المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب محظورات الإحرام) - الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين - جـ ٢

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌(باب صفة الصلاة)

- ‌[مكروهات الصلاة]

- ‌[أركان الصلاة وواجباتها]

- ‌[باب سجود السهو]

- ‌(كتابُ الْمَنَاسِكِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط وجوب الحج والعمرة]

- ‌[باب المواقيت]

- ‌[باب الإحرام]

- ‌(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)

- ‌(بابُ الفِديةِ)

- ‌(باب جزاء الصيد)

- ‌[باب صيد الحرم]

- ‌[باب ذكر دخول مكة]

- ‌[باب صفة الحج والعمرة]

- ‌[باب الفوات والإحصار]

- ‌[باب الهدي والأضحية]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب البيع

- ‌[باب شروط البيع]

- ‌[باب الشروط في البيع]

- ‌[باب الخيار]

- ‌[باب الربا والصرف]

- ‌[باب بيع الأصول والثمار]

- ‌[باب السلم]

- ‌[باب القرض]

- ‌[باب الرهن]

- ‌[باب الضمان]

- ‌[باب الحوالة]

- ‌[باب الصلح]

- ‌[باب الحجر]

- ‌[باب الوكالة]

- ‌(باب الشركة)

- ‌[باب المساقاة]

- ‌[باب المزارعة]

- ‌[باب الإجارة]

- ‌[باب السبق]

- ‌[باب العارية]

- ‌[باب الغصب]

- ‌[باب الشفعة]

- ‌[باب الوديعة]

- ‌[باب إحياء الموات]

- ‌[باب الجعالة]

- ‌[باب اللقطة]

- ‌[باب اللقيط]

- ‌(كتابُ الوَقْفِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الهبة والعطية]

- ‌[فصل في تصرفات المريض]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب الوصايا

- ‌[باب الموصى له]

- ‌[باب الموصى به]

- ‌[باب الوصية بالأنصباء والأجزاء]

- ‌[باب الموصى إليه]

- ‌(كتابُ النِّكاحِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[أركان النكاح]

- ‌[شروط النكاح]

- ‌[باب المحرمات في النكاح]

- ‌[باب الشروط والعيوب في النكاح]

- ‌[باب نكاح الكفار]

- ‌[باب الصداق]

- ‌[باب وليمة العرس]

- ‌[باب عشرة النساء]

- ‌[باب الخلع]

- ‌(كتاب الطلاق)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب ما يختلف به عدد الطلاق]

- ‌[باب الطلاق في الماضي والمستقبل]

- ‌[باب تعليق الطلاق بالشروط]

- ‌[باب التأويل في الحلف]

- ‌[باب الشك في الطلاق]

- ‌[باب الرجعة]

- ‌(كتابُ الإيلاءِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[من يصح منه الإيلاء]

- ‌[مدة الإيلاء وما تحصل به الفيئة أو فسخ النكاح]

- ‌(كتابُ الظِّهارِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[كفارة الظهار]

- ‌(كتابُ اللِّعانِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط صحة اللعان]

- ‌[ما يلحق من النسب]

- ‌(كتابُ العِدَدِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الاستبراء]

- ‌(كتابُ الرَّضَاعِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط الرضاع المحرِّم]

- ‌[من يُحَرَّم بالرضاع]

- ‌[مدخل]

- ‌[باب نفقة الأقارب والمماليك والبهائم]

- ‌[باب الحضانة]

- ‌[باب شروط القصاص]

- ‌[باب استيفاء القصاص]

- ‌[باب العفو عن القصاص]

- ‌[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس]

- ‌(كتاب الديات)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب مقادير ديات النفس]

- ‌[باب ديات الأعضاء ومنافعها]

- ‌[باب الشجاج وكسر العظام]

- ‌[باب العاقلة وما تحمله]

- ‌[باب القسامة]

- ‌(كتاب الحدود)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب حد الزنا]

- ‌[باب حد القذف]

- ‌[باب القطع في السرقة]

- ‌[باب حد قطاع الطريق]

- ‌[باب حد المسكر]

- ‌[باب قتال أهل البغي]

- ‌[باب التعزير]

- ‌[باب حكم المرتد]

- ‌(كتاب الأطعمة)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الذكاة]

- ‌[باب الصيد]

- ‌(كتاب الأيمان)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب جامع الأيمان]

- ‌[باب النذر]

- ‌(كتاب القضاء)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب آداب القاضي]

- ‌[باب طريق الحكم وصفته]

- ‌[مدخل]

- ‌(كتاب الشهادات)

- ‌[باب موانع الشهادة وعدد الشهود]

الفصل: ‌(باب محظورات الإحرام)

ومنهم من يقول: يُحْرِم إذا رَكِبَ دابته.

ومنهم من يقول: إذا أحرم في الْحُدَيْدَة فإذا استوت على البيداء.

فالأقوال ثلاثة، وقد جاء الجمع بينهما فيما رواه أهل السنن (19) عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الوجوه الثلاثة كله صحيح، فمن الناس مَن سمعه حين أحرم به بعد الصلاة، وقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَهَلَّ دُبُرَ صلاة.

عَقِبَ رَكعتينِ

ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويُسْتَحَبُّ قولُ:" اللَّهُمَّ إني أُريدُ نُسُكَ كذا فيَسِّرْهُ لي، وإن حَبَسَنِي حابِسٌ فمَحَلِّي حيث حبَسْتَنِي، وأَفْضَلُ الأنساكِ التَّمَتُّعُ، وصِفَتُه أن يُحْرِمَ بالعُمرةِ في أَشْهُرِ الْحَجِّ ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ في عامِه، وعلى الأفقي دمٌ، وإن حاضَتْ المرأةُ فخَشِيَتْ فواتَ الْحَجِّ أَحْرَمَت به وصارَتْ قَارِنَةً، وإذا اسْتَوَى على راحلتِه قالَ: " لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لبَّيْكَ لا شريكَ لك لَبَّيْكَ، إنَّ الحمْدَ والنعمةَ لك والْمُلْكَ لا شَريكَ لك، يُصَوِّتُ بها الرجُلُ وتُخْفِيها المرأةُ.

(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)

وهي تِسعةٌ: حَلْقُ الشعرِ وتقليمُ الأظافرِ، فمَن حَلَقَ أو قَلَّمَ ثلاثةً فعليه دمٌ، ومَن غَطَّى رأسَه بِمُلاصِقٍ فَدَى، وإن لَبِسَ ذَكَرٌ مَخيطًا فَدَى، وإن طَيَّبَ بَدَنَه أو ثوبَه أو ادَّهَنَ بِمُطَيِّبٍ

عقد الإحرام سبب لمشروعية ركعتين يحتاج إلى دليل.

وقوله: (عقب ركعتين) يعني أنه لا يتأخر في الإحرام إلى الركوب، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء؛ منهم من قال: يُحْرِم عقب الصلاة في مكانه، ومنهم من يقول: يُحْرِم إذا ركب دابته، ومنهم من يقول: إذا أَحْرَم في الحديباء فإذا استوت على البيداء، فالأقوال ثلاثة.

ص: 297

وقد جاء الجمع بينهم فيما رواه أهل السنن (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الوجوه الثلاثة كله صحيح، فمن الناس من سمعه حين أَحْرَم به بعد الصلاة، وقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَهَلَّ دُبُر الصلاة، ومنهم مَن سمعه حين ركب، وقال: أَهَلَّ؟

طالب: حين ركب.

الشيخ: حين ركب، ومنهم مَن سمعه حين عَلَا على البيداء وقال: أَهَلَّ؟

طلبة: على البيداء.

الشيخ: على البيداء، فيكون الرسول عليه الصلاة والسلام أَهَلَّ من حين انتهى من الصلاة، ولكن النقول إنما اختلفت حسب سماع الرواة، والأقرب أنه لا يُلَبِّي إلا إذا ركب من أجل أن يجعل لنفسه فسحة؛ لأن الإنسان قد يتذكَّر شيئًا يحرُم تناوله في الإحرام فيتناوله، ولنضرب لهذا مثلًا:

رجل اغتسل وصلى ما شاء الله، وبقي يتغدى، ونسي أن يتطيب، إذا قلنا: أَحْرِم من حين الصلاة، هل يمكن يتطيب قبل أن يركب؟

طلبة: لا.

الشيخ: لا، وإذا ركب فقد تقطَّعت علاقاته بالْمَحْرَم؛ لأنه تهيأ للسير، فإذا كان لم يُحْرِم عند الصلاة صار معه فسحة أن يتطيب، فالأقرب أنه يعقد الإحرام إذا ركب.

(ونيَّتُه شَرْط) يعني: نية الدخول شرط، معلوم، لو أنه لبس ثياب الإحرام بعد أن اغتسل وتطيَّب ولكن ما نوى، ثم سار، وفي أثناء الطريق ذَكَرَ هل ينوي من أثناء الطريق ولَّا يرجع إلى الميقات؟ يرجع إلى الميقات، فإن تعذَّر أَحْرَمَ من مكانه، ولكن عليه دم عند أهل العلم.

إذن لا بد أن ينوي، وهل يجب أن ينوي معيَّنًا من عمرة أو حج أو قِرَان؟ له أن يُحْرِم إحرامًا مطلقًا، ويقول: نَوَيْت الإحرام، وله أن يُحْرِم بمثل ما أَحْرَمَ به فلان، وهذا يقع أحيانًا، يكون الإنسان جاهلًا ولا يدري بماذا يُحْرِم، فيقول: لبيك بما لَبَّى به فلان، وحينئذ يتعيَّن عليه أن يسأل؟

طالب: فلان.

الشيخ: فلانًا قبل أن يطوف، حتى يُعَيِّن النية قبل الطواف.

ص: 298

(ويستحب قول: اللهم إني أريد نسك كذا) يعني حَجًّا أو عمرة، (فيَسِّرْه لي، وإن حبسني حابس فمَحِلِّي) أي: إحلالي (حيث حَبَسْتَنِي) أي: في المكان الذي حبستني فيه.

