المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب حد قطاع الطريق] - الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين - جـ ٢

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌(باب صفة الصلاة)

- ‌[مكروهات الصلاة]

- ‌[أركان الصلاة وواجباتها]

- ‌[باب سجود السهو]

- ‌(كتابُ الْمَنَاسِكِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط وجوب الحج والعمرة]

- ‌[باب المواقيت]

- ‌[باب الإحرام]

- ‌(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)

- ‌(بابُ الفِديةِ)

- ‌(باب جزاء الصيد)

- ‌[باب صيد الحرم]

- ‌[باب ذكر دخول مكة]

- ‌[باب صفة الحج والعمرة]

- ‌[باب الفوات والإحصار]

- ‌[باب الهدي والأضحية]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب البيع

- ‌[باب شروط البيع]

- ‌[باب الشروط في البيع]

- ‌[باب الخيار]

- ‌[باب الربا والصرف]

- ‌[باب بيع الأصول والثمار]

- ‌[باب السلم]

- ‌[باب القرض]

- ‌[باب الرهن]

- ‌[باب الضمان]

- ‌[باب الحوالة]

- ‌[باب الصلح]

- ‌[باب الحجر]

- ‌[باب الوكالة]

- ‌(باب الشركة)

- ‌[باب المساقاة]

- ‌[باب المزارعة]

- ‌[باب الإجارة]

- ‌[باب السبق]

- ‌[باب العارية]

- ‌[باب الغصب]

- ‌[باب الشفعة]

- ‌[باب الوديعة]

- ‌[باب إحياء الموات]

- ‌[باب الجعالة]

- ‌[باب اللقطة]

- ‌[باب اللقيط]

- ‌(كتابُ الوَقْفِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الهبة والعطية]

- ‌[فصل في تصرفات المريض]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب الوصايا

- ‌[باب الموصى له]

- ‌[باب الموصى به]

- ‌[باب الوصية بالأنصباء والأجزاء]

- ‌[باب الموصى إليه]

- ‌(كتابُ النِّكاحِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[أركان النكاح]

- ‌[شروط النكاح]

- ‌[باب المحرمات في النكاح]

- ‌[باب الشروط والعيوب في النكاح]

- ‌[باب نكاح الكفار]

- ‌[باب الصداق]

- ‌[باب وليمة العرس]

- ‌[باب عشرة النساء]

- ‌[باب الخلع]

- ‌(كتاب الطلاق)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب ما يختلف به عدد الطلاق]

- ‌[باب الطلاق في الماضي والمستقبل]

- ‌[باب تعليق الطلاق بالشروط]

- ‌[باب التأويل في الحلف]

- ‌[باب الشك في الطلاق]

- ‌[باب الرجعة]

- ‌(كتابُ الإيلاءِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[من يصح منه الإيلاء]

- ‌[مدة الإيلاء وما تحصل به الفيئة أو فسخ النكاح]

- ‌(كتابُ الظِّهارِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[كفارة الظهار]

- ‌(كتابُ اللِّعانِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط صحة اللعان]

- ‌[ما يلحق من النسب]

- ‌(كتابُ العِدَدِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الاستبراء]

- ‌(كتابُ الرَّضَاعِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط الرضاع المحرِّم]

- ‌[من يُحَرَّم بالرضاع]

- ‌[مدخل]

- ‌[باب نفقة الأقارب والمماليك والبهائم]

- ‌[باب الحضانة]

- ‌[باب شروط القصاص]

- ‌[باب استيفاء القصاص]

- ‌[باب العفو عن القصاص]

- ‌[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس]

- ‌(كتاب الديات)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب مقادير ديات النفس]

- ‌[باب ديات الأعضاء ومنافعها]

- ‌[باب الشجاج وكسر العظام]

- ‌[باب العاقلة وما تحمله]

- ‌[باب القسامة]

- ‌(كتاب الحدود)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب حد الزنا]

- ‌[باب حد القذف]

- ‌[باب القطع في السرقة]

- ‌[باب حد قطاع الطريق]

- ‌[باب حد المسكر]

- ‌[باب قتال أهل البغي]

- ‌[باب التعزير]

- ‌[باب حكم المرتد]

- ‌(كتاب الأطعمة)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الذكاة]

- ‌[باب الصيد]

- ‌(كتاب الأيمان)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب جامع الأيمان]

- ‌[باب النذر]

