الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله: (قصَّر من شعره) أفادنا رحمه الله أن الأفضل للمتمتع أن يقصَّر من شعره، وهو الذي دلت عليه السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أنهى الطواف والسعي أمر من لم يكن معه هدي أن يقصِّر ويحل، ولم يأمره أن يحلق؛ لأنه لو حلق والمدة قصيرة لم يجد شعرًا يحلقه في الحج، والحج أولى بالمراعاة من العمرة؛ لأنه أكبر.
فعلى هذا نقول: في هذه الصورة التقصير أفضل من الحلق؛ من أجل أن يتوفر الشعر للحج.
قال: (قصَّر من شعره وتحلل) أي: من محظورات الإحرام، فلا يبقى عليه محظور من محظورات الإحرام حتى النساء.
قال: (وإلا) كلمة (إلا) تشمل ثلاث صور: إذا كان مفردًا، وإذا كان قارنًا، وإذا كان متمتعًا معه هدي، على القول بصحة هذه الصورة الثالثة، فيكون (إلا) أي: وإلا يكن متمتعًا، وهو؟ أجيبوا.
طلبة: القارن.
الشيخ: المفرد والقارن، (وإلا) أيضًا بأن كان متمتعًا معه هدي، وهي الصورة الثالثة، (حَلَّ إذا حج) يعني: إذا جاء وقت الحل في الحج، وليس المراد إذا كَمَّل الحج؛ لأن الإنسان يحل يوم العيد، إذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصَّر حَلَّ.
(والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية) المتمتع إذا شرع في الطواف يقطع التلبية ويشتغل بذكر الطواف، وعُلِمَ من كلامه أن القارن والمفرد لا يقطعان التلبية، وعموم كلامه في قوله:(والمتمتع) يشمل المتمتع الذي معه هدي مع أنه لن يحل، فالمتمتع سواء كان معه هدي أو لا إذا شرع في الطواف قطع التلبية. ومتى يبتدئها؟
طالب: بعد الإحرام.
الشيخ: إذا أحرم بالحج.
[باب صفة الحج والعمرة]
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب صفة الحج والعمرة. يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها) أي: من مكة، (ويجزئ من بقية الحرم)(يسن للمحلين بمكة) من المحلون؟
طالب: المتمتعون.
الشيخ: المتمتع، ومن لم يأت بعمرة ولا أحرم بحج ولا عمرة، (يسن الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال) هذا هو الأفضل؛ أن يحرم بالحج يوم التروية قبل الزوال، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك لأن الناس يتروون فيه الماء في منى، قبل أن تأتي هذه العيون -والحمد لله- تجدهم يجهزون الماء ويروونه ويهيئونه للنازلين في منى، وهذا أول يوم من أيام الحج، وأيام الحج الخمسة كلها لكل يوم منها اسم؛ فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القَرِّ، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، كل الأيام الخمسة أيام الحج كل واحد له اسم.
(قبل الزوال منها) وعُلِم من كلامه أنه لا يسن قبل طلوع الشمس أن يحرم بالحج، إلا من مرَّ بالميقات وكان قارنًا أو مفردًا فمتى مرَّ به أحرم من الميقات، لكن كلام المؤلف هنا في المحلِّين أنهم لا يتقدمون على يوم التروية، بل في ضحى يوم التروية.
وعُلِمَ منه أيضًا أنه لا ينبغي أن يؤخر الإحرام عن الزوال، بل يحرم قبل الزوال؛ ليستغل الوقت في طاعة الله؛ لأنه لو أخَّر الإحرام إلى العصر فاته ما بين الضحى والعصر، ولو أخَّره إلى الغد -كما يفعله بعض الناس يقول: أحرم يوم عرفة وأمشي إلى عرفة- فهذا أشد حرمانًا.
وقوله: (منها) أي: من مكة، ومن أي مكان من مكة؟
قال بعضهم: يحرم من تحت الميزاب، ميزاب أيش؟
طلبة: الكعبة.
الشيخ: ميزاب الكعبة، ومَنْ لميزابِ الكعبة في هذه الأوقات؟ ! ولو قلنا للمحلين: ادخلوا المسجد الحرام وأحرموا من تحت الميزاب، متى يحرمون؟ بعد أيام، وهذا لا دليل عليه؛ لا دليل على أنه يحرم من المسجد الحرام، ولا أخص؛ وهو كونه من تحت الميزاب، وإنما يحرم الناس من مقرهم؛ إن كانوا في البيوت فمن البيوت، إن كانوا في الخيام فمن الخيام، من مقرهم.
وقوله: (منها) أي: من مكة، (ويجزئ من بقية الحرم) فيه حرم غير مكة؟ إي نعم؛ لأن حدود الحرم واسعة، يجزئ -مثلًا- من مزدلفة، يجزئ من منى، يجزئ مما دون التنعيم، يجزئ مما دون الحديبية، وهلم جرًّا، المهم أنه يجزئ من أي مكان من الحرم؛ وهو الذي داخل حدود الحرم.
وعُلِمَ من كلامه رحمه الله أنه لا يجزئ من الحل؛ لقوله: (من بقية الحرم) وهو أحد القولين في المسألة، والمذهب خلاف ذلك؛ أنه يجزئ من الحل.
فبناء على كلام المؤلف لو أحرم من عرفة لم يجزئه، وعلى المذهب يجزئه، ولا شك أن الأفضل أن يحرم من مقره، سواء كان في الحل أو في الحرم، متى؟ ضحى اليوم الثامن.
قال: (ويبيت بمنى) يبيت الليلة التي بعد الثامن؛ وهي ليلة التاسع، ولم يذكر المؤلف كيف يصلي؛ لأن هذا يذكر في باب صلاة أهل الأعذار، لكن نحن نذكره إن شاء الله.
يستقر في منى يوم الثامن فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بقصر دون جمع؛ أما القصر فواضح لأن الإنسان مسافر، وأما الجمع فواضح أيضًا لأن الجمع إنما يسن عند وجود المشقة بعدمه، وأما مع انتفاء المشقة فإنه لا يجوز إلا إذا كان في سفر، فالصواب أن السفر يجوز فيه الجمع ولو لم يكن قد جَدَّ به السير.
هل هذا الحكم؛ القصر والجمع خاص بأهل الآفاق أو لهم ولأهل مكة؟
المذهب لا، ليس لأهل مكة قصر ولا جمع؛ لأنهم ليسوا مسافرين؛ إذ إن السفر ما بلغ ستة عشر فرسخًا؛ أربعة برد، ومقدارها بالكيلو نحو ثلاثة وثمانين كيلو، ومعلوم أن عرفة لا تبلغ ثلاثًا وثمانين كيلو، ولذلك يقولون: لا يجوز لأهل مكة أن يجمعوا في مزدلفة ولا في عرفة، ولا أن يقصروا في منى، والصحيح أن أهل مكة كغيرهم من الحجاج، لكن بشرط أن يكونوا مسافرين؛ أي خارجين عن مكة.
في يومنا هذا إذا تأمل المتأمل يجد أن منى حي من أحياء مكة؛ مختلطة، وحينئذٍ يقوى القول بأنهم لا يقصرون في منى، نعم في مزدلفة في عرفة لهم الترخص برخص السفر؛ لأنهم مسافرون، فهم يتأهبون لسفر الحج بالطعام والرحل والماء، فهم مسافرون، ولذلك كان أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا يقصرون في منى وعرفة ومزدلفة، ويجمعون في مزدلفة وعرفة، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتموا، لكن اختلف الوضع الآن.
وقال بعض أهل العلم: إن القصر والجمع في الحج ليس سببه هو السفر وإنما سببه النسك.
وعلى هذا القول فأهل مكة -الحجاج منهم- يقصرون ويجمعون في موضع الجمع، لكن هذا القول ضعيف؛ إذ لو كان سببه النسك لكانوا إذا حلوا من النسك التحلل الثاني -وهذا يمكن أن يكون يوم العيد- لم يحل لهم أن يقصروا في منى، ولو كان سببه النسك لكانوا إذا أحرموا في مكة بحج أو عمرة جاز لهم الجمع والقصر، فالقول بأنه هو للنسك ضعيف جدًّا ولا ينطبق على القواعد الشرعية.
يقول رحمه الله: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عُرَنَة)(سار إلى عرفة) ولم يذكر النزول في نمرة، مع أن السنة جاءت به، فيسير من منى إلى نمرة؛ وهي موضع تقع جنوبًا غربًا عن عرفة، معروفة حتى الآن بهذا الاسم، هذا المكان نزله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى زالت الشمس، فلما زالت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له، ثم ركب حتى أتى بطن عُرَنَة، كما في حديث جابر في صحيح مسلم (10).
ذكر لي بعض الناس الذين كانوا ينزلونها، لما كان الناس قليلين قال: إن النزول بها يكسب الإنسان راحة؛ راحة نفسية عجيبة، وراحة قلبية، وراحة بدنية، وأنه ينصرف منها إلى عرفة وهو على أتم الاستعداد للوقوف بعرفة، وهذه من حكمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولكن هل هي مَشْعَر أو هي عبارة عن نقضِ تعبٍ؟ يحتمل أن تكون مَشْعَرًا، ويحتمل أن تكون لنقض التعب، ويرجح الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم ضُرِبَت له القبة بنَمِرَة ولم ينكر ذلك، ولما أرادوا أن يضربوا له خيمة في منى منعهم وقال:«مِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» (11)، فهذا يرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم نزلها؛ لأنه أسهل حتى يستريح ويستعد للوقوف.
ثم هل هي -أعني نمرة- هل هي من عرفة؟
الجواب: لا، لا شك أنها ليست من عرفة؛ لأنه إذا كان بطن عُرَنة ليس من عرفة، فهي أبعد من بطن عُرَنَة.
فإن قال قائل: ماذا تجيبون عن حديث جابر رصي الله عنه قال: ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم -يعني من منى- حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُرِبَت له بنَمِرَة (1)؛ فإن ظاهره يقتضي أن نمرة جزء من عرفة؟
فالجواب أن مراد جابر رضي الله عنه أنه لم ينزل في مزدلفة كما كانت قريش تنزل في مزدلفة؛ قريش من تعصُّبهم وحميتهم يقولون: ما نقف بعرفة؛ لأن عرفة خارج الحرم، ونحن -أهل الحرم- ما يمكن نخرج عنه، فيقفون في مزدلفة، فقول جابر: أجاز حتى أتى عرفة؛ يعني أنه لم يقف في مزدلفة، ولهذا قال في نفس الحديث: ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في الجاهلية، فأجاز حتى أتى عرفة (12)، فيكون هذا بيانًا لمنتهى سيره، وأن منتهى سيره أيش؟
طالب: عرفة.
الشيخ: إلى عرفة.
يقول: (إذا سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة) كلها موقف، وهي واسعة، لا تظن أنها المسجد وما حوله، بل هي واسعة جدًّا تأخذ الحجيج مهما بلغوا، (كلها موقف) لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ارتحل من نمرة وأتى بطن الوادي؛ بطن عرنة، وهو معروف حتى الآن، نزل فصلَّى الظهر والعصر، لكنه خطب أولًا الخطبة البليغة الشهيرة، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى الظهر، ثم أمره فأذَّن فصلى العصر، ولم يُجَمِّع -أي لم يصلِّ جمعة- مع أن ذلك اليوم كان يوم الجمعة، مما يدل على أن المسافر لا يقيم جمعة حتى لو كان معه أهل الأرض جميعًا، خطب الناس، ثم أمر بلالًا فأذن فصلى الظهر، ثم العصر، ثم ركب ناقته حتى أتى الموقف الذي اختاره عليه الصلاة والسلام، وهو شرقي عرفة عند الصخرات، وهو معروف حتى اليوم، ووقف هناك وقال:«وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (13).
وهو يشير عليه الصلاة والسلام بكلمة: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» إلى أن الأفضل أن الإنسان ينزل في مكانه؛ لأنها كلها موقف، لا فرق بين هذا وهذا، فلا تتعب نفسك بالذهاب إلى موقف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا من حكمته صلوات الله وسلامه عليه ورحمته بالأمة.
فإن قيل: لماذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الموقف؟
فالظاهر لي -والله أعلم- أن من هديه صلى الله عليه وسلم في أسفاره أنه يكون في أُخْريات القوم، والمكان الذي اختاره في شرق عرفة، فالناس كلهم بين يديه، فإذا دفعوا سيكونون؟
طالب: أمامه.
الشيخ: أمامه، ويكون هو في المؤخرة عليه الصلاة والسلام، وهذا من تواضعه صلوات الله وسلامه عليه ومن حسن سياسته؛ لأنه إذا كان في أُخْرَيات القوم تفقد الناس، والذي ينقطع يساعده، والذي يحتاج إلى شيء يساعده.
(كلها موقف إلا بطن عُرَنة)(بطن عُرَنَة) يعني: الوادي، وانتبه لكلمة (بطن عُرَنة) يعني: دون الحافتين اللتين لا يأتيهما السيل إلا إذا كان الوادي قويًّا جدًّا، البطن هو الممنوع؛ بطن عرنة.
الحكمة من ذلك؛ هل لأنه خارج عرفة أو لأن السنة ألَّا ينزل إنسان في الأودية؟
فيه احتمال أنه من عرفة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ارْفَعُوا عَنْهُ» (14) لَأَنَّهُ وَادٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْأَوْدِيَةِ. ويؤيد هذا أنه لولا أنه منها لم يقل: ارفعوا عن بطن عرنة، لكانت قد عُرِفَ أن بطن عرنة أيش؟ خارج عرفة.
وينبني على هذا لو أن إنسانًا وقف في بطن عُرَنة ولم يدخل عرفة وخرج؛ كَمَّل حجه.
فإن قلنا: إن الوادي منها لكن أُمِرْنا بأن نرتفع عنه؛ لأنه وادٍ، فحجه صحيح.
وإن قلنا: ليس منها؛ فحجه غير صحيح.
وهذا يحتاج إلى تحرير بالغ؛ لأنه مهمٌّ، ينبني عليه أن الإنسان أدى فريضته أو لم يؤدِّ فريضته، فتحريره مهم جدًّا.
كلمة (كلها موقف) هل المشروع أن يكون الإنسان واقفًا أو يجلس ويستقبل القبلة؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، الثاني هو الأقرب، والموقف قد يراد به السكون لا الوقوف قيامًا.
ثم هل الأفضل أن يكون على راحلته أو الأفضل أن يكون غير راكب؟
في هذا خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الأفضل أن يكون راكبًا؛ تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومنهم من يقول: الأفضل أن يكون ماشيًا لا راكبًا.
والذي ينبغي أن يقال: يفعل ما هو أصلح لقلبه، وهذا يختلف؛ قد يكون بقاؤه على الراحلة -وهي السيارة في الوقت الحاضر- سببًا لانشغاله، وإشغاله أيضًا، ويكون انفراده في مكان تحت شجرة أو في أي مكان أراد أولى وأخشع، فهنا نقول: الأفضل ألَّا يكون في السيارة، وقد يكون في السيارة أخشع له وأقل تشويشًا؛ لأنه يكون متهيئًا متأهبًا، فهنا نقول: انظر ما هو أصلح لقلبك.
قال رحمه الله: (ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر) تقديمًا أو تأخيرًا؟ تقديمًا، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحكمة من هذا أمران؛ الأمر الأول: أن يطول وقت الدعاء. والأمر الثاني: أن يجتمع الناس على الصلاة؛ لأنهم إلى الآن لم يتفرقوا في المواقف، ثم يتسع الوقت لاختيار كل إنسان موقفه، ففي التقديم فائدتان؛ الأولى: اتساع وقت الدعاء والقراءة والذكر، والثاني: اتساع الزمن ليقف الناس مواقفهم، لأنكم تلاحظون الآن أنكم كأنما تشاهدون حج النبي صلى الله عليه وسلم، الناس كلهم دفعوا مِن؟
طالب: منى.
الشيخ: من منى إلى نمرة، وجاؤوا جميعًا، وصلوا جميعًا، فلا بد إذا تفرقوا في عرفة أن يكون الوقت متسعًا، فكان من حكمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجمع جمع تقديم.
والأفضل أن تصلي خلف الإمام إذا تيسر، وفي وقتنا هذا لا يتيسر، جربنا هذا فيه مشقة، وربما يكون فيه أذية على الناس، لكن من الأفضل أيضًا أن يسمع خطبة الإمام، سماع الخطبة الآن متيسر وإن لم تكن في المسجد عن طريق الإذاعة، ولهذا ينبغي للناس أن يستمعوا إلى خطبة الإمام يوم عرفة؛ لأنها خطبة مشروعة، ثم إذا انتهت الخطبة يؤذِّنون في خيامهم ويصلون الظهر والعصر جمع تقديم.
(ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر) قال: (ويقف راكبًا عند الصخرات) يحتمل في (يقف) أن تكون منصوبة معطوفة على (يجمع)، ويكون المعنى: ويسن أن يقف راكبًا، ويحتمل أن تكون مستأنفة، وعلى هذا الاحتمال تكون مرفوعة (ويقفُ).
(راكبًا عند الصخرات وجبل الرحمة) أما عند الصخرات فحق؛ لأن هناك صخرات كبيرة واضحة يقف عندها، وأما قوله:(جبل الرحمة) فلا أصل له في السنة، وإنما يسمى: إلال، الجبل هذا يسمى: إلال، ويسمى: جبل عرفة، أو جبل الموقف، وأما جبل الرحمة فلا، يحتاج إلى دليل؛ لأنك إذا قلت: جبل الرحمة صار موضع رحمة، فيحتاج إلى دليل، ولا دليل، وعلى هذا فيسمى باسمه الأول الجاهلي، أو باسمه الثاني؛ وهو جبل عرفة أو جبل الموقف، أما جبل الرحمة فلا، لكن الفقهاء رحمهم الله أخذوها صاغرًا عن كابر ومشت.
الجبل هذا جبل صغير وقف خلفه النبي عليه الصلاة والسلام عند الصخرات، ولم توضع فيه علامة؛ يعني: عمود يدل عليه، أبدًا، ولا يشرع صعوده، ولا يشرع التبرك بترابه، ولا يشرع استقباله واستدبار الكعبة، هو ليس إلا مجرد علامة على مكان وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس له مزية على غيره من الجبال اللي حوله إلا أنه علامة.
فإذا قال قائل: أليس مشعرًا؟
قلنا: لا، المشعر كل؟
طالب: عرفة.
الشيخ: كل عرفة مشعر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (13).