هذا الاشتراط يقوله عند النية، يقول: اللهم إني أريد نسك كذا فيَسِّرْه لي، وظاهر كلام المؤلف بل صريحه أنه ينطق بالنية، والمذهب أن النطق بالنية سنة في جميع العبادات، إلا أنها تكون سرًّا.

والصحيح أن النطق بالنية ليس بسنة لا في الإحرام ولا غيره، لكن يستثنى لا بد أن يكون بالنطق، انتبهوا بارك الله فيكم.

الآن كلام المؤلف صريح في أنه ينطق بالنية فيقول؟

طالب: اللهم إني ..

الشيخ: اللهم إني أريد كذا، والصحيح أنه ليس بسنة، لكن الشرط لا بد منه، فيقول مثلًا: اللهم إني أحرمت، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ولا يجعل النية مقرونة بهذا اللفظ، تكون النية من قبل، ولا حاجة إلى النطق بها؛ لأن الله يعلم.

وقوله: (إن حبسني حابس)، (حابس) نكرة في سياق الشرط فتَعُمّ أي شيء يمنعه من إتمام النسك من مرض أو كسر أو ذهاب نفقة، أو ضلّ الطريق، أو ما أشبه ذلك؛ يعني كلمة (حابس) نكرة في سياق الشرط فتعم، حتى المرأة لو قالت: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ثم حاضت، ولا تستطيع أن تنتظر حتى تطهر، فلها أن تحل؛ لأنها اشترطت على ربها.

وقوله رحمه الله: (يستحب قول) ظاهره العموم، سواء كان يخاف من العائق أو لا يخاف.

وهذه المسألة -أعني الاشتراط في الإحرام- اختلف فيها العلماء رحمهم الله على ثلاثة أقوال: القول الأول أنها بدعة ولا تنفع صاحبها، وهذا قول عبد الله بن عمر وجماعة من أهل العلم.

ص: 299

واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يشترط وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (2)، فمقتضى هذا القول ألَّا نشترط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط، ولهذا أنكر ابن عمر على من يشترطون، وقال: ما هذا؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم أَحْرَمَ ولم يشترط، و {لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

ومنهم من قال: يشترط مطلقًا، وهذا القول ضعيف جدًّا، كيف يمكن أن نقول: اشترط مطلقًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط، من أين لنا هذه السنة؟

ومنهم مَن فَصَّل، وقال: مَن خاف من عائق يمنعه من إكمال النسك فليشترط، ومَن لا فلا.

وهذا القول هو الصواب الذي به تجتمع الأدلة، ونجيب عمن أنكر الاشتراط بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط؛ لأنه لا يخاف عائقًا، وإذا خاف عائقًا فإنه يشترط بالسنة القولية، وذلك أن ضُبَاعة بنت الزبير شكت إلى النبي عليه وعلى آله وسلم أنها تحج وهي شاكية، فقال لها:«حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي؛ فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (3)، أسمعتم؟

طلبة: نعم.

الشيخ: وهذا القول هو الوسط، وهو الذي به تجتمع الأدلة.

القول الأول الذي يقول بالاشتراط مطلقًا فيه أيضًا مضرة ثانية، أي: مع كونه خلاف السنة فيه مضرة ثانية، وهي أن الإنسان إذا مات بالإحرام وقد قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ..

طالب: يَحِلّ.

الشيخ: يَحِلّ، وحينئذ يفوته أن يُحْشَر يوم القيامة؟

طالب: مُلَبِّيًا.

الشيخ: مُلَبِّيًا، وهذه ميزة عظيمة تفوته إذا اشترط، ولذلك الصواب هو القول المفصَّل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

والغالب على اختيارات هذا الرجل -أعني ابن تيمية- أنها موفَّقَة للصواب، رحمه الله وجزاه الله خيرًا.

ص: 300

طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا اشترط الخائف من الزحام في الطريق، فوجد زحامًا، ولكنه يرجو احتمال أن ينفك الزحام (

) إذا كان يعني يحل بمجرد ..

الشيخ: والله مسألة الزحام ما يمكن ضبطه، الزحام ضبطه صعب؛ لأنكم كما تشاهدون الزحام كأمواج البحر، أحيانًا لا يكون بينك وبين الجمرات إلا مسافة قريبة وهو واسع، ثم يشتد الزحام، وأحيانًا يكون الزحام شديدًا قبل أن تصل إلى الجمرات، وإذا وصلت؟

طالب: خَفّ.

الشيخ: وجدته خفيفًا تقف على الحوض، فالاشتراط من خوف الزحام في النفس منه شيء.

الطالب: والقاعدة متى يَحِل، لو المرأة مثلًا اشترطت راحت في اليوم الرابع، واشترطت ثم حاضت، لكنها احتمال كبير أن تطهر قبل ..

الشيخ: في الغالب أن النساء يَعْرِفْنَ العادة.

الطالب: هل تحل بمجرد ما ..

الشيخ: تحل، ولذلك سنعلق على قول المؤلف هذا بأن العلماء يفرِّقون بين (فمحلي حيث حبستني)، وبين (فَلِي أن أَحِلّ)، إذا قالت: فمحلي حيث حبستني، فبمجرد ما يكون عذر يحل، حتى لو اختار أن يبقى، وإذا قال: فلي أن أَحِلّ، أو: فأنا في حِلّ عن إتمامه، فهو مُخَيَّر؛ إن شاء مضى، وإن شاء حَلَّ، ولهذا التعبير لِمَن يرجو أن يزول مانعه أن يقول: فلي أن أَحِلّ.

طالب: أحسن الله إليكم، قلنا: إذا أَحْرَمَ بمثل ما أحرم به فلان أنه يسأل فلانًا هذا قبل أن يطوف.

الشيخ: نعم.

الطالب: أيّ الطواف، طواف الإفاضة؟

الشيخ: لا، طواف القدوم.

الطالب: إذا ما وجده؟

الشيخ: إذا ما وجده يصرفه إلى حيث شاء.

طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، إذا تجاوز الميقات ولم يُحْرِم فإنه يعود؟

الشيخ: نعم.

الطالب: يا شيخ أشكل عليَّ ما معنى الإحرام؟

الشيخ: أيش؟

الطالب: الإحرام ما معناه؟

الشيخ: نية الدخول في النسك.

الطالب: بس هو (

) النسك، وعلى هذا لبس الإحرام واتجه مع الحاجِّين؟

الشيخ: ما نوى.

الطالب: لا بد يتلفظ بهذه النية؟

الشيخ: لا، ما هو لازم، لكن يعقد قلبه.

الطالب: عقد قلبه.

ص: 301

الشيخ: على أنه دخل؟

الطالب: بالنية.

الشيخ: على أنه دخل في النسك؟

الطالب: إي نعم.

الشيخ: خلاص، إذن أَحْرَمَ.

طالب: شيخ بارك الله فيك، إذا لم يَخْشَ مانعًا يمنعه من الحج، ولم يشترط، ثم وقع عليه حادث فماذا يفعل؟

الشيخ: يأتينا إن شاء الله في باب الإحصار.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ميقات ال .. ؟

الشيخ: ميقات مَن؟

الطالب: ميقات أهل العراق؟

الشيخ: تقع في الشمال عن قَرْن المنازل.

الطالب: الآن بعض الناس (

الشيخ: إي، موجود، فيها الماء، الآن مسجد وفيه مُغْتَسَل، يُحْرِمُون.

طالب: شيخ بارك الله فيكم، الماشي الآن عن طريق رابغ؟

الشيخ: الماشي؟

الطالب: الذي يمر من رابغ إلى مكة وهو يريد أن يُحْرِم من الْجُحْفَة، ويريد أن يسلك طريقها فلا بد أن يذهب يتجاوز الْجُحْفَة ثم يمشي مع الخط المعبَّد، فهل تجاوزه هذا للْجُحْفَة به بأس؟

الشيخ: لا، لماذا يكلِّف نفسه؟

الطالب: الْجُحْفَة الآن صلحت وفيها ..

الشيخ: الْجُحْفَة نعم مَدُّوا لها خَطًّا، ووضعوا فيها مسجدًا ومغتسلًا، لكن لماذا خمسة كيلو؟

الطالب: ثمانية كيلو.

الشيخ: أو ثمانية كيلو، أردأ، ما هو لازم، المسلمون ما زالوا يُحْرِمُون من رابغ.

الطالب: فمن فعل هذا هل يُعَدُّ متجاوزًا للميقات وعليه دم أو لا؟

الشيخ: لا، ما يعد متجاوزًا.

الطالب: لا، الذي يذهب من نفس الْجُحْفَة؟

الشيخ: ذهب قبل أن يَنْوِي الإحرام.

الطالب: هو ناوٍ للنسك؟

الشيخ: يعني عقد؟ دعنا من نية النسك، لكن هل عَقَدَ الإحرام ولَّا ما عقد الإحرام؟

الطالب: لا، يريد أن يعقده من نفس الْجُحْفَة.

الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع؛ لأن نفس الْجُحْفَة ميقات.

الطالب: لكنه سوف يتجاوز الْجُحْفَة ثم يرجع للخَطّ هكذا.

الشيخ: كيف يتجاوز؟

الطالب: الخط أصلًا معقوف إلى الخلف، يعني يذهب هكذا مباشرة، ثم يرجع مرة أخرى.

ص: 302

الشيخ: نعم ما فيه شيء، حتى لو أن الإنسان –مثلًا- مشى مع الطريق القويم، ولكن ما نوى عَقْد النية ثم رجع، لنفرض أنه تجاوز قَرْن المنازل ووصل إلى الشرائع، ثم رجع وأَحْرَمَ من السيل ما يهمنا ما فيه مانع.

***

طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك: وأفضل الأنساك التمتع، وصفته: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يُحْرِم بالحج في عامه، وعلى الأُفُقِيّ دم، وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملكُ لا شريك لك.

الشيخ: (والملكَ).

الطالب: إن الحمد والنعمة لك والملكَ لا شريك لك، يصوِّت بها الرجل وتخفيها المرأة.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، تقدم لنا أن الإنسان ينبغي له أن يشترط عند الإحرام، فيقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني مطلقًا على المشهور من المذهب، ويقابله القول الثاني؛ أنه لا يستحب مطلقًا، والوسط أنه إن كان يخاف مما يمنعه من إكمال النسك فليشترط، وإلَّا فلا، وهذا هو الذي به تجتمع الأدلة ويحصل به المقصود والفائدة.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأفضل الأنساك التمتع) إلى آخره، الأنساك جمع نسك، وأفادنا المؤلف رحمه الله أن الأنساك أكثر من اثنين؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، وهي بالتتبع ثلاثة أنواع: التمتع، والقِرَان، والإفراد.

