم أيضًا أجناس، لحم الإبل جنس، ولحم الضأن جنس آخر، لحم البقر جنس آخر، لحم المعز جنس آخر، لحم الأرانب جنس، لحم الظباء جنس، واللحم موزون.

ص: 1102

إذن هل يجوز أن أبيع كيلو من لحم الغنم بكيلوين من لحم الغنم أيضًا؟

طلبة: لا، ما يصح.

الشيخ: لماذا؟

الطلبة: لعدم التساوي.

الشيخ: لعدم التساوي، والجنس واحد، والأصح أن نقدِّم فنقول: لأن الجنس واحد لا يجوز فيه التفاضل.

كيلو من لحم البقر بكيلوين من لحم الخروف.

طلبة: يجوز.

الشيخ: ليش؟

الطلبة: لاختلاف الجنس.

الشيخ: لاختلاف الجنس، وهذا أيضًا بناءً على أن اللحم يجري فيه الربا، وهو وجيه إذا كنا في بلاد قُوتُهم اللحم، أما إذا كنا في بلاد لا يُعْتَبر اللحم قوتًا فإنه لا يجري فيه الربا؛ لأنه ليس بقوت.

والمذهب أنه يجري فيه الربا؛ لأنه مما يوزَن ويُؤْكَل، بل العلة على المذهب؛ لأنه مما يوزَن، وكُلُّ موزون فإنه مكيل.

بعتُ عليك خروفًا بخروفين؟

طالب: يجوز.

طالب آخر: لا يجوز.

الشيخ: خروف بخروفين؟

طالب: يجوز.

طالب آخر: هذا ليس بموزون.

الشيخ: هذا ليس موزونًا ولا مكيلًا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقرض على إبل الصدقة، فيأخذ البعير بالبعيرَيْنِ، والبعيرَيْنِ بالثلاثة (5)، وعلى هذا فلا ربا في الحيوان ما دام حيًّا، أما إذا ذُبِح فإنه يكون لحمًا فيجري فيه الربا، فإذا بِيعَ بجنسه فإنه لا بد من التساوي، وإلا فلا يصح.

***

قال: (وَكَذَا اللَّبَنُ).

اللبن أجناس باختلاف أصوله؛ لبن الإبل جنس، ولبن البقر جنس آخر، فلو بعتُ صاعًا من لبن الإبل بصاعَيْنِ من لبن البقر جائز؟

طلبة: نعم.

الشيخ: لأن الجنس مختلف، ولو بعتُ صاعًا من لبنِ بقرةٍ بِكْر وصاعَيْن من لبنِ عجوز؟

طلبة: لا يجوز.

الشيخ: ليش؟

الطلبة: لأن الجنس واحد.

الشيخ: لأن الجنس واحد، بارك الله فيكم.

(وكذا اللبن) أجناس باختلاف أصوله.

(واللحم والشحم والكبد أجناس).

ص: 1103

المؤلف انتقل من الجنس باعتبار استقلال البهيمة إلى الجنس باعتبار وَحْدة البهيمة، البهيمة فيها لحم مُنَوَّع، فيها يقول: لحم، وشحم، وكبد، قلب، أَلْيَة، طحال، رئة، كُراع، عين، رأس، هذه أجناس، كُلُّ واحد جنس، وعلى هذا فيجوز أن يبيع عليك رطلًا من الكبد برطلين من الرئة، ولو من الضأن، ليش؟ لاختلاف الجنس.

رطلًا من الرئة برطلين من اللحم من الشاة نفسها يجوز؛ لاختلاف الجنس.

إذن نفس البهيمة هي بأجزائها أجناس، كُلُّ جزء يُعْتَبَر جنسًا مستقلًّا، وعلى هذا فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا.

ولكن هل يجب التقابض؟ نعم، لماذا؟ لاتفاقهما في المعيار الشرعي، اللحم كله موزون، فلما اتفقا في المعيار الشرعي كان لا بد من أن يتقابضَا قبل التفرق، أما التساوي فليس بشرط. (

)

إذن أجزاء الجسم تُعْتَبَر أيش؟ أجناسًا، فإذا بِيعَ بعضها ببعض متفاضلًا فلا بأس، لكن لا بد من التقابض.

قال: (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح من غير جنسه).

بيع اللحم بحيوان من جنسه لا يصح، ويصح من غير جنسه.

مثال ذلك: عندي كومة من لحم الضأن، فأردت أن أبيعها بشاة فلا يجوز، لماذا؟ لأنه من جنسه.

فإذا قال قائل: الذي عندي لحم، والشاة أو الخروف فيها لحم، فيها كبد، فيها رئة، فيها قلب، وأنتم ذكرتم أن هذه الأشياء كُلُّ واحد منها جنس مستقل؟

قلنا: إذا كان الذي عندك لحم، وفي الشاة لحم، فقد بعتَ لحمًا بلحم ومعه من غير الجنس، فيكون هذا من باب ما يسمى عند الفقهاء بِمُدّ عجوة ودرهم، أفهمتم؟ فلا يجوز.

طالب: غير مفهوم.

الشيخ: غير مفهوم؟ إذا بعت عليك عشرة أصواع من التمر بصاعين من التمر ومعهما ثمانية أصواع من الشعير، أيجوز هذا أو لا؟

طلبة: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز؟ لماذا؟ لأنك بعت جنسًا بجنسه، ومع الثاني من غير جنسه، فهذا مُدّ عجوة ودرهم بمد عجوة، أو بمُدَّيْ عجوة، أو بمد عجوة ودرهم، يعني حسب ما سيأتينا إن شاء الله تعالى فيما بعد إن لم يكن سبق قبل ذلك.

ص: 1104

إذن بيع اللحم بحيوان من جنسه جائز أو غير جائز؟ يقول المؤلف: لا يجوز.

واستدل بعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان (6).

وهذا الحديث لو أخذنا بظاهره لقلنا: إنه عام يشمل ما إذا كان الحيوان من جنس اللحم أو من غير جنسه، وهذا كما تعلمون لا ينطبق على كلام المؤلف، ولكن أنا أريد أن نَفهم أولًا كلام المؤلف، فالمؤلف رحمه الله يقول: إنه لا يُبَاع اللحمُ بحيوان من جنسه.

مثاله: خمسون كيلو من لحم الضأن بخروف، فهذا لا يجوز، لماذا؟

أولًا: لهذا الحديث؛ النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وهذا في تصحيحه مقال بين أهل العلم، وفيه اختلاف.

وثانيًا: لأنه إذا باع هذا اللحم بهذا الحيوان فكأنه باع طعامًا بجنسه ومع الآخر من غير الجنس؛ لأننا إذا قدَّرْنَا أن هذه الكومة لحم، أي: هَبْر، فالحيوان الذي بِيعَ فيه لحم وشحم وكبد ورئة وقلب وطحال وكَرش وأمعاء، إلى آخره، فيكون كالذي باع ربويًّا بمثله ومع الآخر من غير جنسه، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بمُد عجوة ودرهم، هذا هو حكم المسألة على كلام المؤلف.

وقال بعض أهل العلم: إنه لا بأس به، أي: لا بأس ببيع اللحم بالحيوان مطلقًا، سواء من جنسه أو من غير جنسه، وذلك لاختلاف المقاصد بين الحيوان وبين اللحم، الحيوان يُرَاد للأكل ويُرَاد للتنمية ويُرَاد للتجارة، ولغير ذلك، واللحم يُرَاد غالبًا لأيش؟ للأكل، فلما اختلفت المنافع والمقاصد صار كُلُّ واحدٍ منهما لا صلة له بالآخر.

وفصَّل بعض أهل العلم وقال: إن أراد بالحيوان اللحمَ فإنه لا يصح بيعه من جنسه، وإن أراد بذلك الانتفاع بالحيوان بركوبٍ، أو تأجير، أو حرث، أو غير ذلك فلا بأس؛ لأنه إذا أراد به اللحم اتفقت المقاصد، فصار المراد بهذا الحيوان هو اللحم، والأعمال بالنيات، وإذا أراد انتفاعات أخرى فإنه يختلف المقصود.

ص: 1105

وهذا القول أصح الأقوال الثلاثة؛ أنه إن أراد بالحيوان اللحم فإنه لا يجوز؛ لأنه صار كأنه باع لحمًا بلحمٍ من غير تساوٍ، وإن أراد بالحيوان الانتفاع بغير الأكل فهذا لا بأس به، وهذا القول لا يعارض حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان (6)؛ لأنه يمكن أن يُحْمَل الحديث على ما إذا أراد الإنسان بالحيوان أيش؟ اللحم.

وهل يمكن أن يريد باللحم الحيوان؟

طالب: لا.

طالب آخر: مستحيل.

الشيخ: أن يريد باللحم الحيوان، ممكن؟

طلبة: لا.

الشيخ: لأن هذا اللحم لا يمكن أن يعود حيوانًا، لكن أن يريد بالحيوان اللحم ممكن، يذبحه ويأكل اللحم، فهذا الحديث إذا صح فإنه يُحمَل عما إذا أراد الإنسان بالحيوان اللحم. وهذا القول هو أعدل الأقوال وأصح الأقوال.

قال المؤلف: (ويصح بغير جنسه) مثل: أن يبيع لحم ضأنٍ ببقرة؛ لأن اختلاف الجنس يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (7).

إذا باع لحمًا مأكولًا بحمار، يجوز أو لا يجوز؟

طلبة: يجوز.

الشيخ: لماذا؟ لاختلاف الجنس، واختلاف المقاصد أيضًا.

ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ) ولو تساويَا وزنًا.

إنسان عنده صاع من البُرِّ باعه بصاع من دقيق البُرّ فإنه لا يجوز، لماذا؟ لعدم التساوي.

فإذا قال: أنا أزيد على الدقيق بمقدار ما يبلغ وزن الحب؟ قلنا: لا يجوز أيضًا؛ لأن المعتبَر فيه معيار أيش؟ الكيل؛ الحب والدقيق المعتبَر فيه في المعيار هو الكيل، فلا يصح.

لو باع شعيرًا حَبًّا بدقيقٍ بُرًّا، يجوز ولَّا لا؟

الطلبة: يجوز.

الشيخ: يجوز، لماذا؟ لاختلاف الجنس، ولهذا يجوز أن يبيع صاعًا من البُرِّ بصاعين من الشعير.

قال رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ ولا سَوِيقِه).

ص: 1106

الفرق بين الدقيق والسَّوِيق أن الدقيق يُطْحَن الحبُّ بدون أن يُحَمَّص، أي: بدون أن يُحْمَس على النار، والسَّوِيق يُحَمَّص، يعني يُشْوَى على النار ثم يُطْحَن، فإذا امتنع أن يُبَاع الحَبّ بالدقيق غير المحمَّص فامتناع بيعه بالدقيق المحمّص من باب أولى.

(ولا نَيِّه بمطبوخه)، أيضًا لا يجوز أن يباع النَّي بالمطبوخ، فإنسان عنده كيلو من اللحم النَّي أراد أن يبيعه بكيلو من اللحم المطبوخ، أيجوز؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز؟ ما الذي قلتُ؟

الطالب: أن الإنسان عنده لحم مطبوخ لا يجوز أن يبيعه بالنَّيئ.

الشيخ: بالنَّيّ إذا كان من جنسه طبعًا؛ لأن الطبخ يؤثِّر في الوزن؛ إذ إنه يدخله أشياء من الماء فيؤثِّر، فلذلك لا يصح النَّيّ بالمطبوخ.

(وأصله بعصيره)، لا يُبَاع الأصل بالعصير، مثاله: زيتون وزيت زيتون، لا يجوز أن يباع الأصل بالعصير؛ لتعذر أيش؟ لتعذُّر التساوي.

(وخالصه بمشُوبه)، أيضًا لا يُبَاع الجنس الرِّبَوِيّ بجنسه إذا كان مخلوطًا.

مثال ذلك: باع صاعًا من البُرّ بصاعٍ من البُرّ لكن فيه شعير، فهل يجوز؟ لا، لماذا؟ لعدم التساوي؛ لأن المشوب ليس كالمخلوط، إلا إذا كان الخِلْط يسيرًا غير مقصود، كما لو كان مِلْحًا في طعامٍ، فإن ذلك لا يضر ولا يؤثر؛ لأن هذا الخِلْط يسيرٌ تابع يُقْصَد به إصلاح المخلوط به. (

)

طالب: شيخ، ذكرتم قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا خرج فرع الجنس عن كونه قوتًا ثم .. ما فهمت؟

الشيخ: مثل لو فُرِضَ أن هذا الطعم الربوي، لو فُرِض أنه اعتُصِر وصار هذا العصير لا يقتاته الناس، لكن هم يأتون به مع الأكل من باب التكميل، فهذا ليس بقوت.

الطالب: ولا يكون ربويًّا؟

الشيخ: ولا يكون ربويًّا على ما اختاره رحمه الله، أما إذا كان يُقتات فإنه يكون جنسًا مستقلًّا.

طالب: لكن ضربتم المثال بالخبز يا شيخ.

الشيخ: الخبز ربما يكون قوتًا في بعض الجهات، يُيَبَّس.

الطالب: عندنا قوت.

ص: 1107

الشيخ: لكن يُيَبَّس ويبقى؟

طالب: لا.

طالب آخر: إي نعم.

الشيخ: إي، في بعض البلاد، نعم يمكن يكون، لكن مثل الشوربة، الشوربة إن لم تأت بوقتها راحت عليها.

طالب: الأصل في هذه الأشياء، الأصل في المبيعات ومعاملات الناس (

).

الشيخ: نعم؟

الطالب: أقول: ما الدليل على هذا القياس على الأشياء الستة التي هي حكم الربا؟

الشيخ: يعني أنت ترى أنه لا يجري البيع إلا في الستة فقط؟

طالب: ما نُص عليه.

الشيخ: إي، ما نُصَّ عليه، هو على كُلِّ حال سبق لنا أن بعض العلماء قال بذلك، حتى الذين يأخذون بالقياس قالوا بذلك، الظاهرية واضح أنهم لا يرون أن الربا يجري في غير هذه الأشياء الستة، لكن حتى القياسيون بعضهم قال: لا يجري الربا إلا في هذه الأشياء الستة، لكن الاحتياط ما ذكره، يعني ما مشى عليه المؤلف وأمثاله.

طالب: حياك الله، الواقع الآن في الصوامع اللي (

) فيها التمر والبُرّ والشعير، الواقع أنه يوزن وزنًا.

الشيخ: أيش؟

طالب: أقول: الواقع الآن في الصوامع أنها توزن وزنًا البُرُّ والشعير.

الشيخ: إي، ما فيه بأس.

الطالب: وكذلك التمر.

الشيخ: لا بأس؛ لأنها تباع الدراهم، ليست تباع بمثلها.

الطالب: لكن لو وزن البائعان غير نظام التعامل مع الصوامع؟

الشيخ: لو تبايعَا يعني تمرًا بتمر وزنًا فإنه لا يجوز، على المذهب لا بد أن يُكَال.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ما فائدة البيع بالأموال الربوية إذا تساوت وما اختلفت (

) ما فائدة البيع؟

الشيخ: قد تكون تختلف باللون مثلًا، أو باللِّين بالملمس، أو بالرائحة، وإلا من المعلوم أنه ليس من المعقول أن نبيع صاعًا من البُرّ بصاع من البُرّ يتفقان في كُلِّ شيء.

الطالب: بالنسبة للذهب قيمته؟

الشيخ: الذهب أيضًا يختلف، تعرف أنه عندهم بعضه عيار كذا، وبعضه عيار كذا، فمن الناس من يرغب الخفيف، ومنهم من يرغب الثقيل.

ص: 1108

على كُلِّ حال الحديث فيما إذا بِيعَ الشيء بجنسه، أما كيف يُبَاع فهذا يرجع إلى رغبات الناس.

طالب: بارك الله فيكم، الضأن والماعز هل جنس واحد، أو الماعز جنس والضأن جنس؟

الشيخ: ما تقول في رجل ضَحَّى بخروف له ستة أشهر، وآخر بعَنْزٍ لها ستة أشهر، أيهما يجزئ في الأضحية؟

الطالب: الخروف لا شك الذي له ستة أشهر.

الشيخ: الأول؟

الطالب: نعم.

الشيخ: إذن هل هما جنس أو جنسان؟

الطالب: لا، جنسان.

الشيخ: هذا هو.

الطالب: ما ذكرتموه أشكل عليَّ يا شيخ.

الشيخ: ما مثَّلْنَا بالمعز.

طالب: شيخ، تكلمنا عن مشوب تساوى في الجنس مع غيره، فهل نقول: إن الذهب يختلف بهذا الاختلاف؛ لأن عيار 18 مثلًا فيه زيادة من هذا المشوب أكثر من عيار 21.

الشيخ: هذه من الأشياء اليسيرة التي للمصلحة، لا بأس بها.

طالب: بالنسبة لبيع اللحم بالحيوان. (

)

الشيخ: أهل البحرين، الآن يبدأ الدرس إن شاء الله.

على اقتراح السؤال منك على ها الحال، أنت قلت: هذا السؤال محل اقتراح، يعني ظننت أنه منك.

طالب: ما اتضح (

).

الشيخ: أما قلت لك: إن أكل نِيًّا ذكر العلماء أنه مكروه إلا لمن اعتاده.

الطالب: هذا فيما إذا كان (

).

الشيخ: كيف؟ الكبد من أحسن ما يكون، ولو نِيَّة حتى بعد إذا أَكَلْتَها نِيَّة لها طعم طيب، ولا سيما البعير البِكْر.

الطالب: (

).

الشيخ: لأنها قطعة دم، ومثلها أيضًا كلُّ ما يبقى في اللحم والعروق فإنه طاهر وحلال.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.

ص: 1109

قال رحمه الله تعالى: وَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ، ومَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَخُبْزِهِ بِخُبزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النّشَافِ، وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ، وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ، وَلَا يُبَاعُ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَهُ أوْ مَعَهُمَا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمَا، ولا تمرٌ بلا نَوى بما فيه نوى، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوى، ولبنٌ وَصُوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي صلى الله عليه وسلم، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإننا نسأل عن القواعد في الربا؛ لأن القواعد هي التي ترسخ في الذهن، وأما المسائل الفردية فهي عبارة عن تطبيق، فنقول: ما هي القاعدة فيما إذا بِيعَ الربوي بجنسه؟

طالب: إذا بِيعَ ربوي بجنسه اشتُرِطَ فيه شرطان.

الشيخ: اشترط فيه شرطان، الشرط الأول؟

الطالب: التساوي بالمعيار الشرعي.

الشيخ: نعم، والشرط الثاني الحلول والتقابُض.

لو تساوى المكيلان وزنًا، هل يصح البيع؟

طالب: ما يصح البيع، لا بد أن (

) كيلًا بكيل.

الشيخ: هذا معنى قولنا: بالمعيار الشرعي، إذن لا يُبَاع مكيل بجنسه وزنًا، بل لا بد أن يكون كيلًا.

لو تساوى الموزون بجنسه كيلًا؟

طالب: لا يصح البيع.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: (

) المعيار الشرعي.

الشيخ: لا بد أن يكون التساوي بالمعيار الشرعي.

إذا بِيعَ جملٌ بثَوْر؟

طالب: ليس ربويًّا؛ لأنه ليس من جنسه.

الشيخ: شاةٌ بشاة؟

الطالب: يجوز بشرط التقابض.

الشيخ: والتساوي.

الطالب: التساوي غير (

).

الشيخ: ليش؟ وزن.

طالب: يجوز يا شيخ، لا يُشْتَرَط فيه التساوي.

الشيخ: والتقابض؟

الطالب: ولا التقابض.

ص: 1110

الشيخ: ولا التقابض؟ الجنس واحد، شاة بشاة.

الطالب: لا يجري فيه الربا يا شيخ.