- ‌(كتاب القضاء)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب آداب القاضي]

- ‌[باب طريق الحكم وصفته]

- ‌[مدخل]

- ‌(كتاب الشهادات)

- ‌[باب موانع الشهادة وعدد الشهود]

الفصل: ‌[باب حد قطاع الطريق]

بقينا فيه شرط ذكره الفقهاء وهو أن يطالب المسروق منه بماله، فإن لم يطالب فإنه لا قطع، وهذا القول خلاف الصحيح، الصحيح أنه لا يُشْتَرَط المطالبة، متى ثبتت السرقة فإنه يجب أن يقام الحد؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن والسنة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه ليس بشرط أن يطالب المسروق منه بماله؛ لأن هذا حد لله، كما أنه ليس من الشرط أن تطالب المرأة بانتهاك عرضها فيما لو زنى بها رجل كُرْهًا، فإنه يقام عليه الحد وإن لم تطالب به.

فالحدود ليست مبنية على مطالبة الناس، الذي يُشْتَرَط فيه المطالبة هو ضمانه المال، ولَّا لا؟ ضمانه المال للمسروق منه، إذا لم يطالب به ما نقول: لازم تطالب بمالك، وأما إذا ثبت أن هذا الرجل سارق فإننا نقيم عليه الحد؛ لأن الغرض من إقامة الحد ليس مجرد العدوان على هذا الشخص الذي أسقط حقه، ولكن العدوان على الأمن العام، على أمن الناس العام.

ولنفرض أن هذا الرجل مثلًا أُعْطِيَ دراهم ولم يطالِب، أو أنه قريب للسارق فلم يطالبه، هل تسقط الحدود بمثل هذا مع أننا نريد حماية غير هذا الرجل؟ نحن نريد حماية المجتمع كله، فالصواب في هذه المسألة أنه ليس بشرط أن يطالب المسروق منه بماله.

وأما قضية صفوان بن أمية فيمن سرق رداءه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده، فقال: يا رسول الله، هو له، لما شاف أنه تقطع يده كأنه رضي الله عنه رَحِمَهُ وَرَقَّ له، فقال:«هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ » (7)، فهذا ما يدل على أنه لا بد من المطالبة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما علم بهذا السارق إلا من طريق صفوان، فلو أن صفوان سكت واتفق ويَّاه على شيء في ردائه ما حصل من هذا إشكال.

طالب: (

).

الشيخ: إي نعم، حتى لو وصل عن طريق شرعي، يعني إذا جاء ناس يشهدون بأن فلانًا سرق، وذاك ما طالَب، ما يُتَعَرَّض له.

[باب حد قطاع الطريق]

ص: 3706

(

) أولًا نبدأ بتعريف قُطَّاع الطريق، الطريق معروف أنه هو السبيل الذي يسلكه الناس في العبور، وقُطَّاع الطريق، قُطَّاع جمع قاطع، وقاطع الطريق هو الذي يفعل فعلًا تنقطع به الطرق، فلا يسلكها الناس من أجل أفعاله، هذا هو تعريف هذا الكلام من حيث كل كلمة بمفردها.

أما معنى مَن هم قُطَّاع الطريق فقال أهل العلم: إنهم الذين يعرِضون للناس بالسلاح فيَغْصِبُونَهم المال مجاهَرَةً لا سرقة.

وسواء كان ذلك في الصحراء أو في البنيان، فهم يعرضون للناس بالسلاح، يعني: لا بد أن يكون معهم سلاح، وأما بدون سلاح فليسوا قطاع طريق؛ لأنه يمكن التغلب عليهم، لكن المسلح لا يمكن للإنسان أن يتغلب عليه، ولا بد أيضًا أن يغصبوهم المال مجاهرة لا سرقة، فإن غَصَبُوهم المال سرقة فليسوا قُطَّاع طريق، يعني معناه: أخذوا المال سرقةً فليسوا قطاع طريق، هم قُطَّاع طريق يُعْرَفُون عند العامة الآن بالحنشة، إي نعم، فيقفون للناس في الطرق وهم مسلحون ثم يغصبونهم المال، يأخذون مركوباتهم أو مواشيهم أو أسلحتهم أو ما أشبه ذلك.