(ويكثر من الدعاء ومما ورد) يعني: يكثر من الدعاء بما يريد، (ومما ورد) يعني: يخص الوارد، وهكذا ينبغي للإنسان أن يختار الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سواء وردت في هذا المكان أو وردت في مكان آخر؛ لأن الأدعية النبوية أجمع الأدعية وأنفعها، وهي صادرة من أعرف الناس بالله عز وجل وأعلمهم بما يحبه الله تعالى، فينبغي أن يحافظ على الأدعية النبوية، حتى وإن وجدنا أدعية مسجعة ربما تُلَيِّن القلب فإن المحافظة على ما جاءت به السنة أولى.
ومنها -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر-: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (15)، ربما يمل الإنسان من الدعاء مثلًا، فنقول: استرح قليلًا ثم استأنف الدعاء، أو خذِ القرآن الكريم، واقرأه بتدبر وتمهل واتعاظ، وتعوذٍ عند آيات الوعيد، ودعاءٍ عند آيات الرحمة، وتسبيحٍ عند آيات التسبيح، في هذه الحال لا تجد مللًا.
(ويكثر من الدعاء ومما ورد، ومن وقف ولو لحظةً من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهل له؛ صح حجه، وإلا فلا)(من وقف ولو لحظةً) اللحظة ويش مقدارها؟
طالب: بقدر الثانية.
الشيخ: إي نعم، قدر ما تلحظ الشيء، أقل من الثانية الظاهر.
(ولو لحظةً من فجر يوم عرفة) أفادنا المؤلف رحمه الله أن وقت الوقوف يكون من فجر يوم عرفة، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس حين وافاه في صلاة الفجر يوم العيد وسأله عن صحة وقوفه، وأنه ما ترك جبلًا إلا وقف عنده، قال:«مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (16)، أخذ الإمام أحمد رحمه الله بقوله:«لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» من المعلوم أن المراد بالليل هنا ليلة العيد؛ لأنه وافاه متى؟
طالب: في صلاة الفجر.
الشيخ: في صلاة الفجر، أما «أَوْ نَهَارًا» من المعلوم أنه التاسع، وإذا أخذنا بعموم الليل أخذنا بعموم النهار، فيكون وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، وفسَّره بطلوع الفجر؛ لأن اليوم الشرعي يبتدئ من طلوع الفجر.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن وقت الوقوف من زوال الشمس يوم التاسع، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (17)، وهو لم يقف إلا بعد الزوال قطعًا، ويكون المراد بقوله:«أَوْ نَهَارًا» يعني نهارًا يصح فيه الوقوف، وهو؟
طالب: ما بعد الزوال.
الشيخ: ما بعد الزوال، وهذا القول قوي جدًّا، فيحمل المطلق في قوله:«نَهَارًا» على المقيد بفعل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويكون ابتداء الوقوف من زوال الشمس.
طالب: أحسن الله إليك، إذا قلنا يا شيخ: إنه التعريف إلى قبل الفجر ولو بلحظةٍ واحدة، فإذا أتى في الليل قبل الفجر بلحظةٍ ومرَّ على عرفة، ثم أتى إلى مزدلفة فإنه لا يكون له بها مبيت، فهل نقول له إذا أتى بعد منتصف الليل أو قبل الفجر ..
الشيخ: تعجلت.
الطالب: تعجلت ..
الشيخ: تعجلت أنت، ما بعد وصلنا لها.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، هل يُفهم من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أن القبة الذي ضُرِبت له بنمرة أنه لم يضربها ولم يعلم أنها .. حتى وصلها، إنما هو فعل الصحابة؟
الشيخ: نعم صحيح، هذا هو الظاهر، لكن لو كانت منكرًا هل يقرها ويجلس فيها؟
الطالب: لا، ما يفعل.
الشيخ: هذه هي.
طالب: بارك الله فيكم، من لا يتمكنون من سماع الخطبة هل يشرع لهم أن يقيموا خطبة في أماكنهم؟
الشيخ: هذا سؤال وجيه، يعني إذا كان الذي في الخيام لا يستطيعون سماع الخطبة، ليس عنده -مثلًا- إذاعة، هل يشرع أن يخطب؟ إن كان طالب علم فيُشْرع أن يخطب ليعلم الناس، وأما إن كان عاميًّا ويش يقول للناس؟ لا يخطب.
طالب: أحسن الله إليكم، من طاف وهو متوضئ، ثم أحدث، فهل يبتدئ الطواف أو يتم؟
الشيخ: متى أحدث؟
الطالب: أحدث في منتصف الطواف.
الشيخ: أنت تقول: من طاف ثم أحدث؟ !
الطالب: من طاف وهو متطهر.
الشيخ: إي، ثم أحدث.
الطالب: ثم أحدث بعد ذلك.
الشيخ: يعني بعد الطواف؟
الطالب: لا وهو يطوف.
الشيخ: ليش طيب ما قيدته؟
الطالب: قيدته.
الشيخ: هذه مرت علينا أمس أو لا؟ راجع هذا الشريط.
الطالب: (
…
).
الشيخ: راجع الشريط، أنت الذي أهملت نفسك.
طالب: يجوز للمحرم أن يقطف ثمرة من الشجرة؟
الشيخ: ثمر؟ المحرم ولَّا هل يجوز قطع الثمر في شجر الحرم؟
الطالب: لا، يعني المحرم.
الشيخ: المحرم ما له دخل في مسألة الأشجار، الأشجار ما لها علاقة بالإحرام إطلاقًا، لكن الحرم ما كان داخل حدود الحرم من الشجر الذي لم ينبته الآدمي فهو محترم، وثمره جائز.
طالب: شيخ بارك الله فيك، هل تشترط الطهارة في الطواف؟
الشيخ: سبق في الدرس الماضي، أليس لك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: راجع الشريط.
طالب: في الحملات يجتمع رجال كثير يعني ..
الشيخ: يجتمع في الحمالات رجال كثير.
الطالب: يعني قد يصلون ما بين سبعين إلى مئة وخمسين، ويكون بجانبهم مسجد جماعة، ويغلب على الظن أنهم لو ذهبوا جميعًا لامتلأ المسجد ولصلَّى بعضهم خارجًا فيشق عليهم، فهل يجب عليهم السعي إلى المسجد أو يصلون في .. ؟
الشيخ: مسجد مبني يعني يصلى فيه الصلوات الخمس، أرى أن يصلوا في مكانهم؛ في مخيمهم.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: القِرَان أفضل من الإفراد؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه عمرة، واللي يقولون: إن الإفراد أفضل يقولون: هو من فعل الخلفاء الراشدين، كيف نجاوب عنه يا شيخ؟
الشيخ: الخلفاء الراشدون أمروا بالإفراد سياسةً؛ لأجل ألَّا يُهْجَر البيت، وفي عهدهم لا يأتي الناس إلى البيت إلا للنسك، فقالوا: تكون العمرة في غير أشهر الحج، والحج في أشهره، فهم اختاروا هذا سياسةً.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أحيانًا في عرفة وفي المناسك بعض الجهال يتمسحون بالأستار وبالأحجار.
الشيخ: من؟
الطالب: بعض الحجاج.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وهذا يعتبر شركًا أكبر ولَّا شركًا أصغر، هذا التبرك؟
الشيخ: ما ندري عن ويش نياتهم؟ هل إنهم يتبركون بناءً على أن هذه الأشجار تنفع وتضر، أو بناءً على أنها في أمكنة محترمة، فيرجون البركة فقط؟ هذا يختلف، كما نقول فيمن طاف على القبر؛ إذا كان يعتقد أن الطواف به جائز وقربة إلى الله عز وجل فليس كالذي يطوف تعظيمًا للميت وتقربًا إليه، الثاني مشرك شركًا أكبر، والأول لا، وهذه المسائل خطيرة جدًّا، والظاهر لي -والله أعلم- أن هؤلاء إنما يتبركون تبركًا فقط ما يقصدون أن هذه الأشياء تنفع أو تضر.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل الأفضل في يوم عرفة طالب العلم يقتصر بالدعاء أحسن أو يدعو الناس إذا رأى مخالفات؟
الشيخ: إي، يعني هل الأفضل التفرغ للدعاء أو التفرغ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الأول هو الظاهر، لكن يمكن أن يجمع بينهما؛ بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى إذا صار العصر فإنه عشية عرفة لا تتركها بلا دعاء.
طالب: أحسن الله إليكم، في القصر والجمع بعرفة ومزدلفة، بعض الحجاج يؤخرون الصلاة في يوم عرفة يؤخرون صلاة الظهر إلى قرب صلاة العصر، ثم يجمعون، ويقولون: هذا جمع صوري، صورته صورة جمع، وكل صلاة وقعت في وقتها ..
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل هذا مشروع يا شيخ؟
الشيخ: هؤلاء الذين يرون أنه لا يجوز الجمع، وأن السنة الواردة في الجمع هي الجمع الصوري، لكن قولهم هذا من أضعف الأقوال، كيف جمع صوري؟ ! المراد بالجمع الرأفة بالناس والرفق بهم، الجمع الصوري أشد ما يكون مشقة، عرفت ولا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: عرفت؟
الطالب: إي.
الشيخ: من يدرك أن الشمس صار ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، ثم يتحرى إلى أن يدخل وقت العصر، من يدرك هذا؟ ! وأصعب من ذلك الشفق الأحمر؛ من يدرك أن يقول: انتظر، حتى إذا بقي على مغيب الشفق الأحمر مقدار صلاة المغرب فصلِّ المغرب؟ ! يعني لو كُلِّفْنا بهذا لكان من تكليف ما لا يطاق، ولكن مع الأسف الشديد أن الإنسان إذا حوصر في الجدال ارتقى مرتقى فوق قمم الجبال، وأجاب بأشياء لو تصورها لعرف أنها لا تصح في المضايقات.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، لو اعتمر في أشهر الحج بغير نية الحج، ثم حج، فهل هو متمتع يعني يجب عليه .. ؟
الشيخ: لا، لو اعتمر في غير أشهر الحج وهو لا ينوي الحج، ثم بدا له بعد فحج فهو مفرد.
الطالب: في أشهر الحج؟
الشيخ: في أشهر الحج نعم؛ لأن قوله: {مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] يفيد أن الإنسان لولا هذه العمرة لبقي في إحرامه إلى يوم العيد.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- حال الصحابة هل كانوا ينوون التمتع حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال؟
الشيخ: نعم.
الطالب: حالهم ما كانوا ..
الشيخ: لا، ينوون التمتع، نووا الحج، ناوين الحج، لكن ناوين على أنه إفراد أو على أنه قِرَان.
الطالب: ما نووا يا شيخ التمتع؟
الشيخ: ما يخالف، يجوز أن تفسخ النية المفضولة إلى نية فاضلة، لكن الصورة التي أنت سألت عنها إنسان جاء معتمرًا في أشهر الحج ولا عنده نية الحج إطلاقًا، ثم بدا له فحج، كيف يصح أن نقول: هذا تمتع بالعمرة إلى الحج؟ ! لأن هذه عمرة مستقلة ما تمتع بها إلى الحج.
طالب: شيخ، لو قارن ولم يحرم إلا اليوم التاسع، ثم ذهب إلى عرفة ولم يطف طواف القدوم، كيف نقول: إنه قارن وهو ما طاف طواف العمرة؟
الشيخ: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (18).
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، بالنسبة لحديث عروة لو أن إنسانًا ابتداءً عمل به وهو يعلم الأحكام ويعلم المفروض، وكذا، لكن لظروفٍ معينة عمل بهذا الحديث ولم يقف إلا آخر ساعة من الليل، ثم قدم إلى مزدلفة وصلى مع الناس؟
الشيخ: الظاهر أنه جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» (16)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- لماذا العلماء؛ يعني بعضهم الذين يرون الفدية يلزمونه إما بالرجوع إذا كان وقف شيئًا من النهار، إن وقف الحاج شيئًا من النهار ودفع قبل الغروب يلزمونه بالرجوع أو الفدية؟
الشيخ: إي نعم، هو الحديث ليس فيه إلا عن تمام الركن فقط، ولا شك أن ركنه تمَّ حتى وإن لم يقف نهارًا، وأما كونه يقف نهارًا ثم نقول: اخرج لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فغلط؛ لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام ينتظر حتى غابت الشمس ولم يدفع من عرفة إلا بعد غروبها فهنا اختار الأشق على الأخف، ولا يختار الأشق على الأخف إلا لكونه واجبًا، وإلا فسير الناس بعد العصر أهون عليهم. هذه واحدة.
ثانيًا: لو قلنا: إنه يجوز لكان في ذلك مشابهة للكفار؛ لأن وقوف الكفار في عرفة إلى أن يقرب غروب الشمس حتى إذا كانت على الجبال مثل عمائم الرجال دفعوا.
طالب: أحسن الله إليك، من كان متمتعًا هل هناك فترة زمنية محددة لا ينبغي أن يقصر عنها في فترة تحلله؟
الشيخ: عندي أن من وصل مكة بعد دخول وقت الحج فلا يمكن التمتع، لأن {إِلَى الْحَجِّ} يقتضي أن يكون بينهما زمن فاصل، يجيء واحد عقب الظهر يوم ثمانية يقول: بأتمتع، يتمتع بأيش؟ ويش تمتع؟
الطالب: يوم السادس -مثلًا- يا شيخ؟
الشيخ: لا، السادس يمكن أن يتمتع.
بسم الله، وقوله رحمه الله:(وهو أهل له) من وقف بعرفة (وهو أهل له) وذلك بأن يكون محرمًا، فإن وقف بعرفة وأحرم من بعد لم يصح حجه.
(وأن يكون عاقلًا) فلو مرَّ بها وهو مجنون فإنه لا يصح حجه؛ لأنه ليس أهلًا لذلك، لو مرَّ بها مغمى عليه فهو أهلٌ لهذا، فيصح حجه؛ لأن الإغماء لا يرفع التكليف مطلقًا بخلاف الجنون، أعاذنا الله وإياكم منه.
(ومن وقف نهارًا ودفع قبل الغروب ولم يعدْ قبله فعليه دم، ومن وقف ليلًا فقط فلا)(من وقف نهارًا) يعني: يوم عرفة، (ودفع قبل الغروب) فهو حرام؛ فقد فعل محرمًا؛ لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله:«خُذُو عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (19)، ولموافقته هدي المشركين اندفع قبيل الغروب.
وقوله: (ولم يعدْ قبله) عُلِم منه أنه لو عاد إما ندمًا، أو عُلِّم بعد جهله، أو ذُكِّر بعد نسيانه، ثم عاد قبل الغروب؛ فلا شيء عليه.
وعُلِم من كلامه أنه لو لم يعد إلا بعد الغروب فعليه دم، وهذا أحد القولين في المسألة في مذهب الحنابلة.
والقول الثاني أنه إذا رجع قبل فوات وقت الوقوف فلا دم عليه، وعلى هذا فلو رجع بعد الغروب فلا دم عليه.
لكن ما ذهب إليه المؤلف أقرب إلى الصواب، ووجهه أنه لما وقف في النهار لزمه مقتضى ذلك الوقوف؛ وهو أن يبقى إلى الغروب، وهذا الرجل لم يبق إلى الغروب؛ دفع قبل الغروب ولم يرجع إلا بعده، فما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أقرب إلى الصواب وأولى للاحتياط.
وقوله رحمه الله: (فعليه دم) كلما مرت عليك كلمة دم فقد سبق معناها اصطلاحًا، وهي؟
طلبة: شاة.
الشيخ: شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، تُذْبَح في الحرم، وتوزع على الفقراء هناك، فإن لم يجد فقيل: إنه يصوم عشرة أيام، وقيل: لا يصوم، والصحيح أنه لا يصوم، إن لم يجد سقط عنه؛ لقول الله تبارك وتعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وهذا لا يستطيع، وإذا كان لا يستطيع الدم فإيجاب الصوم عليه؟
طالب: إيجاب بغير دليل.
الشيخ: إيجاب بغير دليل. أما قياسه على هدي التمتع فمن أبعد القياس؛ لأن هدي التمتع هدي شكران، والدم الواجب لترك الواجب دم جبران، فكيف يقاس هذا على هذا؟ ولذلك لا يوافقون على هذا القياس في مسألة الأكل؛ هدي التمتع يجوز الأكل منه، وهدي ترك الواجب لا يجوز الأكل منه، فافترقا، فالصواب أن كل دم قيل: إنه واجب لترك واجب إذا عجز عنه الإنسان سقط.
قال: (ومن وقف ليلًا فقط فلا) ويش معنى (ليلًا فقط)؟ يعني لم يأت إلى عرفة إلا بعد الغروب فلا دم عليه؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» (16).
(ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة) بعد غروب الشمس إذا تأكد يدفع من عرفة إلى مزدلفة، وسميت مزدلفة؛ لأنها مَشْعَر قريب أقرب من المشعر الحلال، لأن في الحج مشعرين: مَشْعَر حرام؛ وهو مزدلفة، والثاني: مشعر حلال؛ وهو عرفة.
وتسمى جمعًا؛ لاجتماع الناس بها، ففي الجاهلية لا يجتمع الحجاج جميعًا إلا في مزدلفة؛ لأن عرفة يتخلف عنها من؟ قريش.
(إلى مزدلفة بسكينة)(بسكينة) يعني: بهدوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دفع هكذا؛ دفع وقد شَنَقَ لناقته القصواء زمامها حتى إن رحلها ليصيب مورك رحله عليه الصلاة والسلام؛ من شدة شنق الزمام، ويقول بيده الكريمة:«أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (20) أي: ليس بالإسراع، لكنه يقول رحمه الله المؤلف:(ويسرع في الفجوة) الفجوة يعني: المتسع؛ يعني إذا أتى مكانًا فسيحًا لا يزدحم فيه الحجاج أسرع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما وجد فجوة نَصَّ؛ يعني: أسرع، وكلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لناقته الزمام (21).
وهذا من سياسته عليه الصلاة والسلام حتى في البهائم؛ لأنه إذا أتى حبلًا -يعني طلعة- والناقة مشنوقٌ زمامها تتعب، ولهذا تجد الإبل عندما تسير هرولة تمد عناقها كأنما تسبح في الهواء، فلو بقي قد شنق الزمام لها لتعبت، لكنه عليه الصلاة والسلام كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد، اللهم صلِّ وسلمْ عليه.
يقول: (ويجمع بها بين العشاءين) إذا وصل إلى مزدلفة جمع فيها بين العشاءين؛ يعني المغرب والعشاء.