الشيخ: لا يجري فيه الربا، نريد دليلًا وتعليلًا على هذه المسألة؟

طالب: الدليل حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يُجَهِّز جيشًا، قال: فَنَفدت الْإِبِلُ، فأمرني آخذ على (

) صَدَقَة. قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إِبِلِ الصَّدَقَةِ (8).

الشيخ: نعم، والبعيرين بالثلاثة إذا أُرِيدَ الصدقة، هذا الدليل، التعليل؟

طالب: التعليل أنه ليس بمطعومٍ ولا ..

الشيخ: ليس بربوي.

الطالب: نعم، ليس بربوي.

الشيخ: تمام، إذن بِيعَ شيءٌ بشيء وليس بربويٍّ فإنه لا يُشْتَرَط فيه لا تقابُض ولا تساوٍ.

حديدٌ برصاص، ويش اللي يجوز متفاضلًا أو متساويًا أو قبْض أو غير قبْض؟

طالب: يجوز متفاضلًا ويجوز (

).

الشيخ: يجوز متفاضلًا، يعني رطلًا برطلين، ويجوز التفرق قبل القبض، لماذا؟ يعني أنت الآن نفيت عنه الربا؛ ربا الفضل وربا النسيئة، فلماذا؟

الطالب: لأنه (

).

الشيخ: يعني لا يجري في الربا.

طالب: يجوز فيه التفاضل ولا يجوز التفرق.

الشيخ: يجوز فيه التفاضل ولا يجوز فيه التفرق قبل القبض، لماذا؟

الطالب: أما التفاضل فلاختلاف الجنس.

الشيخ: نعم، أما جواز التفاضل فلاختلاف الجنس.

الطالب: وأما عدم جواز التفرق لوجود العلة علة الربا.

الشيخ: فلاتفاقهما في الوزن، وهي علة الربا، هل بنيت كلامك أو جوابك الأول على أصل، أو هي رمية من غير رامٍ؟

الطالب: على أصل.

الشيخ: ما هو الأصل عندك؟

الطالب: (

).

الشيخ: يعني ولا رأيت أحدًا من العلماء يقول كما قال الأخ؟ من؟

طالب: (

).

الشيخ: مَن الذين قالوا بأنه يجري الربا في الحديد والرصاص والصُّفر وما أشبه ذلك؟

الطالب: بعض الذين يقيسون من أهل القياس، لكن الذين يقولون بعدمه ..

الشيخ: إي نعم، بعدم الربا في هذه الأشياء، واللي يقولون بالربا؟

الطالب: بعض الجمهور، وبعضهم يقول: لا.

ص: 1111

الشيخ: بعض الجمهور! ! العبارة هذه غريبة، ما هو رأي صاحب متن الزاد.

الطالب: ربا.

الشيخ: أنه يجري فيها الربا، أحسنت، إذن صار الجواب مبنيًّا على أصل.

على كُلِّ حال الجواب: إذا بِيعَ حديد برصاص فإن قلنا بأن الربا لا يجري فيه، جاز فيه أيش؟ التفاضل والتفرق بالقبض، وإن قلنا: يجري فيه الربا، جاز فيه التفاضل لاختلاف الجنس، ولم يَجْرِ التفرق قبل القبض؛ لاتحادهما في علة الربا وهي الوزن، والصحيح -كما قلنا لكم- أنه لا يجري فيه الربا؛ إذ لا يجري الربا إلا في الذهب والفضة فقط، وأما بقية الموزونات من حديد ورصاص وغيرها فلا يجري فيها الربا.

***

الآن نأخذ مسائل تعتبر فرعًا على ما سبق، يقول رحمه الله تعالى:(ولا يجوز بيع حَبٍّ بدقيقه).

يعني حَب بُرّ بدقيق بُرّ لا يجوز؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن الحب بالطَّحن تنتشر أجزاؤه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز ولو وزنًا.

وقال بعض العلماء: إنه يجوز وزنًا؛ لأن الحب وإن انتشر بالطحن فإنه يمكن التساوي، بماذا؟ بالوزن، وهذا كما قالوا فيما إذا جُبِّن التمر، يعني صار تمرًا مرصوصًا يتعذر كيلُه فإنه يُعْتَبَر بالوزن، وإن كان لا ينتقل عن كونه مكيلًا في الأصل لكنه يُعْتَبَر بالوزن.

كذلك لا يباع حبٌّ بسَوِيقه، الحب بالسَّوِيق، والسَّوِيق هو الحَب المحمَّص، يعني المحموس، ثم يُطْحَن، فلا يجوز بيع الحب بالسَّوِيق؛ لأن فيه شيئين:

الأول: تفرُّق الأجزاء بالطحن.

والثاني: اختلافها بالتحميص، فهي أشد من بيع الحب بالدقيق.

ولا يُبَاع أيضًا نِيُّه بمطبوخه، مثل حنطة بهريسة، تعرفون الهريسة؟ معروفة، فلا يجوز أن يباع الْحَبّ بالهريسة.

طالب: غير معروفة.

الشيخ: الهريسة، هل تعرفون الْجَرِيش؟ معروف، ما بقي إلا أن يؤتَى به هنا وتأكلونه! !

طالب: غير معروف.

الشيخ: غير معروف أيضًا؟ لا هريسة ولا جريش؟

ص: 1112

نقوله باللفظ: هو عبارة عن الحَب يُطْحَن طحنًا ليس دقيقًا بحيث يتكَسَّر ويكون أجزاء، ثم بعد ذلك يُطْبَخ على مَرَق من لحم أو غيره فيسمى جَرِيشًا، ويسمى هريسة، أحيانًا يُجْعَل فيه شيءٌ من الحلوى سكر أو نحوه حتى يكون له حلاوة.

المهم أن النِّيّ بالمطبوخ لا يجوز، لماذا؟ لتعذُّر التساوي.

لو بعنا حب شعير بهريسة الحنطة؟

طلبة: يجوز.

الشيخ: يجوز، لماذا؟

الطلبة: لاختلاف الجنس.

الشيخ: لاختلاف الجنس، بارك الله فيكم.

ولا يباع (أصلُه بعصيره)، الأصل لا يباع بالعصير، كما لو كان إنسان عنده زيتون وزيت، الزيت من الزيتون، فباع زيتونًا، رطلًا من زيتون أو أكثر أو أقل برطلٍ من زيت، فإنه لا يصح، ومثله أن يبيع تمرًا بدِبْس، تعرفون الدِّبْس؟ الماء الذي يخرج من التمر، فإنه لا يجوز، وذلك لتعذُّر أيش؟ لتعذُّر التساوي.

(وأصله بعصيره وخالصه بمشوبه)، الخالص هو الذي ليس معه خِلْط، والمشوب هو الذي خُلِط معه غيره، لماذا؟ لتعذر التساوي.

رجل عنده صاعٌ من البُرِّ الخالص، وآخر عنده صاع من البُرّ المخلوط بشعير، فلا يجوز أن يُبَاع هذا بهذا لتعذُّر التساوي، إلا أنه يُسْتَثْنَى من ذلك الخِلْط اليسير، أو ما كان لإصلاح المخلوط.

الخِلْط اليسير لا تكاد تجد بُرًّا خالصًا ليس فيه حبة شعير، قد يكون فيه حبة أو حبتان أو أكثر فهذا لا يضر؛ لأنه يسير تابع.

وكذلك ما يكون لإصلاحه كما لو بعنا خبزًا من البُرّ بخبزٍ من البُرّ أحدهما قد جُعِل فيه حلوى، ولكن بِعناهما متساويين فلا بأس، أو أحدهما فيه ملح فلا بأس، فصار يُسْتَثْنَى من ذلك الشيء اليسير، والشيء الذي خُلِط للإصلاح فإنه يُسْتَثْنَى من قوله:(خالصه بمشوبه).

ولا يباع (رطبه بيابسه).

(رطبه) الضمير يعود على؟

طالب: الدقيق.

ص: 1113

الشيخ: لا، على الربوي، يعني: ولا يُبَاع رطبُ الربوي بيابسه، مثل أن يبيع رُطَبًا بتمر، التمر يابس والرُّطَبُ رَطْبٌ، فلا يجوز، حتى وإن تساويَا وزنًا؛ لأن الرُّطب أثقل من التمر، والذي أثقله من غير جنسه، فيكون مُحَرَّمًا، لكنه يُسْتَثْنَى من ذلك العرايَا.

والعرايا هي أن يكون عند إنسان تمر من العام الماضي، وجاء الرُّطب هذا العام، وأراد أن يَتَفَكَّه بالرُّطب، لكنه ليس عنده دراهم، ليس عنده إلا أيش؟ تمر يابس من العام الماضي، فهنا رَخَّص الشرع بجواز شراء الرُّطَب بالتمر، وسُمِّيَت عرايا لعُرُوِّها عن الثمن، فيأتي هذا الرجل الفقير الذي عنده تمر من العام الماضي إلى صاحب البستان، ويقول: بِعني ثمر هذه النخلة الذي هو الآن رُطَب بالتمر، فهذا جائز؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن هذا الفقير يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس، وليس عنده دراهم، فيجوز أن يشتري الرُّطب على رؤوس النخل بماذا؟ بالتمر، لكن بشروط:

الشرط الأول: ألَّا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر، فإن وَجد ما يشتري به سوى التمر، كالدراهم والثياب والحيوان، وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن يشتري رُطَبًا بتَمر.

هذا الفقير عنده الآن تمر وعنده ثياب للبيع، فهل يجوز أن يشتري الرُّطب بالتمر مع إمكان شرائه بالثياب؟ لا؛ لأنه لا حاجة.

الشرط الثاني: أن تكون من خمسة أوسُق فأقل، والوَسق ستون صاعًا، فتكون خمسة الأوسق ثلاث مئة صاع.

والشرط الثالث: أن يكون مآل هذا الرُّطَب بقدر التمر، يعني أن يأتي الخَرَّاص الماهر العارف ويقول: هذا الرُّطَب إذا جَفَّ يكون مساويًا للتمر الذي اشتُرِيَ به.

فإن قال: إن الرُّطَب إذا جف سيكون أكثر من هذا التمر أو أقل، فإنه لا يجوز، لا بد أن يكون مساويًا، وهنا اكتُفِيَ بالمساواة خَرْصًا من أجل دفع حاجة الفقير.

ص: 1114

الشرط الرابع: أن يكون محتاجًا للرُّطَب، بمعنى أنه يريد أن يأكله، لا يريد أن يُبقيه إلى أن يُتْمِر؛ لأنه قد يقول: أنا أريد أن أشتري الرُّطَب وأبقيه حتى يكون تمرًا؛ ليكون هذا التمر تمر هذا العام وهو أجَدُّ من تمر العام الماضي، يعني أنه جديد، فنقول: لا، لا بد أن تكون محتاجًا للرطب فتأكله.

ولهذا قال العلماء: لو أنه اشترى عَرِيَّة رُطبًا ثم أتمرت بطل البيع؛ لأن الشرط الذي من أجله جاز هذا فُقِدَ.

كم هذه الشروط؟ أربعة شروط.

الخامس: أن يكون الرُّطَب على رؤوس النخل، فإن كانت في أوانٍ، بمعنى أن صاحب البستان خَرَف النخل، وجعله في أوانٍ وعرضه للبيع، فجاء إنسان فقير، قال: أنا ليس معي دراهم، لكن عندي تمر، اخْرِص هذا الإناء من الرُّطَب وأعطيك بمثل خَرْصِه تمرًا، فهذا لا يجوز؛ لأنه يفوت التَّفَكُّه؛ لأن كونه على رؤوس النخل يَتفكه به الإنسان شيئًا فشيئًا.

فهذه خمسة شروط للعرايا.

فإن قال قائل: كيف جازت العرايا وهي حرام من أجل الحاجة دون الضرورة، والقاعدة أن الْمُحَرَّم لا يجوز إلا للضرورة؛ لقول الله تبارك وتعالى:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]؟ فهذا إيراد جيد لا شك فيه.

الجواب: أن نرُده بالقاعدة المعروفة عند العلماء، وهو أن ما حُرِّم تحريم الوسائل جاز للحاجة؛ لأن المحرَّمات نوعان: محرَّمات تحريمَ غاية لذاتها، ومحرَّمات تحريم وسيلة.

ربا الفضل، هل تحريمه تحريم غاية أو تحريم وسيلة؟

يقول العلماء: إنه تحريم وسيلة، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد:«إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (9)، وهذه الجملة جملة حصر، كأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة، فيقال: المراد بهذا الربا الربا الذي هو الغاية، أما ربا الوسيلة فموجود في التفاضل إذا بِيعَ الشيء الربوي بجنسه.

ص: 1115

إذن اندفع هذا الإيراد بأن تحريم ربا الفضل تحريمُ وسائل، وما كان تحريم وسائل فإنه يجوز للحاجة، هذا مثال.

مثال آخر: الحرير، الحرير حرام على الذكور، ويجوز أن يلبسه الإنسان للحِكَّة، إذا كان في الإنسان حِكَّة؛ التهاب في جسده، جاز أن يلبسه ليخفف هذه الحِكَّة، مع أن هذه ما هي ضرورة، لكن جاز؛ لأن أصل تحريم الحرير على الذكور أنه غير لائق بهم، وأنه وسيلة إلى أن يكون الإنسان الذكر الذي فضَّله الله بالرجولة بمنزلة مَنْ؟ بمنزلة الأنثى التي تُنَشَّأ في الحِلْيَة، ولهذا حُرِّمَ الذهب والحرير على الذكور.

مثال ثالث: آنية الفضة حرام، فإذا كان عند إنسان إناء من غير الفضة وانكسر، وأراد أن يلمّ بعضه إلى بعض بسلسلة من فضة فهذا جائز، مع أنه سوف يستعمل هذا الإناء وفيه شيء من الفضة، لكن يقال: يجوز للحاجة مع أنه في الأصل حرام؛ لأنه حُرِّم تحريم الوسائل؛ إذ إن الذهب والفضة استعمالهما في الأواني يؤدي إلى الفخر والخيلاء والاستكبار والتعاظم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«إِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» (10).

والخلاصة الآن: إن قول المؤلف: (لا يجوز بيع رطبه بيابسه) تُسْتَثْنَى منه العرايا، وهي بيع الرُّطَب على رؤوس النخل بالتمر بالشروط التي سمعتموها.

فإن قال قائل: حاجة المشتري واضحة، يعني مُشْتَرٍ محتاج إلى رُطب فيشتري، لكن لو كان البائع محتاجًا لتمر وليس عنده مال إلا ما في رؤوس النخل من الرُّطَب، فهل يجوز أو لا؟ فاهمين الفرق بين الصورتين أو لا؟

الفرق بين الصورتين واضح، في العرايا التي ورد بها الحديث يكون المشتري هو المحتاج، محتاج لأيش؟ للرُّطَب.

أقول: الآن إذا كان صاحب الرُّطَب هو المحتاج للتمر، فهل يجوز أن ندفع حاجته إذا لم يكن عنده دراهم، ونقول: لا بأس أن تشتري تمرًا برُطَب بالشروط التي ذكرناها؟

ص: 1116

قال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن هذه الصورة مُسْتَثْنَاة، والمستثنى لا يُقَاس عليه غيره.

وقال بعض أهل العلم: إنه يصح القياس؛ لأن المقصود دفع الحاجة.

والأقرب عندي صحة ذلك، أنه لو كانت الحاجة لصاحب الرُّطَب فلا بأس؛ إذ إن المقصود دفع حاجة الإنسان فلا فرق بين كونه هو البائع أو المشتري.

فإن قال قائل: وهل تجوز العرايا في غير النخل؟ كإنسان عنده زبيب وأراد أن يشتري به عنبًا يَتَفَكَّه به، فهل يجوز أو لا؟

في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يجوز، قياسًا على التمر، والزبيب طعام كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال في زكاة الفطر: وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط (11). فهو طعام.

فإذا احتاج الإنسان إلى عنب وليس عنده إلا زبيب فلا بأس بالشروط التي ذكرنا في العَرِيَّة، وهذا أيضًا أقرب إلى الصواب من المنع؛ لأن العلة التي من أجلها رُخِّص في عرايا النخل موجودة في عرايا أيش؟ العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس إلى التفكه به وليس عندهم مال.

الدليل على منع بيع الرُّطَب بالتمر ..

ويَجوزُ بَيعُ دَقيقِه بدَقيقِه إذا اسْتَوَيَا في النُّعومةِ ومَطبوخِه بِمَطبوخِه وخُبْزِه بخُبْزِه إذا اسْتَوَيَا في النشافِ، وعصيرِه بعصيرِه ورَطْبِه برَطْبِه، ولا يُباعُ ربَوِيٌّ بجِنْسِه ومعَه أو معَهما من غيرِ جِنْسِهما، ولا تَمْرٌ بلا نَوًى بما فيه نَوًى، ويُباعُ النَّوَى بتَمْرٍ فيه نَوًى، ولَبَنٌ وصُوفٌ بشَاةٍ ذاتِ لَبَنٍ وصُوفٍ، ومَرَدُّ الكَيْلِ لعُرْفِ المدينةِ والوزْنِ لعُرْفِ مَكَّةَ زَمَنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وما لا عُرْفَ له هناك اعْتُبِرَ عُرْفُه في مَوْضِعِه.

(فصلٌ)

ص: 1117

ويَحْرُمُ رِبا النَّسِيئَةِ في بيعِ كلِّ جِنسينِ اتَّفَقا في عِلَّةِ رِبَا الفضلِ ليس أحدُهما نَقْدًا كالْمَكِيلَيْنِ والْمَوْزونَيْنِ، وإن تَفَرَّقَا قبلَ القبْضِ بَطَلَ، وإن باعَ مَكيلًا بِمَوزونٍ جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، والنَّسَاء وما لا كَيلَ فيه ولا وَزنَ كالثيابِ والحيوانِ يَجوزُ فيه النَّسَاء، ولا يَجوزُ بيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ.

التي من أجلها رُخِّصَ في عرايا النخل موجودة في عرايا أيش؟ العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس للتَّفَكُّه به وليس عندهم مال.

الدليل على منع بيع الرطب بالتمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ » ، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (1)، سُئِلَ عن بيع الرطب بالتمر، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يكون السائل مقتنعًا تمامًا، فقال:«أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ » ، ما هو الذي ينقص؟ الرطب، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك؛ عن بيع الرطب بالتمر.

أما التعليل فلأن بيع الرطب بالتمر يفقد شرطًا من الشروط؛ وهو التساوي.

***

قال: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويَا في النعومة)، مثل أن يكون الطاحون الذي طحن الحب طاحونًا واحدًا، ووزنه وزن واحد، فأبيع عليك دقيقًا من الحنطة بدقيق مِن؟

طالب: (

).

الشيخ: لا، من الحنطة هذا غالبًا ما يكون هذا، لكن بدقيق من القيمي.

طالب: (

).

الشيخ: معناه لازم نجيب كل الدنيا عندنا هنا، القيمي نوع من حب البُرّ، نوع ما هو جنس، فيجوز بشرط أن يستويَا في النعومة.

وإن اختلفَا في النعومة بأن كان أحدهما ناعمًا جدًّا، والثاني دون ذلك؟

الطلبة: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز؛ لأنه كُلَّما كان أنعم كان انتشار الحب أكثر، فلا يمكن التساوي، لكن كما قلنا أولًا: لو وُزِنَا فكانَا سواءً فلا بأس.

قال المؤلف: (ولا مطبوخِه بمطبوخه).

طالب: (

).

ص: 1118

الشيخ: لا، هو معطوف على ما سبق، يعني: وكذلك لا يجوز بيع مطبوخه بمطبوخه؛ لأن الطبخ يختلف.

طالب: (

).

الشيخ: لا، سبحان الله! ويجوز إني أنا ذهبت إلى معنى آخر.

(ويجوز بيع مطبوخه بمطبوخه وخبزه بخبزه إذا استويَا في النَّشَاف).

(مطبوخه بمطبوخه) كسمن بقر بسمن بقر طُبخَا، فيجوز بيع هذا بهذا؛ لأنه لا اختلاف بينهما.