ومن هذا أيضًا -من هؤلاء- الذين يسطون على البيوت بالسلاح، فإن هؤلاء حكمهم حكم قطاع الطريق، وذلك لأن التحرُّز منهم أبعد من التحرُّز من الذين يتعرضون للناس في وسط الطرق؛ لأن الإنسان قد يكون إذا خرج إلى الطريق يكون متحرِّزًا ومتأهبًا، لكن في بيته يكون آمنًا.

ص: 3707

فعلى هذا يكون الذين يسطون على البيوت وهم مسلحون من قُطَّاع الطريق، وهم -أي قطاع الطريق- بلا شك من المفسدين في الأرض؛ لأن من أعظم الفساد في الأرض إزالة أمن الناس وتخويفهم وإرعابهم، وهذا يؤدي إلى تعطيل مصالحهم الدينية والدنيوية، فالدينية مثلًا إذا أراد الإنسان أن يحج وهو يعلم أن في الطريق قطاع طريق، فهل يحج ولَّا ما يحج؟ ما يحج، فتتعطل المصالح الدينية، إذا أراد أن يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله بالتجارة، وعلم أن في هذا الطريق قُطَّاعًا، فإنه أيضًا سوف يتعطل ولا يذهب، وحينئذ تتعطل مصالح الناس الدنيوية.

إذن فهم مفسدون في الأرض، ولهذا كان حَدُّهُم ما تسمعون إليه، إما قتل وصلب، وإما قتل بلا صلب، وإما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وإما نفيٌ من الأرض، وهو تشريدهم، فلا يُؤْوَوْنَ إلى بلد، يعني حدهم أربعة أنواع؛ إما قتل وصلب، وإما قتل بلا صلب، وإما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وإما نفي من الأرض، أربعة أنواع.

وهذه الأربعة أولًا يُجْمَع لهم بين القتل والصلب، لكن متى يكون الصلب، هل هو قبل القتل، ولَّا بعد القتل وقبل التغسيل والتكفين، وإلا بعد التغسيل والتكفين والصلاة وقبل الدفن، كل هذه آراء لأهل العلم، منهم من يقول: إن الصلب يكون وهم أحياء، يُصْلَبُون أمام الناس حتى يحصل لهم بذلك الألم القلبي والعار، فهذا لا شك أنه عار وخزي -والعياذ بالله- يذوقون أَلَمَهُ وهم أحياء، ومنهم مَن يقول: إنهم يُصْلَبُون بعد أن يُقْتَلُوا قبل التغسيل والتكفين والصلاة، وهذا لا يحصل به ألَمٌ قلبي على هؤلاء المصلوبين؛ لأنهم أموات، وما لجرح بميت إيلامٌ.

لكن قد يكون أشد رعبًا للأحياء مِن صَلْبِهم في حال الحياة؛ لأن رؤية الحي إلى الميت مصلوبًا توجب له الرعب والنفرة أكثر من رؤيته مصلوبًا وهو حي.

ص: 3708

والذين يقولون: إنهم يُغَسَّلُون أولًا ويُكَفَّنُون ويُصَلَّى عليهم قالوا: لأن هذه حقوق للميت ينبغي المبادرة بها، ثم يُصْلَب وهو في كفنه قبل أن يُدْفَن، أيّ هذه الأقوال أولى؟

طالب: الأوسط.

الشيخ: الظاهر أن الأوسط هو الوسط، وهو الأولى؛ لأن صَلْبَه بعد التكفين والصلاة عليه ما يوجب العار والذل عليه، ثم هو شيء ملفوف ما يحصل به من الرعب مثل ما يحصل إذا كان مَكْسُوًّا كأنه حي.

ثم الصلب إلى متى ينتهي؟ قال بعض العلماء: ينتهي بانتهاء ثلاثة أيام، إذا مضى عليه ثلاثة أيام وجب أن يُنَزَّل.

وقال بعض العلماء: إنه يبقى إلى أن يتفسخ أو ينتن فيتأذى الناس به، فإذا خِيفَت أَذِيَّتُه نُزِّل.

والمشهور من المذهب أنه يُصْلَب حتى يشتهر، إذا اشتهر بين الناس وتبين أمره فإنه يُنَزَّل، وعلى هذا فمثلًا إذا كان الصلب يوم الجمعة اشتهر أكثر مما لو صُلِبَ في غير يوم الجمعة، لماذا؟ لأن اجتماع الناس يوم الجمعة أكبر من اجتماعهم في غير الجمعة، فيكون اشتهاره أوسع، وبناء على هذا نقول: إذا اشتهر أمره في البلد وتبيَّن فإنه يُكْتَفَى بذلك، ويُنَزَّل ويُدْفَن.