وهنا سؤال؛ هل يُسَن أن يقف عند المأزمين ويبول ويتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم يركب؟
الجواب: لا، مع أن هذا وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن وقع من النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقًا أو قصدًا؟ اتفاقًا لا شك؛ يعني وقع له اتفق له أن احتاج إلى النزول فنزل، خلافًا لبعض الصحابة الذين ظنوا أن هذا من باب السنة، فصاروا إذا وصلوا المكان نزلوا وبالوا وتوضؤوا وضوءًا خفيفًا وركبوا، ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الصحابة خالفوا عبد الله بن عمر في هذا الأصل، وقالوا: ما وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتفاقًا فلا يُتَعبد به، وهذا الأصل أصح؛ أنه ليس عبادة.
قوله رحمه الله: (ويجمع بين العشاءين) ظاهره أنه يجمع بين العشاءين متى وصل إلى مزدلفة، سواء وصلها في وقت المغرب أو في وقت العشاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بينهما من حين وصل.
ولكن من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد خروج وقت المغرب ودخول وقت العشاء؛ لأنه انطلق من أقصى عرفة وهو يقول: «السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ» وقد شنق لناقته القصواء الزمام، ونزل وبال وتوضأ (22)، فلا جرم ألَّا يصل إلا بعد مغيب الشمس.
ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا وصل إلى مزدلفة قريبًا من العشاء نزل وأذَّن المؤذن وصلى المغرب، ثم دعا بالعَشاء فتعشى، ثم أذن وصلى العشاء، وكأن ابن مسعود رضي الله عنه رأى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بين المغرب والعشاء للضرورة؛ لأنه سائر من عرفة إلى مزدلفة، فما ظنكم لو وقف في الطريق وصلى ماذا يحصل؟ يحصل أذى كثير على الناس؛ إبل كثيرة كلها مشرئبة إلى المسير إلى المزدلفة، لو وُقِّف الناس في هذا المكان وصلوا لكان في هذا مشقة عظيمة؛ يحتاجون إلى وضوء، ويحتاجون إلى إناخة الإبل، وفيه مشقة، فلذلك لم يصلِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إن أسامة بن زيد ذكَّره وقال: يا رسول الله، الصلاة، قال:«الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» (23).
ومن ثم رأى ابن حزم رحمه الله -لأنه ظاهري- أنه لو صلى الإنسان المغرب والعشاء في غير مزدلفة ما له صلاة، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيش؟ «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» ، ما هو هنا، فيكون هذا تعيينًا لمكان المغرب والعشاء تلك الليلة، لكن قوله ضعيف ولا يعول عليه.
هل نقول الآن: إنك إذا وصلت مبكرًا قبل دخول العشاء فصلِّ المغرب ثم صل العشاء في وقتها؟
نقول: نعم، إذا تيسر هذا فهو أولى، لكن في الوقت الحاضر لا يتيسر ذلك، لماذا؟ للزحام الشديد واشتباه الأماكن، الإنسان ربما ينطلق أمتارًا قليلة عن مقره ثم يضيع، فإذا ضاع تعب هو وتعب أصحابه.
ويَبيتُ بها، وله الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ الليلِ، وقَبْلَه فيه دَمٌ، كوُصولِه إليها بعدَ الفَجْرِ لا قَبْلَه، فإذا صَلَّى الصبْحَ أتى الْمَشْعَرَ الحرامَ فَرَقَاهُ، أو يَقِفُ عندَه ويَحْمَدُ اللهَ ويُكَبِّرُه ويَقْرَأُ:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} الآيتين، ويَدْعو حتى يُسْفِرَ، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسرعَ رَمْيَةَ حجَرٍ وأَخَذَ الْحَصَا -وعدَدُه سَبعونَ بينَ الحِمِّصِ والْبُنْدُقِ - فإذا وَصَلَ إلى مِنًى - وهي من وادي مُحَسِّرٍ إلى جَمرةِ العَقبةِ - رَماها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُتعاقباتٍ يَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بياضُ إِبِطِه ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ولا يُجْزِئُ الرميُ بغيرِها، ولا بها ثانيًا، ولا يَقِفُ، ويَقْطَعُ التلبيةَ قَبْلَها، ويَرْمِي بعدَ طُلوعِ الشمسِ ويُجْزِئُ بعدَ نِصفِ الليلِ - ثم يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميعِ شَعْرِه، وتُقَصِّرُ منه المرأةُ أَنْمُلَةً، ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ
ومن ثَمَّ رأى ابن حزم رحمه الله -لأنه ظاهري- أنه لو صلى الإنسان المغرب والعشاء بغير مزدلفة ما له صلاة، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» (1)، ما هو هنا، فيكون هذا تعيينًا لمكان المغرب والعشاء تلك الليلة، لكن قوله ضعيف ولا يُعَول عليه.
هل نقول الآن: إنك إذا وصلت مبكرًا قبل دخول العشاء فصلِّ المغرب ثم صلِّ العشاء في وقتها؟
نقول: نعم، إذا تيسر هذا فهو أولى، لكن في الوقت الحاضر لا يتيسر ذلك، لماذا؟ للزحام الشديد واشتباه الأماكن؛ الإنسان ربما ينطلق أمتارًا قليلة عن مقره ثم يضيع، فإذا ضاع تعب هو وتعب أصحابه، فالذي أرى أنه من باب الرفق بالناس -والله تعالى يريد بنا اليسر- أنهم متى وصلوا إلى مزدلفة صلوا المغرب والعشاء، وإن كنت قد ذكرت في المنهج التفصيل؛ أنهم إن وصلوا مبكرين صلوا المغرب في وقتها والعشاء في وقتها؛ استنادًا إلى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وإلى المعنى الذي من أجله جاز الجمع، لكن نظرًا للواقع الآن أن من الرفق بالناس والتسهيل عليهم أن يُؤْذن لهم في الجمع من حين أن يصلوا إلى مزدلفة، سواء جمع تأخير أو جمع تقديم.
ولكن إذا حبسهم السير وخافوا أن يخرج وقت العشاء -وهو منتصف الليل- فماذا يصنعون؟ يجب أن ينزلوا ويصلوا المغرب والعشاء قبل منتصف الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حدَّد وقت العشاء بنصف الليل.
فإذا قالوا: لا نستطيع، معنا نساء والطرق مزحومة، السيارة لا يمكن أن تخرج عن الخط ولا يمكن أن تقف في الخط، فماذا نصنع؟ نقول: صلوا على حسب حالكم، حتى على الراحلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على راحلته (2) في يوم من الأيام حينما كانت السماء تمطر والأرض تسيل للضرورة، فهنا نقول: صلوا على الراحلة؛ للضرورة.
طالب: شيخ، إذا تعارض الذكر المخصوص بعرفة ذكر المساء مخصوص أيضًا، فماذا يقدم؟ يقدم ذكر عرفة لأفضليته؟
الشيخ: على كل حال، ذكر المساء لا يعدو أن يكون ذكرًا ودعاء فيأتي به، أو يجعل ذكر المساء وهو سائر إلى مزدلفة.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لا يسن إحياء ليلة مزدلفة، ولكن الإنسان أحيانًا لا يستطيع أن ينام بسبب السيارات؛ يعني إزعاج كثير جدًّا (
…
) ما سوى شيئًا وراح الوقت؟
الشيخ: ويش تسوي؟ لا بأس، يعني ليلة المزدلفة السُّنة فيها المبيت؛ وهو النوم، لكن ما نقول: الإنسان الذي لا يمكن أن ينام مع الأصوات ما نقول: ابلع حبة (
…
)، اذكر الله وأنت على فراشك.
طالب: لو قام يصلي -مثلًا- يا شيخ؟
الشيخ: لو قام يصلي؛ إن كان لا يراه أحد فلا بأس، وإن كان يرى فلا؛ لأنه لو رآه أحد -وهي ليلة مباركة- اقتدوا به ولا يعلمون أنه (
…
) لا سيما إذا كان طالب علم ومحل التقليد، الحمد لله يبقى يذكر الله ويقرأ القرآن. بعض الناس إذا أتاه الأرق قرأ القرآن، ثم إذا قرأ القرآن انصب عليه النوم صبًّا؛ لأن الشيطان هو الذي يؤرقه، ثم إذا جاء النوم أو ذكر الله على طول نَوَّم.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، هل الخروج من الخلاف لأهل مكة معناه ألا يجمعون ولا يقصرون؟
الشيخ: أما في منى ما نفتيهم بالقصر، لكن في عرفة ومزدلفة نقول: اقْصُر واجْبُر.
طالب: الوتر في مزدلفة؟
الشيخ: الوتر ويش يعني؟
طالب: ليلة المزدلفة لم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتر.
الشيخ: إي طيب، ألم يأت في صحيح البخاري (3) وغيره أنه كان لا يدع الوتر حضرًا ولا سفرًا، ألم يقل عليه الصلاة والسلام:«اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (4)، ما الذي يُخْرِج ليلة المزدلفة؟
طالب: (
…
).
الشيخ: لا، ما هو قال: اضطجع حتى طلع الفجر، لكن هل جابر رضي الله عنه وقف عند فراشه وراقبه إلى طلوع الفجر، أو بناءً على ظنه أنه رآه مضطجعًا في أول الليل وجابر مضطجع في مكانه فقال هكذا؟ وأنا أعطيتكم -يا إخوان- القاعدة: إذا جاءت النصوص المحكمة فاحملوا المتشابه عليها، فحديث جابر فيه احتمال أن الرسول أوتر ولم يره جابر، أو أنه لم يوتر، لكن النصوص اللي فيها القول نصوص قولية:«اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» . وسنة فعلية ما اسْتُثْني منها شيءٌ؛ كان لا يدع الوتر حضرًا ولا سفرًا (3).
وكذلك يقال في سنة الفجر يوم مزدلفة، جابر يقول: فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة (5)، ولم يذكر سنة الفجر، مع أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يدعها حضرًا ولا سفرًا.
طالب: قلنا: الأفضل للإنسان أن يقتصر على الأذكار الواردة من النبي صلى الله عليه وسلم، وبالنسبة للعجمي، بعض الناس ما يفهم ما يقول حتى في الأذكار الواردة من النبي صلى الله عليه وسلم ..
الشيخ: تُتَرْجَم له.
الطالب: هل الأفضل أن ..
الشيخ: على كل حال إذا كان لا يعقل الترجمة -وهذا هو الغالب عنده- يدعو بما يعلم في قلبه بلغته وبما يريد، والإرادات مختلفة؛ واحد يقول: اللهم نجحني، إن كان تلميذًا، آخر يقول: اللهم هيئ لي سيارة، الثاني يقول: هيئ لي دارًا، والثالث يقول: هيئ لي زوجةً، تختلف الإرادات.
طالب: بعضهم إذا اقتصر على الأذكار الواردة كأنه (
…
) وإذا رجع إلى لغته؟
الشيخ: لا، أبدًا، اللي لغته غير عربية وهو لا (
…
) الدعاء الوارد بلغته يدعو بما شاء.
***
الطالب: ويدفع بها بين العشاءين ويبيت بها، وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم، كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله، فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده ويحمد الله ويكبره ويقرأ:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] الآيتين، ويدعو حتى يسفر.
فإذا بلغ مُحَسِّرًا أسرع رميةَ حجرٍ، وأخذ الحصى، وعدده سبعون بين الحمص والبندق.
فإذا وصل إلى منى -وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة- رماها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده حتى يُرى بياض إبطه، ويكبر مع كل حصاة. ولا يجزئ الرمي بغيرها ولا بها ثانيًا، ولا يقف، ويقطع التلبية قبلها، ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل.
ثم ينحر هديًا إن كان معه، ويحلق أو يقصر من جميع شعره، وتقصر منه المرأة أنملة، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء، والحلاق والتقصير نسك، ولا يلزم بتأخيره دم ولا بتقديمه على الرمي والنحر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في بقية صفة الحج، وقد سبق أن أول مرحلة.
طالب: (
…
).
الشيخ: أول مرحلة أن أيش؟
طالب: (
…
).
الشيخ: أن يقف كذا؟
طالب: الذهاب إلى منى.
الشيخ: أن يبيت في منى ليلة التاسع من زوال الشمس يوم ثمانية إلى؟
طالب: (
…
).
الشيخ: من متى؟ يبقى في منى إلى متى؟
طالب: من زوال الشمس.
الشيخ: إلى؟
طالب: إلى طلوع الشمس.
الشيخ: إلى طلوع الشمس، طيب.
المرحلة الثانية؟
طالب: يذهب إلى عرفة ويقف بها.
الشيخ: ما فيه مرحلة قبلها؟
طالب: قبل ذلك يُسَن له أن ينزل إلى الزوال في نمرة.
الشيخ: أن ينزل بنمرة إلى الزوال ثم إلى عرفة.
متى ينصرف من عرفة؟
طالب: إذا غربت الشمس.
الشيخ: إذا غربت الشمس يوم عشرة.
طالب: في اليوم التاسع.
الشيخ: في اليوم التاسع، تمام.
المرحلة الرابعة؟
طالب: يدفع إلى المزدلفة.
الشيخ: النزول للمزدلفة، مِنْ؟
طالب: غروب الشمس يوم التاسع إلى الإسفار جدًّا في اليوم العاشر.
الشيخ: طيب، تمام.
يقول رحمه الله تعالى: (ويبيت بها) أي: ينام، ولا ينبغي أن يمضي تلك الليلة بتهجد ولا قرآن ولا ذكر بل الأفضل أن ينام، ولكن إذا كان يأرق ولا يأتيه النوم من كثرة الناس أو من استغراب المكان -لأن بعض الناس إذا تغير مكان نومه لا يأتيه النوم سريعًا- فله أن يذكر الله وأن يقرأ ويسبح ويتهجد أيضًا، إلا أنا نختار ألَّا يتهجد؛ لأن التهجد يراه الناس فيظن بعض الناس أن التهجد ليلة المزدلفة من السنن، لا سيما إذا كان الإنسان ممن يُقْتَدى بعلمه.
قال: (وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم)(له الدفع) أي: للحاج، (الدفع) يعني: من مزدلفة بعد نصف الليل، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين القادر وغير القادر.
وعُلِم من كلامه أنه ليس له أن يدفع قبل منتصف الليل. ووجه ذلك: أن المبيت يُطْلَق على الكل أو الأكثر، ولا يمكن أن يكون الأكثر إلا بعد منتصف الليل، فيقولون رحمهم الله: إن الحكم معلق بنصف الليل؛ لأنه إذا مضى نصف الليل صار أكثر وقته في مزدلفة، والأكثر ملحق بالكل. وهذا ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين القادر على مزاحمة الناس من الرجال البالغين الأقوياء وغير القادر.
قال: (وقبله فيه دم، كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله)(وقبله) أي: قبل منتصف الليل، (فيه دم) لأنه ترك واجبًا، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (6). قال بعضهم: ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه.
والحقيقة أنه يمكن أن يقول قائل: إن للاجتهاد فيه مجالًا وهو قياسه على حلق الرأس؛ لأن حلق الرأس انتهاك محظور، والالتزام بالمحظور -أي بتركه- واجب، فكذلك إذا ترك الواجب المأمور به فقد انتهك التزامه، فيلزمه دم.
والقول بأنه لا مجال للاجتهاد فيه فيه نظر. ولكنا نقول: على الأقل هو قول صحابي، ولا نثبت له حكم الرفع للشك في كونه له حكم الرفع. وحكم الرفع يعني أنه يُنْسَب إلى الرسول، وهذا صعب أن تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا لم يتبين نسبته إليه، فنقول: على الأقل اجعله قول صحابي.
ويبقى المناقشة الثانية في هذا القول؛ هل قوله رضي الله عنه: (فليهرق دمًا) على سبيل الوجوب؟
إن قلنا: على سبيل الوجوب أشكل؛ لأن ظاهر قوله: (من ترك شيئًا من نسكه) يعم كل شيء، حتى الرمل والاضطباع والسعي بين العلمين، وما أشبه ذلك، وركعتي الطواف، وهذا ليس بواجب، ولا يجب في تركه دم، أو يقال: إنه من باب المشترك الذي يُحْمَل على معنييه جميعًا، فيكون في موضع للوجوب، وفي موضع للاستحباب.
وعلى كل حال فإيجاب الدم بترك الواجب ليس أمرًا يقطع به الإنسان أو يغلب على ظنه من الناحية النظرية؛ لأنه ما فيه دليل إلا هذا الأثر.
لكن من الناحية التربوية ينبغي أن يُفْتَى الناس بذلك، وأن يقال: يلزم من ترك واجبًا دمٌ يُذْبَح في مكة ويوزع على الفقراء ولا يُؤْكَل منه شيء.
فإذا قال قائل: كيف تستبيحون أموال عباد الله بدون دليل؟
قلنا: لا حرج في هذا؛ فإن التعزير بالمال جاءت به السنة، كإحراق رحل الغال (7)، وإضعاف القيمة على من كتم ضالة، وما أشبه ذلك، فنجعل هذا أقل ما نقول فيه: إنه من باب التعزير والردع؛ لأن عامة الناس إذا لم يمسهم الأخذ من المال لا يبالون بترك الواجب، شاهدنا هذا. إذا قلت: يا فلان، ما عليك دم، قال: ويش علي؟ قلنا: عليك التوبة والاستغفار. قال: سهل. لكن لو تقول: عليك دم صار يحمر ويصفر، متى نحصل على الدم؟ وكيف نوزع الدم؟ وما أشبه ذلك.
فإذا قال قائل: إذا عدم الدم ماذا يصنع؟
قال أصحابنا رحمهم الله: إنه يصوم عشرة أيام؛ قياسًا على هدي التمتع الذي إذا لم يجده الإنسان يصوم عشرة أيام.
ولكن هذا القياس فيه نظرٌ، ليس بمطرد. وجه ذلك: أن دم التمتع إنما وجب شكرًا لله على النعمة، وهذا إنما وجب توبة إلى الله تعالى وجبرًا لما نقص. هذا من جهة.
من جهة أخرى أن دم التمتع يُؤْكَل منه ويُهْدَى ويُتَصَدَّق، والدم الواجب لترك واجب لا يُؤْكَل منه؛ لأنه بمنزلة الكفارة، وإنما يُتَصَدَّق به على الفقراء في مكة.
لكن -كما قلت لكم- نُفْتِي بإيجاب الدم على من ترك واجبًا، ونقول: هكذا قال العلماء، ونخرج -إن شاء الله تعالى- من العهدة بنسبة هذا للعلماء، ولا حرج علينا أن نسلك الطريق الأشد في تربية الناس والتزامهم للواجب، وهذا له نظائر عن السلف رحمهم الله.