وكذلك يقال في الخبز بالخبز إذا استويَا في النَّشَاف، لكن الخبز بالخبز كيف نَكِيله؟

طالب: (

).

الشيخ: بأن نطوي الخبز ونحطه في الإناء؟ يقولون: إن اعتبار المساواة في الخبز بالوزن؛ لتعذُّر الكيل، ولكن هل إذا قلنا: إنه يعتبر بالوزن، هل يخرج عن كونه مكيلًا؟

لا، انتبهوا لهذا؛ لأن هنا عدَلنا عن المعيار الأصلي وهو الكيل إلى الوزن للضرورة، لكن ليس معنى ذلك أن هذا الخبز ينتقل إلى كونه موزونًا.

لو قلنا: ينتقل إلى كونه من الموزونات، نقول: لو قلنا بذلك لجاز أن يُبَاع الخبز بحَبِّه مع التفاضل، ولجاز بيعُه –أيضًا- بِحَبِّه مع التفرق؛ لأن بيع المكيل بالموزون لا يُشْتَرَط فيه التساوي، ولا يُشْتَرَط فيه التقابض، ولهذا يغلط بعض الناس إذا رأى الفقهاء رحمهم الله قالوا: إنه يعتبر بالوزن في هذا، أو بالتمر إذا جُبِّن، يظنون أنه ينتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، ولكن هذا غلط؛ هو باقٍ على كونه مكيلًا، لكن يُعْتَبَر بالوزن للضرورة؛ لعدم إمكان كيله.

إذا بِعنا مكيلًا بموزون هل يُشْتَرَط فيه التساوي؟

طلبة: لا، ما يشترط.

الشيخ: هل يُشْتَرط فيه التقابض؟

الطلبة: لا.

ص: 1119

الشيخ: إذا قلنا: إن الخبز يُعْتَبَر التساوي فيه بالوزن، وقلنا: إنه انتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، أي: جنس الموزون، لزم من ذلك أنه يجوز أن أبيع مئة خبزة بعشرة أصواع من البُرّ ولو لم نعلم التساوي، أليس كذلك؟ لأن بيع المكيل بالموزون لا يُشْتَرَط فيه التماثل، وكذلك يجوز أن أبيع هذا الخبز بالبُرّ وإن لم يحصل القبض، وهذا غلط، بل نقول: لا بد من التقابض في مجلس العقد، ولا يجوز بيع الخبز بالحَب؛ لعدم إمكان التساوي.

تعرفون التمر إذا جُبِّن؟ فيه تمر الآن من العام الماضي يوجد في التَّنَك.

طالب: (

).

الشيخ: إي، الكنيز، بعد يقولون: ما نعرف ويش معنى كنيز؟ لكن تمر في التَّنَك، هذا يسمى مُجَبَّنًا، تمر آخر مُفْرَد، كُلُّ تمرة وحدها، هذا الأخير يمكن كيله أو لا يمكن؟ يمكن كيله؛ لأنه حَبّ متناثر يمكن كيله، الذي في التنك لا يمكن كيله، فهل نقول في هذه الحال: لما كان لا يمكن كيلُه انتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، وبناءً على ذلك يجوز أن أبيع تمرًا مكنوزًا بتمر غير مكنوز وإن اختلفا، ويجوز أيضًا أن أبيعه به وإن تفرق قبل القبض؟

الجواب: لا، لا نقول بهذا؛ لأن معنى قولهم: إنه ينتقل للوزن، إنما يقصدون به أيش؟ تقديره بالوزن فقط، لا أنه ينتقل إلى كونه موزونًا، فهذه مسألة يجب التنبه لها لئلا يحصل خطأ.

طالب: يا شيخ، لو صارت حاجة لبيع الرطب، هل يشترط كونها على رؤوس النخل؟

الشيخ: إلَّا.

الطالب: إذا كان محتاجًا لبيع الرطب.

الشيخ: يعني المحتاج لبيع التمر.

الطالب: بيع الرطب.

الشيخ: صاحب الرطب يبغي تمرًا.

الطالب: إي نعم.

الشيخ: إي.

الطالب: جائز ولَّا غير جائز؟

الشيخ: لا، نقول: بِعْها على رؤوس النخل.

الطالب: (

) يتفكه ويقول: لازم على رؤوس النخل، ولكن هذا حاجته في (

).

ص: 1120

الشيخ: إي نعم، قد يقال: إنه قياس على الأول لئلا نتعدى ما جاء به النص؛ أنه لا بد أن يكون على رؤوس النخل لأجل أن يبقى لبائع التمر، خصوصًا إذا طلب شيئًا كثيرًا يمكن يتضرر به، وقد يقال: إنه ليس بشرط، إذا كان الشيء قليلًا مثلًا يساوي مثلًا ثلاثة كيلو يعني ما هو محتاج (

) فقد يقال بالجواز؛ لأن فيه سعة للناس.

طالب: إذا قلنا بأن الْمُجَبَّن يقبل الوزن، وأردنا أن نبيع سطلًا بسطل، وعند الوزن لا يتحقق التساوي؛ لأن السطل يكون موزونًا مع التمر، هل يجب إخراج التمر من السطل؟

الشيخ: إي نعم، لا بد من هذا.

الطالب: ولو شرط؟

الشيخ: ولو شرط، وإلا يبيعه بدراهم ويشتري تمرًا آخر.

الطالب: يتفرق التمر.

الشيخ: يبيعه بدراهم، ويأخذ الدراهم ويشتريه.

طالب: شيخ، إذا احتاج صاحب الرطب تمرًا، هل نقول: إن حاجته غير معتبرة؛ لأنه يمكن أن يحوِّل هذا الرطب إلى تمر بالعرايا؟

الشيخ: لا، صحيح، لكن نقول: إن هذا صاحب الرطب اللي يحتاج إلى التمر ما هو منتظر، يريد التمر الآن، وهذه تقع أحيانًا فيما إذا كان عند الإنسان عمال، العمال إذا كان التمر مجبَّنًا فإنه أقل أكل، أما إذا كان رطبًا فالعامل كما تعرف عامل يمكن يأكل الرطب والإناء الذي معك، لكن إذا كان مُجَبَّنًا يمنعه بعض الشيء.

طالب: لو أن صاحب التمر عنده ما يشتري الرطب بغير التمر، ولكن البائع صاحب الرطب على النخل قال: لا أريد، يعني غير محتاج لهذا الشيء أصلًا.

الشيخ: معناه أن ذاك محتاج، إذا قال صاحب الرطب: أنا لا أقبل إلا تمرًا، ولا أريد الثياب ولا أريد شيئًا آخر صار محتاجًا.

طالب: ماذا يستفيد صاحب الرطب بالعرايا؟

الشيخ: صاحب الرطب؟

الطالب: إي نعم.

الشيخ: إذا كان المحتاج هو المشتري.

الطالب: إذا كان المحتاج هو المشتري، باع التمر ثم احتاجه، وصاحب الرطب هو البائع، ما يستفيد لو باع بنفس الوزن؟

الشيخ: يستفيد أنه يَتَفَكَّه مثل الناس، المشتري يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس.

ص: 1121

الطالب: البائع يا شيخ؟

الشيخ: البائع قد لا يستفيد شيئًا، لكن تكفي حاجة المشتري.

الطالب: البائع لا بد أن يستفيد وإلا لا يبيع.

الشيخ: مَنْ؟

الطالب: البائع.

الشيخ: المهم ربما أنه يريد قضاء حاجة صاحبه.

طالب: شيخ، إذا قلنا بأن القياس على الأربعة.

الشيخ: أي أربعة؟

الطالب: التمر والشعير والملح (

) بالكيل والطعم، فلماذا خصصنا الحكم الراجح على الذهب والفضة ولم نقسها على (

الشيخ: لأن الذهب والفضة يُقْصَدان أكثر مما يُقْصَد غيرهما؛ حيث إنها هي النقد التي هي قيم الأشياء.

الطالب: ولا يقال: الماس أيضًا يا شيخ.

الشيخ: لا، لا، ما هو نقد، ليس بنقد، الناس يتبايعون ويجعلون الذهب والفضة قيم الأشياء.

الطالب: إذا كان في مجتمع نقد غير الذهب والفضة؟

الشيخ: لو فرضنا أنه غير الذهب والفضة فله حكمه.

طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إذا تعذَّر وزن العجين، اللي هو الخبز المعجون، فإنه يتعذر (

)، بعض المخابز ما توزن يا شيخ، يعني يبيعونها هكذا.

الشيخ: لكن يبيعونها بدراهم!

الطالب: إي بدراهم يا شيخ، لكن ما ..

الشيخ: ما يضر، الكلام إذا باع خبزة بخبزة.

الطالب: لكن هناك الوزن يختلف.

الشيخ: أقول: الكلام الآن إذا بِيعَت خبزة بخبزة.

الطالب: نعم، هذا معلوم يا شيخ.

الشيخ: أما لو بِعْتَ خبزة بدراهم، أو خبز شعير بخبز بُرّ ما فيه بأس.

الطالب: أنا ما أتكلم عن خبزة بخبزة، وزن الدقيق نفسه يختلف عن نوع وزن آخر.

الشيخ: هذا عاد يرجع إلى المسؤولين، المسؤولون يقدِّرون الأرغفة بقدر معلوم، يمكن بعض الخبازين أنه يغش أو ينقص.

طالب: هل يجوز بيع رطب برطب على رؤوس النخل خَرْصًا؟

الشيخ: لا، لا يجوز.

الطالب: جُبَاة الزكاة يخرصونه الآن على رؤوس النخل.

الشيخ: لا؛ لأنهم بيأخذون دراهم، الكلام على بيع الرطب بجنسه، أما إذا بالدراهم ما فيه إشكال.

الطالب: ولكن أليس أدق يا شيخ؟

الشيخ: نعم؟

ص: 1122

الطالب: (

) بالنسبة للزكاة أدق من بيعه بالنقد رطب إلى رطب؟

الشيخ: أصل الجباة ما هم بيروحوا يعطونكم تمرًا، بيأخذون دراهم، ما دام لوَّن النخل جاز بيعه؛ بالدراهم، بالثياب، بالحيوان، بالسيارات.

طالب: قلنا: إذا صار مُجَبَّنًا يجوز بيع تمر مجبن وزنًا، وإذا كان هناك مجبن وآخر غير مجبن، كيف يباع؟

الشيخ: ما يباع؛ لأن التمر غير المجبن معياره الكيل، وذاك معياره الوزن، فلا يمكن الاتفاق.

طالب: شيخ (

) أقول فيه من جنس آخر (

) من غير الجنس.

الشيخ: أصلًا التمر كله جنس واحد.

الطالب: الجنس يا شيخ ما له اعتبار؟

الشيخ: ما له اعتبار؛ لأنه (

) ما هو مستقر.

طالب: بارك الله فيك، قلنا: إن الكبد والشحم والرئة (

) أجناس، فيجوز فيها البيع، قلنا: إنها أجناس، وقد سبق معنا قول شيخ الإسلام: إنه ليس في الشريعة حيوان اختلفت أجناسه في الحكم.

الشيخ: هذه ما هي مختلفة في الحكم، كُلُّها حلال، كُلُّها يجري فيها الربا، لكن من جهة المبادلة اعتبروها أجناسًا.

طالب: (

) ومعه عشرة أصواع من البُرّ، فقال له صاحب ..

الشيخ: أنت تعرف المطحن عندنا؟ ما هو الطاحون، المطحن الزنبيل يُخْرَف به النخل.

الطالب: معه عشرة أصواع من البُرّ، فقال له صاحب المحل: عندي عشرة أصواع من الخبز، عندي عشرة أصواع مطحونة أحاسبك على حساب الطحن، وأعطيك إياها بالعشرة الأصواع هذه مع حساب الطحن.

الشيخ: ما يجوز، أصلًا إذا كان من جنسٍ واحد ما يجوز، أما إذا كان شعيرًا وبرًّا لا بأس.

الطالب: هذه من نفس الجنس ..

الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأن الحب ينتشر إذا طُحِن.

الطالب: لا، عشرة أصواع قبل الطحن، يعني عشرة أصواع بُرّ طحنها وهو على (

) أنها عشرة أصواع، هذا الدقيق عشرة أصواع، فهل يجوز؟

الشيخ: لا، ذكرنا أنه يجوز إذا توازن، في الوزن فلا بأس.

طالب: في درس سابق قوله: (وخالصه بمشوبه) والخالص هو الذي معه خلط.

الشيخ: ليس معه خلط.

الطالب: إذن عندنا خطأ.

ص: 1123

الشيخ: هذه من المطبوع؟

الطالب: إي نعم، صفحة 45 السطر الأول.

الشيخ: الذي ليس معه خلط.

طالب: خطأ أيضًا في صفحة 45 آخر الصفحة.

الشيخ: 45 آخر الصفحة، ما هو؟

الطالب: تكون خمسة الأوسق ثلاث من الصاع.

الشيخ: ثلاث مئة صاع، تكون خمسة الأوسق ثلاث مئة صاع.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى:(ولا يُبَاع رِبَويٌّ بجنسِه ومعه أو معهما من غير جنسِهما، ولا تمرٌ بلا نَوًى بما فيه نوًى، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوًى، ولبنٌ وصوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي صلى الله عليه وسلم، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

سبق لنا ذكر القواعد في باب الربويات، وأنه إذا بِيعَ الربوي بجنسه لزم فيه؟

طالب: التقابض والتساوي.

الشيخ: التساوي بالمعيار الشرعي، والثاني؟

الطالب: التقابض.

الشيخ: الحلول والتقابض.

وأنه إذا بِيعَ بغير جنسه فيما يساويه في علة الربا؟

طالب: لزم فيه التقابض.

الشيخ: التقابض دون التساوي.

وأنه إذا بِيعَ بما لا يوافقه في علة الربا؟

الطالب: جاز فيه كُلُّ شيء، أي: لا يُشْتَرَط فيه التساوي ولا التقابض ولا الحلول.

الشيخ: نعم، صحيح، هذه هي القواعد، فجميع المسائل تُبْنَى على هذه القواعد، وبقي: ما هو الدليل على أنه إذا اختلف الجنس واتفق المبيعان في أصل المعيار فلا بد من القبض؟

الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الأصناف الربوية: «فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2).

ص: 1124

الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» ، أما ما ليس بربويٍّ فإنه يجوز فيه التماثل والتفاضل والتفرق قبل القبض، ودليل ذلك؟

طالب: دليله أنه ليس من الربويات خرج من حديث عبادة، هذا السؤال يا شيخ؟

الشيخ: كيف تجيب على ما لم تفهم؟

الطالب: أتأكد.

الشيخ: يا هذا، هذا السؤال.

طالب: نعم، الرسول صلى الله عليه وسلم خص هذه الأصناف بهذه الشروط، فما (

) منها أو ما يقاس عليها فإنه خارج عن هذا الحكم.

طالب آخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ البعير بالبعيرين من إبل صدقة، والبعيرين بثلاثة (3).

الشيخ: أحسنت، هذا هو الدليل.

نستمر الآن في مسائل متفرعة على القواعد التي ذكرنا لكم.

قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (ويُبَاع عصيرُه بعصيره)، عصير الربوي بعصيره، كعصير عنب بعصير عنب؛ لأنهما متساويان، ولكن بأيِّ معيارٍ يكون هذا التساوي؟

طالب: بالكيل.

الشيخ: يكون بالكيل؛ لأن العصير مائع، وكُلُّ مائع فهو مكيل.

(ورَطْبه برَطْبه)، كرُطَبٍ برُطَبٍ بشرط أن يتساويَا في الرطوبة، فإن اختلفا في الرطوبة فإنه لا يجوز؛ لأن الجاف ناقص عن الرُّطَب.

ثم قال: (ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما)، وهذه المسألة يُعَبِّر عنها الفقهاء بِمُدّ عجوة ودرهم.

لا يباع رِبَويٌّ بجنسِه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسِهما.

مثال ذلك: باع تمرًا بتمر، ومع كُلِّ واحد منهما دراهم، يعني باع صاعًا من تمر ودرهم بصاعٍ من تمر ودرهم، فلا يجوز، هذا معنى قوله:(ومعهما من غير جنسهما)، فهنا مع المبيعين من غير جنسهما.

(أو مع أحدهما من غير جنسه) مثل أن يبيع صاعًا من التمر ودرهمًا بصاعين من التمر، فلا يجوز أيضًا؛ لأن مع أحدهما من غير الجنس.

ص: 1125

وهذا مبني على أن الصفقة إذا جمعت بين شيئين وُزِّع الثمن على الشيئين على وجه الشيوع، وحينئذٍ نجهل التساوي بين الرِّبَوِيَّيْنِ.

نأخذ أمثلة أيضًا: باع صاعين من التمر بصاعٍ ودرهم من التمر، يجوز أو لا؟ لا يجوز؛ لعدم التماثل بين التمر.

باع درهمين بدرهم وتمر؟ لا يجوز؛ لأن مع أحدهما من غير جنسه.

فما هو الدليل، وما هو التعليل؟

الدليل: هو حديث فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة فيها خرز وذهب باثني عشر دينارًا، ثم فَصَل الذهب من الخرز فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع حتى تُفْصَل، أي: حتى يُفْصَل بعضها من بعض، ويُعْرَف قدر الذهب من الخرز (4)، ووجه النهي أنه تبين الآن أنه اشترى ذهبًا بذهب أكثر منه؛ لأنه لما فَصَلَ أو فصَّل هذه القلادة وجد فيها أكثر من اثني عشر درهمًا، فلما كان الاحتمال واردًا في مثل هذا فإنه يُمْنَع منه؛ سدًّا للباب، حتى لا يتجرأ أحد على أن يبيع شيئًا ربويًّا بجنسه ويضيف إلى أحدهما شيئًا يسيرًا، مثل أن يقول: أنا أبيع مثلًا كيلو من الذهب بكيلو إلا يسيرًا، وأجعل مع الثاني منديلًا مثلًا؛ مع الذي نقص أجعل معه منديلًا، وهذه حيلة لا شك، فَسُدَّ الباب.

وهذه هي القاعدة، أعني قاعدة المذهب:(أنه لا يباع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير الجنس).

على أي حال من الأحوال، حتى لو قال القائل: إذا باع صاعًا من تمر ودرهمًا بدرهمين، والصاع يساوي درهمًا، أفلا نجعل الصاع في مقابلة أيش؟ الدرهم، والدرهم في مقابلة الدرهم، وليس فيه ربا؟ ولهذا لو قال: بعتك هذا الصاع بدرهم، وصارَفتك هذا الدرهم بدرهم، لو قال هكذا جاز، فأي فرق بين أن أقول: بعتك صاعًا ودرهمًا بدرهمين، ما دام أن الصاع لا يساوي أكثر من درهم ولا أقل؟

ص: 1126

يقول العلماء رحمهم الله: هذا سدًّا للباب؛ لأن باب الربا أمره عظيم، فيجب أن يُسَد كُلُّ طريق يمكن أن يوصِل إليه، ولهذا حرَّم النبي عليه الصلاة والسلام بيع العِينة مع أنه قد يكون الربا فيها بعيدًا، أتدرون بيع العِينة ما هو؟ أن يبيع شيئًا بثمن مؤجَّل، ثم يشتريه نقدًا بأقل مما باعه به، فصورة المسألة ما فيها شيء، لكن لئلا يكون وسيلة إلى التحيُّل على أيش؟ على الربا، بأن يعطيه ثمانين درهمًا، وتكون مئة درهم في ذمته، فمن أجل هذا نَسُدّ كُلَّ بابٍ يوصِل إلى الربا.

ولكن شيخ الإسلام رحمه الله نازع في هذا، وقال: إذا كان المفرَد أكثر من الذي معه غيرُه، وكانت هذه الزيادة تقابل الشيءَ الآخر، فإن ذلك جائز، ولا بأس به، والحاجة قد تدعو إليه.