المذهب أنه يكون الصلب كما قلت لكم متى؟ بعد التغسيل والتكفين والصلاة.

وأما قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فمن أين يكون القطع؟ يكون القطع -كما سبق في السرقة- من مفصل الكف بالنسبة لليد، ومن مفصل العقب بالنسبة للرِّجْل.

وأما النفي من الأرض فهو التشريد، تشريدهم من الأرض بحيث لا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد، كلما جاؤوا إلى بلد طُرِدُوا من البلد، هذا هو النفي؛ لأن النفي من الأرض نهائيًّا غير ممكن، إلا إلى السماء، والنفي إلى السماء ليس بممكن.

إذن يكون المراد بالأرض هنا الأرض المسكونة، وهي القرى والمدن، فيُنْفَوْن منها فلا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد.

ص: 3709

وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن المراد بالنفي {يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]: الحبس، يعني: يُحْبَسُون بحيث لا يخرجون، حبسًا مؤبَّدًا، ولكن هذا أيضًا بعيد من مدلول اللفظ؛ لأن {يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} النفي معناه الطرد والإبعاد، وليس معنى النفي الحبس أبدًا، ولكن قول أبي حنيفة وجيه فيما إذا لم يمكن نفيهم على وجه الكمال، مثل أن يَلْزَم من نفيهم عن البلاد أن يُكَوِّنُوا جماعة في البَرّ وعصابات يكون ضررهم أكثر من إيوائهم، ففي مثل هذه الحال يكون قول أبي حنيفة متوجهًا، وإن كان هو بعيدًا من اللفظ لكنه ما يمكن الحصول على المصلحة التي أراد الله سبحانه وتعالى بنفيهم من الأرض إلا بهذا العمل؛ إلا بالحبس حتى يُقْضَى على شرهم.

ما هو الدليل على هذه الأنواع من الحد؟ الدليل قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]، وكلمة {يُقَتَّلُوا} و {يُصَلَّبُوا} و {تُقَطَّعَ} التشديد هنا لفظًا دليلٌ على التشديد معنًى، التشديد اللفظي ما قال: أن يُقْتَلُوا أو يُصْلَبُوا أو تُقْطَع، بل قال:{يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ} ؛ لأن جريمتهم عظيمة، فكان ينبغي المبالغة في تعذيبهم، وهذا يقتضي التنفير من هذا الفعل.

كلمة {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ} ، {أَوْ يُنْفَوْا} فيها (أو) كُرِّرَت ثلاث مرات، فهل هي للتخير أو للتنويع؟

طالب: للتخيير.

ص: 3710

الشيخ: للتخيير، معناه إذن يكون نحن مُخَيَّرين بين أن نقتلهم ونصلبهم أو ننفيهم من الأرض، وهذا لا يمكن أن تأتي به الشريعة؛ أن يكون التخيير بين شيئين مختلفين اختلافًا كبيرًا، وليس الغرض من ذلك التخفيف على المكلَّف، ليس هذا كفارة لحق الله حتى نقول: إن (أو) للتخيير، ولكنها عقوبات، والعقوبات تقتضي الحكمةُ أن تكون مناسبة للجريمة، ما يمكن تكون عقوبات مختلفة في شدتها لجريمة واحدة.

على كل حال العلماء اختلفوا في هذه الآية؛ منهم من يرى أن (أو) هنا للتنويع، فلكل عقوبة جريمة، {يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} هذه لجريمة، {تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} هذه لجريمة أخرى أقل من الأولى، {يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} لجريمة ثالثة أقل مما قبلها.

ومنهم مَن يرى أن (أو) للتخيير، والذين يرون أنها للتخيير يقولون: إن هذا التخيير ليس تخييرَ تَشَهٍّ، ولكنه تخييرُ مصلحةٍ، فيجب أن تُنَزَّل عليهم هذه العقوبات بحسب المصلحة، إن رأى الإمام أن جزاءهم القتل والصلب فليفعل، إن رأى أن جزاءهم دون ذلك فليفعل، وهذا قد يكون فيه مصلحة في بعض الأحيان، وقد يكون فيه مَضَرَّة أكبر من مصلحته؛ لأن الحاكم الذي يوثَق به في مراعاة المصالح -لا سيما في زماننا هذا- يكون قليلًا أو معدومًا، فلذلك تنزيلها -ولا سيما في هذا الوقت- على أن تكون أو للتنويع أولى من أن تكون للتخيير.