نرجع إلى كلام المؤلف يقول: (وله الدفع بعد نصف الليل)(نصف الليل) من متى؟ هل نقول: من الغروب إلى الشروق أو من الغروب إلى طلوع الفجر؟
أما شرعًا فالليل ينتهي بطلوع الفجر، وأما لغة فالليل ينتهي بطلوع الشمس، فأيهما أحوط؛ أن نقول بنصف الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر أو بنصف الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس؟
طلبة: الثاني.
طلبة آخرون: الأول.
الشيخ: (
…
) أيهما؟
طلبة: الشرعي.
طالب: اللغوي.
طالب آخر: إذا اعتبرنا توقيت الرسول صلى الله عليه وسلم لأحكام الشريعة حسبنا على القاعدة.
الشيخ: طيب، هذا قول.
أنا أقول: أيهما أحوط؟ طيب خلينا نشوف، إذا قلنا: إلى طلوع الفجر ينتصف الليل قبل ما .. قلنا: إلى طلوع الشمس، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن الاحتياط اللغوي أن نقول: إلى طلوع الشمس، فلا تنصرف حتى ينتصف الليل اعتبارًا من غروب الشمس إلى طلوع الشمس. هذا لا شك أنه أحوط.
بقي أيضًا المناقشة الثانية، ما هو الدليل على تعليق الحكم بنصف الليل؟
نقول: ليس هناك دليل إنما هناك تعليل، فما هو التعليل؟
يقولون: إذا انتصف الليل فقد مضى معظمه، والمعظم ملحق بالكل في كثير من مسائل العلم؛ فلذلك نقيده بأيش؟
طالب: نقيده بالنصف.
الشيخ: طيب. نقيده بالنصف؛ لأنه إذا انتصف الليل صار أكثر الليل قد مضى. ولكن السنة دلت على خلاف ذلك؛ على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر أهله أن ينصرفوا بليل (8)، وفي بعض الروايات: سحرًا (9)، وهذا يقتضي أن يكون ذلك في آخر الليل؛ يعني قد مضى ثلثاه أو نحوه.
وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تقول لغلامها: ارقب القمر، فإذا غاب القمر دفعت (10). وغروب القمر ليلة العاشر لا يكون إلا بعد ثلثي الليل؛ لأنه قد مضى عشرة أيام من خمسة عشر، فنقول: الاحتياط أن يكون الانصراف من المزدلفة في أيش؟ في آخر الليل.
ثم هل نوافق المؤلف رحمه الله بأن الإنسان له أن يدفع مطلقًا، أو نقول: نتقيد بالسنة؛ فمن يشق عليه أن يزاحم الناس عند جمرة العقبة فإنه يتقدم، ومن لا فإنه يتأسى برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حيث بقي في مزدلفة وصلى فيها الفجر، وذكر الله عند المشعر الحرام، وانصرف من مزدلفة حين أسفر جدًّا؟
الصحيح الثاني؛ أنه لا يدفع أحد من مزدلفة إلا من لا يستطيع مزاحمة الناس أو يشق عليه مزاحمة الناس.
بقي عاد تحقيق المناط؛ في وقتنا الحاضر كل الناس يشق عليه مزاحمة الناس، حتى الرجل الجلد القوي عند جمرة العقبة يوم العيد في أول النهار يجد مشقة شديدة، حتى إنه ليؤدي هذه العبادة وكأنه خاض مغمار القتال، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إذن نوسع للناس ونأخذ بما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله، ونقول: الحمد لله، الأمر واسع.
فإن قال قائل: لماذا لم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم أهله معه، وإذا وصلوا إلى منى انتظروا حتى يخف الزحام؛ لأنه لا بد أن يخف الزحام؟
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفعل ذلك؛ لأجل أن ينال هؤلاء الذين انصرفوا من قبل فرحهم بالعيد والتحلل من أول النهار؛ لأننا لو قلنا: اذهبوا إلى منى وانتظروا حتى يخف الزحام، ربما لا يخف إلا في الظهر، فيتأخر حلهم ولا يتم فرحهم بالعيد. فهذا هو الحكمة في أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن -يعني النساء- وللضعفاء من أهله أن ينصرفوا من مزدلفة قبل الفجر (10).
يقول رحمه الله: (وقبله فيه دم) قبل أيش؟ قبل منتصف الليل، (فيه دم) خلافًا لمن قال: إنه يكفي في النزول في مزدلفة أن يصلي المغرب والعشاء وينصرف؛ لأنه صدق عليه أنه ذكر اسم الله عند المشعر الحرام، والله عز وجل يقول:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] وقد حصل، فإن الصلاة من أعظم الذكر، لكن الصواب ما سمعتم؛ أنه لا بد أن ينتظر حتى يذهب عامة الليل وينصرف في آخر الليل.
(كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله)(كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة بعد الفجر، فإنه إذا وصل إليها بعد الفجر فقد انقضى الليل، فيلزمه دم.
وظاهر كلام المؤلف حتى ولو أدرك صلاة الفجر مبكرًا فإنه يلزمه دم؛ لأنه ترك واجبًا، ولكن عند مناقشة هذه المسألة يشك الإنسان في إيجاب الدم عليه إذا أدرك صلاة الفجر في وقتها المبكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس:«مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» يعني: صلاة الفجر التي بكَّر فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة بكَّر بصلاة الفجر حتى صلاها قبل وقتها المعتاد؛ يعني قبل فعلها المعتاد، فإذا أدرك الفجر في الوقت المبكر وقد وقف قبل ذلك بعرفة، فلا وجه لوجوب الدم عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة إيه؟ قال:«مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (11).
فإيجاب الدم على من وصل إليها بعد طلوع الفجر، لا سيما إذا كان بعد تعب وعناء وتعطل السيارة -مثلًا- وما أشبه ذلك، أقول: إيجاب الدم عليه فيه نظر، حتى على قاعدة: أن من ترك واجبًا فعليه دم.
(فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده)(إذا صلى الصبح) وينبغي أن يصلي الصبح مبكرًا، (أتى المشعر الحرام) وهو المكان الذي وقف عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد أن صلى الفجر في مزدلفة، (فيرقاه) إن تيسر وإلا وقف عنده، ومع ذلك نقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص لأمته فقال:«وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (12). جمعٌ يعني: مزدلفة، فلا حاجة تذهب إلى المشعر الحرام، بل ادع الله عز وجل وأنت في مكانك حتى تسفر جدًّا.
يقول: (فيرقاه أو يقف عنده ويذكر الله ويكبر ويقرأ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] الآيتين ويدعو حتى يسفر) في حديث جابر: حتى أسفر جدًّا؛ يعني: ليس حتى بان الفجر، بان السفرُ، لا، أسفر جدًّا واتضح وكان يرى من أمامه ويتبين له شخصه، فإذا بلغ إلى هذا الحال انتهى ودفع إلى أيش؟ إلى منى.
وكان أهل الجاهلية يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فيقفون في مزدلفة حتى تطلع الشمس على الجبل ثبير، ثم يدفعون، خالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدفع من عرفة وفي الدفع من مزدلفة؛ في الدفع من عرفة كانوا يدفعون قبل الغروب، وفي مزدلفة يدفعون بعد الشروق، فخالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودفع من عرفة بعد غروب الشمس، ومن مزدلفة قبل طلوع الشمس.
يقول: ويقرأ {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] إلى آخر الآيتين، هذه الآية لم أعلم إلى ساعتي هذه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأهما، ولكن الله أمر إذا أفضنا من عرفات أن نذكر الله عند المشعر الحرام، وكأن الفقهاء رحمهم الله قاسوا هذه المسألة على مسألة:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أقبل على الصفا عند ابتداء السعي قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ، وحين تقدم إلى مقام إبراهيم قرأ:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125](5).
(فإذا بلغ محسرًا أسرع) إذا بلغ محسرًا كيف؟ يعني يسير؛ يدفع من المشعر الحرام متجهًا إلى منى، فإذا وصل محسرًا .. إذا بلغ محسرًا وهو وادٍ معروف، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يحسر سالكه؛ أي يعيقه، فإنكم تعرفون أن الوادي الذي هو مجرى السيل يكون في الغالب رمليًّا ويعيق سالكه، فلهذا سُمِّي محسرًا.
(أسرع رميةَ حجرٍ) ذكر الأزرقي رحمه الله أن ذراع هذا الوادي خمس مئة وخمسة وأربعين ذراعًا؛ يعني خمس مئة ذراع ونصف تقريبًا.
يُسْرِع -كما قال المؤلف- رميةَ حجرٍ، ولكن رمية الحجر ممن؟ الظاهر أنه المتوسط؛ لأن بعض الناس رميةَ الحجرِ عشرة أذرع، وبعض الناس خمسين ذراعًا، أو أكثر، فالمراد الوسط. وإنما يسرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسرع فيه، وقد قال الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
واختُلف لم أسرع؛ فقيل: لأن الله أهلك أصحاب الفيل في هذا المكان، فهو مكانُ غضبٍ، فينبغي الإسراع فيه، كما أسرع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين مرَّ بديار ثمود (13). هذا قول.
القول الثاني أنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا المكان ويذكرون أمجاد آبائهم، وكلٌّ يمدح ويمتدح، فخالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأسرع، قالوا: وإلى هذا يشير قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]، ثم قال:{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].
وقال بعضهم: إنما أسرع؛ لأنه أهون لمسير الناقة؛ لأن هناك فرقًا بين أن تسير الناقة على أرض جلد وعلى أرض هينة لينة فتحتاج إلى التحريك، ونحن لا يهمنا أن نفهم العلة التي من أجلها أسرع النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يهمنا أننا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسرع فنسرع؛ تأسيًا به. في وقتنا الحاضر هل يمكن الإسراع؟
طالب: المشاة.
الشيخ: المشاة يمكن، حتى المشاة أحيانًا ما يمكن، حتى المشاة إذا مشيت مع المسير الذي يسيرون فيه ما يمكن؛ لأنه (
…
)، فإذا ترك الإنسان هذه السنة لعدم قدرته عليها فإنها تُكْتَب له بإذن الله.
(وأخذ الحصى وعدده سبعون) ظاهر كلامه أنه يأخذ الحصى من هناك؛ أي من عند مُحَسِّر. وفيه نظر؛ لأنه يحتاج إلى دليل، وأنت إذا قرأت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في حجه كأنما تشاهده أنه لم يأخذ الحصى من ذاك الوادي.
وكان بعض التابعين يأخذ الحصى من مزدلفة، لا لاختصاص الحصى بخصيصة توجب أن يُؤْخَذ الحصى من مزدلفة ولكن من أجل أن يكونوا قد تأهبوا لرمي جمرة العقبة حين وصولهم إلى منى؛ لأن السنة أن الإنسان يبادر برمي جمرة العقبة قبل أن يحط رحله؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرميها على ناقته يسلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة ويرميها وهو راكب عليه الصلاة والسلام (14).
وذكر ابن حزم رحمه الله في منسكه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقف على الجمرة، وأمر ابن عباس أن يلقط له الحصى من هناك (15). وهذا أقرب ما يكون في الاحتمالات؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينزل ليلقط الحصى، ولو أمر ابن عباس أن يلقط الحصى وهو ماشٍ صار في هذا تعب على ابن عباس، فالظاهر أن ما ذكره ابن حزم هو الواقع؛ أي أنك تأخذ الحصى من هناك ولا تتحمل في نقله.
لكن أخذ الحصى من عند الجمرة في الوقت الحاضر سهل؟ صعب، لا يتمكن الإنسان من أخذ الحصى من عند الجمرة، فيأخذه من طريقه من منى ويرمي به الجمرة، قال:(وعدده سبعون بين الحمص والبندق).
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل يجوز للإنسان إذا عزم على الإحرام، فلما تجاوز الميقات وشق عليه الرجوع قال: بطلت نية الإحرام (
…
)؟
الشيخ: لا بأس، يعني رجل قدم مكة ناويًا العمرة ولكنه تجاوز الميقات، وليس براجع له، وليس بمحرم من مكانه، فيلزمه دم. قال: إذن هونت، ما فيه مانع؛ لأنه ما دام لم يدخل في النسك فهو مخير؛ كالرجل يخرج الصدقة ويعزلها، ثم يبدو له فلا يتصدق، فلا حرج.
طالب: أحسن الله إليكم، قوله تعالى:{فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] (
…
) الاقتصار على الذكر فقط أفضل من الدعاء؟
الشيخ: أتدري ما الذكر؟
الذكر نوعان: ذكر خاص؛ وهو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وذكر بالمعنى العام، فيشمل كل قول يقرب إلى الله؛ لأن كل قول يقرب إلى الله لا بد أن تذكر الله فيه بنية التقرب إليه، إي نعم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- النهي يقتضي التحريم ويقتضي فساد المنهي عنه، وحج المرأة إذا حجت بدون محرم حجها لا يصح؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا لا يعود لمعنى يعود للحج، هذا لمعنى يعود لحمايتها وصيانتها، لكن قل لي: هل لها أن تقصر الصلاة أو لا؟ وهل لها أن تجمع أو لا؟ وهل تمسح على خفيها ثلاثة أيام أو لا؟ تقول هذا؟ تسأل ولا ما تسأل عن هذا؟
الطالب: أسأل.
الشيخ: طيب. هذا ينبني على هل يشترط في سفر القصر أن يكون مباحًا؟ وفيه خلاف مشهور، يكاد القولان يكونان سواء، فمن العلماء من يقول: لا يُشْتَرط لرخص السفر أن يكون السفر مباحًا، بل يجوز أن يترخص ولو كان سفره محرمًا.
ومن العلماء من يقول: لا بد أن يكون مباحًا؛ لأن رخص السفر رخصة، والمسافر سفرًا محرمًا من أهل الرخص أو لا؟ لا، ليس من أهل الرخص ينبغي أن نشدد عليه. والمسألة سهلة نقول: تبْ وترخَّص.
طالب: أحسن الله إليك، وقف في عرفة في أول الليل، ثم وصل إلى مزدلفة بعد منتصف الليل، هل له الدفع بدون أن يقف بمجرد المرور بمزدلفة؟
الشيخ: يسأل يقول: هذا إنسان وصل مزدلفة بعد منتصف الليل، هل يكفي أن يمكث بها يسيرًا ويذهب إلى منى؟
هو على ما سمعت، أما إذا كان رجلًا جلدًا يمكنه المزاحمة بلا مشقة فلينتظر، وإذا كان يخشى على نفسه فليمض.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، الإبل (
…
) بنفسها هي ما (
…
) وهي ماشية أو راكبة بشيء (
…
)؟
الشيخ: إي، هذا مما يؤيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسرع في وادي مُحَسِّر رفقًا بالبهيمة؛ بالناقة.
طالب: الذين يدفعون بالليل لهم أن يرموا قبل طلوع الشمس؟
الشيخ: إي، هذا لم نصله، نعم يرمي متى وصل؛ لأن رمي جمرة العقبة تحية منى، فمتى وصل منى فله الرمي، ولا فائدة من كوننا نقول: انصرف ولا ترم، انتظر حتى تطلع الشمس، وحديث:«أَيْ أُبَيْنِيَّ، لَا تَرْمُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (16) ضعيف.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- مكان المشعر الحرام هو المسجد الذي في مزدلفة؟
الشيخ: والله يقولون هكذا، أنا ما تيقنت أن المشعر الحرام هو المسجد المعروف الآن في المزدلفة.
طالب: أحسن الله إليك، نرى بعض الناس تشير أيديهم في الصفا والمروة إلى الكعبة، هل هو مشروع؟
الشيخ: يعني يقول كذا؟
الطالب: (
…
).
الشيخ: لا، الصواب أنه يرفع يديه رفع دعاء هكذا.
طالب: بارك الله فيك، بعض الناس يأخذون الحصى معهم من بلادهم؟
الشيخ: من بلادهم.
الطالب: إي نعم، يقولون: دفعًا للمشقة.
الشيخ: هذه المشقة، عجيب!
الطالب: مجموعة حصى يأخذها معه (
…
).
الشيخ: طيب ما يخالف، مجموع الحصى سبعين حصاة، هذا وهم، إلا إذا كان يعتقد أن حصى بلده أفضل من حصى مكة (
…
) ما فيه مشقة، هذا كذاب ولا جاحد.
الطالب: لو رمى بها -يا شيخ- هل يجزئه؟
الشيخ: إي يجزئ، الأحجار أي حجر يرمي به.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- على قول الفقهاء بإلزام من ترك واجبًا دمًا هل من دفع بعد نصف الليل وقبل الثلثين يُفْتَى بأن عليه دم؟
الشيخ: لا، عندهم لا.
الطالب: على قولهم.
الشيخ: عندهم جائز.
الطالب: على قولهم.
الشيخ: نحن قلنا: إن الإيجاب فيه نظر، وما دام هذا ليس عليه دم -على رأي الفقهاء- الحمد لله، هذا توفيق.
الطالب: قبله؟
الشيخ: قبله، لا شك أنه ترك واجبًا.
طالب: أحسن الله إليك، إذا دفع بعد الإسفار من مزدلفة إلى منى، هل يُشْرع -يا شيخ- دعاء معين؟
الشيخ: لا، تلبية، يلبي؛ لأنه يلبي إلى أن يرمي جمرة العقبة.
طلبة: (
…
).
الشيخ: كذا؟
طلبة: (
…
).
الشيخ: (
…
).
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة للدفع من عرفة إلى مزدلفة لو أن إنسانًا خرج من الطريق إلى مكة؟
الشيخ: من لو خرج أيش؟
طالب: (
…
) إلى مزدلفة ذهب إلى مكة (
…
) الغسيل والطعام؛ لأنه أيسر وأفضل (
…
)، ثم دخل (
…
).
الشيخ: لا بأس، المهم أن يصل إلى المزدلفة.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- بعض الناس يقولون: إن السعي بين العَلمين ما يكون إلا في الأشواط الثلاثة الأولى؟
الشيخ: إي، هذا وهم، ظنوا أنه كالطواف، ولكنه لا شك أنه غلط.
الطالب: كأنهم يقيسون ..
الشيخ: يقيسون مع وجود النص، أقول: يقيسون مع وجود النص، خلِّ عندك قاعدة: إذا وُجِد النص ما فيه قياس، وإلا لاتبع الحق أهواءهم.
طالب: شيخ، قلنا: إن القول الراجح في عدم اشتراط النية في الطواف وكذا تعيينه، وعللنا بأنه جزء من عبادة، وقلنا في الموالاة بين الطواف والسعي: إنه لا يُشْترط، وعللنا لأنه عبادة مستقلة، ويا شيخ ما فهمت.