واختلف العلماء رحمهم الله أيها أفضل، فقيل: التمتع، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف وهو الصواب؛ أن التمتع أفضل، إلا مَن ساق الهدي فالقِرَان في حقه أفضل لتعذر التمتع في حقه.

قال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حَجَّ قارنًا، والمتعة أحب إليّ.

ص: 303

ومعنى كلامه رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا غير متمتع، وأن الأحاديث التي ورد في بعضها لفظ التمتع في حق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعني التمتع الاصطلاحي، والمتعة أحبّ إلي –يقول- لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بها وحثّ عليها حثًّا بالغًا، حتى إنه قال:«افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ» (4) وغضب عليه الصلاة والسلام لَمَّا لم يبادروا بالتحلل.

صفة التمتع قال: (أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج) يعني: ابتداء الإحرام بالعمرة في أشهر الحج التي أولها أول ليلة من شوال.

والثاني: قال: (ويفرغ منها) أي: من العمرة بِحِلّ كامل، (ثم يُحْرِم بالحج في عامه)، و (ثم) تدل على التراخي، وهو أن يكون بين العمرة والحج مسافة يصدق بها التمتع.

وقوله: (في عامه) احترازًا مما لو أحرم بالعمرة في عام تسعة عشر، وحج في عام عشرين، فهذا لا يسمى تمتعًا.

صفة الإفراد: أن يُحْرِم بالحج وحده.

وصفة القِرَان: أن يُحْرِم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لبيك عمرة وحجة، أو لبيك عمرة في حج، هذا صورة، الصورة الثانية: أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، وهذه الصورة دل عليها حديث؟

طالب: عائشة.

الشيخ: عائشة رضي الله عنها، فقد أحرمت متمتعة وحاضت في سَرِف، وأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج لتكون قارنة، فالقِرَان إذن له صورتان؛ الصورة الأولى: أن يُحْرِم بهما معًا من أول ما يُحْرِم، والثانية: أن يُحْرِم بالعمرة أولًا ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها.

وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن التمتع أفضل ولو ساق الهدي؛ لإطلاقه، وإذا قلنا بذلك الإطلاق فكيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي، ومَن ساق الهدي لا يَحِلّ حتى ينحره يوم النحر؟

ص: 304

قالوا: إنه يحرم متمتعًا، فإذا طاف وسعى أحرم بالحج وصار متمتعًا، فيقال: هذا القول ضعيف؛ لأنه كيف يصح أن نقول له: متمتع، وهو باقٍ على إحرامه لا يحل إلا يوم العيد؟ فالصواب أن مَن ساق الهدي ليس له إلا التمتع.

طلبة: القِرَان.

الشيخ: نعم، أن مَن ساق الهدي ليس له إلا القِرَان، أحسنتم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (5).

فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن التمتع أفضل؟

قلنا: الدليل: الأثر والنظر؛ أما الأثر فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أصحابه بذلك، وحَتَّمَ عليهم، وغضب عليهم، حتى قال لَهُمُ:«افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (6)، وقال:«لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (5).

وأما النظر فلأن المتمتِّع يأتي بعمرة مستقلة تامة بطوافها وسعيها وتقصيرها، هذا واحد، ولأن المتمتع يتبع ما يَسَّر الله عز وجل؛ لأنه سوف يحل بين العمرة والحج حِلًّا كاملًا، أرأيتم لو قدم في نصف ذي القعدة وهو قارن مثلًا أو مُفْرِد متى يحل؟ يوم العيد العاشر من ذي الحجة، فيبقى خمسة وعشرين يومًا وهو على إحرامه، وإذا أحرم بالعمرة وحل تمتع ما بين حِلِّه منها إلى يوم الثامن من ذي الحجة، وهذا تيسير ويسر على العبد، فكان أفضل.

فصار الأفضل التمتع بالأثر والنظر؛ الأثر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وحَتْمُه على أصحابه.

وأما النظر فمن وجهين: الوجه الأول: أنه يحصل على نسكين مستقلين، أي: مستقل كل واحد منهما عن الآخر بأركانهما وواجباتهما وجميع الأفعال، والثاني: أنه يحصل له تمتع بما أحل الله له من حين حِلِّه من العمرة إلى إحرامه بالحج، وهذا لا شك أنه يسر وأن الدين الإسلامي يلاحظ التيسير.

ص: 305

لو أحرم بالعمرة آخر ساعة من رمضان وحَلَّ منها في أشهر الحج، ثم حج من عامه، أيكون متمتعًا؟

طلبة: لا.

الشيخ: لا؛ لأنه لم يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، لو أنه أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ولكنه أدخل الحج عليها قبل الشروع في الطواف، أيكون متمتعًا؟

طلبة: لا.

الشيخ: لا، أدخل الحج عليها بعد الشروع في الطواف، أيكون متمتعًا؟ نعم يكون متمتعًا؛ لأن إحرامه بالحج غير صحيح، أي: لم ينعقد، فيكون متمتعًا، وهذا هو المذهب، أي أنه إذا أحرم بالحج قبل تمام العمرة لم ينعقد إذا كان ذلك؟

طالب: بعد الشروع.

الشيخ: بعد الشروع في الطواف، إلا لمن معه هَدْي فقد سبق لكم أنهم يرون أنه يجوز الإحرام بالحج بعد الشروع في الطواف، ولكن يكون متمتعًا، ولا يحل إلا يوم العيد.

وقوله: (ثم يُحْرِم بالحج في عامه)، لو أنه أحرم بالعمرة في أشهر الحج وليس من نيته أن يحج، ثم بَدَا له بعد أن يحج أيكون متمتعًا؟

طالب: لا.

الشيخ: لا، لا يكون متمتعًا؛ لأن الرجل ليس عنده نية للحج، وأصل التمتع أن الإنسان بعدما يكون مُحْرِمًا من الميقات إلى يوم العيد حَلَّ بالعمرة وحصل له المتعة بما أحل الله له، وهذا الرجل أول ما نوى ماذا نوى؟

طلبة: العمرة.

الشيخ: نوى عمرة يعرف أنه سيحل منها في حينه، فلم يحصل له تمتع؛ لأنه من الأصل سوف يكون متمتعًا، فإذا كان لم يَنْوِ الحج ثم بَدَا له فحج فليس بمتمتع بل هو مُفْرِد.

ثم قال: (وعلى الأفقي دم)، (على الأفقي) يعني: الآفَاقِيّ الذي أتى من الآفاق وهو الذي ليس من أهل مكة، عليه دم؛ لقول الله تعالى:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].

ص: 306

وفُهِمَ من قوله: (على الأفقي دم) أن غير الأفقي -وهو مَن كان حاضرًا المسجد الحرام- ليس عليه دم، وسبب ذلك أن حاضر المسجد الحرام ليس له عمرة مشروعة على ما عليه كثير من العلماء، وإذا لم يكن له عمرة مشروعة صار مُفْرِدًا أو قارنًا، وإذا كان مفردًا فلا دم عليه، وإذا كان قارنًا فأكثر العلماء على أن عليه دمًا؛ لأنه حصل على النُّسُكَيْن في سفر واحد.

وقال بعض العلماء: إن القارن ليس عليه دم؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196]، وهذا يدل على أن بين الحج والعمرة وقت يكون فيه الإنسان متمتعًا بما أحل الله له، وعلى هذا فيكون التمتع خاصًّا بِمَن حَلَّ من عمرته؛ لأنه هو الذي صَدَقَ عليه أنه متمتع، أما القارن فمتى يتمتع؟ لم يتمتع فليس عليه دم.

لكن جمهور العلماء على أن القارن والمتمتع سواء في وجوب الدم، والدم لا بد أن يكون مما يجزئ في الأضحية، بأن يكون من بهيمة الأنعام، بالغًا السن المعتبر، خاليًا من الموانع التي تمنع الإجزاء.

طالب: شيخ بارك الله فيكم، لو حاضت المرأة بعد طواف العمرة فهل لها أن تسعى؟

الشيخ: بيجينا الحين.

طالب: بارك الله فيك، إذا كانت المرأة من أهل مكة فيلزمها مَحْرَم إذا طلعت مع مجموعة من النساء؟

الشيخ: مَحْرَم إلى أين؟

الطالب: إلى الحج.

الشيخ: إي، لا بد أن يكون لها مَحْرَم؛ لأنه سفر، والدليل على أنه سفر أن أهل مكة كانوا يقصرون مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويَجْمَعُون.

طالب: أحسن الله إليك، ضابط حاضري المسجد الحرام؟

الشيخ: ضابط حاضري المسجد الحرام هو أهل مكة أو أهل الْحَرَم، قال بعض العلماء: ومَن كان بينه وبين مكة مسافة قصر كلهم من حاضري المسجد الحرام.

الطالب: يعني ما كان دون الحل يا شيخ؟

الشيخ: نعم؟

الطالب: دون الميقات؟

ص: 307

الشيخ: لا لا، ما هو العبرة بدون الميقات، العبرة بأن يكونوا من داخل حدود الحرم هذه مُتَيَقَّن، وأما ما خرج ففيه اشتباه.

طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة لأفضلية الأنساك الثلاثة؟

الشيخ: بالنسبة؟

الطالب: لأفضلية الأنساك الثلاثة، ألَّف أحد العلماء رسالة أنكر فيها الإفراد، فردّ عليه أحد العلماء أيضًا برسالة أخرى ورجَّح فيها الإفراد عن التمتع والقِرَان؟

الشيخ: هو لا بد إذا سُحِبَ الخيط من وجه لا بد أن يكون مقابل يسحب آخر من الاتجاه المعاكس، الصواب أن التمتع سنة مؤكَّدة، وأما كونه لا يجوز فهذا غلط، هذا في الواقع قدح في الخلفاء الراشدين؛ لأن الخلفاء الراشدين كلهم مُجْمِعُون على أن الإفراد جائز، بل كانوا يفضلون الإفراد على التمتع، يقولون: نحب أن يأتي الناس للعمرة في غير أشهر الحج حتى يبقى البيت معمورًا كل السنة، ويختص الحج بأشهره؛ لأن الناس لا بد أن يحجوا جميعًا، لكن القول بأن الإفراد أفضل فيه نظر، وإن كان شيخ الإسلام رحمه الله يذهب إلى هذا القول، يقول: إن الإفراد إذا أفرد الحجَّ بسفر والعمرة بسفر أفضل، ولكن هذا قول ضعيف؛ لأن الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأمرهم أن يتمتعوا هل كان يسألهم يقول: هل أتيتم بالعمرة في هذه السنة؟ ما كان يسألهم، فالتمتع أفضل مطلقًا، أما القول بأنه واجب وأن ما سواه حرام فهذا قول ضعيف جدًّا، وأضعف منه القول بأنه إذا طاف وسعى حَلَّ، شاء أم أبى، وهذا ضعيف جدًّا مخالف للحديث، الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجعلوها عمرة، ولم يقل: فقد حللتم، قال:«مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيُقَصِّر ثُمَّ لْيَحْلِلْ» (7)، هكذا قال، ولم يقل: فقد حَلَّ، والرسول عليه الصلاة والسلام أبلغ الناس وأنصح الناس وأعلم الناس.

فالصواب أنه سنة مؤكدة، ولولا خلاف الخلفاء الراشدين لقلنا: إنه واجب، لكن لا يمكن أن نقول: إنه واجب، مع مخالفة الخلفاء الراشدين.

ص: 308

اختار شيخ الإسلام رحمه الله قولًا وسطًا، وهو أنه واجب على مَن خاطبهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سنة في حق مَن عداهم، وهذا القول له غَوْرٌ ووجه جيد جدًّا؛ أولًا: لأن أبا ذر سُئِلَ عن الفسخ، فسخ الحج إلى العمرة، هل هي عامة أو لكم خاصة؟ قال: بل لنا خاصة، ولا أظن أبا ذر يقول: لنا خاصة، والنبي صلى الله عليه وسلم لما سأله سراقة بن مالك بن جعشم قال: ألنا خاصة أم للأمة؟ قال: «بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» (8)، وشبَّك بين أصابعه.

لكن قول أبي ذر: لنا خاصة، يُحْمَل على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أيش؟

طالب: الوجوب.

الشيخ: الوجوب، وإنما قلنا: إن هذا القول له غَوْر ووجه قوي؛ لأن الناس لو خالفوا الرسول وهو يواجههم بالأمر ويرون غضبه لهانت مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام على مَن بعدهم؛ لأنهم إذا كان الصحابة إذا خالفوا أمره المقرون بغضبه في حِلّ لو خالفوه فمَن بعدهم من باب أولى، فكلام شيخ الإسلام رحمه الله كلام فقيه؛ أنه -أي التمتع- واجب على؟

طلبة: الصحابة.

الشيخ: الصحابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم واجههم بالخطاب، وإذا عَصَوْهُ وهم مُقَدَّمُو الأمة وسابقو الأمة هان على مَن بعدهم مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام.

أما مَن ساق الهدي فالقِرَان أفضل بلا شك، ولا يمكن أن يتمتع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:«لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (5)، فلا يمكن التمتع مع سَوْق الهدي.

ولكن يقال: هل الأفضل أن يسوق الإنسان الهدي ليَقْرِن، أو أن يدعه ليتمتع؟

هذه مسألة تحتاج إلى نظر، إن كانت السنة -أعني سَوْقَ الهدي- قد ماتت والناس لا يعرفونها فسَوْق الهدي مع القِرَان أفضل؛ لإحياء هذه السنة، وإن كانت هذه السنة معلومة لكن يَشُقّ على الناس أن يسوقوا الهدي؛ لأنهم يحجون الآن في الطائرات والسيارات، فهنا تَرْك سَوْق الهدي والتمتع أفضل، أفهمتم؟

ص: 309

السؤال أولًا: هل الأفضل أن يسوق الهدي ويَقْرِن، أو أن يدع الهدي ويتمتع؟

نقول في ذلك تفصيل ..

طالب: إن كانت سنة منسية كأن الناس تركوها فصار الأفضل أن يسوق الهدي، فقلنا: إن له إحياءها بالسنة أفضل، القِرَان أفضل، ولو علمنا أنه سنة معلومة عند الناس عند الجميع بس يعني لم يتيسر ..

الشيخ: أن يسوق الهدي.

الطالب: فقلنا (

).

الشيخ: تمام.

طالب: الموجود الآن هل هو معلوم ولا سنة؟

الشيخ: أبدًا مجهولة، الذين يَقْدُمُون من خارج المملكة يقول لهم علماؤهم: الإفراد أفضل، فتجدهم مُفْرِدِين، منهم مَنْ يُفْرِد اتباعًا للأفضل كما يُفْتَوْن به، ومنهم مَن يُفْرِد لئلَّا يلزمه الهدي أو الصيام.

نقرأ؟ تم خمس دقائق، نستمر بإذن الله.

قال: (وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به)، يعني: بالحج، (وصارت قارنة)، هذه الجملة هي ما وقع لعائشة رضي الله عنها، عائشة أحرمت للعمرة تنوي التمتع، فحاضت في موضع يقال له: سَرِف، فأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تُحْرِم بالحج وتصير قارنة، وليس أمره بإحرامها بالحج يعني فسخَها للعمرة، بدليل قوله لها:«طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (9)، وهذا دليل واضح على أنها صارت قارنة، فإذا حاضت المرأة في أثناء الذهاب إلى مكة فإنها تُحْرِم بالحج وتكون؟

طالب: قارنة.

الشيخ: تكون قارنة، وماذا تصنع؟ تفعل ما يفعله الْمُفْرِد تمامًا؛ لأنه لا فرق بين الْمُفْرِد والقارن في أداء النسك، فإذا وصلت مكة بقيت على إحرامها لا تطوف ولا تسعى، فإن طهُرت قبل فوات الحج أدَّت العمرة، وإن خشيت فوات الحج أدخلت أيش؟ الحج على العمرة وصارت قارنة.

ص: 310

إذا حاضت بعد الطواف، يعني أنها أَحْرَمَت متمتعة وطافت، وفي خروجها من المسجد إلى الصفا حاضت فإنها تستمر وتسعى وتُقَصِّر وتَحِلّ من عمرتها؛ لأن السعي لا يُشْتَرَط له؟ طهارة، وهذا هو السر في أن الذين زادوا في المسجد الحرام أبقوا المسعى على حاله مستقلًّا كما هو ظاهر، فالمسعى مستقل عن المسجد، أما في الطابق الأرضي فقد وضعوا جدارًا وإن كان قصيرًا لكنه جدار عريض يفصل ما بين المسجد والمسعى، وأما فوق فالفصل ظاهر جدًّا؛ لأنه لا يمكن أن تصل إلى المسجد الحرام إلا مع أبواب خاصة، والباقي مغلَق، وهذا من حسنات الذين نفَّذُوا هذه التوسعة؛ لأنه لو بقي المسعى داخل المسجد الحرام لكان فيه إشكال، وهو أنها إذا حاضت المرأة امتنع عليها السعي؛ لأن المرأة الحائض لا تمكث في المسجد، لكن بحمد الله أنه فُصِلَ وصار مستقلًّا عن المسجد، ولهذا لو أن المعتكف في المسجد الحرام خرج إلى المسعى بدون حاجة بطل اعتكافه؛ لأن المسعى ليس من المسجد.

(إذا خَشِيَه غيرُها) يعني: خشي فوات الحج غير الحائض، يعني أَحْرَمَ متمتعًا وخاف أن يفوته الحج؛ لكونه مرض ولا يدري متى يبرأ، أو كُسِرَ ولا يدري متى يجبر، أو يتسنى له أن يطوف ويسعى، هل يكون مثل الحائض؟ أجيبوا يا جماعة.

طلبة: نعم.

الشيخ: نعم مثل الحائض، يكون مثل الحائض يُحْرِم بالحج ويكون قارنًا، هل إذا فعل هذا بدون عذر هل يصح أو لا يصح؟

أما من قال بوجوب التمتع فإنه لا يصح عنده؛ لأنه إذا أَحْرَمَ بالحج صار قارنًا، وأما مَن قال بجوازه، أي بأن التمتع ليس واجبًا فإنه يصح، وإن لم يكن عذر، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك.

ص: 311

لكن في نفسي من هذا شيء؛ أن يُجْمِع المسلمون على خلاف ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحاج أن يجعلها عمرة، فكيف نقول: يجوز للمعتمر أن يجعله حجًّا؟ لكن إذا كان لعذر فالأمر واضح؛ لأن النص ورد به، والقياس على الحيض وارد، انتبه، عرفتم الكلام الآن؟

إذا أدخل الإنسان المعتمر الحجَّ على العمرة قبل الشروع في طوافها، إن كان لعذر؟

طلبة: يجوز.

الشيخ: فهو جائز، ودليله حديث عائشة.

إن كان لغير عذر فهو جائز عند الجمهور، وحكاه بعضهم إجماعًا، ولكن نفسي لا تطيب بنقل هذا الإجماع، لماذا؟ إذ يبعد جدًّا أن يُجْمِع المسلمون على شيء مضادّ للسنة، فالسنة لو أن الإنسان مُحْرِم بحج قلنا له أيش؟ اجعله عمرة بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى لو طُفْتَ وسعيت، حتى لو بَقِيت يومين أو ثلاثة بعد الحج بعد أن طفت طواف القدوم، وسعيت للحج، وبقيت يومين ومَلِّيت من الإحرام، فأنت اجعلها عمرة وتَحَلَّل وتكون متمتعًا.

أقول: كيف يُجْمِع المسلمون على شيء معاكس لما دَلّ عليه الحديث؟ ! ونَقْل الإجماع في هذه المسألة محل نظر؛ لبعده، ولكن هذا رأي الجمهور، ونحن من الأصل نقول للإنسان: أَحْرِم بعمرة واستمر عليها حتى تطوف وتسعى وتُقَصِّر وتَحِلّ.