التنويع الآن في الآية الكريمة: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} ، وظاهر الآية الكريمة أن القتل وحده، والصلب وحده، ولكن المعروف عند أهل العلم أن القتل مع الصلب، ولا يمكن أن ينفرد الصلب وحده؛ لأن الصلب في اللغة العربية معروف أنه إنما يكون بعد القتل، وعلى هذا فيكون (أو) هنا وإن كانت للتنويع لكنها لا تنفرد وحدها، يصير {يُقَتَّلُوا} هذا قتل بلا صلب، {يُصَلَّبُوا} تدل على قتل وصلب، تكون هذه عقوبتان.

ص: 3711

{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} هذه العقوبة الثالثة، {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} هذه هي العقوبة الرابعة.

كيف نَوَّعَ العلماء الجريمة في مقابلة هذه العقوبات؟ قالوا: إذا قتلوا وأخذوا المال فهنا جريمتان؛ على النفس، وعلى المال، يُجْمَع لهم بين القتل والصلب، كما فعلوا جريمتين فإنهم يعاقَبُون عقوبتين، إذا قتلوا ولم يأخذوا مالًا فإنهم يُقْتَلون بدون صلب، وهذا القتل هنا ليس راجعًا إلى أولياء المقتول؛ إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وإن شاؤوا عفوا، هذا قتل واجب، لماذا؟ لأنه حد، والحدود الشرعية ما تسقط، لا بد من تنفيذها.

فهنا يجب القتل، حتى لو عَفَا أولياء المقتول فإنه يجب قتلهم؛ إذ إن شرهم هنا خاص ولَّا عام؟ عام، افرض أن أولياء المقتول عَفَوْا وأسقطنا القَوَد، لكن إذا أخرجناهم عادوا إلى هذه، فلذلك يجب أن يُقْتَلُوا.

إذا أخذوا المال ولم يَقْتُلوا فإنها تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أيديهم لأنهم أخذوا بها المال، وأرجلهم لأنهم سَعَوْا بها للفساد في الأرض، فكانت الحكمة أن تُقَطَّع اليد التي أخذت والرِّجل التي سعت.

وكونه من خلاف؛ لأن قطعها من جانب واحد يؤدي إلى إضعاف البدن من جانب واحد، وتوزيع العقوبة على الجانبين أسهل على البدن، ولهذا صارت هذه العقوبة جامعة بين الحكمة والرحمة؛ حكمة بقطع اليد والرِّجل، ورحمة باختلافها، اليد اليمنى والرِّجل اليسرى.

طالب: ما يؤخذ يا شيخ تشديد العذاب، يعني فرعون كان يهدَّد السحرة:{فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ} [طه: 71] (

ص: 3712

الشيخ: وربما قد يكون في هذا زيادة عذاب من جهة الألم من جهتين، لكن جمعها في جانب واحد فيه هدم للبدن، وقد يكون فرعون هدَّدهم؛ لأن العقوبة المعروفة في ذلك الوقت هي هذه، ما أراد أن يعاقبهم بأقصى العقوبات؛ لأن فيه عقوبات ثانية مثلًا غير هذه؛ قطع مثلًا ألسنتهم، يقطع آنافهم، وما أشبه ذلك.

طالب: قوله {مِنْ خِلَافٍ} هل يُفْهَم منه (

الشيخ: لا، يُفْهَم منه أنه لا بد من التخالف، لكن لما كانت السرقة يجب فيها قطع اليد اليمنى صار هنا لا بد أن يقطع اليد اليمنى، فإذا قطعنا اليد اليمنى تعين أن يكون القطع للرِّجْل اليسرى، ولَّا الآية ما فيها دليل أنها تكون اليد اليمنى والرجل اليسرى؛ إذ من الجائز أن تكون اليد اليسرى والرِّجل اليمنى، لكن لما كان القطع في السرقة لليد اليمنى كما في قراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) فصار هذا هو.

{يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33] متى؟ إذا أخافوا الطريق، ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالًا، يعني: هم ما يريدون أن يقتلوا الناس ولا أن يأخذوا أموالهم، بس يريدون أن يخوِّفُوا الناس، إذا أقبل الناس هجموا عليهم، وهات وأعطنا وإلا قتلناك، (

) الثوب (

) المتاع وما أشبه ذلك، لكنهم لا يريدون القتل ولا الأخذ، هؤلاء ما يمكن أن نقتلهم ولا أن نُقَطِّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولكننا لا بد أن نحمي الناس منهم، في أي مكان؟ نتركهم ما يأوون إلى البلاد، لكن كما قلنا: إنْ هذا لم يندفع به شرهم وجب الأخذ بما قاله أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه بالحبس؛ لأن أبا حنيفة وأصحابه لاحظوا أنهم إذا نُفُوا وتُرِكُوا لا يأوون إلى بلد أنه قد يزداد شرهم، قد يتجمعون، إحنا الآن بنشردهم، يعني حتى نفينا إياهم ما معناه نخليهم مثل فرقة طير يطيرون جميعًا ويأتون جميعًا، نشردهم كل واحد نخليه مع جهة، لكن مع ذلك مَن الذي يحمي البراري، لا سيما البراري الواسعة؟

ص: 3713

إذن إذا خفنا ألَّا يندفع شرهم إلا بالحبس فإننا نحبسهم؛ لأن هذه العقوبات يُعْلَم علم اليقين أن المقصود بها حماية المصالح العامة.

طالب: (

).

الشيخ: الذين يتعرَّضون للناس ويغصبونهم المال.

الطالب: المال، ويتعرضون للعِرض.

الشيخ: ما ذكر العلماء تعرضهم للعِرض، لكنه أشد من المال بلا شك.

الطالب: تجري عليهم العقوبات؟

الشيخ: تجري عليهم هذه العقوبات، إي نعم، وهم أيضًا تعرف أنهم إذا تعدوا على الأعراض يقام عليهم حد الزنا، فإذا كانوا مُحْصَنِين يُرْجَمُون.

طالب: (

).

الشيخ: بالطبع، لا بد من الثبوت، حتى مثلًا لو ادَّعى إنسان أنهم اعتدوا على عرضه ما نقبل إلا ببينة، أو بقرينة ظاهرة قوية، وحينئذ تُجْرَى عليهم الأحكام التي ذكرت هنا.

طالب: حكمهم في الدنيا (

الشيخ: إي نعم، حكمهم حكم المسلمين، يعني بمعنى: إذا نُفِّذ فيهم الحد كل مَن نفذ فيه الحد فإنه مسلم، فيعامل في أحكام الآخرة معاملة غيره.

الطالب: (

).

الشيخ: لا، ما قال (

)، أبدًا، يمكن من الخوارج.

الطالب: (

).

الشيخ: معكم الكتاب؟ لا، هذا ما هو بصحيح، حتى البُغَاة يُصَلَّى عليهم، ولهذا يَرِث -كما مر عليكم في الفرائض- أنه بيرث الباغي من العادل، والعادل من الباغي، فهم مسلمون، يحتاج إلى تحرير الكتاب هذا، ما تعرَّض له المدرس عندكم؟

طالب: لا.

الشيخ: من اللي مُدَرِّس.

طالب: (

).

الشيخ: لا، نَبِّهُوه على هذه المسألة، قولوا: هو هذا مذهب الحنابلة، ولَّا مذهب مَن، وما دليله؟

طالب: بقية الآية.

الشيخ: أيهم؟

الطالب: آية الحرابة.

الشيخ: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33].

الطالب: (

) الكفار.

ص: 3714

الشيخ: نعم، الآية هذه، أما قوله:{ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} فظاهر، وأما قوله:{وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فهذا يُحْمَل على الكافرين منهم؛ لأنه ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما أن مَن أصاب من هذه الجرائم شيئًا وأقيم عليه الحد فهو كفارته، وقد مر علينا هذا، يكون قوله:{وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هذا على الكافرين منهم، فيكون الحد عامًّا في الكافرين والمسلمين، وأما عقوبة الآخرة فهي للكافرين فقط.

طالب: يا شيخ إذا أقيم عليه الحد في الدنيا (

).

الشيخ: إذا كان من نيته بعدما أقيم عليه الحد وهدفه يسعى في القتل، وما فعل هذه النية فهو يعاقب عليها في الآخرة، وأما إذا أقيم عليه الحد وسكت، يعني ما عزم على ألا يفعل ولا على أن يفعل فإنه يكون كفارة له.

قال: (ويقتل الصائل إن لم يندفع بدونه، أو خِيف أن يبادر بالقتل).