الشيخ: يعني عبادة منفصلة عن الطواف، السعي منفصل عن الطواف مستقل؛ يعني مستقل بمعنى منفصل عن الطواف، وإلا فهو عبادة لا شك.
طالب: بالنسبة للذين يدفعون قبل طلوع الفجر من مزدلفة، هل لهم أن يذكروا الله (
…
) ثم يدفعوا؟
الشيخ: نعم، كان ابن عمر يرسل أهله حتى يقفوا عند المشعر ويأمرهم بالانصراف قبل الفجر.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة لهدي المتمتع وهدي القارن هل بينهما فرق من حيث إنه يلزم القارن أن يسوق الهدي (
…
)؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط، لكن القارن إذا ساقه امتنع عن التمتع.
الطالب: إذا لم يتيسر له أن يسوقه ثم اشتراه أو دفع قيمته للمكاتب المعروفة (
…
)؟
الشيخ: يعني ساق الهدي؟
طالب: لا، ساق الدراهم، صار كالمتمتع في مسألة الهدي.
الشيخ: وهو كالمتمتع في مسألة الهدي، هو والمتمتع سواء.
طالب: ما يكون مخالفًا لفعل النبي عليه الصلاة والسلام وقولِه: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (17).
الشيخ: أبدًا، يعني يجوز أنه يشتري القارن الهدي من منى، ويجوز أن يأتي به معه من الحل.
قال المؤلف رحمه الله: (وعدده) أي: عدد الحصى، (سبعون) عدده سبعون لمن تأخر؛ لأن اليوم الأول سبع، والثاني واحد وعشرون، والثالث واحد وعشرون، والرابع واحد وعشرون، فثلاثة في واحد وعشرين تبلغ ثلاثًا وستين، وسبع يوم العيد؛ هذه سبعون.
وقوله: (عدده سبعون) نعم عدده سبعون، لكننا لا نوافق المؤلف في قوله:(يأخذ سبعين حصاة) بل نقول: يأخذ لكل يوم حصاه؛ اليوم الأول سبع، والثاني واحد وعشرون، والثالث واحد وعشرون، والرابع واحد وعشرون، بل لو قال قائل: يأخذ في اليوم الثاني سبع حصيات للجمرة الأولى، وفي طريقه منها إلى الثانية يأخذ سبعًا، وفي طريقه من الثانية إلى الثالثة يأخذ سبعًا؛ لم يكن هذا بعيدًا. أما أن يجمع سبعين حصاة من أول الأمر فهذا ليس بسُنة.
قال: (بين الحمص والبندق) الحمص معروف، والبندق من يعرفه؟ تعرفه؟
طالب: أكبر من الفولة، البندق أكبر من الفولة.
الشيخ: والفولة ويش كبرها؟
طالب: بين الحمص والبندق.
الشيخ: (
…
).
طالب: كبر النبق.
الشيخ: النبقة، لا، ما أظن، النبق كبير.
طالب: النبق الصغير (
…
) في حجم الزيتونة.
الشيخ: يمكن هي للزيتونة أقرب، أو أقل من الزيتونة، والزيتون أيضًا فيه اختلاف؛ بعضه كبير، وبعضه صغير.
على كل حال المسألة متقاربة، الممنوع أن تكون صغيرة كالشعيرة، هذه لا تجزئ، أو تكون كبيرة أيش نقول؟
طالب: كالصخرة.
الشيخ: لا، صخرة من بيجيب صخرة، سبع صخرات.
طالب: كالتفاحة.
الشيخ: كالتفاحة، هذا ممكن.
وبهذا نعرف أن رمي الجمرات ما هو إلا عبادة محضة، تعبد محض، وتذلل محض، وإلا فما الفائدة من أن نأخذ حصيات بصفة معينة ونرميها في هذا المكان على وجه معين؟ ليس إلا مجرد التسليم للعبادة، كما قال عمر في تقبيل الحجر: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبَّلتك (18). وبهذا يظهر كمال الذل والتعبد لله عز وجل؛ أن الإنسان يأخذ الحصى معه من رحله إلى المكان ويرمي تعبدًا لله وتأسيًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد جاء في حديث فيه نظر:«إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (19). ورمي الجمار فيه ذكر الله القولي والفعلي؛ القولي التكبير عند كل حصاة، والفعلي رمي الحصاة، فإن هذا ذكر لله عز وجل.
وأما القول بأنه يرمي الشيطان، فهذا ليس بصحيح، لو كنا نرمي الشيطان لكنا نقول عند الرمي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكننا لا نرمي الشيطان.
خذ بناء على هذه العقيدة التي ليس لها أصل كيف يأتي الناس الجهال لرمي الجمرات؟ يأتون بعنف شديد جدًّا جدًّا ويشتمون ويلعنون، حتى إنه بلغنا أن بعضهم يضرب بحصاة كبيرة ويشتم ويقول: عليك لعنة الله، أنت اللي فرَّقت بيني وبين زوجتي شوف، سبحان الله!
وأنا شاهدت بعيني رجلًا وامرأته قبل الزحامات هذه الشديدة في جمرة العقبة، كانت جمرة العقبة فيها جبل من الخلف، ما أحد يصعد للجبل وفيها حوض، هو جالس على شفا الحوض ومعه كنادر يضرب العمود هو وزوجته، امرأة معه ما أدري زوجته ولَّا غيرها، والحصى يضربهم، سبحان الله! ولا يتحركون، هذا العجيب. فكأنما يقولون:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبِعٌ دَمِيتِ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
ليش؟ لأنهم اعتقدوا أنهم يضربون الشيطان، هذا غلط، الذي يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس أن هذه من مشاعر الحج ومن مناسك الحج، وأنها تُرْمَى تعبدًا لله عز وجل وإقامةً لذكره، هذا هو الواجب على طلاب العلم.
لكن يقول قائل: أرأيتم لو كان هذا العامي ما يعرف إلا إذا قلت له: ارم الشيطان الصغير، ثم الوسط، ثم الشيطان الكبير، هل أقول له هذا؟ لو تقول له: ارم الجمرة الأولى، ويش هي الجمرة الأولى؟ ما يعرفها.
طالب: (
…
).
الشيخ: لا، المكان هو أهم شيء، فهل نتكلم معه بلغته ثم بعد أن يعرف تقول: هذه لا تسمى شياطين؟ أنا أرى هذا أحسن، نكلمه بلغته ثم نقول: هذه ليست بشياطين، هذه من مناسك الحج وشعائره، فلا تعتقد ما ليس بصواب.
يقول: (بين الحمص والبندق) وسمعنا بعض الناس يرمي بالحذاء. شاهدتم هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، بالحذاء والشمسيات، سبحان الله! الجهل.
طالب: تجزئ يا شيخ؟
الشيخ: إن أخذها فقير يتظلل بها يمكن، ما يجزئ إلا الحصى، سيأتينا إن شاء الله تعالى.
قال العلماء: لو رمى دنانير بدل الحصى ما نفع إلا الحصى؛ لأن المسألة عبادة، فإذا وصل إلى منى؛ وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة، (من وادي) المعروف عند العلماء -علماء اللغة- أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤه، ولكن في هذا الموضع ابتداء الغاية وانتهاؤها خارج، فتبتدئ مِنَى من وادي مُحَسِّر، والوادي ليس منها، وتنتهي بجمرة العقبة، والجمرة ليس منها.
ولهذا لو عَبَّر المؤلف فقال: وهي ما بين وادي مُحَسِّر وجمرة العقبة لكان أَسَدَّ؛ لأنه إذا قال: (ما بينهما) خرجا.
طيب وادي محسر عرفتم ما هو، جمرة العقبة لماذا سميت جمرة العقبة؟ لأنه كانت على عقبة في الواقع، شاهدناها على عقبة؛ يعني طلعة؛ لأنها في أصل جبل، وتحتها الوادي مجرى سيل.
ولكن كيف يرمي الجمرة؟
يقول الفقهاء رحمهم الله: يرمي الجمرة -جمرة العقبة- مستقبل القبلة والجمرة عن يمينه، وهذا ما يمكن، خصوصًا في وقتنا الحاضر؛ يعني -مثلًا- القبلة هكذا والجمرة هنا (
…
)، هل يمكن أن تتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا؟ أبدًا؛ ولذلك وقف ابن مسعود رضي الله عنه في نفس الوادي مستقبلًا الجمرة جاعلًا منى عن يمينه والكعبة عن يساره، وقال: واللهِ الذي لا إله إلا هو، إن هذا هو المكان الذي رمى منه النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (20). أقسم رضي الله عنه، وهذا هو المدرك حسًّا؛ أن تجعل الجمرة أمامك وتجعل مكة عن اليسار ومنى عن اليمين من بطن الوادي.
طيب لو رماها من جهة أخرى وجعل مكة عن يمينه ومنى عن يساره والجمرة أمامه، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز. ولو رمى الجمرة مستقبلًا لها والكعبة خلف ظهره يجوز. المهم أن يقع الحصى في المرمى.
طيب إذا وقعت في المرمى ثم تدحرجت تجزئ أو لا؟ تجزئ؛ لأن الاستقرار ليس بشرط، إذا وقعت خارج المرمى ثم تدحرجت فيه بغير فعل أحد تجزئ أو لا تجزئ؟ تجزئ.
إذا ضرب العمود الذي جعل علامة، ثم إنها -يعني الحصاة- نجزت حتى خرجت عن المرمى تجزئ أو لا؟ لا تجزئ؛ ولذلك ينبغي للإنسان ألَّا يشتد في الرمي؛ لأنها إذا أصابت العمود ثم نجزت لا تجزئ.
طيب، هل يكفي غلبة الظن أو لا بد من اليقين أن تقع في المرمى؟ يكفي غلبة الظن؛ لأن غالب العبادات مبناها على غلبة الظن، ولأن اليقين في عصرنا صعب؛ إذ لا يمكن أن تتيقن إلا إذا وقفت على الحوض، فيكفي غلبة الظن، إذا رأيتها -مثلًا- طارت وغلب على ظنك أنها وقعت في الحوض كفى، وهذا من التيسير، ولو قلنا: لا بد من اليقين لصعب على الناس صعوبة عظيمة؛ لكان كل واحد يريد أن يقف على الحوض وحصل فيه مشقة.
(رماها بسبع حصيات متعاقبات يرفع يده حتى يُرَى بياض إبطه)(رماها بسبع حصيات متعاقبات) يرمي لا بد من حقيقة الرمي هكذا، وعلى هذا فلو وضع الحصاة وضعًا لم يجزئه؛ لو وقف على الحوض وصار يجلِّس الحصى على المكان ما أجزأه، لا بد أن يكون هناك رمي.
وقوله: (متعاقبات) يفيد أنه لا بد أن تكون الحصى واحدة بعد الأخرى، فلو رماها دفعة واحدة كم تجزئ؟ عن واحدة، ما لم يكن مستهزئًا والعياذ بالله، فإن استهزأ لا تجزئ عن واحدة ولا عن نصف واحدة، لكن كان جاهلًا فظن أن المقصود أن يقع في الحوض سبع حصيات فرماها جميعًا لا سيما مع الزحام، نقول: لا يجزئ إلا عن واحدة.
قال رحمه الله: (يرفع يده حتى يُرَى بياض إبطه)(يرفع يده) يعني: عند الرمي هكذا، (حتى يُرى بياض إبطه) هو في اليوم الأول نعم يُرَى بياض الإبط؛ لأن عليه رداء، والرداء إذا رفعته يُرى بياض الإبط، لكن في الأيام الأخرى الناس قد حلوا ولبسوا القمص لا يُرى بياض إبطه، والمقصود أن يرفع يده حتى يتحقق الرمي، ولكن لاحظ ألَّا تؤذي من وراءك؛ لأن بعض الناس من شدة الرمي يقول كذا ثم يضرب اللي وراه، وهذا شاهدناه، خطرٌ هذا إذا كان مرفقه من جنس محجن البعير، خطر جدًّا؛ لهذا نقول: إذا أردت أن ترمي وترفع يدك فانتبه للي وراء؛ لئلا تؤذيه.
وهل هذا شرط أن يرفع يده حتى يُرى بياض إبطه؟ ليس بشرط، بل لو رمى هكذا والإبط لم يُرَ فلا حرج.
(ويكبر مع كل حصاة) نعم (يكبر) يعني يقول: الله أكبر الله أكبر، مع كل حصاة، ولا يكفي التكبير في الأولى فقط بل مع كل حصاة، كما قال رحمه الله.
(ولا يجزئ الرمي بغيرها) أي: بغير الحصى، لا يجزئ الرمي بغير الحصى، لو وجد الإنسان مدرًا -يعني طينًا- على هيئة الحصى الذي يرمى به ورمى باثنين، يجزئ؟ لا.
لو رمى فُتَاتًا من صبة إسمنت يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ، ليش؟ لأنه ليس حصى.
لو رمى بخرزٍ يجزئ؟ لا يجزئ. رمى بالمرو يجزئ؛ لأنه حجر. رمى بالذهب؟
طالب: لا يجزئ.
الشيخ: ذهب لا يجزئ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (17). والباقي -كما تعرفون- مثل الرمي بالخفاف والنعال والشماسي من باب أولى.
قال: (ولا يرمي بها ثانيًا) يعني: لا يرمي بحجر رُمِي به، لماذا؟ قالوا: لأنه رُمِي به فلا يجزئ؛ كما لو أعتق العبد في الكفارة فإنه لا يجزئ أن يكفِّر به مرة ثانية، خذِ القياس. قياس آخر: كما لو توضأ بماء قد تُوِضِّئَ به -يعني بماء مستعمل في طهارة واجبة- فلا يجزئ. وهذا القياس فيه نظر ظاهر.
أما قياسه على العبد فنقول: إن العبد إذا أعتق في الكفارة خرج عن كونه عبدًا، صار حرًّا؛ ولهذا لو قُدِّر أنه لحق بالكفار ثم استولينا عليه واسترققناه صار عبدًا، فيجزئ، إذن القياس هذا غير صحيح.
طيب، قياسه على الماء المتوضأ به أيضًا غير صحيح؛ لأننا لا نسلم أصلًا أن الماء المتوضأ به لا يرفع الحدث، بل نقول: إن الماء المتوضأ به يرفع الحدث،
وحينئذٍ يكون هذا القياس قياسًا على غير أصل صحيح، وإذا بطل الأصل بطل الفرع.
وعلى هذا فيجزئ أن يرمي بحصاة رُمِيَ بها، وهذا يحتاج الإنسان إليه في مثل هذه الأيام؛ أحيانًا يسقط الحصى من يده أو بعض الحصى لو خرج إلى مكان بعيد شق عليه، وأحيانًا يرمي ولا تقع في الحوض، فيحتاج إلى بدلها، فيشق عليه، فالقول الراجح أنه يجوز أن يرمي بحصاة رُمِيَ بها.
أتدرون ماذا ألزم الذين يقولون بعدم الإجزاء؟ ألزموا الذين يقولون بالإجزاء أنه يقتضي أن يرمي الحجيج كلهم بحصاة واحدة، فاهمون كيف؟ (
…
) يجزئ ما رُمِيَ به، يقف واحد ومعه حصاة يرميها، ثم يأخذها ويرميها، ويأخذها ويرميها، كم مرة؟ سبع مرات، انتهى هو. جاء الثاني أخذ هذه الحصاة ورماها، هذه حصاة أخذها ورماها سبع مرات. جاء الثالث.
شوف كيف الإلزام؟ ! قالوا: يلزمكم إذا قلتم بجواز الرمي بحصاة رُمِيَ بها أن تجزئ حصاة واحدة عن جميع الحجيج. لكن هذا الإلزام هو منطقي إذا كانوا مليون نفرٍ كل واحد بيرمي سبع مرات كم؟ سبع ملايين مرة على هذه الحصاة؟ ! هذا ما هو يعني كلام إلزام بما لا يمكن أن يكون، لكن الذي يمكن أن يكون -كما قلت لكم- أن الإنسان -مثلًا- يرمي الجمرات، ثم تسقط حصاة في الأرض، ثم تدحرجت الحصاة اللي هو رمى بها أولًا تدحرجت (
…
)، ما فيه بأس يأخذها ويرمي، أو كان هو واقف على الحوض وأخذ من الحوض ورمى ما فيه مانع؛ لأن الكل حجر، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:«بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» (15).
قال: (ولا يقف) أي: لا يقف عند جمرة العقبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقف، وحسبنا أن نتأسى به، وقيل: إنه لا يقف؛ لأن المكان ضيق؛ إذ هو مجرى الوادي، والجبل فوق الجمرة فهو ضيق، ولكن هذا يمكن أن نعلل به فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما نحن ما نعلل بهذا، نعلل بأيش؟ بالسنة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف، وحسبنا أن نفعل ما فعل.
طالب: بارك الله فيكم، بعض الناس لا يعرف الرمي تمامًا لا سيما من النساء ترمي هكذا؟
الشيخ: خاتمه؟
طالب: لا، ترمي الحجر حتى ترفع يدها هكذا.
الشيخ: إي كذا، ويش تقولون في هذا؟ على كلام الفقهاء ما يكون رميًا، ولكن الذي أرى أنه يكفي أن يرمي هكذا؛ يعني يدفعه دفعًا، إن شاء الله يجزئ.
طالب: أحسن الله إليك، هل المقصود بالرمي العمود أو الحوض؟
الشيخ: الحوض، العمود هذا إنما جعل علامة على المكان فقط.
طالب: أحسن الله إليكم، لو قلنا بجواز دفع القادر من مزدلفة بعد منتصف الليل فلا يكون قد استفاد الضعفة من الرخصة التي لهم مش هيكون في (
…
)؟
الشيخ: الإنسان بيشوف السهل لنفسه، وأما غيره (
…
)؛ لأن الزحام واقع واضح، هو لو أعطي الناس فرصة من آخر الليل وهم أعطوا أنفسهم فرصة الآن فيه، الآن من يذهب إلى القول بأنه يكفي أن يصلي المغرب والعشاء في مزدلفة ويمشي، ليش هذا؟ قال: هذا قول بعض العلماء. وكل له اجتهاده.
طالب: أحسن الله إليك، المراد بقول الفقهاء:(جمرة) هو نفس المكان المحوط، حتى في السابق ما فيه شاخص؟
الشيخ: ما فيه؛ يعني (
…
) الحوض هذا المحوط في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو موجود، ما كان موجودًا؛ ولهذا جرى بحث هل يمكن أن يوسع الحوض أو لا يمكن؟ بعض الناس قال: لا بأس؛ لأنه كأنما تتصور أن الذين مع الرسول عليه الصلاة والسلام عددهم كبير، وبعضهم على إبله في يوم العيد، فهل أحد يظن أن حصى هؤلاء الجمع الكبير يقع في هذا المكان الضيق؟ ولهذا قال الفقهاء: إنه في يوم الحادي عشر والثاني عشر إذا رمى الأولى يبعد، وقالوا: لئلا يصيبه الحصى، لكن نحن نقول: نبقي الحياض على ما هي عليه، والحمد لله ما دمنا نقول: إن الحصاة إذا وقعت ثم تدحرجت أجزأت، الحمد لله.