قال: (وإذ استوى على راحلته قال: لبيك)، (إذ استوى على راحلته) يعني: ركب واستقر، (على راحلته) أيّ الرواحل؟

طلبة: أي راحلة.

الشيخ: أي راحلة: بعير، حمار، سيارة، طيارة، سفينة، مركب، نسميه مركب؟

طالب: زَوْرَق.

الشيخ: لا لا، اللي يسير على الأرض الحديد؟

طلبة: قطار.

ص: 312

الشيخ: قطار، أي مركوب إذا استويت عليه واستقررت لَبِّ، قل: لبيك اللهم لبيك، وما اختاره المؤلف رحمه الله هو أقرب الأقوال الثلاثة التي سبقت لكم، وهي: هل يُحْرِم من حين أن يصلي، أو إذا استوى على البيداء فيما إذا أحرم من ذي الحليفة، أو إذا استوى على راحلته؟ الثالث هو الأقرب وهو الذي مشى عليه المؤلف.

(قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملكَ لا شريك لك)، (لبيك) أي: إجابةً لك وإقامةً على طاعتك؛ لأنها مشتقة من (لَبَّى) بمعنى: أجاب، ولهذا يقال: لَبَّى دعوته، أي: أجاب، ومن ألبَّ بالمكان إذا أقام فيه، فمعنى (لبيك) أي: إجابةً لك وإقامةً على طاعتك، وأنت تخاطب مَن؟

طلبة: الله.

الشيخ: تخاطب الله رب العالمين عز وجل، تقول: لبيك، وهل ناداك الله؟ نعم ناداك الله على ألسنة رسله، قال الله لإبراهيم أو لمحمد:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27]، فأنت تُلَبِّي هذه الدعوة، إذن أنت ضيف الله؛ لأن الله دعاك، وأتيت إلى مأدبته في بيته الحرام، ولهذا صح أن يقال للحجاج والعمار: إنهم؟

طلبة: ضيوف الله.

الشيخ: ضيوف الله عز وجل.

وأما (اللهم لبيك)، (اللهم) بمعنى: يا الله، وهو بالنسبة لما قبله تأكيد، وإلَّا فكون المراد به الله معروف من كلمة (لبيك).

ثم يُكَرِّر (لبيك لا شريك لك)، هذا للإخلاص، لا شريك لك في هذه التلبية؛ لأن هذه عبادة، والعبادة لا يُشْرَك بها غير الله، أو لبيك لا شريك لك في التلبية؟ لا، لا شريك لك في هذه العبادة، وأما لو ناداك رجل فقلت: لبيك، فلا بأس، ولهذا كان الصحابة يُجِيبُون الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم؟

طالب: لبيك يا رسول الله.

الشيخ: لبيك، ولو كانت شركًا لنهاهم عن هذا، كما نهى الرجل الذي قال: ما شاء الله وشئت (10).

(لبيك) أي: في هذه العبادة، لا شريك لك في هذه العبادة.

ص: 313

(إن الحمد والنعمة لك والملك)، (إنّ) تقال بفتح الهمزة وكسرها، والأصح (إِنّ)؛ لتكون جملة استئنافية محقِّقَة لمدخولها، لو كانت (أَن) لكانت كالتعليل لما سبقها، أي: لبيك لأن الحمد، ولكن إذا كانت جملة مستقلة كسر الهمزة أولى.

(إن الحمد والنعمة لك) إي والله الحمد لله وحده، هو المستحق للثناء عز وجل، الثناء الذي لا يكون لغيره، ولهذا نقول: الحمد لله، اللام للاختصاص والاستحقاق، والحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا، والنعمة: نعمة الدِّين والدنيا لله عز وجل، هو الذي مَنَّ بها، ومن نعمته أنْ يَسَّرَ لك الوصول إلى بيته، والنعمة هنا اسم جنس محلى بـ (أل) يشمل؟

طلبة: كل نعمة.

الشيخ: كل النعم، قال الله تعالى:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53].

(والملك) يعني: والملك لك، (لا شريك لك، يُصَوِّت بها الرجل)، يُصَوِّت أي: يرفع صوته، (وتخفيها المرأة) أي: تُسِرّ بها، ولكن تنطق بها.

وإنما كان الرجل مأمورًا بإظهارها؛ لأن الرجال هم أهل الإظهار والإعلان، ولذلك أمر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال، وكانوا يصرُخُون بالتلبية صراخًا، ومع الأسف الآن تمر بك جحافل الحجيج بسيارة مملوءة لا تكاد تسمع مُلَبِّيًا، وهذا من الجهل والكسل، والمشروع أن تُلَبِّي بأعلى صوتك، ولا يسمعك شيء إلا شهد لك يوم القيامة، المرأة تخفيها؛ لأن المرأة وإن لم يكن صوتها عورة -على القول الراجح- لكنه فتنة، فتخفيها، قال بعض العلماء: بقدر ما تسمع رفيقتُها.

[باب محظورات الإحرام]

ثم قال المؤلف: (باب محظورات الإحرام)، محظور بمعنى: ممنوع، كما قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ} أيش؟

طلبة: {مَحْظُورًا} .

ص: 314

الشيخ: {مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] بالظاء، وأما بالضاد فهي من الحضور، وبينهما فرق، فمعنى محظورات الإحرام ممنوعاتُه، أي: الممنوعات بسبب الإحرام، وكل عبادة من العبادات فيها ممنوعات خاصة، الكلام؟

طلبة: في الصلاة.

الشيخ: في الصلاة، الأكل والشرب؟

طلبة: في الصيام.

الشيخ: وفي الصلاة أيضًا، لكن الأصل فيه؟

طلبة: الصيام.

الشيخ: الصيام، النسك؟ ما فيه منع لا عن الأكل ولا عن الكلام، بل عن أشياء مخصوصة به.

يقول: (وهي تسعة)، تسعة يعني: لا تزيد ولا تنقص، وحينئذ يسأل سأل: ما الدليل على أنها تسعة، ما الدليل على حصرها؟ نقول: إن الله تعالى يَسَّرَ لهذه الأمة علماء ورثة للأنبياء، جمعوها ولَمُّوا شعثها، وألَّفُوا بين شتاتها، وتتبعوا الأدلة فوجدوها تسعة، وهكذا يقال في الشروط والأركان والواجبات التي يذكرها العلماء، قد يأتي متحذلق ويقول: من أين لكم هذا الحصر؟

فيقال: التتبع والاستقراء، تتبعوها ووجدوها تسعة، ومن المعلوم أن الناس قد يختلفون في هذا، قد بعضهم يزيد وبعضهم ينقص، لكن الكلام على أن حصرها سواء بتسعة أو أقل أو أكثر منشؤه؟

طلبة: التتبع والاستقراء.

الشيخ: التتبع والاستقراء.

أولًا: (حلق الشعر)، والمراد بذلك إزالة الشعر، سواء بالحلق، أو القص، أو النتف، أو الدهن، المراد إزالة الشعر، ولهذا لو عَبَّرَ بذلك المؤلف لكان أولى.

وقوله: (الشعر) يشمل شعر الرأس، واللحية، والشارب، والإبط، والعانة، والصدر، والبطن، وشعر جميع الأعضاء، أليس كذلك؟

طلبة: نعم.

الشيخ: ما هو الدليل على أنه محظور؟ لأن أي إنسان يمنعك مما أحل الله لك قل: ما هو الدليل؟

الجواب: أما اللحية فهي حرام إزالتها، لكن ليس خاصًّا بالإحرام، فلا يكون من محظورات الإحرام بل هو عام، الشارب؟ إزالته جائزة، الإبط، العانة، بقية الشعر؟ إزالتها جائزة.

ص: 315

فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن الْمُحْرِم ممنوع منها؟ لأن القرآن إنما دل على تحريم حلق الرأس {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]، فإن قال: أَقِيسُ باقي الشعر على شعر الرأس؟

قلنا: القياس لا بد فيه من أن يجتمع الأصل والفرع في العلة، وهنا ليس بينهما اجتماع، لماذا؟ لأن الرأس يتعلق به نسك وهو حَلْقُه أو تقصيره عند الحِلّ، وغيره من الشعور أيش؟

طلبة: لا يتعلق به شيء.

الشيخ: لا يتعلق به شيء، فهو قياس مع الفارق، فإن قال: العلة التَّرَفُّه، فمُنِع منه كما مُنِع من لباس القميص وشبهه، ومُنِعَ من الطيب؟

قلنا: هذه علة لا تطرد، أما القميص والطيب فقد ورد به النص ولا إشكال فيه، وأما هذا فالعلة غير مطردة، ولذلك لا يُمْنَع الْمُحْرِم من الاغتسال، وفيه تَرَفُّه أو لا؟

طالب: نعم.

الشيخ: فيه تَرَفُّه، سواء كان لإزالة الأذى أو كان للتنشيط، لا يُمْنَع المحرم من الاستظلال في الخيمة ونحوها، وقد ضُرِبَ للنبي صلى الله عليه وسلم خيمة في نَمِرَة، وفي مِنًى مَنَع من أن تُضْرَب له خيمة لأنها مُنَاخ مَن سَبَقَ، أليس كذلك؟ لا يُمْنَع الْمُحْرِم من أن يجلس في غرفة باردة في أيام الصيف، وفيه ..

طالب: تَرَفُّه.

الشيخ: تَرَفُّه، لا يُمْنَع الْمُحْرِم من ركوب مركوب فخم، وفيه تَرَفُّه، فكون العلة هي التَرَفُّه فيه نظر.

ولذلك لا يتضح لي تحريم أَخْذ الشعر في غير الرأس؛ لأنه ما فيه نص، والقياس غير صحيح، فيبقى على الحل.

نعم لو قال قائل: ينبغي أن نمشي على ما ذهب إليه الجمهور تربيةً للناس لئلَّا يتهاونوا في هذا الأمر الذي عرفوا أنه أيش؟

طالب: محظور.

الشيخ: أنه محظور، نُبْقِيهم على ما هم عليه، والمسألة ليس فيها أكل مال، ولا مَنْع شيء لا بد منه، أما من حيث النظر فلا يظهر لي تحريم أَخْذ الشعر إلا الرأس، وعرفتم الفرق بين شعر الرأس وأيش؟

طلبة: وغيره.