الصائل معروف هو المهاجم الذي يريد الإنسان إما على نفسه أو ماله أو حرمته، هذا الصائل، الذي يصول على الإنسان، وليس قاطع طريق هنا؛ لأن قطاع الطريق إنما يريدون قطع الطريق عامة، أو الاعتداء على المسلمين عامة، لكن الصائل يريد هذا الخاص يصول عليه، إما يريد نفسه أو حرمته أو ماله، فإذا صال أحد على شخص فإنه إن كان على نفسه، أو على حرمته، أو على غيره من الناس، وجب عليه أن يدافع وجوبًا؛ لأن النفس محترَمة وأمانة عندك، فيجب عليك أن تدافع عنها.

وأما إذا صال يريد مالك فقد اختلف العلماء؛ هل يجب عليك الدفاع أو لا يجب، فالمشهور من المذهب أنه لا يجب عليك أن تدافع عن مالك، كما أنه لا يجب عليك حفظه من الضياع، والقول الثاني أنه يجب عليك أن تدافع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال (8)، وهذه إضاعة له إذا تركت الصائل المجرِم يأخذه.

ص: 3715

ولكن الصحيح في هذه المسألة أن نقول: إذا كان في الإنسان قوة ويغلب على ظنه القدرة على ذاك الصائل، فإنه يجب عليه أن يدافع، لا من أجل احترام المال فحسب، ولكن من أجل احترام الأمن أيضًا؛ لأنك إذا لم تدافع وتسَلط هذا الصائل على مالك فإن هذا سوف يغيره بالتسلط على غيرك، وحينئذ تكون أنت المتسبب بإغراء هذا المجرم على جريمته.

فإذا كان فيك قدرة يغلب بها على الظن أنك ستمنعه وتقضي عليه فإن الواجب عليك أن تدافع احترامًا لمالك، واحترامًا لأمن غيرك، وبهذا التفصيل يكون الجمع بين القولين وبين الأدلة أيضًا.

وأما القول بأنه لا يجب حفظ المال عن الضياع فهو ضعيف جدًّا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، والله تعالى يقول في الأموال إنه جعلها قيامًا لنا، فما جُعِلَ قيامًا لمصالح ديننا ودنيانا كيف يجوز لنا أن نفرط فيه وأن نضيعه.

الصواب أنه لا يجوز للإنسان أن يضيع ماله، بل يجب عليه حفظه من الضياع، ولكن دفع الصائل ليس خالصًا في كونه دفاعًا عن ضياعه؛ لأن الصائل سينتفع به، ليس ضائعًا المال، لكن دفع الصائل من أجل الحرمة؛ حرمة الإنسان وماله، ولهذا قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جاءني رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال:«لَا تُعْطِهِ» ، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ» ، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» ، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» (9)، فالحاصل أن التفصيل في هذه المسألة أولى من الإطلاق.

فالمسألة فيها قولان: وجوب الدفع مطلقًا، وعدمه مطلقًا؛ وهو المذهب، والصواب أنه إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أنه قادر فإنه يجب الدفع.

ص: 3716

ولكن ما ترون؟ هل يجب الدفع ولو كان المال قليلًا؟ لو فرضنا واحدًا بيأخذ قلمًا، القلم يسوى ريالين فقط، تدافعه ولَّا لا؟ نعم تدافعه؛ لأن المقصود منع الاعتداء، وما دمت قادرًا وعارفًا أنك ستخلصه فدافع، أما إذا كنت تعرف أنه سيغلبك فلا تدافع؛ لأنك إن دافعت الآن ويش بيكون؟ انتهاك لحرمة المال، وانتهاك لحرمة النفس أيضًا، وربما يقتلك إذا رأى أنك مدافعه.

الصائل يدافَع بالأسهل فالأسهل، إن اندفع بالكلام والزجر والتهديد فلا تفعل معه سوى ذلك، وإن لم يندفع إلا بالضرب باليد ضربته باليد، بالعصا فاضربه بالعصا، بما هو أكبر فاضربه بما هو أكبر، المهم تدافع بالأسهل فالأسهل؛ لأن المقصود منع هذه المفسدة، فإذا لم يندفع إلا بالقتل فلك قتله، إذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يجوز أن تقتله، لكن لو اندفع بالإيثاق أنت مثلًا (

) مسكته وأوثقته، تقتله ولَّا لا؟

طلبة: لا.

الشيخ: ما يجوز تقتله، لو تقتله في هذه الحال وجب أن تُقْتَل به إذا تمت شروط القصاص.