طالب: (
…
)؟
الشيخ: لا.
الطالب: (
…
) قول الفقهاء (
…
) إلى خارج الحوض (
…
)؟
الشيخ: بناء على الواقع، الواقع هو هذا، الآن فيه ناس تشوف الحصاة يضرب الشاخص ثم يطير على وراء.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- يحصل ضيق شديد أحيانًا في رمي الجمار، وأصحاب الأسر اللي معهم نساء وضعفة يأتون بالنساء والضعفة فيجدون فيه زحامًا، ثم يعودون؛ الرجوع، والرجوع صعب شيخ، كانوا يعودون إلى خيامهم فيه ضيق في الشارع، فالواحد لما يرجع على الأسرة ثم يأتي به يرجع؛ يعني يصيبه أحيانًا يكون فيه سخونة الشمس حارة، شيخ أحسن الله إليكم هل له أن يأخذ الجمرة يرمي عن الضعفة؟
الشيخ: إي نعم، يعني هم إذا وصلوا إلى الجمرات وجدوا زحامًا شديدًا لا بأس أن يتوكل عن النساء، إلا إذا كان يعرف أنهم إذا انصرفوا الآن وصار في الليل أوله أو آخره أو وسطه وجد سعة فلا يرمي؛ لأن الأصل أن كل جزء من أجزاء الحج والعمرة يجب أن يقوم به الإنسان نفسه؛ لقول الله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، لكن أحيانًا ما يتمكن الإنسان من التأخير، مثل إذا كان يريد أن يتعجل في اليوم الثاني عشر، فهو أتى وحضر الآن بعد الزوال، ما يمكن يرجع، ولا يمكن يبقى إلى الغروب، يخشى أنه يلزمه المبيت مع أنه ما يلزمه المبيت، إذا كان الإنسان تأهب ودفع من منى ثم حبسه السير أو الضيق الشديد فإنه يرمي ولو بعد غروب الشمس، ويتوكل على الله يمشي.
طالب: له أن ينيب عن ثلاثةٍ أربعةٍ ولا أن يرمي عن واحد ثم يرمي عن الآخر؟
الشيخ: ماذا تريد؟ تريد -مثلًا- يقف على هذه ويقول: واحدة، ثنتين، عشرة، إحدى عشر، عشرين، واحد وعشرين؛ هذه عن الثلاث.
الطالب: إي، (
…
) ويرمي عن (
…
).
الشيخ: عن عشرة؟
طالب: يشيل -مثلًا- زي ثلاث وستين حبة، يرمي عن ثلاث، يرمي إلى أن (
…
).
الشيخ: لا، لا بد أن يرمي سبعًا أولًا عن نفسه، ثم عن واحدة من التي وكلته، ثم الثانية، ثم الثالثة، يعني بمعنى أن يميز كل واحد (
…
).
وكان بعض الفقهاء يقولون: لا بد يرمي الثلاث عن نفسه، ثم يعود ويرمي الثلاث عن موكله، ثم يعود ويرمي الثلاث عن الموكل الثاني، وهذا ما فيه دليل واضح، فلا نلزم الناس به؛ إذ لو ألزمنا الناس بذلك حصل مشقة عظيمة، لكن نقول: ارمها في مكان واحد ويكفي بس (
…
) هكذا جميعًا، سبعًا ترميها عنك، سبع عن فلان، سبع عن فلان، إي نعم.
***
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى في باب صفة الحج والعمرة من كتاب المناسك:
ولا يقف، ويقطع التلبية قبلها، ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل، ثم ينحر هديًا إن كان معه، ويحلق أو يقصِّر من جميع شعره، وتقصِّر منه المرأة قدر أنملة، ثم قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.
والحلاق والتقصير نسك، ولا يلزم بتأخيره دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا ما تقدم بعد الدفع من مزدلفة أنه يبدأ أول ما يبدأ برمي جمرة العقبة، وصفة الرمي سبقت أيضًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقطع التلبية قبلها) يعني: التلبية بالحج، أو بالحج والعمرة إن كان قارنًا، يقطع قبل الرمي، وعلى هذا فلا يزال يلبي في الدفع من منى إلى عرفة، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى.
واختلف العلماء رحمهم الله هل يلبي وهو ماكث أو لا يلبي إلا وهو سائر؟
فمن العلماء من قال: إنه يلبي وهو سائر فقط، وأما إذا كان ماكثًا -أي نازلًا- في عرفات أو مزدلفة أو منى فإنه لا يلبي؛ لأن التلبية معناها الإجابة، وهي لا تتناسب مع المكث؛ إذ إن المجيب ينبغي أن يتقدم إلى من يجيب، لا أن يجيب وهو باقٍ. وهذا الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أنه لا يلبي إلا في حال السير بين المشاعر.
وأما القول الثاني فيقول: يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، سواء كان ماكثًا أم سائرًا، قال: ويرمي بعد طلوع الشمس، هذا هو الأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس.
قال: (ويجزئ بعد نصف الليل) بناء على ما سبق من أنه يجوز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل، فإذا دفع ووصل إلى منى فلا بد أن يرمي، فيرمي بعد نصف الليل.
وسبق أنا ناقشنا المؤلف رحمه الله بتقييد ذلك بنصف الليل، وقلنا: إن ظاهر السنة أن الدفع إنما يكون في آخر الليل، إذا مضى أكثر الليل؛ الثلثان أو نحوهما.
وقوله: (ويجزئ بعد نصف الليل) يشمل القادر وغير القادر؛ يعني الذي يقدر على أن يبقى إلى أن يسفر جدًّا في مزدلفة ويرمي مع الناس وغير القادر، وهو المذهب.
والقول الثاني أنه لا يجوز الدفع من مزدلفة قبل أن يصلي الفجر إلا إذا كان يخشى على نفسه من الزحام؛ لكونه كبير السن أو مريضًا أو امرأة، أو ما أشبه ذلك.
وأما من قال: إن العاجز يدفع من مزدلفة في آخر الليل ولكنه لا يرمي حتى تطلع الشمس فقوله ضعيف؛ لأنه ليس عليه دليل، ولأن أكبر فائدة لمن دفع في آخر الليل هو أن يرمي، ولَّا ما الفائدة؟ ولهذا كان النساء اللاتي يبعث بهن الصحابة في آخر الليل يرمين مع الفجر أو قريبًا من الفجر، متى وصلن، فمتى وصل الإنسان فإنه يرمي، سواء وصل قبل طلوع الشمس أم بعد طلوع الشمس.
(ثم ينحر هديًا إن كان معه) ومن الذي يجب عليه الهدي؟ المتمتع والقارن، وأما من سواهما فإن أتى بهدي فهو أفضل، وإلا فلا شيء عليه.
وقوله: (إن كان معه) هل كلام المؤلف على ظاهره؛ بمعنى أنه إن كان يحتاج إلى شراء وطلب فإنه يحلق أولًا، أو نقول: هذا بناء على الغالب؟ الثاني هو الظاهر، وأنه حتى الذي يحتاج إلى شراء نقول: الأفضل أن تنحر بعد الرمي ثم تحلق، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام حين رمى جمرة العقبة انصرف إلى رحله، ثم نحر، ثم حلق.
قال: (ويحلق أو يقصر من جميع شعره) لو قال المؤلف رحمه الله: ثم يحلق لكان أولى؛ حتى نعرف أنه مرتب، (يحلق) يعني: جميع الشعر، وذلك بالموسى وليس بالماكينة، حتى لو كانت الماكينة على أدنى نمرة فإن ذلك لا يعتبر حلقًا، الحلق لا بد أن يكون بموسى يحلق رأسه.
والحكمة من حلق الرأس أنه ذلٌّ لله عز وجل لا للتنظيف؛ ولهذا لم يؤمر به في غير الإحرام؛ يعني لا نؤمر بأن نحلق رؤوسنا، وأمرنا أن نحلق العانة وننتف الإبط للتنظيف، وعليه فيكون حلق الرأس عبادة لله عز وجل نتقرب به إلى الله تعالى، فنحلق الرأس ذلًّا وتعبدًا لله عز وجل.
(أو يقصر من جميع الشعر) ولم يبين المؤلف رحمه الله كيف يقصر الرجل؛ هل يقصر كثيرًا أو يقصر قليلًا، فما المراد؟ نقول: المراد أن يقصر من شعره بحيث يتبين أن الرجل مقصر ويظهر عليه علامة التقصير.
وقوله: (من جميع شعره) أفادنا رحمه الله أنه لا يكفي أن يقصر من جانب واحد، كما قال به بعض أهل العلم، بعضهم قال: يكفي ربع الرأس، وبعضهم قال: يكفي ما يماط به الأذى، وما أشبه ذلك من الأشياء المقدرات التي ليس عليها دليل، والقرآن الكريم قال الله تعالى فيه:{لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] أي مقصرين رؤوسكم، فيقصر من جميع الرأس.
ولكن هل يجب أن يقصر من كل شعرة؟ لا يجب؛ لأنكم تعلمون أن الشعرات بعضها طويل وبعضها قصير، والمقصود أن يعمم الرأس بالتقصير كما يعممه بالمسح في الوضوء، ولو قلنا: يجب من كل شعرة لم نتمكن من الجزم بذلك إلا بالحلق، وحينئذٍ لا تقصير.
أيهما أفضل؟ الأفضل الحلق؛ ولهذا قدمه المؤلف رحمه الله عز وجل، كما هو مقدم في القرآن الكريم:{مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27]، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاث مرات والصحابة يراجعونه فيقولون: والمقصرين؟ حتى بلغ ثلاثًا ثم قال: «وَالْمُقَصِّرِينَ» (21)، وأتى بحرف العطف دون أن يقول: اللهم ارحم المقصرين للدلالة على أن مرتبة التقصير نازلة جدًّا.
(وتقصر منه المرأة أنملة) تقصِّر المرأة من رأسها أنملة؛ إن كانت ضفائر فمن كل ضفيرة أنملة، وإن كانت غير ضفائر فتمشي على شعر الرأس كله على قدر أنملة، والأنملة هي مفصل الأصبع، وفيها لغات تسع.
طالب:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ
التِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
الشيخ: تمام.
(وهمزَ أنملةٍ ثلِّث) يعني: ثلاث حركات، و (ثالثه) ثلاث حركات، اضرب ثلاثة في ثلاثة تكون تسعة؛ ولهذا قال:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
الأصبع إذن فيه عشر لغات، والأنملة فيها تسع لغات.
ومن ثَمَّ نقول: إنه لا يمكن للإنسان أن يغلط في أنملة إلا في الإعراب فقط، أما من حيث التصريف فلا يغلط.
(قدر أنملة) يعني أي الأنامل؟ نقول: الأنامل متقاربة، حتى الإبهام الذي ليس فيه إلا مفصلان أنملته قريبة من بقية الأصابع، وأما ما اشتهر عند النساء أن الأنملة أن تطوي المرأة طرف شعرها على أصبعها فمتى التقى الطرفان فذاك الواجب، أفهمتم؟ يعني -مثلًا- لنفرض أن هذه الضفيرة تكون هكذا، إذا التقى الطرفان فهذه الأنملة، ولكن هذا غير صحيح، الأنملة معروفة.
وإنما كان المشروع للمرأة التقصير؛ لأنها محتاجة إلى التجمل والتزين، والشعر جمال وزينة، وإنما كان الواجب بقدر الأنملة؛ لئلا يجحف برأسها، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية تراعي حوائج الناس وميولهم، وأنها لا تأتي أبدًا بما فيه العسر والحرج، والحمد لله.
(ثم قد حلَّ له كل شيء إلا النساء) ثم بعد أيش؟ بعد فعل هذه الأشياء؛ الرمي والنحر.
ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، والحِلاقُ والتقصيرُ نُسُكٌ، ولا يَلْزَمُ بتأخيرِه دَمٌ، ولا بتقديمِه على الرَّمْيِ والنَّحْرِ.
(فصلٌ)
ثم يُفيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنِيَّةِ الفريضةِ طوافَ الزيارةِ، وأَوَّلُ وقتِه بعدَ نِصفِ ليلةِ النحْرِ، ويُسَنُّ في يومِه وله تَأخيرُه، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمروةِ إن كان مُتَمَتِّعًا أو غيرَه ولم يكنْ سَعَى مع طَوافِ القُدومِ، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ ثم يَشربُ من ماءِ زَمزمَ لِمَا أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ منه ويَدعو بما وَرَدَ.
ثم يَرْجِعُ فيَبيتُ بِمِنًى ثلاثَ ليالٍ فيَرْمِي الجمرةَ الأُولَى، وتَلِيَ مَسجدَ الْخَيْفِ - بسبْعِ حَصَياتٍ ويَجعلُها عن يَسارِه ويَتأَخَّرُ قليلًا ويَدعو طَويلاً، ثم الوُسْطَى مِثْلَها، ثم جَمْرَةَ العَقَبَةِ ويَجعلُها عن يَمينِه ويَسْتَبْطِنُ الوادِيَ ولا يَقِفُ عندَها، يَفعلُ هذا في كلِّ يومٍ من أَيَّامِ التشريقِ - بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا – بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا- فإن رَماهُ كلَّه في الثالثِ أَجْزَأَه ويُرَتِّبُه بنِيَّتِهِ،
الأنملة معروفة، وإنما كان المشروع للمرأة التقصير؛ لأنها محتاجة إلى التجمل والتزين، والشعر جمال وزينة، وإنما كان الواجب بقدر الأنملة؛ لئلا يجحف برأسها، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية تراعي حوائج الناس وميولهم، وأنها لا تأتي أبدًا بما فيه العسر والحرج، والحمد لله.
(ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) بعد فعل هذه الأشياء؛ الرمي والنحر والحلق (حل له كل شيء إلا النساء) كل شيء من محظورات الإحرام، لا من كل الأفعال وكل الأعيان، لا، المراد من محظورات الإحرام.
وقوله: (ثم قد حل له) قد يقول قائل: إن ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يحل إلا بالثلاثة؛ لأنه قال: (ثم قد حل له كل شيء)، ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن الأصحاب رحمهم الله صرحوا بأنه يحل هذا الحل إذا رمى وحلق، وإن لم ينحر، أو إذا رمى فقط، وإن لم يحلق، ولهذا كان في المسألة روايتان عن أحمد.
هل يحصل الحل بالرمي والحلق أو بالرمي وحده؟
في ذلك روايتان عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: أنه يحل برمي جمرة العقبة يوم العيد، وأنه بمجرد ما يرمي يحل من إحرامه إلا النساء، واستدلوا بحديث:«إِذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءُ» (1).
وبتعليل: وهو أن الإنسان إذا شرع في الرمي قطع التلبية، وهذا يعني أنه شرع في التحلل؛ لأن المحرم مجيب لله عز وجل حتى يشرع في التحلل، ولكن هذا فيه نظر، هذا التعليل فيه نظر؛ لأننا نقول: إن المعتمر يقطع التلبية، متى؟ إذا شرع في الطواف، ومع ذلك لم يشرع بالتحلل، لكن الحديث:«إِذَا رَمَيْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءُ» هو الدليل.
الرواية الأخرى يقول: لا يحل إلا إذا رمى وحلق، واستدلوا بحديث:«إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءُ» (2)، (وحلقتم) فأضاف الحلق إلى الرمي في جواز التحلل، ولكن الزيادة هذه في ثبوتها نظر؛ لأن فيها الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف عندهم، واستدلوا بحديث عائشة: كنت أطيِّب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (3)، فقالت: لحله قبل أن يطوف، ومعلوم أن الذي يسبق الطوافَ الرميُ والنحر والحلق، وإلا لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فلما ذكرت أن الحل يكون قبل الطواف عُلِم أن ما سبقه يتوقف عليه الحل، والاستدلال بهذا الحديث على ظاهره صحيح.
لكن إذا علمنا أن السبب في ذلك أنه حصل خلاف هل يجوز للمحرم إذا حل التحلل الأول أن يتطيب قبل أن يطوف؟ فأرادت عائشة رضي الله عنها أن تبين جواز الحل وجواز التطيب قبل الطواف، فيكون سبب اقتصارها على الطواف أنه محل الخلاف وذلك؛ لأن الطيب مما يعطي النفس نشوة ورغبة في النكاح، والنكاح ممنوع بعد التحلل الأول، فكرهه بعض السلف؛ أي: كره أن يتطيب الإنسان قبل أن يطوف بالبيت، فأرادت عائشة أن تبين أن هذه كراهة لا وجه لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتطيب قبل أن يطوف.
والمسألة لم يتبين لي فيها الدليل الذي يحصل به رجحان أحد القولين على الآخر، لكن يبقى النظر أيهما أحوط؟ أن نقول: إنه لا يحل حتى يرمي ويحلق، أو نقول: إن الأحوط أن نقول: إنه يحل بالرمي، إن قلتم: الأول، لم تصيبوا، وإن قلتم: الثاني، لم تصيبوا؛ وذلك لأنه قد يكون الأحوط أن نقول بالأول، وهو أنه يحل برمي جمرة العقبة، وقد نقول: إن الأحوط الثاني.
ولنضرب مثلًا يتبين به الأمر: إذا جامع رجل امرأته بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق، فإن قلنا: إنه يحل بالرمي لم يفسد نسكه؛ لأن الوطء وقع بعد التحلل الأول، والوطء لا يُفسد النسك إلا إذا كان قبل التحلل، وأيضًا لا نوجب عليه -إذا قلنا: إنه حل بالرمي لا نوجب عليه- لا نوجب عليه فدية إلا شاة، وإذا قلنا: إنه لم يحل ألزمناه ببدنة، فأيهما أحوط الآن؟ أن يتحلل بالرمي هو الأحوط؛ أن لا نلزمه بشيء لم يتبين لنا إلزامه، ولكن إذا قلنا: إنه لا يحل إلا بالحلق صار أحوط من جهة أننا نمنعه من محظورات الإحرام حتى يحلق، فيكون هذا أحوط.