مثاله: باع صاعين من التمر بصاعٍ ودرهم، والصاع الزائد في الطرف الذي ليس فيه إلا التمر يساوي درهمًا، قال: هذا لا بأس به؛ لأننا نجعل الصاع الزائد في مقابلة الدرهم، والصاع الثاني الذي مع الدرهم في مقابلة الصاع الآخر، وليس في هذا حيلة إطلاقًا، والحاجة قد تدعو إلى ذلك، قد يكون هذا الإنسان عنده تمر من السُّكَّري صاعين، وهذا عنده تمر من نوع آخر، لكن ليس عنده صاعان، عنده صاع واحد وعنده دراهم، فقال: أنا أعطيك هذا الصاع ودرهمًا، والصاع الثاني يساوي الصاع الآخر لا يزيد ولا ينقص.

وما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله أصح؛ أننا إذا تَيَقَّنَّا أنه لا ربا، وأن القيمة واحدة، فإنه لا بأس به ولا حرج، والشارع الحكيم لا يحرِّم شيئًا يتبيَّن فيه أنه لا ربا إطلاقًا، مع أن الحاجة قد تدعو إليه.

إذا اشترى كيسًا من البُرِّ بنصف كيس من البُرّ ومع الثاني سيارة مثلًا، يجوز أو لا؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: ليش؟

الطالب: لأن البُرّ لا يساوي الـ ..

ص: 1127

الشيخ: لأن البُرّ لا يقابل السيارة، فلا يصح، حتى على رأي شيخ الإسلام لا يصح، بل لا بد أن يكون المفرَدُ يساوي أكثر من الصاع الذي معه غيره، بحيث يقابل الزائد ما مع الآخر ولا يزيد عليه.

فإن قال: أنا أريد أن أبيع صاعًا ودرهمًا بصاعٍ ودرهم، أيجوز أو لا؟

طالب: (

) على قول شيخ الإسلام.

الشيخ: لا، على المذهب؛ المذهب لا يجوز، وعلى رأي الشيخ يجوز إذا كانت القيمة واحدة، أو قال: صاع ودرهم بصاع ودرهم، لكن هذا الدرهم مقابل الصاع، فَصّل يعني، وهذا الدرهم الثاني مقابل الصاع، فهذا واضح؛ لأن هذه الصفقة وإن كانت واحدة لكن كأنها صفقتان.

***

ثم قال المؤلف: (وَلَا تَمْرٌ بِلا نَوًى بِما فِيهِ نَوًى).

فيه تمر يُعْجَن، ويسمى عندنا: العَبِيط، يُعجَن ويُنْزَع نواه، فجاء إنسان وقال: أريد أن أبيع عليك تمرًا فيه نوى بتمر لا نوى فيه؛ بعَبِيط، أفيجوز هذا؟ لا، حتى لو تساويَا كيلًا أو وزنًا فإنه لا يصح؛ وذلك لأن النوى زائد على التمر، فإذا وزنَّاهما جميعًا؛ التمر المنزوع النوى، والتمر اللي فيه النوى، إذا وزَنَّاهُما جميعًا فإن النوى سوف يكون لا مقابل له، فلا يصح.

فإن قال قائل: إذا كان هذا الذي اشترى التمر لا يهمه النوى ولا يطرأ على باله، لكنه رجل نزل به ضيف، وقال: إن قدَّمت له العبيط فإنه لا يليق، ولا يُعد هذا إكرامًا -حسب العادة يعني- وأنا أريد أن أشتري تمرًا، فذهبت إلى صاحب التمر واشتريت منه تمرًا بالعبيط، نقول: هذا أيضًا لا يجوز؛ لأن النوى حجمه كبير، يعني يسع مساحة بالنسبة للكيل، وبالنسبة للوزن أيضًا يَزِن، فلا يمكن التساوي.

لو اشترى تمرًا بلا نوى بتمر بلا نوى مع التساوي؟ فهو جائز.

تمر بنوى بتمر بنوى؟ مع التساوي يجوز، كما جاء في الحديث.

قال: (ولا يباع تَمْرٌ بِلا نَوى بِما فِيهِ نَوى، ويُبَاع النوى بتمر فيه نوى).

هذا غريب، النوى يُبَاع بتمر فيه نوى، والتمر لا يباع بتمر ليس فيه نوى.

ص: 1128

ووجه ذلك أن هذا غير مقصود؛ لأن الذي باع النوى بتمر فيه نوى ويش قصده؟ قصده التمر، ما قصده النوى؛ لأنه لو كان قصده النوى لعرف أن النوى سوف ينقص عما اشتراه به، فتبيَّن بهذا أن القصد له أثر في الحِلِّ والتحريم.

قال: (ويباع النوى بتمر فيه نوى، ولبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف).

اللبن والصوف على المشهور من المذهب فيه ربا؛ اللبن مكيل، والصوف موزون، لماذا كان اللبن مكيلًا؟ لأنه مائع، والصوف كان موزونًا؛ لأنه لا يمكن كيله، فإذا باع لبنًا وصوفًا بشاة ذات لبن وصوف فإن ذلك جائز، ولا يقال: إن هذا من مسألة مد عجوة ودرهم؛ لأنه باع ربويًّا بربوي، ومع أحدهما أيش؟ من غير الجنس، أقول: لا يقول أحد هذا القول؛ لأن الآن لبن وصوف وشاة فيها لبن وصوف، أيهما الزائد على الآخر؟

الشاة؛ لأنه زاد اللحم والعظم والشحم، وغير ذلك، فلا يقول قائل: إن هذا من باب مسألة مد عجوة ودرهم فلا يصح، لماذا؟ لأن اللبن والصوف غير مقصود فيما إذا اشترى إنسان شاة ذات لبن وصوف بلبن وصوف.

والدليل أنه غير مقصود أنه سوف يُقَوِّم الشاة نفسها باللبن والصوف الذي معها، ولا يعير اهتمامًا لصوفها الذي على ظهرها، ولا للبنها الذي في ضرعها، فلما لم يكن مقصودًا لم يكن من باب مسألة مُد عجوة ودرهم.

فهذه عدة مسائل نرجع إليها لنَعُدَّها حتى لا تلتبس؛ المسألة الأولى: تمر بلا نوى بما فيه نوى، يجوز أو لا؟

طالب: لا، لا يجوز.

الشيخ: لماذا؟ لأنه لا يمكن التساوي أبدًا؛ إذ إن التمر الذي فيه نوى فيه شيء زائد، فإن ماثَلْتَه بالكيل فهو أنقص من التمر الذي بلا نوى، وإن واسَيْتَه بالوزن فهو كذلك، إذن التساوي لا يمكن.

إذا باع نوى بتمر فيه نوى.

طالب: يجوز.

ص: 1129

الشيخ: لماذا؟ لأن قصده التمر، ما قصد النوى، ولا يهمه، لو كان قصده النوى ما ذهب يبيع مثلًا عشرة كيلو من النوى بخمسة كيلو من التمر؛ لأنكم تعرفون أنه إذا اشترى تمرًا بنوى سوف يكون النوى أكثر وزنًا من التمر؛ لأن هذا هو الواقع، ولا يمكن لأحد أن يقول: أنا أشتري النوى الذي في هذا التمر الذي هو خمس كيلو بنوى عشرة كيلو، هذا سفه لا يمكن، فلما لم يكن النوى مقصودًا صار بيع التمر الذي فيه نوى بنوى خالص جائز أو غير جائز؟

طلبة: جائز.

الشيخ: طيب، المسألة الثالثة: هل يجوز بيع التمر بتمر بنواه؟

طلبة: يجوز.

الشيخ: نعم جائز، هذا جائز للتساوي، وإذا قُدِّر اختلاف أن بعض النوى أكبر من بعض فهذا شيء مُغْتَفَر، وإلا من المعلوم أحيانًا بعض التمر يكون النوى فيه كبيرًا، لكن الشرع لم يلتفت إلى هذا؛ لأنه أمرٌ يشق اعتباره، وليس مقصودًا في الغالب.

باع شاة ذات لبن وصوف بلبنٍ وصوف؟

جائز، لماذا؟ لأن اللبن والصوف الذي على الشاة غير مقصود، القصد هو الشاة، هذا بناءً على أن اللبن ربوي، وأن الصوف ربوي.

والصحيح أن الصوف ليس بربوي ولا إشكال فيه، أما اللبن فيُنظَر؛ إن كان أهل هذا البلد قد اعتادوا أن يكون قُوتُهم اللبن فإننا نُلْحِقه بماذا؟ بالبُرّ، والتمر، والشعير، وأما إذا كانوا لا يرونه قُوتًا كما هو الغالب عندنا هنا في النجد فإنه ليس بربوي؛ لأنه لم يُنَصّ عليه، ولا هو في معنى الموصوف، بل هو من جنس الشراب الذي يُشْرَب من غير اللبن.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَمَردُّ الكَيْلِ لعُرفِ الْمَدِينَةِ، والوَزْنِ لعُرْفِ مَكَّةَ في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وَما لَا عُرْفَ لَهُ هُناك اعتُبِرَ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ).

ص: 1130

يقول: (مرد الكَيْلِ) أي: مرد كون الشيء مكيلًا، أو كون الشيء موزونًا إلى عُرْفِ مكة والمدينة. الكيل نرجع فيه إلى عُرْف المدينة، فلو كان هذا الشيء مكيلًا في المدينة موزونًا في مكة أيهما نعتبر؟ المكيل في المدينة، ولو كان هذا الشيء موزونًا في مكة مكيلًا في المدينة رجعنا إلى مكة.

فعليه يختلف الحكم فيما إذا كان الإنسان في مكة، أو إذا كان في المدينة؛ إذا كان في المدينة فالمكيال مكيال المدينة، إذا كان في مكة فالميزان ميزان مكة.

فإن اتفق البلدان على كون الشيء مكيلًا أو موزونًا صار هذا الشيء مكيلًا أو موزونًا، سواءٌ كان في مكة أو في المدينة.

هناك أشياء لا يُعْرَف لها وزنٌ ولا كيلٌ في مكة والمدينة، فإلى أيِّ شيء نرجع؟

يقول المؤلف: نرجع إلى العُرْف في موضعه، فإن كان الناس يتبايعونه بالوزن فهو موزون، أو بالكيل فهو مكيل، أو بالعدد فهو معدود؛ لأنه ليس هناك ضابط نرجع إليه بالنسبة لمكة والمدينة.

وقال بعض العلماء: نرده إلى أقرب الأشياء شبهًا به في مكة والمدينة، فإذا كان أقرب الأشياء إليه الكيل بالمدينة فهو مكيل، أو الوزن في مكة فهو موزون.

وهذا القول من جهة أقرب إلى النظر؛ لأن ما لا يمكن فيه اليقين يُرجَع فيه إلى غلبة الظن، وقد يُقال: بل إنه إذا لم يكن له عُرْف في مكة والمدينة فإننا نطرح الشَّبَهَ ونقول: يُرجَع في ذلك إلى ما تعارفه الناس.

وهذا القولُ الثاني -من جهة السهولة على المسلمين والتيسير- أقربُ إلى الصواب؛ لئلا يحصل النزاع، فيقول مثلًا: هذا يشبه المكيل في المدينة، وهذا يشبه الموزون في مكة، فيقال: ما دام ليس له عرف في مكة والمدينة وإنما طرأ حديثًا فإننا نعتبر عُرْفَه في موضعه، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» (5).

ص: 1131

ولكن بعض العلماء يقول: ما نص الشرع على أنه مكيل فهو مكيل، وما لم ينص عليه الشرع فالمرجع فيه إلى العُرْف؛ لأنه يُضعِّف هذا الحديث:«الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» ، ويقول: ما نص الشرع عليه -مثل التمر- مكيل، البُرّ مكيل، الشعير مكيل، الزبيب مكيل، الملح مكيل، ما هو الدليل؟

الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قَدَّرَ زكاة الفطر بأيش؟ بالكيل، قال:«صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ» (6)، وكذلك قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط (7).

فما نص الشرع على أنه مكيل فهو مكيل، وليس لنا أن نتعدى، أما ما لم ينص عليه فإنه يُعْتَبَر عُرْفُه في موضعه؛ إن كانوا يبيعونه بالوزن فهو موزون، وإن كانوا يبيعونه بالكيل فهو مكيل، وإن كانوا يبيعونه بالعد فهو معدود.

لنطبق هذا القول على حالنا اليوم: الآن الناس يتبايعون الرز والبُرّ بماذا؟ بالوزن، هل نعتبر الوزن فيه، أو نقول: هذا منصوص على أنه مكيل؟ الثاني، نقول: إذا أردنا أن نبيع بُرًّا ببُرّ ما نعتبر الوزن، نعتبر الكيل؛ لأن هذا مكيل بالنص، فلا نتعدى النص.

لو فرضنا أن هناك ذُرَة يتبايعها الناس بالوزن، فهل نقول: هي موزونة، بِنَاءً على العُرْف، أو هي مكيلة؛ لأنها كالبُرّ؟

نرجع للعرف؛ لأنه ليس هناك نص على أن الذُّرَة من المكيل.

وهذا القول يُريح الإنسان أكثر؛ لأننا إذا قلنا: الْمَرَدّ مرد المدينة أو مكة قد يحصل اشتباه عند كثير من الناس، ثم هل الْمُعْتَبَر عرف مكة بوقتك الحاضر أو بوقت الرسول عليه الصلاة والسلام؟ المؤلف يقول: على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا قد يجهله كثير من الناس فلا يعرِف.

طالب: في مسألة العرايا حينما استثنيت يا شيخ بيع رُطب مخروف بتمر، أن هذا لا يجوز؛ لأن النص على أنه يكون في النخل.

الشيخ: في روؤس النخل.

ص: 1132

الطالب: ليتفكه به الإنسان شيئًا فشيئًا.

الشيخ: نعم.

الطالب: لو قيل يا شيخ: إنه الآن سيشتري قليلًا، قوت يومه، ليَتَفَكَّه به، ربما أضبط له في التَّفَكُّه من كونه بنخلته (

).

الشيخ: نعم، هو قال بعض أهل العلم هكذا، قال بعض العلماء: إنه ما دام رُخِّص للإنسان في رؤوس النخل فلماذا لا يُرَخَّص إذا كان في الأوانِي، وربما يكون أقرب للتفكه وأسلم من الخطأ، وهذا ليس ببعيد؛ لأن كونه في عهد الرسول يكون على رؤوس النخل قد يقال: إن هذا شيء حسب الواقع، وقع اتفاقًا، وأنهم ليسوا يعرفون أن الإنسان يخرف النخل ويبيعه.

طالب: بيع الذهب الخام بالذهب المصوغ هل يعتبر زيادة؟

الشيخ: إي، لا بد من التساوي في الوزن.

الطالب: ولا ينظر لصناعته؟

الشيخ: لا، لا، الصحيح أنه لا ينظر، وهذه مسألة مهمة، وهي أنه إذا كان الذهب مصوغًا، وأراد أن يعطيه ذهبًا غير مصوغ، هل يُشْتَرَط التساوي؟ جمهور العلماء على أنه يُشْتَرَط التساوي، وأن الصنعة لا تؤثر شيئًا.

وقال بعض أهل العلم -كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم-: يجوز أن يعطيه بمقدار الصنعة، مثلًا: إذا كان هذا الذهب وزنًا بوزن، الوزن واحد، لكن أعطاه زيادة؛ لأنه مصنوع، فعند شيخ الإسلام رحمه الله جائز، وتُجْعَل هذه الزيادة في مقابلة الصنعة.

لكن الجمهور على المنع، واستدلوا بحديث التمر الطيب بالرديء، لكن يُجَاب عن هذا الاستدلال بأن التمر الطيب والرديء ليس من صناعة الإنسان، وهذا من صنعة الإنسان، والإنسان يريد أن يأخذ لنفسه أجرًا، إلا أن سَدَّ الباب أوْلى؛ لأن تقدير قيمة الصنعة قد يحصل فيه اختلاف، وقد يطمع صاحب الذهب المصنوع ويُحمِّل الثاني أكثر من قيمة الصنعة.

ص: 1133

مثال ذلك: لو كان ذهب يسمونه (ذهب مكسَّر)، يعني مصنوع مضى عليه زمن، فجاء صاحب الذهب إلى الصائغ وقال: أبدِل هذا الذهب بحُليٍّ آخر وأعطيك مقابل الصنعة، ربما يكون صاحب الدكان يزيد أكثر من قيمة الصنعة، نظرًا لرغبة هذا، فسَدُّ الباب فيه أوْلى وأحسن.

طالب: بارك الله فيكم (

) قولهم يا شيخ: باع تمرًا فيه نوى بنوى، يعني: رجل باع تمرًا بنوى؟

الشيخ: يعني (

) ما يأكل النوى؟

الطالب: أيش يسوي بالنوى؟

الشيخ: ما يأكل النوى؟

الطالب: ما يأكله.

الشيخ: ما عندهم بقرة تأكل النوى.

الطالب: بس (

) فيه نوى يا شيخ (

) شديد جدًّا.

الشيخ: لا، يُطْبَخ.

طالب: أحسن الله إليكم، قلنا: لو تبايع الرجلان مكيلًا بمكيل جزافًا بأنه في الأصل لا يجوز، إن فعلَا ثم كالَاه فَوَجَدَاه متساوِيَيْن فإنه يجوز ويمضي البيع صحيحًا، فهل نقول: لو أننا ذهبنا إلى بائع وعنده مطحن أو عنده طاحون فوجدنا عنده صاعًا معينًا (

) مطحون، فأعطيناه البُرَّ صاعًا وأخذنا منه هذا المطحون صاعًا أيضًا، يصح هذا يا شيخ؟

الشيخ: هل نحن قلنا: إذا باع مكيلًا بمكيل فإنه لا يجوز التفاضل؟

الطالب: جزافًا.

الشيخ: جزافًا إي، هل قلنا: لا يجوز؟

الطالب: على حسب المتن يا شيخ.

الشيخ: إي على حسب المتن، هل قلنا: إنه إذا باع مكيلًا بمكيل فإنه لا يجوز جزافًا؟

الطالب: إن كان بنفس جِنْسِه.

الشيخ: أحسنت، لا بد أن نقيِّد.

إذا باع مكيلًا بجنسه فإنه لا بد فيه من التساوي والتقابض، والحَبّ بالدقيق لا يتساوى.

الطالب: لكنه قبل أن يطحنه تيقن يقينًا أنه ..

الشيخ: إي متساوي، أصله مع الطحن لا تظن أن كُلَّ حباته قد تخرج، قد يبقى في الطاحون شيء منه ما يخرج.

الطالب: لا يلزم أن يكون الطاحون كبيرًا يا شيخ كالذي في المصانع ونحوها.

الشيخ: حتى في غير المصانع، حتى لما كان الرحى التي تدار باليد يبقى فيها شيء ما يخرج.

الطالب: وإن كان هذا يسيرًا جدًّا يُتَسَامح فيه.

ص: 1134

الشيخ: على كل حال يشتري الدقيق ويروح يببع البُرّ، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام:«بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (8).

طالب: شيخ، إذا كان رجل في ذمته صاع بُرّ، ثم قال لرجل: أبيع عليك صاعين التي في ذمتك بصاع ودرهم (

)، هل يجوز هذا ويحصل التقابض؟

الشيخ: صاع من جنسه ولَّا من غير جنسه؟

الطالب: لا، من جنسه، صاع بُرّ ودرهم بصاعين بُرّ.

الشيخ: ما يجوز، نفس الشيء.

الطالب: وكان الدرهم يساوي الصاع.

الشيخ: إي، على المذهب ما يجوز.

الطالب: وعلى القول الثاني؟

الشيخ: على القول الثاني يجوز.

الطالب: ولم يحصل القبض؟

الشيخ: اللي في ذمة البائع كالمقبوض، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر لما قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم، قال:«لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (9).