إذا لم يندفع إلا بالقتل فله أن يقتله.

إذا كان الرجل ما يدري هل يندفع بالقتل أو بما دونه، لكنه خاف أن يبادره بالقتل، فهل له أن يقتله؟

الجواب: نعم، إذا كنت تقول: أنا لو أقعد أكلمه أو أهدده أو أضربه بعصا أو ما أشبه ذلك قتلني، أعرف أنه مُعْتَدٍ، فإنه يجوز لك أن تقتله بدون استعمال الأسهل في حقه خوفًا من أن يقتلك ويبادرك بالقتل.

طالب: شيخ، لو بإصابة.

الشيخ: نعم، إذا أمكن تصويبه ما يجوز قتله، يعني لو أمكن لك مثلًا تضربه في رجليه تكسرهما مثلًا، أو في يديه، هو ما يمكن القتل، هو متى اندفع بالأسهل فلا يُعْدَل إلى الأعظم، كل هذا أمر فيما بينك وبين الله.

ص: 3717

لكن فيما بينك وبين الناس الآن لو أن أحدًا قتل شخصًا وادَّعى أنه مدافع، وأن المقتول صائل، فأمام المحكمة ماذا يكون الحكم؟ ما تُقْبَل دعواه، دعوى أنه صائل عليك وأنك قتلته دفاعًا غير مقبولة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (10)، ففي هذه الحال نقول: إذا لم يكن لك بينة فإنه لا تُقْبَل دعواك، وحينئذ يُقْتَل ولا لا؟

طالب: يُقْتَل.

الشيخ: يُقْتَل، ودعواه أنه مدافع ليست شبهة تمنع القصاص، هذه الشبهة ما تمنع القصاص؛ لأن الأصل الحرمة والعصمة، فلا يكفي مجرد دعوى أنه صائل، ولا شك أن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، كما أن القول بقبول دعواه على الإطلاق فيه أيضًا نظر، في كلا القولين مفسدة إذا أخذناهما على الإطلاق.

ص: 3718

ولهذا الصحيح في هذه المسألة أن نقول: إذا كان هناك قرينة قوية تُرَجِّح جانب المدَّعِي فإنه يجب الأخذ بها؛ لئلا تضيع حقوق الناس، أو يُحْجَز الناس عن المدافعة عن أعراضهم وأموالهم وأنفسهم، فإذا كان هذا المقتول معروفًا بالشر والفساد، والقاتل معروف بالخير والصلاح، وادَّعَى أنه صال عليه، ووُجِد قرينة أيضًا تؤيد ذلك، كما لو وُجِدَ في بيته، فإن هذا يدل على صدق دعوى المدَّعِي، قرينة مثلًا في جانب القاتل، وقرينة في جانب المقتول، وقرينة في ملابسات القضية، فإن هذا دليل على صدق دعواه، وحينئذ يرتفع عنه القصاص ويؤخذ بقوله؛ لأننا لو منعنا قبول قوله على الإطلاق صار في هذا فتح كبير لمن؟ للمفسدين؛ لأن هذا المفسد يقول: إن غنمت -كما يراه هو- فقد ربحت، وإن قُتِلْتُ فصاحبي سيُقْتَل، فهو على زعمه غانم على كلا الاحتمالين، ولا شك أن هذا شر كبير، لو أنه أُخِذَ على إطلاقه، وإن كان هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة لكنه ضعيف، فالصحيح ما ذكرنا من التفصيل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، على أن المعروف بالشر والفساد يُقْبَل قول من ادعى أنه قتله دفاعًا عن نفسه.

طالب: تلزم الدية يا شيخ؟

الشيخ: ما تلزم الدية، كيف تلزم! ما له شيء أبدًا، ما دام عُلِم أن هذا صحيح، القرينة تؤيد أنه يدافع فهو هدر.

انتهى الكلام على حد قُطَّاع الطريق وعلى قتل الصائل.

طالب: (

).

الشيخ: لا؛ لأن القاتل لنفسه والقاتل عمدًا كلهم في النار، الرسول أخبر أن القاتل لنفسه يُعَذَّب بما قتل به نفسه في نار جهنم، ومع ذلك أمر بأن يُصَلَّى عليه.

طالب: (

).

الشيخ: هذا في السلطان، الرسول أمر أن الإنسان يصبر على جور السلطان ويسمع ويطيع وإن أخذ ماله وضرب ظهره.

طالب: (

).

ص: 3719