فالمسألة فيها يعني الإنسان يتردد كثيرًا، ولعلنا نقول: ما دامت المسألة لم تتضح فلنتبع الأسهل، إن جاءنا رجل يستفتي بأنه جامع بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق، نقول له: حجك لم يفسد؛ لأنه ليس عندنا ما نستطيع أن نجشمه المصاعب، ونقول: حجك فاسد، وعليك أن تمضي فيه، وأن تقضيه من العام القادم، وأن تفدي فعلك ببدنة، وأما إذا جاء يسأل: هل يجوز أن يلبس ويتطيب قبل الحلق؟ قلنا له: لا؛ لأن هذا أحوط وأبرأ للذمة.
وقوله رحمه الله: (إلا النساء) كلمة إلا النساء هذه هي الكلمة التي وردت في الحديث، لكن ما المراد؟ هل المراد كل ما يتعلق بالنساء؟ فيشمل الجماع والمباشرة والنظر لشهوة والخطبة وعقد النكاح، أو أن المراد الجماع؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: المراد بالنساء الجماع، فيحرم بعد التحلل الجماع، وأما عقد النكاح فيصح، والقبلة واللمس لشهوة وما أشبه ذلك؛ لأن كل هذه الأشياء إنما حرمت لأنها وسيلة للجماع، فلا نُحَرِّم عليه إذا حل التحلل الأول إلا ما كان مقصودًا، وهو الجماع.
وشيخ الإسلام رحمه الله يختار أن عقد النكاح بعد التحلل الأول صحيح؛ يعني: لو رمى وحلق وعقد على امرأة فالعقد صحيح، من باب أولى أن تكون الخطبة جائزة، وهذا أيضًا من الأمور التي ينبغي فيها أن يسلك الإنسان الاحتياط، فإذا جاءنا رجل ابتلي وعقد النكاح قبل أن يطوف طواف الإفاضة، أو خطب امرأة قبل أن يطوف طواف الإفاضة، فنقول: لا تعد؛ لأن التحريم وإبطال العقد بعد أن وقع فيه صعوبة، لكن نقول: لا تعد لهذا، وأما إذا جاءنا يستشير ويقول: هل تفتونني بأن أخطب أو أعقد النكاح وقد حللت التحلل الأول؟ فنقول له: لا.
هذه المسألة تقع في عقد النكاح، بعض الناس يكون طاف طواف الإفاضة على وجه غير صحيح، ثم يأتي إلى بلده ويتزوج، فنقول: إن هذا النكاح فيه خلاف؛ من العلماء من يقول: إنه صحيح، ومنهم من يقول: إنه فاسد، فنمضيه؛ لأنه تم الأمر، ولو أنا أعدنا العقد من جديد لكان أولى، فيكون الحل لا شبهة فيه، أما إذا جاءنا يستشيرنا فنقول: لا تتزوج؛ لأن لكل مقام مقالًا.
قال: (والحلق والتقصير نسك) الحلق والتقصير نسك، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:«اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» (4)، وهذا حث على الحلق، ثم قال في الرابعة:«وَالْمُقَصِّرِينَ» وهذا أيضًا يدل على أن التقصير عبادة رُتبت عليها الرحمة، وإذا كان عبادة فهو نسك، وليس كما قيل: إنه إطلاق من محظور؛ لأن بعض العلماء يقول: الحلق ليس نسكًا في ذاته، لكنه علامة على الحل، حيث استباح ما كان محظورًا، ولكن هذا قول ضعيف، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: لو كان الأمر كذلك لكان لا فرق بين حلق الرأس وحلق العانة على القول بأن محظورات الإحرام تشمل جميع شعور البدن. وصدق رحمه الله.
وعلى القول بأنه إطلاق من محظور، قالوا: يجزئ لو يقصر أو يقص شعرتين أو ثلاث شعرات، كفى. وهذه كلها أقوال لا أصل لها؛ يعني: ليس لها دليل، والصواب: أن الحلق والتقصير نسك.
وإذا كان نسكًا فهل هو واجب أو سنة؟ نقول: إن وصف الله تبارك وتعالى المؤمنين بدخول البيت الحرام محلقين رؤوسهم ومقصرين، ومراده؟ ويش مراده؟ معتمرين، فأطلق الحلق والتقصير على العبادة، ولا يمكن أن يطلق بعض العبادة على جميع العبادة إلا وهو واجب فيها، وهذا استدلال قد لا يدركه كثير من الناس، فنقول: الصحيح أنه واجب.
ثم هل يلزم بتركه دم؟ نقول: نعم؛ لأن ترك الواجبات في الحج موجب للدم، كما سبق تقريره، وكما سبق أيضًا ذكر دليله، وأن على ذلك عامة العلماء، قال: لا يلزم بتأخيره دم، تأخيره إلى متى؟ أطلق المؤلف.
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: لا، يمكن يموت قبل يوم القيامة، وإن طال التأخير، ولكن الصحيح أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لأنه نسك، فهو من الحج، وقد قال الله تعالى:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، فلا يجوز أن يخرج شهر الحج إلا وقد أتم الإنسان جميع أنساك الحج.
لكنه إذا أخره هل يحل أو لا يحل؟ أجيبوا.
لا يحل، يبقى عليه التحلل الثاني على قول الفقهاء وغير الفقهاء، لكن هل نقول: لا يحل التحلل الأول؛ لأن الحديث: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ» (2)، ولم يُذكر الطواف؟
فنقول: ظاهر الحديث إنه لا بد من الحلق، وأنه لا يمكن أن يحل التحلل الأول إلا به، لكن أكثر الفقهاء يقولون: إنه إذا رمى وطاف طواف الإفاضة حل التحلل الأول، وجعلوا لذلك ضابطًا، وقالوا التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة، الرمي والحلق والطواف، فعلى هذا القول إذا رمى وحلق حل التحلل الأول، إذا حلق وطاف حل التحلل الأول، إذا رمى وطاف حل التحلل الأول.
لكن هذا الضابط لم نجد له شيئًا نعتمد عليه إلا تعليلًا يُنظر فيه، وهو أنهم قالوا: إذا كان للطواف تأثير في التحلل الثاني لزم أن يكون له تأثير في التحلل الأول. وجه ذلك أنه إذا طاف وحلق ورمى وسعى، والسعي تابع للطواف، فإنه يحل التحلل كله، وإذا رمى وحلق حل التحلل الأول، قالوا: فلما كان للطواف تأثير في التحلل الثاني كان له تأثير في التحلل الأول.
قال: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني: ولا يلزم دم بتقديمه على الرمي والنحر، فلو نزل الإنسان من مزدلفة رأسًا إلى مكة وطاف، ثم عاد ورمى فلا بأس، ولو أنه رمى ثم نزل إلى مكة وطاف فلا بأس، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسْأل يوم العيد في التقديم والتأخير، فما سُئِل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال:«افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» (5).
وبهذا يحسن أن نتكلم على ما يُفعل بعد الدفع من مزدلفة، يُفعل الرمي، ثم النحر، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي، وهي خمسة مرتبة على هذا، ولكن لو قدمت بعضها على بعض فلا حرج، حتى السعي لو قدمته على الطواف، فإن القول الراجح أنه ليس فيه حرج، وهذا قد يحتاج الإنسان إليه، كرجل معه نساء، وخاف أن يأتيهن الحيض في أول اليوم؛ يوم العيد، فدفع من مزدلفة رأسًا إلى مكة، وطاف طواف الإفاضة قبل الفجر مثلًا، يجوز هذا أو لا؟ يجوز، وكذلك أيضًا يحتاج الإنسان إلى أن يؤخر النحر إلى بعد الحلق؛ لأنه إذا رمى وحلق حل التحلل الأول، وذهب يطلب الهدي وهو قد حل ولبس ثيابه وسلم من الحلق.
فالمهم أن الأفضل ترتيب الأنساك الخمسة على النحو التالي: رمي، نحر، حلق، طواف، سعي، وأنه لو قدم بعضها على بعض فلا حرج، والصحيح أنه لا حرج، سواء نسي أو جهل أو تعمد عالمًا كله سواء، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسْأل فيقول:«افْعَلْ» ، افعل هذه للماضي ولّا للمستقبل؟ للمستقبل «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» (5)، لو اقتصر على قوله:«لَا حَرَجَ» لكان يمكن أن يُقال: إن السائل قال: يا رسول الله لم أُشْعِر، ففعلت كذا قبل كذا، لكن قال:«افْعَلْ» للمستقبل ولا حرج، ولهذا إذا كان الشيء معفوًّا عنه بالجهل، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: افعل ولا تعد، مثل حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه دخل والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم راكع، فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«زَادَكَ اللَّهُ حَرْصًا وَلَا تَعُدْ» (6)، هنا لم يقل للسائل: لا حرج ولا تعد، بل قال:«افْعَلْ» ، وهذا للمستقبل، «وَلَا حَرَجَ» ، وبه نعرف أن الترتيب بين هذه الأنساك للأفضلية فقط، وهذا من رحمة الله ونعمته؛ لأن الناس يختلفون في الحاجات، بعضهم يود أن يطوف مبكرًا، وبعضهم يود أن يتأخر، فجعل الأمر واسعًا، والحمد لله.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، من أخر صيام ثلاثة أيام التي في الحج عمدًا بغير عذر فهل نلزمه بالفدية على قاعدة الفقهاء؟
الشيخ: لا، الصحيح ِأننا لا نلزمه، وعجبًا منهم رحمهم الله أن يقولوا: تلزمه الفدية، وهو أصلًا ما عنده فدية، وهو أيضًا لما عَدِمَ الهدي ما الذي صار واجبًا في حقه؟ الصيام، وإذا كان هو الصيام فنقول: إنه يجب أن يكون في الحج، وإذا تأخر -ولا سيما إن كان لعذر- فإنه يقضى كرمضان، الصواب أنه لا دم.
طالب: أحسن الله إليكم، من وقع بعض طوافه في المسعى في الزحام، هل له حكم خاص إذا قلنا: إن المسعى ليس من الحرم؟
الشيخ: إي نعم، هو لا شك أن المسعى ليس من المسجد الحرام، ولكن نظرًا للزحام الشديد واتصال الناس بعضهم ببعض نفتي بأنه لا حرج، وإن كنا أفتينا سابقًا بأن الطواف غير صحيح، وأنه يجب على من فعل هذا أن يرجع إلى مكة، ويطوف طواف الإفاضة، لكن تأملت ووجدت أن المسألة فيها مشقة، والعذر موجود وصحيح، وما دام المصلون إذا صلوا خارج المسجد بعد امتلائه يعدون كالذين صلوا داخل المسجد، فأرجو أن يكون هذا مثله.
طالب: أحسن الله إليك، بعض الحجاج الوافدين من خارج هذه البلاد بعد رمي جمرة العقبة ينصرفون إلى مكة لشراء حوائجهم، فإذا جاء وقت الرمي جاءوا ليرموا، ثم يبيتون، قد يبيتون في مكة وكذا، هل يترتب على هذا نقص ثوابهم؟
الشيخ: كيف؟ يعني يوم العيد؟
الطالب: بعد يوم العيد ينصرفون إلى مكة.
الشيخ: بعد يوم العيد.
الطالب: أيام التشريق لا يقضون بمنى.
الشيخ: أيام التشريق يكونون خارج منى؟
الطالب: إي.
الشيخ: نعم، قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (7)، وهؤلاء لم يمكثوا في منى كما مكث النبي صلى الله عليه وسلم، هل يكون حجهم ناقصًا؟
طالب: خالفوا الهدي.
الشيخ: هل يكون ناقصًا أو لا؟ أنا ما سألتك هل هو خالف الهدي ولّا ما خالف.
الطالب: إي ناقص.
الشيخ: ناقص، حينئذ قل لي: لأنه خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الحمد لله، هذا الجواب، اللهم إلا لعذر كإنسان مثلًا أصابه مرض، واحتاج أن ينزل إلى المستشفيات، هذا معذور.
طالب: هذه الأنساك الخمسة التي تفعل يوم العيد ذكرنا أنه يجوز تقديم بعضها على البعض، لكن هل يجوز تقديم السعي على الطواف؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بعد يوم العيد؟
الشيخ: الظاهر أنها عامة أنه يجوز تقديم السعي على الطواف حتى بعد يوم العيد.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا قلنا: إن التحلل يكون بالرمي وحده، هل يكون بالشروع فيه أو بالانتهاء منه؟
الشيخ: بالانتهاء منه، إذا قلنا: التحلل بالرمي وحده فلا بد من كماله، وكذلك في الحلق، لا يحصل التحلل إذا حلق نصف الرأس مثلًا ثم ذهب الحلاق ليأتي بموسى أحسن، ما نقول للرجل: تطيب الآن، نقول: انتظر حتى يتم الحلق.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، كان الوقت السابق يا شيخ الهدي يسير بمنى، بنفس منى، وتيسر للإنسان اليوم للحجيج يجي يرمي جمرة العقبة يجي يذبح، يأخذ الهدي ويذبح، ها الحين يشق يا شيخ عليه، والإنسان (
…
) لفظًا إذا كان يشترط (
…
) ..
الشيخ: أنا رأي أنه يريد الأفضل يذهب إلى المنحر، ويشتري وينحر، ثم يحلق أو يقصر.
طالب: فيه مشقة يا شيخ بعيدة ..
الشيخ: الأمر واسع، ما دام فيه مشقة تحلل بالحلق أو التقصير عند الجمرة، موجود ناس يحلقون وحينئذ تحل.
طالب: المتمتع، قلنا: يقطع التلبية إذا شرع في الطواف؛ طواف العمرة، في اليوم الثاني إذا أحرم للحج يبدأ التلبية؟
الشيخ: إي نعم، يبدأ تلبية جديدة.
طالب: أكرمكم الله يا شيخ، قلنا: إنه يحل إما بالحلق أو التقصير أو إنه بالرمي على القول الثاني، لكن يا شيخ الآن النحر ما له تأثير في هذا؟
الشيخ: ما له تأثير إلا إذا ساقه، فظاهر السنة إنه إذا ساق الهدي فلا يحل حتى ينحر، كما جاء في الحديث.
طالب: وغير الذي لم يسق؟
الشيخ: لا، الذي لم يسق ما له دخل.
طالب: أحسن الله إليك، متى ينتهي وقت الرمي في يوم النحر؟
الشيخ: ينتهي وقت الرمي في يوم النحر ويوم الحادي عشر ويوم الثاني عشر بطلوع الفجر من اليوم الثاني، وأما رمي الثالث عشر فينتهي بغروب الشمس.
الطالب: لو تأخر ينتظر؛ يعني يخاف من الزحام حتى قرب طلوع الفجر، ورمى، ما عليه شيء؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما عليه شيء؟
الشيخ: إي نعم، المهم أنه رمى قبل الفجر، إي نعم، ما عليه شيء، وهذه مسألة ما بعد جاوبتها، لكن عاد حصلت.
طالب: رجل قصر من رأسه، لكنه لم يعمم، وحل، ماذا عنه؟
الشيخ: يقال له: البس ثيابك -إذا كان في العمرة- البس الثياب وكمل؛ لأنه إلى الآن ما حل، له أن يلبس.
طالب: ثياب الإحرام يا شيخ؟
الشيخ: إي ثيابه اللي لابسها؛ لأنه حل، أنت ذكرت أنه حل؛ يعني لبس الثياب العادية القميص.
***
قال: (فصل. ثم يفيض إلى مكة، ويطوف)(يفيض إلى مكة) يعني: الحاج، والإفاضة تعني الكثرة، كما يقال: فاض الماء إذا تدفق بقوة وشدة، (إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة طواف الزيارة) والمتمتع أيضًا يطوف بنية الزيارة، لكنه نص على المفرد والقارن؛ لأن أحد القولين في المذهب أن المفرد والقارن إذا لم يكونا دخلا مكة من قبل يطوفان أولًا للقدوم، ثم ثانيًا للإفاضة، فأراد المؤلف رحمه الله أن يدفع هذا القول، ولو أنه ترك التنصيص عليهما وأتى بلفظ عام لكان أبعد عن الاشتباه، لكن لعله تبع غيره في العبارة، فالله أعلم.
المهم (يطوف القارن والمفرد) زد: والمتمتع (بنية الفريضة طواف الزيارة) أفادنا رحمه الله أن هذا الطواف فرض، وهو كذلك، وأنه يجب أن ينويه فرضًا، فلو نوى مجرد الطواف دون أن يستحضر أنه فرض لم يصح، وسبق الخلاف في هذا، وبينَّا أن من العلماء من قال: إن نية الطواف والسعي تدخل في نية النسك -النية العامة- وأنه إذا نزل إلى مكة وطاف ولم يكن في قلبه أنه طواف الإفاضة فالطواف صحيح، وهذا القول هو الراجح، لا سيما في أوقاتنا هذه، فإن الإنسان مع الدهشة قد تغيب عنه نية الفريضة، وأنه طواف إفاضة، ينوي أنه طواف وبس، فالقول الراجح -وهو قول أكثر العلماء- أنه يكفي إذا نوى أنه طواف، وما دام في نسك فهو طواف لهذا النسك.
وقوله: (طواف الزيارة) مع قوله: (يفيض) إنما غيَّر ما يقتضيه السياق؛ ليتبين أن هذا الطواف يُسمى طواف الإفاضة، ويُسمى طواف الزيارة.
قال: (وأول وقته بعد نصف ليلة النحر) لأنه سبق أنه يدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل، فمتى دفع من مزدلفة دخل وقته، (ويُسن في يومه) أي: في يوم العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاف يوم العيد، وقال:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (7)، وفي القرآن الكريم:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} وذلك بالتحلل ولبس الثياب {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} وذلك بذبح الهدي {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} [الحج: 29]، وهذا هو طواف الإفاضة، فيُسن في يوم.
قال المؤلف: (وله تأخيره) يعني: له أن يؤخر طواف الإفاضة إلى متى؟ أطلق المؤلف، لم يقل: إلى الليل، ولا إلى آخر أيام التشريق، ولا إلى آخر شهر ذي الحجة، فله تأخيره، متى شاء طاف، ولكنه يبقى عليه من المحظورات؟
طلبة: النساء.