الشيخ: وغيره، انتهى الوقت؟

ص: 316

طالب: الأسئلة يا شيخ.

الشيخ: الأسئلة لا بأس.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو اشترط أن يحل إذا حبسه حابس، ثم وُجِدَ الحابس، فإنه كما ذكرنا يا شيخ أنه إذا قال: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإنه يحل بمجرد وجود الحابس، فإذا زال الحابس بعد فترة بسيطة، ما العمل حينئذ؟

الشيخ: يبتدئ الإحرام من جديد، إذا أمكنه يبتدئ من جديد.

الطالب: يرجع إلى الميقات؟

الشيخ: لا، ما يحتاج يرجع.

طالب: لو أحرم بالعمرة في آخر رمضان وأدَّاها في أول شوال كمن أداها في ليلة العيد هل يكون متمتعًا أم .. ؟

الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ تكلمنا عليه.

الطالب: إي يا شيخ، هذا بالنسبة للإحرام، لكن هذا أدَّاها في شوال، أدى العمرة في شوال.

الشيخ: سبحان الله، إحنا ما ذكرناها يا جماعة؟

طلبة: بلى.

الشيخ: نفس المتن ذَاكِر، أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج.

الطالب: لا، هو أحرم به في رمضان يا شيخ؟

الشيخ: هو في أشهر الحج؟

الطالب: رمضان ليس من أشهر الحج.

الشيخ: فإذن ليس متمتعًا، نفس كلام المؤلف، وذكر نفس المثال اللي أنت سألت عنه، لكن لعلك غافل، كَلِّمْنِي بعد الصلاة إن شاء الله.

الطالب: إذا أفتينا يا شيخ بقول الجمهور في مسألة أَخْذ باقي شعر الرأس؟

الشيخ: باقي شعر الرأس؟

الطالب: لا عفوًا، ما عدا الرأس من الشعور.

الشيخ: لا، أريد منك باقي عَدِّلها.

الطالب: باقي أجزاء الجسم.

الشيخ: شعر باقي الجسم.

الطالب: هل نفتيهم بالفدية يا شيخ مع أننا نعلم أنهم .. ؟

الشيخ: ما بعد وصلنا للفدية إلى الآن، نتكلم على المحظور الآن، الفدية لها باب خاص.

طالب: بالنسبة لسَوْق الهدي يكفي من الحِلّ إلى الحرم؟

الشيخ: إي نعم، يكفي من الحِلّ إلى الحرم، ما هو لازم من بلده، والعجب أن بعض الناس يسأل، يقول: إذا أعطينا الشركات التي تقبل الدراهم لشراء الفداء، أعطيناها في القصيم مثلًا، فهل نحن سُقْنَا الهدي، ويش تقولون؟

طلبة: ما سُقْنَاه.

ص: 317

الشيخ: ساق الدراهم؛ لأن هؤلاء لن يشتروا الفدية إلا؟

طالب: من مكة.

الشيخ: إلا من مكة.

طالب: بارك الله فيك، الحديث الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ مِنْ فَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا» (11)، هل نستفيد من هذا الحديث مشروعية الإفراد؟

الشيخ: لا، هو قال هذا وهذا، فتبقى السنة باقية على ما هي عليه.

طالب: شيخ بارك الله فيك، كثير من الناس ممن يأتون من خارج هذه البلاد يأتون للحج، ولا يعرفون هذه الأنساك الثلاثة؟

الشيخ: ما يعرفون أيش؟

الطالب: لا يعرفون الأنساك التمتع والإفراد ..

الشيخ: نعم نعم.

الطالب: ولكن يعرف أنه يأتي يطوف بالبيت ويسعى ثم يحل، ثم في اليوم الثامن يذهب يُحْرِم من مكان ..

الشيخ: هذا هو.

الطالب: هكذا تمتع؟

الشيخ: إي نعم.

الطالب: دون أن يعرف النسك؟

الشيخ: دون أن يعرف، أدى الآن النسك متمتعًا.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الحج: باب محظورات الإحرام .. وهي تسعة: حَلْق الشعر، وتقليم الأظافر، فمن حَلَقَ أو قلَّم ثلاثة فعليه دم، ومَن غطى رأسه بمُلاصِق فدَى، وإن لبس ذَكَرٌ مخيطًا فدى، وإن طيَّبَ بدنه أو ثوبه، أو ادَّهن بمطيَّب أو شَمَّ طِيبًا، أو تبخَّر بعود ونحوه فدى، ولو قتل صيدًا مأكولًا بريًّا أصلًا ولو تولَّد منه ومن غيره، أو تلف في يده فعليه جزاؤه، ولا يحرُم حيوان إنسي، ولا صيد البحر، ولا قتلُ مُحَرَّم الأكل ولا الصائل.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأنساك كم؟

طالب: ثلاثة.

الشيخ: وهي؟

الطالب: تمتع وقِرَان وإفراد.

الشيخ: تمتع وقِرَان وإفراد، أيها أفضل؟ التمتع، ما الدليل؟

ص: 318

طالب: الرسول قال: «لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَتَمَتَّعْتُ» .

الشيخ: أمر أصحابه به وحَثَّهُم عليه وقال ..

الطالب: «لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ» ..

الشيخ: «لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (5)، هذا وجه، وجه آخر؟

طالب: ولكونها أكثر عملًا.

الشيخ: ولكونها أكثر عملًا، حيث يأتي؟

الطالب: يأتي بعمرة تامة وحجة تامة.

الشيخ: ثالثًا؟

طالب: دليل ثالث؟

الشيخ: نعم، التعليل.

الطالب: يأتي برخصة الله سبحانه وتعالى التي رخص له فيتمتع بين الحج والعمرة.

الشيخ: أنه أسهل وأيسر. صفة التلبية؟

طالب: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك.

الشيخ: ما معنى لبيك؟

الطالب: التلبية إجابة الدعوة.

الشيخ: يعني إجابةً لدعوتك وإقامةً على طاعتك، على القول بأنها إجابة للدعوة مشتقة من أين؟ يلّا كمِّل.

الطالب: (

).

الشيخ: لا، مشتقة من أين؟

طالب: مشتقة يا شيخ من أمر الله سبحانه وتعالى الناسَ بالحج.

الشيخ: لا، غلط.

طالب: مشتقة من لَبَّى دعوته أي: أجاب دعوته.

الشيخ: من قولهم: لَبَّى دعوته، أي: أجابها.

الطالب: أو أَلَبَّ بالمكان، أي: أقام.

الشيخ: وإقامة مأخوذة من أَلَبّ بالمكان، أي: أقام به، هي بصيغة التثنية، فهل هي مرادة؟

طالب: توكيد، الثانية توكيد للأولى.

الشيخ: لا، هي بالتثنية لبيك، مرتين، هل هي مراد التلبية؟

الطالب: مراد الإنسان.

الشيخ: هل المراد: إني أجبتك مرتين بس؟

الطالب: لا، إجابة بعد إجابة دائمة.

الشيخ: إي، إجابة بعد إجابة، يعني دائمة.

محظورات الإحرام حصرها المؤلف بالتسع، ما الدليل؟

طالب: التتبع والاستقراء.

الشيخ: التتبع والاستقراء، ولهذا ربما يزيد بعض العلماء على هذا أو ينقص، هذا العمل -التتبع والاستقراء- ألَا يقول قائل: إنه بدعة؟

طالب: ليس بدعة.

الشيخ: ليس بدعة.

الطالب: هو من تسهيل العلم وتقريبه.

ص: 319

الشيخ: تمام، يعني من باب الوسائل إلى تقريب العلم وحصره لطلابه، فلا يقال: إن هذا بدعة؛ لأننا لا نتعبد الله بهذا العدد، إنما نُقَرِّب الأحكام الشرعية إلى أفهام الناس، كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يقول:«ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» (12)، وأحيانًا يقول:«أُعْطِيتُ خَمْسًا لُمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» (13)، وأحيانًا يقول:«الْفِطْرَةُ عَشْرٌ» (14) تقريبًا للناس وللفهم.

الأول: (حلق الشعر) قلنا: لو أتى المؤلف بعبارة غير هذه لكان أحسن، فما هي العبارة؟

طالب: يعبِّر بإزالة.

الشيخ: إزالة، كيف تكون أحسن؟

الطالب: حتى يعم الحلق وغيره من النَّوْرَة وغيرها، أو النَّتْف كذلك.

الشيخ: أو القص.

الطالب: أو القص كذلك.

الشيخ: ما هو الدليل على هذا المحظور؟

طالب: دليل على أيش يا شيخ؟

الشيخ: على أن حلق الشعر من محظورات الإحرام؟

الطالب: الدليل هو قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ} [البقرة: 196].

الشيخ: قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] تمام، هل يصح الاستدلال بهذه الآية على تحريم حلق جميع الشعر؟

طالب: لا يصح.

الشيخ: لا، لماذا؟

الطالب: لأنه (

) شعر الرأس.

الشيخ: إي، ولا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، الاستدلال بالأعم على الأخص يصح؟

طالب: الأعم؟

الشيخ: على الأخص.

الطالب: يصح؛ لأنه يدخل في العموم.

الشيخ: يصح؛ لأنه يدخل في العموم، أما أن نستدل بدليل خاص على أعم منه هذا لا يصح، إلا إذا وافقه في المعنى فيصير من باب القياس الصحيح، هل يصح قياس شعر بقية البدن على شعر الرأس؟

طالب: لا يصح.

الشيخ: لا يصح، لماذا؟

الطالب: لأنه قياس مع الفارق.

الشيخ: ما هو الفارق؟

الطالب: لأن حَلْق شعر الرأس قد تعلَّق به بالنسك.

الشيخ: تعلق به النسك وهو التحلل.

ص: 320

الطالب: الحلق أو التقصير بخلاف باقي الشعر.

الشيخ: باقي الشعور.

الطالب: ما يتعلق عليه نسك.

الشيخ: صحيح، وحينئذ لا يستطيع الإنسان أن يتجاسَر على إلحاق شعر البدن بشعر الرأس، الذين ألحقوه ما وجه العلة عندهم؟

طالب: وجه العلة عندهم أن فيه تَرَفُّهًا.