طالب: الذهب في بعض الصور اليوم، الذهب فيه خَرَز يُشْتَرى.

الشيخ: يُشْتَرَى بِذَهب؟

الطالب: لا، ريالات.

الشيخ: طيب.

الطالب: الآن اختلف الجنس؟

الشيخ: إي، اختلف الجنس.

الطالب: وإذا اشترى ذهبًا مكسرًا بذهب به خرز؟

الشيخ: هذا ما يجوز.

الطالب: يا شيخ الآن الصناعة كيف يعطيه أجرَها.

الشيخ: كما قال الرسول (8)، بِع الذَّهَب المكسَّر واشترِ بثمنه.

الطالب: هل يجوز أن يبيع الذهب المكسَّر بالذهب المصنوع سواءً بسواء ويعطيه زيادة ريالات؟

الشيخ: على الصنعة يعني؟

الطالب: نعم.

الشيخ: هذه المسألة التي ذكرنا فيها الخلاف، المذهب لا يجوز، وهو اللي عليه رأي جمهور العلماء، والثاني يجوز جعل الزائد في مقابلة الصنعة.

الطالب: من غير جنسه، الريالات.

الشيخ: إي من غير جنسه، بالريالات أو بالثياب أو غيرها.

الطالب: ولو كان من جنسه ذهب؟

الشيخ: لو كان من جنسه ما يجوز.

الطالب: حتى على قول شيخ الإسلام.

ص: 1135

الشيخ: الظاهر حتى على قول الشيخ، وقد يقال: إنه على قول الشيخ يُجْعَل الذهب الزائد في مقابل الصنعة.

طالب: بارك الله فيكم، مسألة شراء الذهب الجديد بالذهب القديم: لو باع الذهب القديم بمال، ولكن أبقى المال عند البائع، ثم حسب البائع الذهب الجديد وأعطاه الفرق، وأعطى المشتري البائع الفرق، ثم أخذ الجديد وأعطاه القديم، فهل يجوز أم يجب التقابض أولًا؟

الشيخ: المذهب لا يجوز، لا بد أن يقبض ثم يشتري من جديد، والإمام أحمد رحمه الله قال: إذا ذهب إلى السوق ولم يجد فلا بأس.

طالب: قلنا: إنه لا يجوز بيع الخبز بالدقيق، فلماذا لم نقل: إن الخبز صار جنسًا مستقلًّا؟

الشيخ: هذا على المذهب، الذي قلنا هذا المذهب، أما شيخ الإسلام يقول: إذا خرج عن الكيل بسبب الصنعة فهو جنس مستقل، ولهذا جَوَّزَ رحمه الله أن يُبَاع الخبز بالهريسة ولو من جنسها.

طالب: لو عندي مكيل من لبن البودرة، وهذا المكيل قد يكون مثلًا بعشرة ريالات، وهناك نوع جيد بخمسة عشر ريالًا، فأردت أن (

) البائع هذا الذي عندي وأستبدل الآخر، وأخذت الفرق مثلًا كيلو من التفاح أو ما أشبه ذلك، فهل هذه الصورة جائزة؟

الشيخ: ما هي مُدّ عجوة؟

الطالب: نعم، هو على قول شيخ الإسلام، لكن هل ..

الشيخ: نعم، على رأي الشيخ إذا كان الزائد في مقابل الذي معه فلا بأس، لكن نحن نقول: أصلًا الحليب ما فيه ربا.

الطالب: ولو كان قوتًا مثلًا.

الشيخ: نعم، لو كان حال هو قوت فصحيح يجري فيه الربا.

الطالب: لكن (

الشيخ: أبدًا بلغة الحاضر عندنا ما هو بقوت. (

)

***

طالب: قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:

فَصْلٌ

ص: 1136

وَيَحْرُمُ رِبَا النَّسِيئَةِ فِي بَيْعِ كُلِّ جِنْسَيْنِ اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ رِبا الفَضْلِ لَيْسَ أحَدُهُما نَقْدًا، كالْمَكيلين والمَوْزونَيْنِ، وإن تفرَّقَا قبل القبضِ بَطَلَ، وإن باع مَكيلًا بموزونٍ جاز التفرُّقُ قبل القبضِ والنَّسَاء، وما لا كَيْلَ فيه ولا وزن، كالثياب والحيوان يجوز فيه النَّسَاءُ، ولا يجوز بيعُ الدَّيْن بالدَّيْن.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عقد المؤلف رحمه الله فصلًا لربا النسيئة، وما سبق فكُلُّه في ربا الفضل، وأهم شيء عندنا أن نعرف أيش؟ القواعد، وما ذُكر من التفريعات فهي أمثلة فقط، اعرف القاعدة، وأما جزئياتها فإنه لا حصر لها.

قال: (يَحْرُمُ رِبا النَّسِيئَةِ).

والنسيئة معناها الْمُؤَخَّر، كما قال تعالى:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة: 37]، يعني: التأخير، فرِبَا النَّسِيئَةِ يعني تأخير القبض.

(فِي بَيْعِ كُلِّ جِنْسَيْنِ) اتفقَا في علة ربا الفضل، وذلك أن البيع إما أن يقع في جنسٍ واحد ربوي، أو في جنسين رِبَوِيَّيْن اتفقَا في علة ربا الفضل، أو في جنسين ربويين لم يتفقَا في العلة.

فالأقسام أربعة:

إذا كان البيع في جنسٍ واحد ربوي، حرُم فيه أيش؟ التفاضل والنَّسَاء.

وإذا كان في جنسين اتفقَا في علة ربا الفضل، يقول المؤلف: حرُم بينهما النَّسَاء، النَّسَاء فقط دون الفضل.

وإذا كان بين جِنْسَيْنِ لم يتفقَا في العلة جاز الفضل وجاز النَّسَاء.

وإذا كان في شيئين ليسَا ربويين أيضًا جاز كُلُّ شيء؛ الفضل والنسيئة.

هذه أربعة أنواع:

أن يكون البيع بين شيئين غير ربويين، فهذه يجوز أيش؟ الفضل والنَّسَاء.

بين شيئين ربويين من جنسٍ واحد، يجب التساوي والقبض قبل التفرق.

ص: 1137

بين جنسين ربويين اتفقَا في علة ربا الفضل يحرُم النَّسَاء ويجوز التفاضل.

بين جنسين ربويين لم يتفقا في علة ربا الفضل يجوز التفاضل والنَّسَاء.

هذه الضوابط.

يقول: (يحرُم ربا الفضل في بيع كل جنسين اتفقَا في علة ربا الفضل)، فما هي العلة؟

سبق لنا أن العلماء اختلفوا في العلة، وأن المذهب أن العلة هي الكيل والوزن، فكل مكيل فهو ربوي، سواءٌ كان مطعومًا أم غير مطعوم، وكُلُّ موزون فهو ربوي، سواءٌ كان مطعومًا أم غير مطعوم.

إلا أن المؤلف استثنى فقال: (ليس أحدهما نقدًا)، فإن كان أحدهما نقدًا فإنه لا يحرُم النَّسَاء، كما لا يحرُم التفاضل.

مثال ذلك: إذا باع حديدًا بدنانير، فالعلة -علة ربا الفضل- موجودة فيهما، كلاهما موزون، فمقتضى القاعدة لولا الاستثناء: أنه يحرُم النَّسَاء، ولكن المؤلف رحمه الله استثنى فقال:(ليس أحدهما نقدًا).

ودليل هذا الاستثناء حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَدِمَ المدينة وهم يُسْلِفُون في الثمار السنة والسنتين، فقال:«مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (10).

ومعلوم أن الإسلاف يكون في الدراهم، وهي موزونة، أو في الدنانير، وهي موزونة، ومع هذا قال:(أو وزن معلوم)، فدل هذا على أنه إذا كان أحدهما نقدًا فإنه يصح النَّسَاء؛ لئلا يَنْسَدّ باب السَّلَم في الموزونات؛ لأننا لو لم نقل بهذا الاستثناء ما صح السَّلَمُ في الموزونات إذا كان الثمن دراهم أو دنانير.

إذن القاعدة في تحريم ربا النَّسَاء ما هي؟ أن يبيع جنسين ربويين اتفقَا في علة ربا الفضل، ويُسْتَثْنَى من ذلك إذا كان أحدهما نقدًا.

ص: 1138

ومعلوم أنه إذا كان أحدهما نقدًا واشتُرِيَ به مكيل أنه ليس فيه نساء؛ لأنهما اختلفَا في علة ربا الفضل، لكن المشكل الذي يَرِد عليه هذا الاستثناء هو إذا أسلم في شيء أيش؟ موزون، لولا هذا الاستثناء لقلنا: لا يجوز الإسلام في الموزون إلا إذا أسلم غير الذهب والفضة.

نأخذ أمثلة على هذا.

***

أمثلة: باع شعيرًا بِبُرّ، هل يجوز النَّسَاء أو لا؟

طالب: ما يجوز النَّسَاء.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأنهما اتفقَا في العلة.

الشيخ: في علة ربا، وهي؟

الطالب: الكيل.

الشيخ: وهي الكيل، تمام.

باع بُرًّا بحديد؟

طالب: هنا لا يحرُم ربا النَّسَاء.

الشيخ: هل يجوز النَّسَاء؟

الطالب: نعم يجوز النَّسَاء.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأنهما على الرغم من أنهما ربويين لكن اختلفا في علة ربا الفضل.

الشيخ: كلمة (على الرغم من أنهما ربويين) هذه احذفها، ما الفائدة؟

الطالب: لأنهما اختلفا في علة ربا الفضل.

الشيخ: لأنهما اختلفا في علة ربا الفضل، باع طنًّا من الرصاص بطنٍّ من النحاس، هل يجوز النَّسَاء؟

طالب: نعم يا شيخ.

الشيخ: يجوز النَّسَاء، تأكد.

الطالب: لا، هم ما هم جنسين، ما يجوز.

الشيخ: جنسان، نحاس ورصاص.

الطالب: لكن بينهما فرق.

الشيخ: إي، بينهما فرق، لولا الفرق ما صارَا جنسين.

الطالب: ما يجوز يا شيخ.

الشيخ: لماذا لا يجوز؟

الطالب: جنسان يا شيخ، الرصاص ما يوافق النحاس.

الشيخ: معلوم الجنسين، لكن هل يجوز مثلًا أني اشتريت منك طنًّا من النحاس بطن من الرصاص، وأعطيك الطن الرصاص وآخذ طن النحاس بعدين، يجوز أو لا؟

الطالب: (

).

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأن كلاهما موزون.

الشيخ: كلاهما موزون، صحيح يا جماعة؟

طلبة: صحيح.

الشيخ: صحيح، اتفقَا في علة ربا الفضل، كلاهما موزون.

إذا باع صاعًا من التمر بصاع من البُرّ، هل يجوز النَّسَاء أو لا؟

طالب: صاعًا من التمر بصاع من البُرّ لا يجوز النَّسَاء؛ لأنهما اتفقَا في علة ربا الكيل.

ص: 1139

الشيخ: لا يجوز النَّسَاء؛ لأنهما اتفقا في علة ربا الفضل وهي الكيل، بارك الله فيك.

اشترى صاعًا من البُرّ بدرهم، هل يجوز النَّسَاء؟

طالب: نعم يجوز؛ لأنه استُثْنِيَ ..

طالب آخر: أيضًا هما أحدهما مكيل والآخر موزون.

الشيخ: اختلفَا في علة؟

الطالب: علة ربا الفضل، وكذلك حتى لو كان ..

الشيخ: اصبر، يجوز لأنهما لم يتفقَا في علة ربا الفضل.

اشترى طنًّا من الرصاص بمئة درهم، هل يجوز النَّسَاء؟

طالب: يجوز يا شيخ.

الشيخ: أتدري ما تقول؟

الطالب: إي نعم.

الشيخ: وأيش تقول؟

الطالب: طن الرصاص بأحد النقدين.

الشيخ: يجوز النَّسَاء؟

الطالب: يجوز النَّسَاء يا شيخ.

الشيخ: أليسَا اتفقَا في علة ربا الفضل وهي الوزن؟

الطالب: نعم، لكن استُثْنِيَ أن يكون أحدهما ..

الشيخ: استثني إذا كان أحدهما نقدًا.

ما هو الدليل على استثنائه؟

طالب: حديث ابن عباس في الصحيحين.

الشيخ: ما هو؟

الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد الناس يَستسلفون.

الشيخ: يُسلفون.

الطالب: فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . (10)

الشيخ: وجه الدلالة من الحديث؟

الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لهم باب السَّلَم، فلو قلنا بعدم وجود النقد في أحدهما لسُدَّ هذا الباب.

الشيخ: أجاز السَّلَم في الموزون.

الطالب: أجاز السَّلَم في الموزون، نعم.

الشيخ: والسَّلم لا بد أن يكون مؤجَّلًا.

هناك أيضًا تعليل مع الدليل؟

طالب: تعليل يا شيخ؟

الشيخ: إي نعم.

الطالب: أنه لو لم يُجَوِّز النبي صلى الله عليه وسلم هذا ..

الشيخ: لو لم يُجوِّز النَّسَاء في بيع النقد في الموزون لانسَدَّ؟

الطالب: لانسَدَّ انتفاع الناس.

الشيخ: لا، ما يكفي، لانسدَّ؟

طالب: لانسدَّ باب السَّلَم في الموزونات.

الشيخ: لانسَدَّ باب السَّلَم في الموزونات، غالبًا ولّا دائمًا؟

الطالب: غالبًا.

الشيخ: غالبًا.

ص: 1140

ما معنى قولنا: (غالبًا)؟ معنى ذلك أنه ربما نقول: إن السَّلم في الموزونات لا ينسد، ونجعل الثمن مكيلًا، أليس كذلك؟ فيقول مثلًا: أسلمتُ إليك مئة صاعٍ من البُرِّ بطنٍّ من الحديد، فهنا يجوز النَّسَاء؛ لأن العلة أيش؟ مختلفة، لم يتفقَا بعلة ربا الفضل، ولهذا نقول: لانسَدَّ باب السَّلَم في الموزونات غالبًا، ولا نقول: دائمًا؛ لأنه ممكن السَّلَم في غير الموزون.

***

يقول: (ليس أحدهما نقدًا كالمَكِيلَيْن والمَوْزونَيْن).

(كالمكيلين)، يعني: بِيعَ بعضهما ببعض، ولّا بِيعَ بموزونين؟

طلبة: لا، بِيعَ بعضهما ببعض.

الشيخ: (كالمكيلين والموزونين) هل المعنى بِيع أحدهما بالآخر، أي مكيل بموزون، أو مكيلين بِيعَ بعضهما ببعض؟

الطلبة: الثاني.

الشيخ: الثاني، كالمكيلين إذا بِيعَ بعضهما ببعض، والموزونان إذا بِيعَ بعضهما ببعض فإنه يحرُم فيهما النَّسَاء، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:«فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2)، فأوجب القبض، وإيجابُ القبض يعني تحريم النَّسَاء.

(كالمكيلين والموزونين).

(وإن تفرَّقَا قبل القبض بطل)، إذن القبض شرط لصحة العقد، أو لاستمرار صحة العقد؟

طالب: لاستمرار ..

الشيخ: لاستمرار صحة العقد؛ لأن العقد تم وصحَّ، لكن يُشترط لاستمرار صحته القبض، ولهذا قال:(إن تفرَّقَا قبل القبض بطل)، والدليل الحديث (2) الذي ذكرنا.

لو أنه باعه في دكانه؛ باع عليه بُرًّا بشعير في الدكان، لكن الشعير في المخزن، وقال: ائتني بعد ساعة في المخزن أعطيك الشعير، أيجوز؟

طلبة: لا، ما يجوز.

الشيخ: ليه؟

الطلبة: لأنهما تفرَّقَا.

الشيخ: لأنهما تفرَّقَا قبل القبض، فإن قال: امشِ، أعطني يدك، ومَشَيَا إلى المستودع وسلَّمه؟

طالب: جاز.

الشيخ: جاز؛ لأنهما لم يتفرَّقَا، بارك الله فيكم.

ص: 1141

(وإنْ باعَ مَكِيلًا بِمَوْزُونٍ جاز التّفَرُّقُ قَبْلَ القَبضِ والنَّسَاء)، حَرِّك الهمزة، بالرفع، ولّا بالجر عطفًا على (القبضِ)؟

طالب: بالرفع.

طالب آخر: (النَّسَاءُ).

الشيخ: بالرفع عطفًا على أيش؟ على (التفرقُ).

إذا باع مكيلًا بموزون مثل أن يبيع بُرًّا بنُحاس، يقول المؤلف:(جاز التفرق قبل القبض)، لماذا؟

طالب: (

).

الشيخ: باع مئة صاع من البُرِّ بمئة كيلو من النُّحاس، يجوز التفرق؟

الطالب: نعم.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأن النحاس موزون والبُرُّ كيل.

الشيخ: مكيل، فلم يتفقَا في علة ربا الفضل.

(والنَّسَاء) أي: التأخير، لماذا؟ نفس العلة؛ لأنهما لم يتفقَا في علة ربا الفضل، فيجوز التفرق ويجوز النَّسَاء.

ثم قال المؤلف -أعطانا ضابطًا استمع له-: (وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه النَّسَاء).

الذي ليس فيه كيل ولا وزن يجوز فيه النَّسَاء، لماذا؟ لأنه ليس بربوي؛ إذ إن الربوي إما مكيل وإما موزون، فما لا كيل فيه ولا وزن فإنه يجوز فيه النَّسَاء.

ولم يقل: والفضل؛ لأنه إذا جاز النَّسَاء جاز الفضل، ولا عكس، قد يجوز الفضل ولا يجوز النَّسَاء، كالبر بالشعير -مثلًا- يجوز فيه الفضل ولا يجوز النَّسَاء.

إذن لو بعتُ عليك ثوبًا بثوبين، الثوب حاضر والثوبان بعد ستة أشهر، ما تقول، يجوز؟

طالب: (

).

الشيخ: أنت الآن محتاج إلى ثياب، تريد تتجمل ولا عندك فلوس، فقلت: أنا أعطيك هذا الثوب الجديد بثوبين بعد ستة أشهر تعطيني إياها، يجوز؟

الطالب: نعم.

الشيخ: ليه؟

الطالب: الثياب ما يقع فيها الربا.

الشيخ: الثياب لا يقع فيها الربا، صحيح؛ لأنها ليست مكيلًا ولا موزونًا.

إنسان احتاج إلى بعير وليس عنده دراهم، فجاء إلى شخص وقال: أعطني بعيرًا الآن وأُعطيك بعيرين بعد سنة؟

طالب: يجوز يا شيخ.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأنها ليست ربوية.

الشيخ: صح.

الطالب: وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام.

ص: 1142

الشيخ: اصبر، ما بعد وصلنا، إحنا قلنا: لماذا، ما قلنا: ما الدليل.

الطالب: ليست ربوية.

الشيخ: ليست ربوية، ليس فيها كيل ولا وزن، هل فيها دليل على هذا؟

الطالب: إي نعم، الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُسلف على الصدقة البعير بالبعيرين (3).

الشيخ: يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة، تمام.

إذن فيه دليل، وهو منطبق على القواعد؛ حيث إنه جارٍ على التعليل الذي ذكرنا.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجوز بيع الدَّيْن بالدَّيْن).

لا يجوز بيع الدَّيْن بالدَّيْن، هذا ليس على إطلاقه لا شك، ولكنه له صور:

أولًا: بَيْع الدَّيْن على الغير، لا يجوز أن يُبَاع بالدين، بل ولا بالعين.

مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مئة صاع بُرّ، فجَعل هذا الرجل يطلبه: يا فلان أعطني، أعطني، وهو يماطل به، فقيل للرجل الذي له الحق: مئة صاع بُرّ نعطيك عنها مئة درهم، ونحن نأخذها من المطلوب، هل يجوز هذا أو لا؟ لا يجوز، حتى وإن كان بعين فإنه لا يجوز، حتى لو قلنا مثلًا لهذا الرجل: مئة الصاع اللي في ذمة فلان نحن نعطيك عنها مئة ريال خذها نقدًا، فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه يشبه أن يكون غيرَ مقدورٍ على تسليمه، وإذا كان كذلك فإنه يكون غَرَرًا؛ إذ إن المطلوب قد يُوفِي كاملًا وقد لا يوفي، وقد يوفي ناقصًا، فلا يصح.

لكن ما تقولون فيما لو كان الذي اشترى دَيْن فلان قادرًا على أخذه منه، كرجل له سلطة يستطيع أن يأخذ هذا المال الذي في ذمة الرجل بساعة، أيجوز أم لا؟ الصحيح أنه يجوز؛ لأن العلة عن نهي بيع ما في الذِّمَم إنما هو خوفًا من الغرر، وعدم الاستلام، فإذا زالت العلة زال المعلول وزال الحكم.

المسألة الثانية: بيع الدَّيْن على مَنْ هو في ذمته، بمعنى: أنا أطلب شخصًا مئةَ صاع بُرّ، فجاء إليَّ وقال: أنا ليس عندي بُرّ، لكن أنا أعطيك عن مئة الصاع مئتي ريال، فهنا بيع دَيْن بدَيْن، فهل يجوز أو لا؟

ص: 1143

هذا ففيه تفصيل: إن كان باعه بسعر وقته فلا بأس، وإن باعه بأكثر فإنه لا يجوز.

الدليل: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير، ونبيع بالدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فقال:«لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (9)، اشترط النبي صلى الله عليه وسلم شرطين:

الشرط الأول: أن تأخذها بسعر يومها.

والشرط الثاني: ألَّا يتفرقَا وبينهما شيء.

فما وجه ذلك؟ يعني: هذا الحكم لا بد أن نرده إلى القواعد العامة، ما وجهه؟

لأنه إذا أخذها بأكثر فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، يعني مَثَلًا: الدينار يسوى عشرة، وقال: أنا آخذ منك أحد عشر، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن الذي أخذ أحد عشر بدل الدينار ربح، ويش اللي ربح؟ درهمًا، فربح في شيء لم يدخل في ضمانه؛ لأن الدنانير الآن في ضمان مَنْ؟ الدينار في ضمان مَنْ؟ في ضمان مَن هو في ذمته، ما دخل عليه إلى الآن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ربح ما لم يُضْمَن. (11)

إذن اشتراط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأخذها بسعر يومها لماذا؟ لئلا يأخذها بأكثر فيربح فيما لم يضمن.

نحن قلنا فيما سبق وفي وقت قريب: المفهوم لا عموم له؛ إذ يصدق المفهوم بالمخالفة ولو في صورة واحدة.

إذا أخذها بأقل من سعر يومها، ما هو بسعر يومها، إذا أخذها بأقل، يعني: الدينار يسوى عشرة، فأخذه الطالب بتسعة، فهل أخذه بسعر يومه؟ لا، مفهوم الحديث:«لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا» أن هذه الصورة لا تجوز، لكنها في الواقع تجوز، ليش؟ لأنه لم يربح فيما لم يدخل في ضمانه، بل نزَّل بعض حقه، أبرأه من بعض حقه، وإبراؤه من بعض حقه لا بأس به.

ص: 1144

فصار المفهوم الآن له عموم ولّا لا؟ لا، وهذه مسألة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها؛ أن المفهوم لا عموم له، بل يصدُق بصورة واحدة مخالِفَة، فما هي الصورة الواحدة المخالفة في المثال؟ إذا أخذها بأكثر، الدينار يسوى عشرة وقال: ما يخالف، أعطنا بدلها أحد عشر، هذا لا يجوز؛ لأنه يدخل في ربح ما لم يضمن.

فهمنا العلة في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا» ، فما هي العلة في قوله:«مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» ؟

العلة ظاهرة أيضًا؛ لأنه سيأخذ عن الدينار دراهم، وبيع الدنانير بالدراهم لا بد فيها من القبض في مجلس العقد، وحينئذ لو لم يَقبض بطل العقد، كما لو باع دينارًا بدراهم ولم يقبض فإنه يبطل العقد، فتبيَّن أن حديث عبد الله بن عمر مُتَمَشٍّ مع القواعد العامة في الشريعة والمعروفة في أبواب الربا.

إذن بيع الدَّيْن بالدَّيْن هنا: إذا باع ما في ذمة الغير له -لنفسه- وهو مما يُشْتَرَط فيه التقابض وجب القبض، وإذا كان لا يجب فيه التقابض فلا بأس أن يتأخر القبض لكن بشرط ألَّا تزيد القيمة لتأخُّر القبض، معلوم؟ ما هو معلوم.

الآن مثلًا: هذا الرجل في ذمته لفلان مئة ريال، فجاء المطلوب قال: ما عندي مئة ريال، ويش عندك؟ قال: عندي عشرة دنانير، والدينار يساوي عشرة، قال: أعطني عشرة دنانير عن المئة، يجوز أو لا يجوز؟

طالب: يجوز.

الشيخ: يجوز بشرط التقابض؛ لأنه بيع دراهم بدنانير.

قال: ليس عندي مئة ريال، وليس عندي دنانير، لكن عندي بُرّ، قال: عندك بُرّ، كم يساوي الصاع؟ قال: الصاع يساوي درهمًا، فإذا أراد أن يأخذ العِوَض كم يكون عِوَض مئة الدرهم؟ مئة صاع، قال: أنا أعطيك مئة صاع عن مئة درهم، قال: ما فيه مانع، هل يُشْتَرَط التقابض هنا أو لا يُشْتَرَط؟

طلبة: لا يشترط.

الشيخ: ليش؟ لأن بيع البُرّ بالدراهم لا يُشْتَرَط فيه القبض؛ لعدم اتفاقهما في علة ربا الفضل.

ص: 1145

لو قال: أنا أقبل البُرّ، لكن أعطني مئة صاع وعشرة أصواع، أيجوز أو لا يجوز؟

طالب: الصورة مرة ثانية.

الشيخ: الصورة: إنسان مطلوب مئة درهم، فجاء للطالب وقال: والله ما عندي مئة درهم، لكن عندي بُرّ، وهذه تقع كثيرًا فيما سبق، كان الفلاحون فيما سبق ليس عندهم نقود، لكن عندهم عيوش -بُرّ يعني، حبوب- قال: والله ما عندي فلوس لكن عندي بُرّ، قال: أنا أقبل البُرّ، كان الصاع يساوي درهمًا، فكم يكون عِوَض مئة درهم؟ مئة صاع، أعطاه مئة صاع وانتهى الموضوع، حلال ولّا حرام؟

الطلبة: حلال.

الشيخ: حلال، قال الدائن: أنا لا أقبل صاع بُرّ عن درهم؛ لأن البُرّ يحتاج إلى مؤونة، يحتاج إلى أن يبيعه، وما أشبه ذلك، لكن أريد أن تعطيني عن مئة الدرهم مئة صاع وعشرة أصواع، يجوز ولّا لا؟

طلبة: لا يجوز.

الشيخ: ليش؟ لأنه ربح فيما لم يضمن، ربح في شيء لم يدخل في ضمانه، فلا يجوز.

قال: أنا أرحمك، أنت فقير، أعطني بدل مئة درهم ثمانين صاعًا، يجوز؟

الطلبة: يجوز.

الشيخ: يجوز؟

الطلبة: نعم.

الشيخ: ليس في سعر يومها؟ لكنه أنزَل، وهذا يعتبر إحسانًا منه، حيث اقتصر على بعض حقه؛ إذ إن حقه أن يكون مئة صاع، لكنه اختار ثمانين صاعًا.

فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه: لا يصح بيع الدَّيْن بالدَّيْن، بل لا بد فيه من التفصيل.

(فصلٌ)

ومتى افْتَرَقَ المتصارِفانِ قَبلَ قَبْضِ الكلِّ أو البعضِ بَطَلَ العَقْدُ فيما لم يُقْبَضْ، والدراهمُ والدنانيرُ تَتعيَّنُ بالتعيينِ في العَقْدِ ، فلا تُبْدَلُ وإن وَجَدَها مَغصوبةً بَطَلَ، ومَعيبةً من جِنْسِها أَمْسَكَ أو رَدَّ، ويَحْرُمُ الربا بينَ المسلِمِ والحربيِّ ، وبينَ المسلِمَيْنِ مُطْلَقًا بدَارِ إسلامٍ وحَرْبٍ.

(بابُ بيعِ الأصولِ والثمارِ)

ص: 1146

إذا باعَ دَارًا شَمِلَ أَرْضَها وبِناءَها وسَقْفَها والبابَ المنصوبَ ، والسُّلَّمَ والرَّفَّ الْمُسَمَّرَيْنِ ، والخابيةَ المدفونةَ، دونَ ما هو مُودَعٌ فيها من كَنْزٍ وحَجَرٍ، ومُنفصِلٍ منها كحَبْلٍ ودَلْوٍ وبَكَرَةٍ وقُفْلٍ وفَرْشٍ ومِفتاحٍ،

قال: أنا بأرحمك، أنت فقير، أعطني بدل مئة درهم ثمانين صاعًا؟

طلبة: يجوز.

الشيخ: يجوز؟

الطلبة: نعم.

الشيخ: ليس في سعر يومها، لكنه أنزل، وهذا يعتبر إحسانًا منه؛ حيث اقتصر على بعض حقه، إذ إن حقه أن يكون مئة صاع، لكنه اختار ثمانين صاعًا. فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه (لا يصح بيع الدين بالدين)، بل لا بد فيه من التفصيل، وصار حديث ابن عمر رضي الله عنهما (1) ميزانًا في هذا الأمر؛ أي: في بيع الدين على مَنْ هو عليه.

أما بيع الدين على غير مَنْ هو عليه فقلنا: إنه لا يجوز إلا على قادر على أخذه، فهذا ربما يقال: إنه جائز، ولكن لاحظوا أننا إذا قلنا: يجوز إذا كان قادرًا على أخذه، لا بد أن يكون المدين قد أقر بالدين، أما إذا كان منكرًا، وجاء إنسان وقال: أنا بأشتري دين فلان الذي لك، ومنكر ما أقر، ولكن قال: أنا بخاطر، أنا بأشتريه وبأطالب الرجل عند القاضي ونشوف، فهذا لا يجوز؛ لأنه مخاطرة.

لكن كلامنا فيما إذا باع دينًا في ذمة مقِرٍّ على شخصٍ قادر على استخراجه فالصواب أنه جائز؛ لأنه لا دليل على منعه، والأصل حِلُّ البيع:{أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

طالب: (

) فيأتي شخص آخر ويقول: أشتري منك التقاعد بخمسين ألفًا، هل يجوز بيع التقاعد وهو دين (

) غير محدد وغير محسوب؟

الشيخ: تسألني عن هذا بعد هذا التقرير الطويل العريض، وأنت من أحسن الناس في فهمك وفي علمك؟ ! أسألك: هل تسألني عن هذا؟

الطالب: ولكن نقول: يا شيخ بأنه الغرر ..

ص: 1147

الشيخ: أولًا الغرر والمخاطرة، والثاني أن هذا ما هو دين على شخص ممكن مطالبته، هذا دين على جهة مسؤولة، لا يمكن مطالبتها، ثم هو أيضًا بيع دراهم بدراهم، فيه محاذير متعددة.

الطالب: وبيعه على جهة؟

الشيخ: ما تشتريه الجهة.

الطالب: بعض الجهات تشتريه.

الشيخ: لا ما تشتريه، الجهات التي تشتريه معناه أنها فعلت ما لا يسوغ لها.

طالب: شيخ، حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بحيوان نسيئة (2)، هل هو ضعيف؟

الشيخ: ضعيف.

الطالب: وقول المؤلف في الباب السابق: (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه)، اقتضى هذا أن الحيوان يجري فيه الربا؟ والآن قلنا: الحيوان ..

الشيخ: أما قلنا: القول الراجح أنه إن قصد بالحيوان اللحم هو حَرُم وإلا فلا؟

طالب: بلى.

الشيخ: إي نعم.

طالب: (

الشيخ: ما بعد جاء الكلام عليه، سيأتي إن شاء الله في الفصل اللي بعده.

طالب: هل يمكن نأخذ قاعدة على أنه لا خيار في الربا؟

الشيخ: ويش معنى لا خيار في الربا؟

الطالب: يعني: لا يدخل الخيار في بيع الربويات.

الشيخ: ويش معنى: لا يدخل الخيار؟

الطالب: يعني: حين يشتري سهمًا من آخر ويطلب الخيار.

الشيخ: يعني: خيار الشرط قصدك؟

الطالب: إي نعم.

الشيخ: إي، خيار الشرط لا يدخل في الربويات؛ لأنه يستلزم أن نتفرق قبل لزوم العقد، فلا يصح، لكن المسألة فيها خلاف؛ من العلماء من يقول: يجوز، وإذا تم العقد تم العقد؛ لأن كل واحد منهما قبض ما آل إليه؛ المشتري قبض السلعة والبائع قبض الثمن.

الطالب: (

) تأخذ المرأة مثلًا ذهبًا ثم تقول: سأذهب به مثلًا إلى البيت فإن أعجبني وإلَّا أعدته؟

الشيخ: لا بأس؛ الصحيح أنه لا بأس به.

طالب: بالنسبة للحيوان (

) وما جرى مجراه، لا يدخل في بيع الربا؟

الشيخ: نعم.

الطالب: لكن هناك عبارة لشيخ الإسلام يقول: إنه إذا بيع بجنسه

الشيخ: أنا فاهم لكلام شيخ الإسلام، لكنه قولٌ ضعيف؛ ولهذا لم أتعرض له.

ص: 1148

الطالب: ما معنى قول شيخ الإسلام؟

الشيخ: معناه يقول: إن النَّساء جائز في غير الربويات بشرط التساوي، أن لا يزيد أحدهما على الآخر، يعني ما يكون هذا قيمته مئة وهذا قيمته مئتين، لكنه قوله ضعيف، الأصل الحل.

طالب: (

).

الشيخ: لا بأس، يعني: يأخذ من البقالة ويأتي بالثمن بعد؟

الطالب: ما قبض (

).

الشيخ: ما فيه شيء، إذا كان على فهمي الآن؛ أخذت منه هذه الحقيبة وقلت: أجيب لك الثمن بعد، ما فيه شيء.

(

)

طالب: (

) نَساء؟

الشيخ: نَساء، لكن يلزم من التقابض قبل التفرق.

طالب: فإذا غادرا.

الشيخ: فلا يشترط التقابض؛ لأنه لا يجري ربا النسيئة بين البُرِّ والدراهم.

طالب: بالنسبة لمسألة البيع في المحل ويكون عنده البضاعة في المستودع ناقصة، معه عامل، هل يذهب مع العامل إن اشترى برًّا وشعيرًا، ثمن البر

الشيخ: لا بأس؛ يعني: وكيله يقوم مقامه.

الطالب: (

) الوكيل؟

الشيخ: إي نعم.

طالب: الموظف انقطع له من راتبه مقدار من ماله، وبعد مدة إذا مرض أو مات أو نحو ذلك (

)، فهل هذا يُعد من ربا النسيئة؟

الشيخ: لا، هذا ليس ربا، هذا أصل، الدولة -جزاهم الله خيرًا ووفقهم- يجعلون الإنسان إذا انقطع لا بد أن يقوموا بحاجات أهله، أو بحاجته إن كان لم يمت، فهو من بيت المال، ما هو على سبيل المعاوضة.

الطالب: يأخذون من مرتبه كل شهر.

الشيخ: يأخذون تسعة في المئة.

الطالب: تقريبًا.

الشيخ: إي نعم، هذا لا يضر.

الطالب: أليس من باب التأمينات المحرمة.

الشيخ: لا؛ لأن هذا في بيت المال، ولهذا ربما إن الرجل هذا يبقى سنة موظفًا ويموت، فيُجرون لأهله التقاعد، يمكن يكون تقاعده خلال أربع سنوات يقابل كل راتبه.

الطالب: لكن (

).

الشيخ: المهم أنه لا بأس به، هذا ما هو من باب المعاوضة، هذا من باب قيام الدولة بحاجات الشعب.

الطالب: إنما أيش هي المعاوضة التي تحرم؟

الشيخ: المعاوضة بيني وبينك مثلًا، بين زيد وعمرو.

ص: 1149

الطالب: ولا تحصل بين الدولة وبين الموظفين.

الشيخ: لا، بهذه الطريقة ما تحصل، تحصل في مقاولات بين الدولة وبين الشعب لا بأس، شراء، أما هذا فهو يعتبر رزقًا من بيت المال وليس معاوضة، وإلا لما جاز لنا أن نأخذ راتبًا على الصلاة، ولا المؤذن على الأذان، ولا المدرس على التدريس؛ تدريس القرآن مثلًا.

طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (3)، يعتبر -يا شيخ- أن ربا النسيئة أشد من ربا الفضل، مع أنه يا شيخ مؤدَّى ربا النسيئة يؤدي إلى التقابض، غايته (

) التقابض، ذكرنا أن ربا الفضل وسيلة إلى

الشيخ: نحن تكلمنا على هذا، وبيَّنا السبب، وأنه في الجاهلية إذا تم الأجل ولم يوفِ قال: نزيد في الأجر ونزيد في الربا.

الطالب: الهدف، الغاية.

الشيخ: الغاية ظلم المدين.

الطالب: بالزيادة.

الشيخ: بالزيادة.

الطالب: التفاضل يا شيخ أشد من النسيئة.

الشيخ: لا، التفاضل اللي يدًا بيد ما هو بأشد، لكن التفاضل اللي يجمع بين النسيئة والتفاضل معلوم أنه أشد، والصورة التي تقول هي هذه، الصورة التي ذكرتها الآن فيها ربا فضل ونسيئة، واضح؟

الطالب: نعم.

الشيخ: طيب، إذن لا فرق.

طالب: الجواب الذي هو عن سؤالي ما فهمته.

الشيخ: أقول: جواب سؤالك -بارك الله فيك- هذا التقاعد ليس معاوضة عما أخذت الدولة من الموظف، بل هو التزام من الدولة أن تقوم بحاجات الورثة.

الطالب: والمال الذي اقتطعوه على أي أساس أخذوه؟

الشيخ: نظام عندهم، هم قدَّروا هذا.

طالب: شيخ، ما هو المذروع؟

الشيخ: المزروع حب يدفن في الأرض ويخرج.

الطالب: لا ما قصدي هذا، بالذال.

الشيخ: بالذال، إي، المذروع اللي ما يباع بالذرع.

الطالب: مثل؟

الشيخ: مثل: أتعرف ما تُرْبط به السفن؟

الطالب: نعم، حبال يعني.

الشيخ: حبال، هذه تباع بالذرع.

الطالب: والثياب أيضًا؟

الشيخ: وكذلك الثياب تباع بالذرع أحيانًا وأحيانًا تكون مخيطة معروفة.

ص: 1150

الطالب: غالبًا ما تباع بالذرع.

الشيخ: والله الآن ما أدري، كان فيما سبق تباع بالذرع.

طالب: (

).

الشيخ: نعم، الآن تباع الظاهر جزافًا، لكن المذروع ما فيه ربا، يجوز أبيع عليك غترتين بغترة واحدة.

(

)

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فصل

ومتى افترق المتصارفان قبلَ قبضِ الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبضَ، والدراهم والدنانير تتعيَّن بالتعيين في العقد فلا تُبدَّل، وإن وجدها مغصوبة بطل، ومعيبة من جنسها أمسك أو ردَّ، ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين مطلقًا بدار إسلام وحرب.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. قال رحمه الله تعالى: (فصل، ومتى افترق المتصارفان).

هذا الفصل ذكر فيه المؤلف حكم الصرف، وهو بيع النقد بالنقد، وهذا لا يخرج عما سبق من القواعد في الربا، لكن خصُّوه بفصلٍ لطول فروعه والكلام عليه.