الشيخ: أن فيه ترَفُّهًا.

الطالب: أن فيه ترفُّهًا، ويقولون: إن حلق بقية الشعور فيه تَرَفُّه لجسم الإنسان، لكن نقول: إن هذه العلة ..

الشيخ: غير صحيحة.

الطالب: غير صحيحة؛ لأن الْمُحْرِم قد يترفَّه بغير الحلق، فإن الإنسان له أن يغتسل ويركب مركوب جيدًا، وهذا فيه تَرَفُّه.

الشيخ: إذن العلة هذه غير صحيحة.

***

يقول المؤلف: الثاني -نبدأ الدرس الجديد- قال: (وتقليم الأظفار) الأظفار جمع ظفر، والتقليم: هو قصها بالْمِقْلَمِيَّة، يعني السكين وما أشبهها، وكان بالأول ليس هناك بَقَّاطَة ولا هناك مقص، ولكن هناك أيش يسمونه؟

طالب: مِبْرَاة.

الشيخ: مِبْرَاة يُقَلِّمُون بها الظفر، ونقول في قوله:(تقليم الأظفار) كما قلنا في قوله: (حلق الشعر) يعني: بمعنى لو قال: إزالة الأظفار، لكان أعم؛ ليعم إزالتها بالتقليم، أو بالقص، أو بالبَقْط يعني القطع، الأظفار جمع ظفر، يشمل أظفار اليدين وأظفار الرِّجْلَين، والطويلة والقصيرة، فما هو الدليل؟

الدليل: القياس على الشعر بعلة التَّرَفُّه، وهذا القياس –أي: قياس الأظفار على الشعر- أبعد من قياس شعر البدن على ..

طالب: شعر الرأس.

الشيخ: شعر الرأس؛ لأن الأظفار من غير جنس الشعر، فإذا بطل إلحاق شعر بقية الجسد بإلحاق شعر الرأس فهذا من باب أولى، وعلى هذا فلا دليل لا من القرآن ولا من السنة ولا من القياس الصحيح على تحريم تقليم الأظفار للمُحْرِم، فلو قلَّمَها فلا شيء عليه.

ص: 321

لكن من باب الاحتياط أن الإنسان يدع ما فيه ريب لِمَا لا ريب فيه، يتجنَّبه، أما أن نقول: إن هذا حرام، وأن الإنسان يعصي بذلك، ففيه نظر؛ لأن تحريم شيء لم يَرِد من القول على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم شديد ليس بالأمر الهين.

الثاني: يقول: (فمَن حلق أو قلَّم ثلاثة فعليه دم)، مَن حلق ثلاثة، أي: ثلاث شعرات، فعليه دم، وثنتين؟

طالب: ما عليه.

الشيخ: ليس عليه دم، لكن عليه إطعام مسكينين، شعرة واحدة؟

طالب: إطعام مسكين.

الشيخ: إطعام مسكين، وعلى هذا فلو غسل الإنسان وجهه ثم سقطت هدبة من هدب العين واحدة عليه؟

طلبة: إطعام مسكين.

الشيخ: إطعام مسكين، من هدب العين واحدة، ومن الحاجب واحدة، ومن اللحية واحدة؟

طلبة: عليه دم.

الشيخ: عليه دم، سبحان الله، هل أحد يمكن أن يقال: إنه ارتكب ما حرم الله في قوله: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]؟ لا، أبدًا، والعجب أنهم يقولون: لو قص ثلاث شعرات من رأسه لم يَحِلّ، ثم يجعلون الثلاث شعرات بمنزلة الحلق، فإذا كان الله يقول:{لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} [البقرة: 196] هم يقولون: يرتكب النهيَ مَن قَصَّ ثلاث شعرات، هل يصدق على مَن قص ثلاث شعرات أنه حلق رأسه؟ أبدًا، ما أظن أحدًا يقول بهذا، ومع ذلك يتناقضون، يقولون: لو أن الإنسان تحلَّل بثلاث شعرات عند الحلق أيش؟

طلبة: لا يجزئ.

الشيخ: لا يجزئ، وهذا نوع من التناقض، ولذلك هنا قاعدة مفيدة لطالب العلم، تجد الأقوال الضعيفة دائمًا تتناقض ما تطرد، وهذه من علامات ضعف القول؛ لأن الله يقول في القرآن الكريم:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فالحق دائمًا مطرد.

ص: 322

لكن نمشي على كلام المؤلف ونقول: (فعليه دم) ظاهر كلامه أنه عليه الدم على كل حال، مع أنهم يقولون: إن فدية الحلق والتقليم فدية أذى، وفدية الأذى يخيَّر فيها بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، يخيَّر، وفرق من أن نُلْزِم شخصًا بإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وبين أن نُلْزِمه بذبح شاة بثلاث مئة وأربع مئة، بينهما فرق، وكذلك أن نلزمه بهذه الشاة أو يصوم ثلاثة أيام، بينهما فرق، لكن سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله أنه يخيَّر فيكون ذِكْرُه هنا للدم من باب ذِكْر الأعلى؛ لأنه ما دام هو نفسه رحمه الله ذكر أنه يخيَّر بين الثلاثة أمور -صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة- فلا إشكال في كلامه؛ لأنه يُحْمَل كلامه هنا على كلامه هناك.

(فعليه دم) هذا الدم لا بد أن يكون مما يجزئ في الأضحية، ولنذكر ذلك حتى ينبني عليه ما يأتي إن شاء الله تعالى، لا بد أن يكون من بهيمة الأنعام، فلو ذبح ظبيًا يساوي ألف ريال بدلًا عن شاة تساوي مئة أيش؟

طلبة: ما يجزئ.

الشيخ: لم يجزئ، لا بد أن يبلغ السن المعتبر شرعًا، وهو: ستة أشهر في الضأن، وسنة في الماعز، وسنتان في البقر، وخمس سنوات في الإبل.

الثالث: لا بد أن يكون سالِمًا من العيوب المانعة من الإجزاء، وهي أربعة: العوراء البَيِّن عَوَرُها، والمريضة البَيِّن مرضها، والعرجاء البَيِّن ضلعها، والهزيلة التي ليس فيها مخ، وما كان بمعناها أو أشد منها.

نرجع إلى إيجاب الدم بثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار، هذا يحتاج إلى دليل؛ لأن إيجاب الدم مثلًا استحلالٌ لمال المسلم بغير دليل، والمسألة ما هي هينة؛ لأننا سنقول لهذا الرجل: يجب أن تبذل قيمة الشاة فتخرجها من مالك، وهذا يحتاج إلى دليل، وما دامت المسألة ليس فيها دليل، بل ليس فيها إلحاق ثلاث شعرات بأيش؟

طالب: بالحلق.

ص: 323

الشيخ: بالحلق، أين الحلق؟ ثم نقول: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم احتجم وهو مُحْرِم، ثبت ذلك، والمحتجم لا بد أن يحلق مكان الحجامة، ولم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه فدى؛ لأنه لم يحلق رأسه، وإنما حلق بعض رأسه.

وعلى هذا فمقتضى الدليل عندي أن الحلق حرام، وهو ما يسمى حلقًا، سواء في كل الرأس أو في بعض الرأس، وأما أَخْذ شعرتين أو ثلاث شعرات أو ما أشبه ذلك فليس فيه شيء إطلاقًا؛ لأنه ليس بحلق ولا تقصير حتى لو أَخَذ خمس شعرات أو ست شعرات ليس بشيء، ما فيه دليل يُوجِب على عباد الله أن يفدوا، لكن لو حلق بما يسمى حلقًا ولو جزءًا فهو حرام، فإن اضطر إلى الحلق أو احتِيج إليه فإنه يَحْلِق، لكن إذا لم يشمل الرأس أو أعظم الرأس أو معظم الرأس فليس عليه شيء، ليس عليه فدية، استمع، فإن استوعب جميع الرأس كما في قصة كعب بن عُجْرَة فعليه الفدية، هذا مقتضى الدليل عندي، فمن تبين له هذا فهذا هو الحق إن شاء الله، ومن لم يتبين له فعليه أن يتبع ما تَبَيَّن له من الكتاب والسنة، وليس قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومَن كان قوله حجة من الصحابة ليس حجة على غيره، لكن على الإنسان أن يُبَيِّن الحق، وإذا بان الحق وجب اتباعه.

إذن عندنا المسألة ثلاثة أقسام بالنسبة لشعر الرأس؛ أولًا: إذا أخذ شعرات لا يُعَدّ حلقًا فليس بشيء، ما عليه شيء.

ثانيًا: إذا حلق بعض الرأس لكن لعذر كحجامة أو مداواة جرح، انجرح رأسه واحتاج إلى أن يؤخَذ من الشعر لدواء هذا الجرح، أو ما أشبه ذلك، فإنه يأخذه، يحلق ما احتاج إليه وأيش؟

طلبة: ولا شيء عليه.

الشيخ: ولا شيء عليه، ودليلنا في هذا فعل النبي عليه وعلى آله وسلم حين احتجم وهو مُحْرِم ولم يُنْقَل أنه فدى.

ثالثًا: إذا حلق الرأس أو أكثره فعليه الفدية، ومعلوم أنه يَحْرُم عليه إلا إذا كان لسبب.

ص: 324

نقول: من حلق الرأس واضح، {لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]، لكن إذا حلق معظم الرأس فما الدليل على إيجاب الفدية عليه؟

الدليل: أن الْمُعْظَم مُلْحَق بالكل في كثير من المسائل، ولولا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حلق للحجامة ولم يَفْدِ لقلنا: إذا حلق بعض الرأس وجبت عليه الفدية، ذلك لأن الْمُحَرَّم يشمل القليل والكثير، فإذا حَرَّمَ الله شيئًا حَرُم قليله وكثيره.

لكن نظرًا إلى أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حلق للحجامة ولم يَفْدِ نقول: هذا دليل على أن المراد بحلق الرأس المنهي عنه هو حلق الجميع أو معظمه.

بقينا في الأظفار، الأظفار إن حلق ظفرًا واحدًا فإطعام مسكين على كلام المؤلف، ظفرين؟

طالب: إطعام مسكينين.