يقول: (متى افترق المتصارفان قبلَ قبضِ الكلِّ أو البعض بطل العقد فيما لم يقبضَ).

(المتصارفان) هما المتبايعان بالصرف، والصرف بيع نقد بآخر، وسُمِّي صرفًا؛ لأن النقدين عند وزنهما أو عدِّهما يُسمع لهما صوت، وهذا لما كان النقد ذهبًا وفضة.

(إذا افترقا قبل قبض البعض أو الكل بطل العقد فيما لم يقبضْ) يعني: وصح فيما قبض، مثال ذلك: اشترى مئة درهم بعشرة دنانير؛ هذا صرف، إذا استلم كل واحد منهما ما آل إليه صح العقد؛ يعني: تبين أن العقد صحيح، وإذا سلمه خمسين درهمًا فقط وتفرقا صح العقد في خمسين درهمًا ويقابلها خمسة دنانير والباقي لا يصح، وهذا بناءً على تفريق الصفقة وأنه يمكن أن يصحَّ بعضها دون بعض؛ لأن الحكم يدور مع علته، فما وُجد فيه شرط الصحة فهو صحيح، وما لم يوجد فيه شرط الصحة فليس بصحيح.

مثالٌ آخر: أعطاه دينارًا يصرفه بعشرة دراهم فلم يجد إلا خمسة دراهم، فهل يصح؟

ص: 1151

نقول: يصح العقد فيما قُبض، ولا يصح فيما لم يقبض، فكم الذي يصح العقد فيه من الدينار؟ نصف الدينار، وماذا يفعل بنصفه؟ يبقى نصفه أمانةً عند البائع؛ فيكون هذا الدينار مشتركًا بين البائع وبين المشتري.

وفائدة ذلك أنه لو زاد سعر الذهب فيما بين هذه الصفقة، وبين استلام حقه إذا وجد بقية الدراهم عند الآخر، إذا تغيَّر السعر فهو على حساب مَنْ؟ على حساب صاحبه، فمثلًا لو كان حين صَرْف الدينار بالدراهم يساوي الدينار عشرة دراهم، ثم صار يساوي عشرين درهمًا، فإنه يبقى نصفُ الدينار بكم؟ بعشرة دراهم؛ لأن ما بقي من الدينار بقي عند الآخَر وديعة، ولا يصح العقد فيه.

(بطل العقد فيما لم يقبض) وجه ذلك أن القبض شرط لصحة العقد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» متى؟ «إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (4).

ثم قال: (والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد).

وهذه مسألة خلافية، ويترتب على الخلاف فيها عدة فروع، بل عدة مسائل، ذكرها ابن رجب رحمه الله في آخر كتاب القواعد، هل الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين بالعقد أو لا؟

في ذلك خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنها لا تتعين لأن المقصود واحد، المقصود بالدينار هذا والدينار هذا واحد، إنما اختلفا في عينهما فقط، وهذا لا يدل على أن الدراهم تتعين بالتعيين بالعقد، ومنهم من قال: بل تتعين.

مثال ذلك: اشتريت منك هذا الثوب بهذا الدرهم، الثوب الآن متعين ولا إشكال فيه، ولهذا لو أراد البائع أن يبدِّل الثوب لم يستطع ذلك إلا بموافقة المشتري، لكن المشتري عيَّن بهذا الدرهم، فهل يتعين هذا الدرهم؟

على الخلاف؛ منهم من قال: إنه يتعين، ومنهم من قال: إنه لا يتعين، فتنعكس الأحكام.

ص: 1152

فإذا قلنا بالتعيين فإن المشتري لا يمكنه أن يبدِّلها؛ لأنه لما عيَّنَها ووقع العقد على عينها وتم العقد صارت ملكًا لِمَنْ؟ للبائع، فلا يمكن أن يبدِّلها المشتري، كما أن البائع لا يمكن أن يبدل الثوب.

أما إذا قلنا بأنها لا تتعين فله أن يبدلها، ويأخذ من جيبه درهمًا غير الذي عيَّنه ويسلمه للبائع. هذا مما يترتب على الخلاف؛ إن قلنا: إنها تتعين بالتعيين بالعقد فإنها لا تُبدَّل، وإن قلنا: إنها لا تتعين فإنها تُبدَّل؛ لأنه لا فرق بين هذا الدرهم وهذا الدرهم.

في الأوراق النقدية كذلك؛ لو قال: اشتريت منك هذا الثوب بهذه العشرة، العشرة رقمها مليون وخمس مئة وسبعون، ثم أراد أن يعطيه بدلًا عنها ما رقمه مليون وخمس مئة وستين مثلًا، هل له أن يبدل؟

على الخلاف؛ إن قلنا: إنها تتعيَّن بالتعيين لم يملك أن يبدل، وإن قلنا: لا تتعين مَلَك، أيهما أقرب إلى مقصود الناس؟ الثاني؛ عدم التعيين؛ إذ إن البائع لا يهمه أن يكون رقم هذه الورقة كذا وكذا أو الرقم الثاني، لا يهمه، ثم إنه -أيضًا- يمكن أن يختلف.

لو أنه اختلف بأن أخرج العشرة فإذا هي ورقة جديدة فأراد أن يغيِّرها إلى ورقة أخرى قديمة قد تكون آيلة إلى التلف عن قرب، فهل له أن يغيِّر؟ هو على الخلاف، لكن حتى إذا قلنا: إنها لا تتعين، فإنه في هذه الحال للبائع أن يقول: لا أريد هذا، فرق بين ورقة قديمة آيلة للتلف عن قرب، وورقة جديدة، فهنا الغرض يختلف، فالظاهر أنه حتى لو قلنا: إنها لا تتعين، فإنها في هذه الصورة تتعين؛ لأن الرغبة عند الناس تختلف بين هذا وهذا.

قال: (وإن وجدها مغصوبة بطل)(إن وجدها) الضمير يعود على الدراهم أو الدنانير التي عيَّنها في العقد (مغصوبة بطل).

ومعنى (وجدها مغصوبة) أي: تبين أنها مغصوبة، فإن العقد يبطل، لماذا؟ لأنه وقع العقد على عينٍ مغصوبة لا يملك الغاصب أن يتصرف فيها، وتصرُّفُه فيها باطل، فيبطل العقد.

ص: 1153

مثال ذلك: إنسان سرق درهمًا من شخص، ثم جاء إلى صاحب الدكان وقال: اشتريت منك هذا الثوب بهذا الدرهم، فتبين أن الدرهم مغصوب، أما كيف يتبين؟ هذا ليس إلينا، المهم أنه تبيَّن أنه مغصوب، فمَنْ مَالِكُ هذا الدرهمِ؟ المشتري أو صاحبه؟ صاحبه.

إذن نقول: هذا المشتري أجرى العقد على ما لا يملكه، والعقد على ما لا يملكه باطل، فيكون العقد باطلًا؛ كما لو كان الأمر بالعكس؛ اشترى ثوبًا بدرهم فتبين أن الثوب مغصوب فهل يصح العقد؟ لا؛ لأن المبيع يتعيَّن بالتعيين، ما فيه إشكال.

على القول بأن الدراهم لا تتعين بالتعيين؛ إذا تبين أن الدراهم التي عيَّنها مغصوبة أو مسروقة أو ما أشبه ذلك، هل يبطل العقد؟ لا يبطل، ويُرد المغصوب إلى مالكه ويُلزَم المشتري ببدله.

إذا قال البائع: أنا بِعْتُ عليك بثمن معيَّن وقبضتُه، والآن لما تبين أنه مُلك للغير ورُدَّ إليه فإني أريد أن أفسخ العقد؛ لأني أخشى أن تماطل بي، فما الجواب؟

على الخلاف أيضًا؛ هل يَفسخ لإعسار المشتري أو لا؟ لكن في هذه الصورة ينبغي أن يقال بأن له الفسخ قولًا واحدًا؛ وذلك لأن هذا الرجل خدَعَه وغرَّه وخانه، ولا ينبغي أن يُعامَل الخائن إلا بما يردعه عن خيانته.

إذن إذا وجدها مغصوبة بطل، أو مسروقة بطل، أو منهوبة، المهم إذا تبين أنها ليست ملكًا للمشتري فإن العقد يبطل.

قال: (ومعيبة من جنسها أمسك أو رَدَّ)(معيبة من جنسها أمسك) يعني: بلا أرش، (أو رَدَّ) أي بأرش.

ص: 1154

مثال ذلك: اشترى دينارًا بدينار آخر، ثم وجد أن الدينار مَعِيب من جنسه، يعني: مخلوط معه ذهب رديء، فالآن البيع واقع على دينار بدينارٍ، ويُشترط في بيع الدينار بالدينار التساوي، هذا الرجل وجد أن الدينار الذي عينه معيبًا من جنسه، فماذا نقول؟ نقول: أنت الآن بالخيار، إن شئت أمسك بلا أرش، وإن شئت فرُدَّ؛ أما كونه يرد فواضح لأنه معيب، وله أن يرد، هو لم يشترِ إلا شيئًا سالمًا. وأما كونه بلا أرش؛ فلأن الأرش يستلزم زيادة في بيع الجنس بجنسه. ومعلوم -حسب ما مر علينا من القواعد- أن بيع الجنس بجنسه يُشترط فيه التماثل، ولهذا قال:(أمسك) أي: بلا أرش (أو رَدَّ).

وعُلم من قول المؤلف رحمه الله: (من جنسه) أنه إذا كان من غير الجنس فإنه لا يصح العقد، إذا وجدها معيبةً من غير الجنس فإنه لا يصح العقد أصلًا، ما فيه خيار؟ نقول: ليس فيه خيار، بل هو باطل.

مثال ذلك: باع درهمًا بدرهم ووجد أن أحد الدرهمين معيب بنحاس، فهنا يبطل العقد، ليش؟ لأن العيب من غير الجنس، فيكون من باب (مد عجوة ودرهم)؛ لأنه باع جنسًا بجنسه ومع أحدهما من غير الجنس، فلا يصح.

هذا كله بناءً على أن الدراهم والدنانير تتعيَّن بالتعيين بالعقد، أما إذا قلنا: إنها لا تتعين، فإنه إذا وجدها معيبة يبقى العقد على ما هو عليه، ويطالِب ببدله سليمًا.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويحرُم الربا بين المسلم والحربي، وبين المسلمين مطلقًا بدار إسلامٍ وحربٍ).

(يحرُم الربا)، وتحريم الربا ثابت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين، وهذا من حيث الجملة؛ إذ إن العلماء يختلفون في بعض المسائل اختلافًا كثيرًا، لكن من حيث الجملة الربا محرم بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.

أما الكتاب فنصٌّ صريح في قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

ص: 1155

وأما السُّنَّة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه (5)، وهذا يقتضي أن يكون الربا من كبائر الذنوب.

وأما الإجماع فلم يختلف المسلمون في أن الربا محرم وإن اختلفوا في بعض المسائل؛ مثل اختلافهم في علة الربا وهل يتعدى الحكم إلى غير المنصوص عليه أو لا؟ وكما مر علينا فيما سبق أن هناك اختلافًا، لكن في الجملة هم مجمعون على تحريم الربا، كما نقول مثلًا: إن العلماء مجمعون على وجوب الزكاة وإن كانوا يختلفون في بعض الأشياء هل فيها زكاة أو ليس فيها زكاة؟

وقول المؤلف: (يحرُم الربا بين المسلم والحربي) كما يحرم بين المسلمين؛ الحربي مباح الدم والمال بالنسبة لنا، فماله حلال، لو أخذناه قهرًا فهو لنا، لكن عند المعاملة تُجرى المعاملة على ما تقتضيه الشريعة، والربا في الشريعة محرم، والنصوص عامة، فيحرم الربا بين المسلم والحربي، فلو أن إنسانًا وجد حربيًّا ومعه مال وليس بقادر على أخذه منه قهرًا، فقال: أنا أريد أن أشتري منك مئة دينار بخمسين دينارًا؛ فإن ذلك لا يجوز، أو مئة صاع برٍّ جيد بخمسين صاعًا رديئًا مثلًا أو بالعكس فإنه حرام؛ لأنه متى جرى الأمر بصورة العقد وجب أن يطبَّق على ما تقتضيه الشريعة.

(بين المسلم والحربي)، طيب، بين المسلم والذمي من باب أوْلى أن يكون الربا جاريًا؛ لأن مال الذمي محترم.

(وبين المسلمين مطلقًا) يحرم أيضًا الربا بين المسلمين مطلقًا، وهذا الإطلاق فسَّره بقوله:(بدار إسلام وحرب)؛ (بدار إسلام) كالبلاد الإسلامية، ودار (حرب) كالبلاد الحربية إذا دخلها المسلم بأمان وتبايع مع حربي أو مع مسلم فإنه يحرم الربا؛ وذلك لعموم الأدلة.

ومن العلماء من اعتبر الدار وقال: إن الدار إذا كانت دار حرب فلا ربا فيها بين المسلمين وأهل الحرب، ولكن لا دليل على هذا، النصوص عامة، والعقود يجب أن تجرى على ما تقتضيه الشريعة.

ص: 1156

انتهى الباب، لكن عندي بالشرح مسائل مهمة:

يقول: (لا ربا بين السيد ورقيقه) فيجوز للإنسان أن يشتري ثلاثة دراهم بدرهمين من رقيقه، لماذا؟ لأن المال ماله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» (6).

وهل يجري بين الأب وابنه؟ نعم يجري بين الأب وابنه؛ لأن مال الابن مستقل، ومال الأب مستقل، وكون الأب يملك أن يتملك من مال ولده ما شاء لا يعني أن مال ولده ملكٌ له، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:«أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (7)، فمراده أن لأبيك أن يتصرف في مالك، وليس معناه أنك ملكٌ لأبيك، أو أن مالك ملكٌ له، فإن هذا يمنعه الإجماع، فالابن ليس ملكًا لأبيه.

إذا كان ليس ملكًا لأبيه إذن ماله ليس ملكًا له؛ ولهذا قال الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، فجعل الله الميراث جاريًا بين الآباء والأبناء، ولو كان ملك الأبناء للآباء لم يكن هناك جريان للإرث.

هل يجري الربا بين الزوج وزوجته؟

طلبة: نعم.

الشيخ: طيب، بين الأختين في الحليِّ؟

تشتري الأختان حليًّا، ثم إذا وصلتا إلى البيت قالت إحداهما: هذا الحلي لا أريده، فقالت الأخرى: أنا أريده، فقالت: نتبادل، هل يجري الربا بينهما؟

طالب: (

).

الشيخ: يا إخوان! هذه مبادلة وتنازل عن الزائد، أين الفقه؟ !

طالب: لا، ما يجوز.

الشيخ: أين الفقه؟ ! الآن هذه أخذت أُسورة وهذه أخذت أسورة، بعد الرجوع إلى البيت رغبت إحداهما أسورة الأخرى وبينهما تفاضل، يعني هذه أسورتها واسعة وثقيلة وهذه بالعكس، فقالت: ليس بيننا حساب، خذي الأسورة التي لي، وآخذ الأسورة التي لكِ، تنازُل، يجوز أو لا يجوز؟

طلبة: يجوز.

طلبة آخرون: لا يجوز.

الشيخ: اختلف العلماء على قولين.

طالب: (

) الوزن.

الشيخ: لا، الوزن بينهما فرق، هذا أكثر، واحدة أكثر من الثانية.

طالب: (

).

ص: 1157

الشيخ: كيف مخلوطة؟ هذه أسورتها مثلًا كم نقول؟ عشر أواقٍ، وهذه خمس عشرة أوقية، لكن ما هو على سبيل البيع على سبيل التنازل.

طالب: لو كان على سبيل (

الشيخ: طيب، على سبيل المبادلة؟

طلبة: (

).

الشيخ: إي صحيح، تمام، علمكم راسخ والحمد لله، لا يجوز البيع؛ لأن التبادل بيع، الفقهاء يقولون: البيع مبادلة مال بمال، فهذا تبادل، فإن قالوا: تنازل، قلنا: التنازل لا يجوز إذا أدى إلى فعلٍ محرم، وهذا يؤدي إلى فعل محرم، تريدين أن تتنازلي عن الحلي لأختك مجانًا لا مانع، لكن بعوَض والتفاضل بينهما ممنوع لا ينفع كلمة (تنازل)، والحقائق إذا سُميت بغير اسمها لا تتغير، وإلا لكن الكفار يُسمُّون الخمر الشراب الروحي، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك إلى قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها (8)، فالأسماء لا تغيِّر حقائق المسميات.

إذن يجري الربا بين الأقارب كلهم، وليس أحد يعامل أحدًا بربا، وليس بينهما ربًا إلا السيد مع رقيقه، وحقيقة الأمر أن تعامل السيد والرقيق ليس معاملة حقيقية؛ وإنما هي صورة معاملة؛ إذ إن مال الرقيق للسيد.

***

ثم قال الشارح رحمه الله: (وإذا كان له على آخر دنانير فقضاها دراهم شيئًا فشيئًا فهل يصح؟ ).

إنسان في ذمته عشرة دنانير لشخص فقضاها دراهم شيئًا فشيئًا، ولنقل: إن هذه العشرة دنانير تساوي مئة درهم، فصار كل يوم يجيب له عشرة دراهم، حتى أتمت المئة، عشرة أيام تمت المئة، هل يصح هذا؟

طلبة: (

).

الشيخ: إن قلتم: يصح، فخطأ، وإن قلتم: لا يصح، فخطأ.

نقول: هل إنه إذا جاء بالدراهم يقول: هذه عشرة ريالات في مقابل دينار، إن كان يقول هكذا فصحيح، وإن كان لا يقول هكذا ففيه تفصيل، فهذا ليس بصحيح لكن إذا انتهت مئة الدراهم يصارفه من جديد.

ولهذا يقول رحمه الله: (فإن كان يعطيه كُلَّ درهم بحسابه من الدينار صح)، واضح هذا؟

طالب: ما هو بواضح.

ص: 1158

الشيخ: قلنا: الدنانير كم؟ عشرة، تساوي مئة، فصار هذا المطلوب كلما جاء بعشرة دراهم قال: هذه مقابل دينار، يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأن صاحب الدنانير قد قبضها في الواقع، أليس كذلك؟ لأنه قبضها في الواقع إذ هي عنده، وإن كان لا يقول هكذا، بس يأتي كل يوم بعشرة دراهم حتى انتهى وسلمه مئة فإنه لا يصح.

(وإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعدُ فصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين، وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمة صحَّ).

(إن لم يفعل) ويش معنى (يفعل)؟ يعني: إن لم يعطه كل درهم بحسابه يقول: هذا في مقابل كذا، (ثم تحاسبا بعد) يعني: بعد أن تمت الدراهم تحاسبا، وصارفه بها وقت المحاسبة لم يَجُز؛ لأنه بيع دين بدين. كيف بيع دين بدين؟ ! نعم بيع دين بدين، صار يأتي الآن كل يوم بعشرة دراهم، انتهت المئة، قال: الآن نصارف، فما عندك من المئة مقابل ما عليَّ من الدنانير، نقول: ما حضر لا دنانير ولا دراهم، إذن هو بيع دين بدين، بيع ما في ذمة المطلوب دنانير بما استلمه صاحب الطلب الذي يطلب الدنانير، فهو بيع دين بدين، فلا يصح.

إذن ما هو الطريق؟ الطريق أنك تحضر (

)؛ ولهذا قال: (وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمة صحَّ).

نقول: حضِّر (

)، حضر عشرة دنانير ثم بعد ذلك قل: هذه الدنانير هي مقابل ما عندك من الدراهم، كم اللي عنده من الدراهم؟ مئة، فيكون الصرف الآن؟

طالب: يجوز؟

الشيخ: إي نعم، هو صحيح، لكن يكون بأيش؟ عين بذمة.

وإن أحضر كل واحد ما عنده يصح أو لا يصح؟ يصح من باب أوْلى؛ لأنه الآن صرْف عينٍ بعين.

هذه الصورة، عندك لزيد عشرة دنانير، واتفقتما على أنك تعطيه بدلها دراهم، فصرت كل يوم تأتي بعشرة دراهم حتى انتهت، كم تكون؟

طالب: مئة.

الشيخ: حضَّرت مئة درهم لكنك تحضر كل يوم عشرة أو خمسة المهم انتهت، وقلت: هذه الدراهم اللي أنا حضرتها لك عن الدنانير التي لك في ذمتي، يصح ولّا ما يصح؟

ص: 1159

الطالب: ما يصح.

الشيخ: كنت كلما أحضرت عشرة دراهم قلت: هذه مقابل دينار؟ أيش تقول؟

طالب: يصح.

الشيخ: أيش؟

الطالب: يجوز البيع لأنه ..

الشيخ: أنت تفقه ما تقول الآن ولّا لا؟ كل ما جئت بعشرة دراهم قلت: هذه عشرة في مقابل الدينار، يصح؟

الطالب: يصح.

الشيخ: كيف المصادفة هذه ويش نوعها؟ ذمة بذمة ولَّا عين بعين؟

طالب: عين بذمة.

الشيخ: عين بذمة. توافقون على هذا؟

طلبة: نعم.

الشيخ: طيب، انتهت الدراهم ثم صارفه بما في ذمته من الدنانير، أيش تقول؟

طالب: إن أحضر أحدهما ..

الشيخ: لا، ما أحضر شيئًا أبدًا.

الطالب: إذا صارف دينًا بدين، ما يجوز.

الشيخ: قال: الآن أنت أخذت مني مئة درهم وأنا في ذمتي عشرة دنانير، خلاص اللي الآن استملتَ مني عِوض عن العشرة دنانير اللي في ذمتي؟

الطالب: هذا لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز! كل واحد استلم اللي وقع عليه العقد!

الطالب: ولكن البيع حدث بعد الاستلام.

الشيخ: إي نعم، بعد الاستلام.

الطالب: ما يجوز هذا.

الشيخ: لماذا؟

الطالب: لأنه بيع دين بدين.

الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟

طلبة: نعم.

الشيخ: صحيح، أحضر أحدهما ما عنده، يعني: صاحب الدنانير اللي عليه عشرة دنانير جاب عشرة دنانير، وقال: هذه العشرة عن الدراهم التي عندك لي، يصح؟

طالب: يصح؛ لأنه بيع دين بعين.

الشيخ: بيع دين بعين، طيب، صحيح هذا ولَّا غير صحيح؟

طلبة: صحيح.

الشيخ: إي.

طالب: (

).

ص: 1160

الشيخ: والصحيح أنه يصح في هذه المسألة وفيما إذا تصارفا في الذمة؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم (9)، أنه لا تُحضر الدراهم ويقع العقد على عينها؛ هذا ظاهر الحديث؛ ولأن المقصود من التقابض قبل التفرق قد حصل، الدراهم الآن في ذمتك والدنانير في ذمتي، نتفرق وليس بيننا شيء، فالصحيح أنه يصح، وأنه ليس من باب بيع الدين بدين، وإنما المنهي عنه -أي بيع الدين بالدين- ما سبق تصويره ومر علينا.

إذا إنسان يشتري حاجات من بقالة، ويحاسبه كُلَّ شهر، إذا انتهى الشهر قال: كم عليَّ؟ قال: كذا وكذا، فسَلَّمَه دون أن يعيِّن الدراهم حين تسليمها، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، وهذا مما يؤيِّد القول بأنهما إذا تصارفا في الذمة، وكان كل واحد منهما قد قبض ما يؤول إليه فإنه صحيح.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب بيع الأصول والثمار).

***

طالب: بالنسبة للدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد، مو بالأقرب أنها فعلًا لا بد أن تتعين بالتعيين.

الشيخ: أيش؟

الطالب: أقول: ما هو بالمذهب هنا هو الأقرب إلى الصحة؟

الشيخ: لا.

الطالب: يا شيخ، يعني السؤال يا شيخ

الشيخ: إذا كان لا يختلف المراد؟

الطالب: هذا هو السؤال، الدراهم والدنانير عادة كانت عندهم تختلف، ليست كعملتنا الآن، عملتنا الآن مئة الريال معروفة لا تزيد ولا تنقص؟

الشيخ: هم مرادهم أيضًا الدراهم والدنانير التي لا تختلف.

الطالب: فإن كان فيه (

الشيخ: حتى التي تختلف أيضًا، هل تتعين أو يجوز أن يعطيه من جنسها من مكان آخر؟

الطالب: لو أعطاه من مكانٍ آخر لا بد أن يحدث فرق بين (

).

الشيخ: لا، ما يحدث فرق، الدراهم معروفة، والدنانير معروفة.

ص: 1161

طالب: بالنسبة لمسألة التعامل بين الأختين في الذَّهب، المبادلة، هل نقول: إن العرف جار أن الذهب يكون في ملك الأب وإنما يكون يعني ينتقل الملك إليهم، يعني انتقال صوري مثلًا، يعني ليس انتقالًا مقصودًا؟

الشيخ: هذا يقول: إن الحلي الذي في يد الأختين ملك للأب، مَنْ قال هذا؟

الطالب: عُرف الناس.

الشيخ: أبدًا، ولا عُرف الناس، هذا الذي تقول: إنما يكون بالنسبة للبنات الصغار، البنات الصغار ربما أنه يكون الوالد قد أعطاهم هذا على سبيل العارية، ما هو على سبيل التمليك، فإذا كان على سبيل العارية فإنه لا ربا؛ لأن لباس هِند ولباس سلمى كله للأب.

الطالب: مثلًا نقول يا شيخ: إذا أعطاها الأبُ فقال: أعطيها لأختك ونشتري لكِ بدلها، فهل يكون (

الشيخ: لا هذا غيره، ما هو بمبادلة، هذا وعد من أبيها أنه يشتري بدلها، ما هو مبادلة.

طالب: قلنا: إن المسدد يعني بكل عشرة عن دينار لا بد أن يصرح كل مرة أن هذه العشرة عن دينار.

الشيخ: نعم.

الطالب: يا شيخ إذا كان في أوَّل مرة يقول: أنا سأعطيك كل مرة عشرة عن دينار، وأتت كل المرات ولم يصرِّح له أن هذه العشرة عن دينار، كان بسابق علم؟

الشيخ: إي، لا بد، ليش؟ لأن الذهب والفضة قد يزيد وينقص.

طالب: التحويل بالعملة الأخرى إلى البلاد الأخرى.

الشيخ: أفهمتم السؤال؟ يقول: هل يجوز أن أحول عملة إلى بلدٍ آخر، مثلًا أسلِّم البنك هنا دراهم سعودية وأقول: سلمني إياها في بلدي من نقد البلد، هل يجوز أو لا؟

طالب: التقابض.

الشيخ: نقول: يجوز إذا قال: تُحوَّل هذه الدراهم السعودية على أنها دراهم سعودية هناك، ثم يحصل المصارفة هناك بما يساوي الريال السعودي، واضح؟

طالب: كيف يا شيخ؟

الشيخ: مثلًا حولتُ ألف ريال سعودي إلى بلدٍ آخر، نقول: الذي يتحول كم؟ ألف ريال سعودي إلى هناك، ثم إذا جاء القابض لها نقول: إن شئت أن تأخذها ريالًا سعوديًّا خذها، وإن شئت أن تصرفها فإنك تصرفها بسعر يومها.

ص: 1162

طالب: ما يحصل.

الشيخ: اصبروا يا جماعة، عرفتم ولّا لا؟ إذن (

) لنفرض أنه مثلًا حول من بنك في السعودية إلى بنك القاهرة في القاهرة، نقول: تتحول الآن الدراهم إلى أيش؟ إلى بنك القاهرة سعودية، ثم عند قبض عوضها يقال: كم تساوي هذه الدراهم السعودية بالجنيه المصري؟ ويتم العقد على هذا الوجه، واضح؟

طلبة: ما يحصل.

الشيخ: لماذا؟

طالب: لأن السعوديين في البنك ولهم نائب هناك آخر يتعاملون معه بحيث يرسلون الرقم، رقم ألف ريال عندنا استلمناه أعطه المقابل، وهات ما يعادله.

الشيخ: ما يخالف، إذا جاء التحويل مقابله هناك ما هو هنا، يعني: لنفرض ألف ريال سعودي يساوي مثلًا ألف جنيه مصري هنا، لكن في مصر يساوي ثمان مئة جنيه، يأخذ بثمان مئة جنيه، ما هو بألف؛ لأنها تؤخذ بسعرها هناك، لكن مع ذلك سمعت أن هذا أيضًا لا يمكن، يقولون: إن هذا لا يمكن.

طالب: (

) الريال السعودي بالعملة الأخرى هنا، يعني الألف ريال تحول إلى عملة أخرى وتعطى الشيك، ثم ترسل أنت إلى هناك فتستلم المبلغ.

الشيخ: هذا غير صحيح.

الطالب: هذا هو الحادث.

الشيخ: ليش؟ لأن الشيك ليس قبضًا، الشيك تحويل، لكني أقول: إنه إذا صُرفت بشيك بما تساوي هنا، وصُرفت بشيك مصدق، واتُّصِل بالبنك الذي هناك وقال: نعم الرصيد المطلوب موجود عندي ولن أصرفه، فهذه ربما نقول: للضرورة إذا لم يمكن إلا هذه الحال فلا بأس بها؛ لأن الناس لا يمكن أن تتعطل مصالحهم، وكونه يحول دراهم سعودية إلى هناك ثم يجري التصارف هناك، ما يطيعوه، الحكومات ما تطيع. إذن ما فيها الآن إلا للضرورة؛ انتبهوا: للضرورة يأخذ شيكًا مصدقًا ويتصل بالبنك الآخر ويقول: هل عندك رصيد لهذا الرقم، إذا قال: نعم، يقول: احبسه أو احبس منه المقدار المعين، حينئذٍ نقول: للضرورة لا بأس، جائز، فهمتم ولّا لا؟ وهذا ممكن ولّا غير ممكن؟

طالب: غير ممكن.

الشيخ: لا، ممكن.

طالب: هذا ممكن.

ص: 1163

طالب: (

) نأخذ الشيك ونذهب إلى البنك المحول عليه ويقول الموظف مثلًا: الرصيد غير موجود، تعالَ بعد أسبوع أو عشرة أيام (

).

الشيخ: أحسنت، ولهذا قلنا: لا بد أن يكون مصدقًا، ولا بد يتصل على البنك المحوَّل عليه.

طالب: هذا غير منطقي أني أقول للموظف مثلًا: اتصل لي بالبنك في القاهرة لأعرف الرصيد موجودًا ولَّا غير موجود.

الشيخ: لا، ممكن، هذا ما فيه مانع.

الطالب: ما يطيعه يا شيخ.

الشيخ: إذا ما أطاعه ندور غيره، ندور على بنك ثان، هم يطيعون، ما يحتاج.

طالب: ما يطيعون يا شيخ.

طالب آخر: المكالمة الواحدة يا شيخ تتكلف خمسين ريالًا.

الشيخ: أقول: عليَّ أنا، تكلم.

طالب: ما يقبل هو.

طالب آخر: ما يمكن.

الشيخ: والله ما أعرف إلا

طالب: البنك لا يفعل هذا إلا إذا كان عنده الرصيد في البنك الآخر اللي هو في مصر، هذا أمر مرتب يا شيخ، لا يحتاج أني أنا مثلًا أتصل عليهم من هناك.

الشيخ: يعني: أنه ما يصدقه إلا بعد أن يتيقن أن هناك رصيد؟

الطالب: ما يصدر الشيك إلا بعد أن يكون هناك مقابل.

الشيخ: أنا قلت هذا: إنه لا بد من الاتصال بالبنك؛ لأن أحيانًا تُحال الشيكات ولا يصرف رصيد، وهذا كثير.

(

)

طالب: (

).

الشيخ: أقول: لم أفهم سؤالك. ما هو سؤالك؟

الطالب: إذا كان جنسان ربويَّان ..

الشيخ: نعم، اتفقا في علة ربا الفضل.

الطالب: لم يتفقا في علة ربا الفضل.

الشيخ: نعم.

الطالب: قلنا: يجوز أنه (

).

الشيخ: لا، إذا لم يتفقا.

الطالب: نعم إذا لم يتفقا (

).

الشيخ: إي نعم، صح.

الطالب: وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِه الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (4)؟

الشيخ: أجبنا عنه، ما أجبنا عنه يا جماعة؟ «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» ، أجبنا عنه.

الطالب: أقول يا شيخ: إذا كان (

) وهذا ربا.

الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ ذكرنا هذا، وقلنا: السَّلَم يدل على ذلك.

ص: 1164

الطالب: في غير النقد يا شيخ.

الشيخ: حتى في غير النقد؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه إذا باع مكيلًا بموزون جاز كُلُّ شيء.

طالب: يقول: إن العلة في جريان الربا في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، ليس كونهما نقدين، فما هي العلة في الأوراق نقدية؟

الشيخ: إي، هذه مشكلة، هذه لا تنطبق إلا إذا قلنا: إن العلةَ الثَّمَنيَّةُ، فقد أصبحت الأوراق النقدية الآن ثمنًا، تُشترى به الأشياء، وتدفع به الأجور وما أشبه ذلك، ويبقى علينا إذا قلنا: العلة الثمنِيَّة يُشكِل علينا حديث القلادة (10)، فإنها ليست ثمنًا، بل ذهبًا، ويُشكل علينا أيضًا عموم قوله:«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (11) هو عام، سواء كان نقدًا أو غير نقد، فلهذا (

) الأوراق النقدية بالذهب والفضة في النفس منه شيء، لكن الإنسان يستعظم أن يقول للناس: هذه الأوراق النقدية عروض مطلقًا؛ لأننا لو قلنا بهذا لأصبحت البنوك الآن التي تتعامل بالربا أيش؟ حلالًا لا ربا فيها، هذه واحدة. الشيء الثاني: لو قلنا بهذا قلنا: لا زكاة في هذه الأوراق ولو بلغت الملايين إلا إذا عدَّها للتجارة، تكون عروض تجارة، وقد قال بهذا بعض العلماء، حتى الفقهاء قالوا: لا زكاة في فلوسٍ مطلقًا؛ لأن الفلوس عروض، حتى لو كان الإنسان عنده ملايين من الفلوس اللي هي النقود المعدنية فليس عليه زكاة. لكن هذا ما يستطيع الإنسان يتجاسر فيه.

كل الناس اللي عندها ملايين من هذه الأوراق يقولون: ما أردنا التجارة فلا زكاة علينا، وكل البنوك تقول: خلاص الحمد لله أن (

) ويقول: أنتم تحاربون الله ورسوله، الآن لسنا نحارب الله ورسوله.

ص: 1165

فالحقيقة إن القول بأن العلة الثمنية قول قوي جدًّا؛ لأنه لا فرق بين أن تدفع مثلًا دينارًا أو أن تدفع ورقة فئة خمس مئة ريال بالنسبة لقيم الأشياء، لا فرق، لكن حديث فضالة هو الذي يُشكِل على هذا، إلا أن يقال: إذا كان أحدهما نقدًا، وهو من جنسه جرى الربا، حينئذٍ ننفك من هذا الإشكال. (

)

هذا يقول: استدللنا بحديث ابن عمر (9) على جواز بيع ما في الذمة بما في الذمة فلم أفهم هذا، بارك الله فيكم، وفهمت أن أحد النقدين حاضر؟

مثلًا باع الإبل بدراهم، فقال: أعطني بدل الدراهم دنانير. ليس في الحديث دليل على أنه أحضر الدنانير، بل قال: أعطني بدلها دنانير، ثم ذهب وجاء إليه بالدنانير، فيكون هنا بيع دين بدين. (

)

ما معنى قوله: (يحرُم ربا النسيئة)؟

طالب: النسيء معناه التأخير؛ يعني: يحرم التأخير.

الشيخ: تأخير القبض؟

الطالب: تأخير القبض نعم.

الشيخ: إذا باع؟

الطالب: إذا باع جنسين اتفقا في علة ربا الفضل.

الشيخ: أحسنت، إذا باع الإنسان جنسين اتفقا في علة ربا الفضل حرُم النسيئة، وهو أن يتفرقا قبل القبض. المثال؟

طالب: مثل: باع البر بشعير.

الشيخ: مثل أن يبيع بُرًّا بشعير أو؟

الطالب: أو ذهبًا بفضة.

الشيخ: أو ذهبًا بفضة. هل يستثنى من هذا شيء؟

طالب: نعم، يستثنى (

).

الشيخ: وهي؟

الطالب: وهي إذا كان بينهما نقد.

الشيخ: كيف إذا كان بينهما نقد؟

الطالب: يستثنى إذا كان أحدهما نقدًا.

الشيخ: يستثنى ما إذا كان أحدهما نقدًا.

هل هناك دليل على هذا الاستثناء؟

طالب: نعم، حديث القلادة (10).

الشيخ: لا.

طالب: حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنِ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (12).

الشيخ: وجه الدلالة؟

الطالب: وجه الدلالة أن السَّلَم هو تقديم الثمن (

).

ص: 1166

الشيخ: لكن هذا يقول: «فِي كَيْلٍ» ، يقول: كيلٌ لا يتفق مع النقدين في علة ربا الفضل؟

الطالب: في رواية: «فِي شَيْءٍ» .

الشيخ: و «فِي شَيْءٍ» ، وفي بعض الروايات «فِي ثَمَرٍ» (13).

الطالب: هذا وجه استدلال؟

الشيخ: إي ما هو؟ من دليلك، الآن أنت أتيت بالدليل، لكن لا ندري هل أتيت به تقليدًا أو أنك تعرف وجه الدلالة، والمطلوب الآن أن تبين لنا وجه الدلالة؟

الطالب: وجه الدلالة أن السَّلم في كل الثمن غير مثمن، هو قدم ثمن أحد النقدين.

الشيخ: الثمن أحد النقدين، وإذا كان المثمَن - وهو المسلم فيه - مكيلًا لم يتفقا في علة ربا الفضل.

الطالب: قد يكون ليس ذهبًا وفضة.

الشيخ: ويش يكون؟

الطالب: قد يكون بُرًّا أو تمرًا.

الشيخ: ما يصلح.

طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ» .

الشيخ: قوله: «أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ» ، والدنانير والدراهم موزونة.

هذا الدليل، فيه تعليل أيضًا. هذا الاستثناء له دليل وله تعليل؟

طالب: الدليل ما ذكره الأخ، أما التعليل فلئلا يسد باب السلم.

الشيخ: في؟

الطالب: في الموزونات.

الشيخ: دائمًا؟

الطالب: لا، غالبًا.

الشيخ: غالبًا. طيب، ما الذي أخرجه قوله (غالبًا)؟

الطالب: لأنه في المكيلات قد يكون في غير النقد.

الشيخ: صحيح؛ لأنه إذا جعل الثمن مكيلًا في الموزون لم يسدَّ باب السلم، وهذا كما تعرفون على الخلاف اللي مر.

هل يجوز للإنسان أن يتعامل بالربا مع رجلٍ حربي؟

طالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز! حربي يا رجال! حربي؟

الطالب: ما يجوز.

الشيخ: حربي مباح المال؟

الطالب: ما يجوز.

الشيخ: ما يجوز؟ أجب.

الطالب: الربا حرام سواء مع حربي أو مع غيره.

الشيخ: سؤالي هل يجوز الربا في معاملة الحربي أو لا؟

الطالب: لا يجوز.

الشيخ: لا يجوز. إذا قال لك قائل: أليس ماله حلالًا؟

الطالب: بلى.

الشيخ: إذن ليش ما آخذ ماله بأيِّ وسيلة؟

طالب: لأن الربا محرم لذاته، الله تعالى حرَّمه.

ص: 1167