الشيخ: إطعام مسكينين، ثلاثة؟

طالب: فدية.

الشيخ: دم على كلام المؤلف، ولكن يُخَيَّر، وإذا قلنا بالقول الراجح: إن الأظفار لا دليل على تحريمها في الإحرام، فليس عليه شيء، لكن كما قلنا لكم تَجَنُّب الشيء الذي عملُ الناس على خلافه هذا من الأشياء المطلوبة، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ثم ربما يكون في هذا تشويش على الإنسان، وسبب للخوض فيه، خصوصًا إذا لم يكن عالِمًا يعني إمامًا يُتْبَع، لكن إذا ترعرع وصار إمامًا يُتْبَع فلا يبالي بأحد؛ لأن الله يقول:{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [آل عمران: 20] لا بد أن يبلغ العلماء ما تَبَيَّن لهم من كتاب الله وسنة رسوله.

قال: (ومَن غَطَّى رأسه بملاصق فدى)، (غطَّى رأسه) أي: ستره، (بمُلَاصِق) للرأس (فدى)، والفدية ما هي؟ الفدية أطلقها المؤلف، فتُحْمَل على فدية الأذى، أي أنه يُخَيَّر بين أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة.

تغطية الرأس ما هو الدليل على أنها من محظورات الإحرام؟

ص: 325

الدليل: أن رجلًا وَقَصَتْهُ ناقته في عرفة وهو مُحْرِم، فمات رضي الله عنه، فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال:«اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُحَنِّطُوهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (15)، الشاهد؟

طلبة: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» .

الشيخ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» يعنى: لا تغطوه، وعَلَّلَ ذلك بأنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبِّيًا، فدل على أن الْمُحْرِم يحرُم عليه أن يغطي رأسه بالْمُلَاصِق، نضرب أمثلة للمُلَاصِق، الطاقية؟

طلبة: مُلاصِق.

الشيخ: والغُتْرَة؟

طلبة: مُلاصِق.

الشيخ: والعمامة؟

طلبة: مُلاصِق.

الشيخ: مع أنه نُهِيَ عن العمامة بذاتها؛ لأنها لباس الرأس، إذن إن غَطَّى بِمُلاصِق فدى، وإن غطاه بغير ملاصق فهو نوعان: إما أن يكون متصلًا به، وإما أن يكون منفصلًا عنه؛ إن كان منفصلًا عنه فجائز بالإجماع، وإن كان متصلًا به ففيه خلاف.

مثال المنفصل عنه أن يجلس الإنسان تحت شجرة ويضع عليها ثوبه، فهذا أيش؟

طلبة: منفصل.

الشيخ: غطى رأسه لكن بمنفصل، ومثال آخر: أن يدخل الإنسان في الخيمة، هذا أيضًا غطى رأسه بمنفصل وهو جائز.

والدليل على هذا أن الأصل عدم المنع، وهناك دليل بالنسبة للخيمة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضُرِبَت له خيمة في ..

طلبة: نَمِرَة.

الشيخ: في نَمِرَة واستظل بها.

إذا كان متصلًا به مثل الشمسية، رجل مُحْرِم يحمل شمسية يتظلل بها إما من المطر وإما من الشمس، فهذا فيه خلاف، فمن العلماء مَن قال: إنه حرام، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، ومنهم من قال: إنه جائز، ومن ذلك السيارة التي لها سقف فإنه على المشهور من مذهب الحنابلة من محظورات الإحرام أن يركب في هذه السيارة؛ لأن لها؟

طالب: سقفًا.

الشيخ: لأن لها سقفًا، فيَحْرُم على الْمُحْرِمين أن يركبوا السيارات المغطاة، مثل؟

طالب: الباص.

ص: 326

الشيخ: الباصات، الْجُمُوس، وما أشبهها، والشمسية كذلك حرام.

لكن هذا القول ضعيف؛ لأنه إذا ركب بالسيارة التي عليها السقف هل غطى رأسه؟

طالب: لا.

الشيخ: لا أبدًا، انظر إلى داخل السيارة تجد الرأس؟

طالب: غير مغطى.

الشيخ: غير مغطى، مكشوف، وكذلك بالشمسية غير مغطى، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استظل بالثوب الذي حَمَلَهُ ..

طالب: أسامة.

الشيخ: أسامة بن زيد أو بلال قبل أن يرمي جمرة العقبة، وهذا نظير الشمسية تمامًا.

إذن الصواب بلا شك أنه إذا غطى رأسه بغير مُلاصِق فإنه لم يُغَطِّ رأسه، بل يقال: إنه ظَلَّلَ رأسه، والتظليل ليس بحرام، أفهمتم يا جماعة؟

انتهينا من تغطية الرأس، تَبَيَّن أن تغطية الرأس من محظورات الإحرام، واضح؟ الدليل حديث الذي وَقَصَتْه راحلته، تظليل الرأس؟

طلبة: جائز.

الشيخ: قلنا: قسمان: قسم لا خلاف فيه، وهو أن يكون؟

طلبة: منفصلًا.

الشيخ: منفصلًا، كالخيمة والشجرة التي عليها الثوب، وقسم متصل محل خلاف، والصحيح أنه جائز؛ لأن هذا لا يقال: تغطية رأس، وإنما يقال؟

طالب: يقال: تظليل.

الشيخ: تظليل الرأس.

بقي علينا مناقشة المؤلف في قوله: (فدى)، نحتاج إلى الدليل على وجوب الفدية، الفدية قد تكون مثلًا بثلاث مئة ريال أربع مئة ريال، فما الدليل؟

ما فيه دليل أبدًا، إلا القياس على حلق الرأس، والقياس على حلق الرأس ممنوع؛ لأن حلق الرأس تبيَّن لنا والعلم عند الله عز وجل أنه ليس العلة التَّرَفُّه؛ لأن التعليل بالتَّرَفُّه تبيَّن عدم صحته.

فنقول: إذا غطى رأسه بِمُلاصِق كان ذلك حرامًا عليه، وكان معصية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومَنْ عصى الرسول فقد عصى الله، ثم هو يُنَقِّص أجر النسك لا شك.

فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لا فدية عليه، لكنه عاصٍ وآثِم؛ لأن إيجاب الفدية وشَغْل الذِّمَّة بقياس ضعيف فيه نظر.

يقول رحمه الله: (وإن لبس ذَكَرٌ مخيطًا فدى) هذا المحظور؟

طلبة: الرابع.

ص: 327

الشيخ: الرابع، لبس المخيط، (إن لبس ذَكَرٌ مخيطًا)، خرج بقوله:(ذكر) الأنثى، كلمة (مَخِيط) هذه لم تَرِد في السنة، كما لم تَرِد في القرآن، والذي ورد في السنة خمسة أشياء: القميص، والسراويل، والبرانس، والعمائم، والخِفَاف، ما فيه ذِكْر للمخيط أبدًا، لكن ذكروا عن ابراهيم النخعي رحمه الله -وهو من فقهاء التابعين- أنه عَبَّر بهذا التعبير، ومراده ما خِيطَ على قياس البدن، يعني القميص، وهو لا يريد كل ما فيه الخِيَاط.

ولكون هذه العبارة ليست عن معصوم صار فيها إشكال على كثير من الناس، ما هو؟ حيث ظن بعض الناس أن كل شيء فيه خياطة؟

طلبة: حرام.

الشيخ: فهو حرام، ولذلك يسألون دائمًا عن الكَمْر المخيط، ويسألون عن النعال المخروزة دائمًا، ويسألون عن الإزار الْمُرَقَّع، والرداء الْمُرَقَّع، كله بناءً على هذه العبارة التي لم تصدر عن معصوم، ولو أننا اقتصرنا على ما جاء به النص وكفى به بيانًا لسَلِمْنَا من هذه الشبهة.

المهم إذا لبس الْمُحْرِم ما يَحْرُم عليه من اللباس فكلام المؤلف يدل على أنه؟ يفدي، حينئذ نقول: ما الدليل على الفدية؟ هو لا شك أنه حرام، لكن ما هو الدليل على الفدية، والفدية في هذا فدية أذى، يعني: إما ذبح شاة، وإما صيام ثلاثة أيام، وإما إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، لكن نحتاج إلى؟

طلبة: دليل.

الشيخ: إلى دليل.

(وإن طَيَّبَ بدنه، أو ثوبه، أو ادَّهَن بمطيَّب، أو شَمّ طِيبًا، أو تبخَّر بعود ونحوه فدى)، هذا المحظور؟

طلبة: الخامس.

الشيخ: الخامس وهو الطِّيب، الطِّيب بالنسبة للمُحْرِم نوعان: طِيب سبق الإحرامَ وبقيت آثارُه، وطِيبٌ كان بعد الإحرام، فالْمُحَرَّم؟

طلبة: الثاني.

ص: 328

الشيخ: ما كان بعد الإحرام، أي الثاني، أما الطِّيب الذي يفعله الْمُحْرِم لإحرامه فهذا طَيِّب وسنة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يتطيب لإحرامه قبل أن يُحْرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت، وقالت عائشة: كأني أنظر إلى وَبِيصِ المسك في مَفَارِق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (16)، وَبِيص يعني: بريق ولمعان.

الكلام على الطِّيب بعد الإحرام، الطِّيب بعد الإحرام مُحَرَّم، ودليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الذي وَقَصَتْه ناقته:«لَا تُحَنِّطُوهُ» (15)، والْحَنُوط أخلاط من طِيب تُجْعَل في الميت، وإذا حَرُم ذلك على الميت لأنه مُحْرِم حَرُم على الحي من باب أولى، هذا قياس جلي؛ لأن الحي يمشي بين الناس ويعج منه ريح الطِّيب، والميت سيُدْفَن.

فالمهم أن الطيب على الْمُحْرِم حرام، ولهذا قال:(وإنْ طَيَّبَ بدنه أو ثوبه) يعني: ثوب الإحرام، (أو ادَّهَن بمُطَيَّب)، يعني ادهن بشيء مُطَيَّب تظهر فيه رائحة الطِّيب، وإن كان دهنًا لا يسمى طِيبًا لكن فيه رائحة الطيب.

ص: 329