الشيخ: النساء، يبقى عليه النساء، لا يتزوج ولا يجامع زوجته، ولكن هذا القول أنه يؤخره متى شاء فعله ضعيف؛ لأن الله قال:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، فإن قلنا: إن الأشهر إلى تمام شهر ذي الحجة، قلنا: ليس له أن يؤخره إلى ما بعد ذي الحجة، ومن العلماء من قال: لا يؤخره عن أيام التشريق؛ لأن الحج ينتهي بأيام التشريق، فلا يجوز أن يؤخر عن الوقت الذي حدده الشرع لإقامة النسك.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أخره ليس عليه شيء لقوله: (وله تأخيره)، ولم يقل: وعليه الفدية، ولو قال: وعليه الفدية، لكان هناك تناقض بين قوله: وله، وقوله: عليه؛ لأنه متى جاز أن يؤخر فلا فدية، وظاهر كلامه أيضًا أنه لو أخره عن يوم العيد لم يعد محرمًا، كما جاء في ذلك حديث رواه أبو داود (8)، لكن هذا الحديث مضطرب لا يُعتمد عليه، وهو أيضًا شاذ لمخالفته الأحاديث الصحيحة الصريحة في أن المحرم يحل قبل أن يطوف بالبيت، وإذا ثبت أنه يحل فإنه لا يمكن أن يعود محرمًا بدون نية، ولا يمكن أن ينوي نسكًا آخر الآن.
ثم هو شاذ عملًا، فلم تعمل به الأمة الإسلامية، وقد قيل: إن أول من عمل به عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة، فحكم شرعي لم يعمل به إلا واحد من التابعين هو أول من عمل به لا يمكن أن يُقال إنه حديث صحيح، ثم هذا الحديث مما تتوافر الهمم على نقله، ولو نقل لكان معلومًا محفوظًا عند أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما، ولكان محفوظًا معلومًا عند الأمة للعمل به، فهو حديث شاذ، والقول به قول شاذ، ولذلك لم نر علماءنا الذين هم أهل الحديث يعملون به، ولا علماءنا أهل الفقه يعملون به، بل إذا تحلل الإنسان يوم العيد لم يعد محرمًا إلا بنسك جديد، أما هذا النسك فقد انتهى وحل.
قال: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا أو غيره) أي: غير متمتع (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) قوله رحمه الله: (ثم يسعى بين الصفا والمروة)، وسبق صفة السعي وعدده إن كان متمتعًا، وعلى هذا فيلزم المتمتع سعيان؛ أحدهما للعمرة والثاني للحج، وهذا هو القول الصحيح المتعين؛ لأن ذلك صريح في حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما أن الذين حلوا طافوا طوافين بين الصفا والمروة (9)، فقد فصلت رضي الله عنها بذلك تفصيلًا بيِّنًا واضحًا، ثم إن نسك العمرة انفصل عن نسك الحج، فبينهما حل تام، فكيف يقال: إن السعي الذي قام به المتمتع أولًا يكفي عن سعي الحج؟ هذا لا يُمكن أن يُقال به.
ثم يُقال أيضًا: لو قلتم: إن سعي الحج قُدِّم، قلنا: هذا لا يصح، كيف يُقدم سعي الحج قبل الإحرام بالحج، وهل يمكن أن يركع الإنسان قبل أن يدخل في الصلاة؟ لا يمكن، وليس لمن قال بأن المتمتع يكفيه سعي واحد إلا ما يفيده ظاهر حديث جابر، قال: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا؛ الطواف الأول (10).
والإجابة عن هذا سهلة جدًّا، ما هي؟ أن يُقال: المراد بأصحابه الذين لم يحلوا وكانوا مثله، وهذا سهل الإجابة عنه، فالصواب المقطوع به عندي أنه لا بد من طواف وسعي في الحج، كما أنه قد طاف وسعى في العمرة.
قال المؤلف (أو غيره، ولم يكن سعى مع طواف القدوم)(أو غيره) غير من؟ غير المتمتع، وهو القارن والمفرد، فيسعى بعد طواف الإفاضة إن لم يكن سعى مع طواف القدوم، فإن كان سعى مع طواف القدوم كفى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان قارنًا وسعى بعد طواف القدوم، ولم يعد السعي مرة أخرى (11)، ولأنه لا يجب في الحج سعيان، فإن قال قائل: قد أوجبتم طوافين؛ طواف القدوم، وطواف الإفاضة. قلنا: لم نوجب طواف القدوم، بل هو سُنة.
وقوله رحمه الله: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) يفيد أن تقديم سعي الحج في القارن والمفرد لا يكون إلا إذا وقع بعد طواف القدوم، أريد بهذا لو قدم السعي على طواف القدوم يجزئ ولّا ما يجزئ؟ ما يجزئ؛ لأنه لم يكن بعد طواف نسك.
وبه نعرف خطأ من أفتى أهل مكة الذين يحرمون بالحج من مكة أن يطوفوا بالبيت ويسعوا بين الصفا والمروة بنية سعي الحج، وجه الخطأ أن هؤلاء لا قدوم لهم، طواف القدوم إنما يشرع لمن قدم إلى مكة من خارج مكة، وهؤلاء طوافهم ليس طواف قدوم، فلا يجزئهم تقديم السعي، وهذه الفتوى وهم لا أساس لها من الأدلة، ولهذا انظر كلام المؤلف:(ولم يكن سعى مع طواف القدوم) ولا طواف للقدوم في أهل مكة.
(ثم قد حل له كل شيء) ماذا يريد بكل شيء؟ يعني النساء، حتى النساء تحل.
هل تحل له امرأته في آخر نهار العيد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تحل، نعم؛ لأنه رمى وحلق وطاف وسعى، فتحل له، مع أنه باقٍ عليه المبيت والرمي، نقول: هذا لا أثر له في الحل أو في التحلل.
قال: (ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب) ظاهر كلامه رحمه الله أنه يشرب من ماء زمزم بعد السعي، وليس مرادًا، بل يشرب من ماء زمزم بعد الطواف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرب من ماء زمزم بعد الطواف، كما يدل عليه حديث جابر (12)، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسعَ للحج؛ لأنه سعى مع طواف القدوم، ثم ما رواه أهل السنن من أنه شرب من ماء زمزم حين طاف أول ما طاف يعني طواف القدوم فقد شرب قبل أن يسعى (13).
(ثم يشرب من ماء زمزم)، وقوله:(لما أحب) اللام للتعليل؛ يعني: يشرب من أجل أن يحمله على ما يحب، إذا شربه لظمأٍ روي، إذا شربه لجوع شبع، إذا شربه لمرض شفي بإذن الله، إذا شربه لنسيان هل يقوى حفظه؟ بعض العلماء ولا سيما المحدثون يفعلون هذا، يشربون ماء زمزم لقوة الحفظ، استنادًا إلى الحديث:«مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (14).
وهذا فيه تردد، أما شربه لإزالة العطش فواضح، لرفع الجوع واضح، للمرض واضح؛ لأن المرض علة بدنية عضوية، يمكن أن يزول بشرب زمزم كما يزول العطش والجوع، لكن مسائل معنوية عقلية الإنسان يشك في هذا، إلا أن نقول: لا يضرك، انْوِ ما تريد إن كان الحديث يتناوله حصل لك المقصود، وإلا لم تأثم، لو شربه الفقير للغنى نقول: إذا كنا نتردد في شربه للحفظ وقوة الحفظ فمن باب أولى للغنى.
لو شربه إنسان خطب امرأة وهو بين الرد والإجابة، وشربه لأجل يجيبونه، نعم، إذا أخذنا بالعموم قلنا: لما شرب له، لكن مثل هذا لا يظهر لي -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراده؛ لأن هذه لا علاقة لها بالبدن الذي يستفيد بالشرب.
يقول: (لما أحب، ويتضلع منه، ويدعو بما ورد) يتضلع منه؛ يعني: يروى كثيرًا حتى تتسع أضلاعه من كثرة الماء في بطنه؛ لأنه ورد أن التضلع من ماء زمزم هو الفرق بين المؤمن والمنافق؛ لأن المؤمن يؤمن بأنه شفاء وأنه نافع، والمنافق لا يؤمن بهذا، فالمنافق لا يشرب منه إلا عند الضرورة لدفع ضرورة فقط، والمؤمن يشرب ويتضلع رجاء بركته التي جاءت في الحديث:«مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (14).
قال بعضهم: ويستقبل القبلة، ولكن هذا ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرب من ماء زمزم (15) ولم يرد عنه أنه استقبل القبلة، ولا أنه رفع يديه يدعو بعد ذلك، لكن ورد فيه أدعية أشار إليها المؤلف رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يشرب من ماء زمزم دعا بدلو –الدلو: الذي يُسقى به الناس- فأراد عمه العباس أن يرسل الفضل ابنه إلى أم الفضل لتعطيه من الماء الذي كان قد خبأه عندها، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم وشرب مما يشرب الناس منه (16)، كل هذا ليدفع التكلف عن الأمة، وتواضعًا لله عز وجل.
كما رد المنديل حين أتته به ميمونة رضي الله عنها بعد أن اغتسل (17)؛ لئلا تتكلف الأمة في مثل هذه الأمور، وهذا هو المناسب طِبًّا في الوقت الحاضر، كما سمعنا الآن أن فيه بعض الولايات في البلاد الكافرة ولاية كاملة بدؤوا يدعون القول: لا تتنشف بمنشفة تنشف بها غيرك، وما أشبه ذلك، ولا تشرب في إناء شرب منه غيرك، وقالوا: إن هذا يضر البدن؛ لأنه يصبح غير قادر على المقاومة والمناعة، وهذا -فيما يبدو والله أعلم- صحيح.
طالب: بارك الله فيكم هل الشرب من ماء زمزم بعد الطواف سنة مقصودة؟
الشيخ: والله يا أخي أنا عندي فيها تردد يعني كونه يقع بعد الطواف، أما أصل الشرب من ماء زمزم سنة، لكن كونه بعد الطواف يحتمل إن الرسول فعل هذا؛ لأنه أيسر له، أو لأنه عليه الصلاة والسلام عطش بعد الطواف، أو ليستعد للسعي، لكن اشرب، والحمد لله ما فيه إلا خير.
طالب: أحسن الله إليك، جمرة العقبة من المكان الذي كان فيه جبل لا يوجد حوض، هل يجزئ الرمي فيه؟
الشيخ: لا، هو كان بالأول وضعوا جدارًا عريضًا يغطي كل الحوض، فصار الناس يأتون ويرمون من نحو الجدار، ويقع في الأرض، بعد ذلك هدموا الجدار وأبقوا العمود فقط، وهذا فتح الباب للناس؛ لأنهم صاروا يشاهدون الحوض فيرمون من الخلف، ولكن تقع الحصات في الحوض.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، هل على الحاج صلاة العيد؟
الشيخ: الحاج؟ لا ما عليه صلاة العيد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لماء زمزم هل يشرع أن يصب على الرأس للتبرد به، وللشفاء من الأمراض؟
الشيخ: بعض العلماء قال: إنه يرشه على رأسه وعلى صدره، لكن الشيء الذي لم تثبت به السنة لا تفعله، هذه أمور غيبية، ربما يفعل الإنسان هذا الشيء ويشفيه الله عز وجل فتنة، ولذلك نسمع أن بعض الناس الذين يأتون إلى القبور يدعون القبور يُستجاب لهم، فتنة من الله عز وجل، كما اختبر سبحانه وتعالى الصحابة في سهولة تناول الصيد وهم محرمون.
طالب: أحسن الله إليك، كثير من الحجاج يأخذون ماء زمزم معهم إلى بلادهم، وهناك يزيدون عليه ماء كثيرًا ويوزعون على الناس؟
الشيخ: هذا غش، أما نقله إلى بلاد أخرى لا بأس، والخصائص التي فيه تبقى، أما خلطه بماء كثير أخشى أن يخلط اللتر بعشرة أرتال، أو لا؟ تزول فائدته، يضمحل.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كنت ذكرتم في التقصير بالنسبة للرجل أنه لا بد يكون تقصيرًا بيِّنًا بحيث اللي يراه يراه مقصرًا، هل هذا مثلًا تقصير بالنسبة يعرف أن له شعرًا كثيرًا، أهله حين يرونه بعد التقصير يرون واضحًا التقصير فيه، لكن غيره لا يرى أي شيء؟
الشيخ: القصد أن بعض الناس يقصر من جهة، إذا قصر من جهة علم أنه ما قصر من بقية الرأس، ولا نعم اللي ما كان يراه من الأول ما يدري هل هو مقصر ولّا ما قَصَّر.
طالب: هل يجوز التحلل بالحلق خارج الحرم؛ يعني خارج الأرض؟
الشيخ: إي نعم، يجوز أن يحلق في كل مكان، ولكنه يبقى عليه التحلل الثاني.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يقال: إنه ينبغي للإنسان بعد أن يتحلل ويفرغ من إحرامه أن تتغير حاله عن ما كانت قبل الإحرام ..
الشيخ: من أي ناحية؟
طالب: من ناحية العبادة والإكثار من الذكر والدعاء ..
الشيخ: تتغير؟
طالب: يعني قبل أن يتحلل كان مقبلًا على الله بالدعاء، كان تاركًا لأهله أو مداعبة أطفاله ومن معه من زملائه، فيتغير حاله يعني استبشارًا بخروج الحج مثلًا هذه الأيام الثلاثة.
الشيخ: أما يتغير حاله إلى ترك الطاعة وفعل المعصية لا، أما يتغير حاله عن الالتزام بمحظورات الإحرام واضح، تتغير، لا بد أن تتغير، وأيضًا يوم النحر يوم عيد يوم فرح وسرور، وإذا كان معه أهله وحل التحلل الثاني فأنت سألت وتجيب نفسك.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، مثل العضو اللي يوجع الإنسان يا شيخ، وحضر عند ماء زمزم، ما ترى أنه يغسل شيئًا من ها العضو؟
الشيخ: لا أنا ما أرى هذا، أرى أنه يشرب ليبرأ.
طالب: جزاك الله خيرًا، هذه مهمة يا شيخ.
الشيخ: إي، هذه إن شاء الله.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، معنى لا إله إلا الله عندما كانت خير الدعاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«خَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (18)، معناها إيه يا شيخ؟
الشيخ: معناها أن هذا الذكر أفضل الأذكار؛ لأنه مبنى التوحيد، ولا يتم الإسلام إلا به، أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا الذكر في الحقيقة دعاء عظيم؛ لأنك أنت لم توحد الله إلا ترجو المغفرة والثواب.
طالب: أحسن الله إليك، ما رأيكم في قول بعض العلماء إنه يشرع شرب ماء زمزم واقفًا.
الشيخ: أرى أنه ليس بصواب، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما شرب واقفًا لضيق المكان، فإن الدلو إذا رُفع للرسول عليه الصلاة والسلام وشرب فالمكان واسع، لكن لو جلس ضاق المكان، نعم.
طالب: بالنسبة للرمي، إذا لم يتيقن الرامي وقوع الحصاة في الحوض ما عليه؟
الشيخ: لا جواب على هذا، ما سبق لنا البارحة ويش قلنا: يكفي غلبة الظن، نعم.
طالب: يرى (
…
) الطيب، وإذا لمسه قبضًا يعلق، هل له أن (
…
) السنة أو (
…
).
الشيخ: لا، ما يجوز، إذا علم أنه لو استلمه علق بيده أو لو قبَّله علق بشفته ما يجوز.
طالب: (
…
).
الشيخ: إي؛ يعني هؤلاء الذين وضعوا الطيب منعوا المسلمين من هذه السنة.
طالب: أحسن الله إليك، امرأة بقي عليها طواف الإفاضة وطرأ عليها الحيض، هل يجوز لها المكث في بيتها إلى أن تطهر، وذلك خارج مكة؟
الشيخ: إي نعم، هذا سؤال مهم، امرأة أصابها الحيض قبل أن تطوف طواف الإفاضة، إذا كان يمكنها أن تبقى هي ومحرمها في مكة فهذا هو الأفضل لا شك، وإذا كان لا يمكنها خرجت من مكة إلى بلدها وتبقى على ما بقي من إحرامها؛ يعني إذا كانت مزوجة لا يقربها الزوج، ولا يُعقد عليها النكاح على القول اللي ذكرنا.
لكن أنصاف طلبة العلم صاروا يفتون النساء بما أفتى به شيخ الإسلام رحمه الله من لا تتمكن من طواف الإفاضة، وقالوا لو كان أهلها في جدة فإنها تتحفظ وتطوف ولو كانت حائضًا، وهذا غلط عظيم، غلط على العلماء، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يحبس كل اللي معه ويريدون مصاحبته حتى تطهر صفية كيف نخلي المسألة بهذه السهولة؟ !
وشيخ الإسلام رحمه الله إنما جعل المسألة في صورة صعبة جدًّا، قال في امرأة إذا سافرت لا يمكنها أن ترجع إلى مكة، فهذه إما أن نقول: إنها محصرة، تذبح الهدي في مكة، ولكن حجها لم يتم، وهذا لا شك أنه ضرر عليها، هي ما وصلت إلى مكة إلا بشق الأنفس، ثم نقول: لا حج لها، مُشكل، وإما أن تبقى محرمة مدى الدهر حتى ترجع إلى مكة، وهذا أيضًا مُشكل، وإما أن تتلجم -يعني: تتحفظ- وتطوف، أي ها الأقوال اللائق بالشريعة الإسلامية؟ الثالث.
أما امرأة في المملكة الحمد لله لو شاءت لرجعت إلى مكة في يومها، ورجعت في يومها إلى بلدها، يقول: تتلجم، هذا ما هو صحيح أبدًا، ولذلك يجب التنبه لهذا وعدم التسرع في الإفتاء إلا عن عالم يُعرف.
***
طالب: قال المصنف -رحمه الله تعالى- في باب تصفية الحج والعمرة من كتاب المناسك: ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، فيرمي الجمرة الأولى، وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات، ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلًا، ويدعو طويلًا، ثم الوسطى مثلها، ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، مستقبل القبلة مرتبًا، فإن رماه كله في اليوم الثالث أجزأه، ويرتبه بنيته، فإن أخره عنه أو لم يبت بها فعليه دم، ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع، فإن أقام أو اتجر بعده أعاده، وإن تركه غير حائض رجع إليه، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم، وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقف غير الحائض بين الركن والباب داعيًا بما ورد، وتقف الحائض ببابه، وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبري صاحبيه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن رمي الجمار يُفعل لأمور ثلاثة، قلها.
طالب: التعبد لله جل وعلا، والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
طالب آخر: إقامة ذكر الله عز وجل.
الشيخ: إقامة ذكر الله، التعبد لله يعني: امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بذلك في قوله {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، والرمي جزء من أجزاء الحج.
الثاني: التأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الثالث: إقامة ذكر الله.
ما الذي في رمي الجمار من ذكر الله؟
طالب: أحسن الله إليك، قول: الله أكبر عند الرمي، هذا القولي، والفعلي: رمي الحصاة.
الشيخ: نفس الرمي فهو ذكر قولي وفعلي كذا؟
متى يحل للمحرم جميع محظورات الإحرام؟
طالب: إذا رمى وحلق أو قصر وطاف.
الشيخ: وطاف ثلاثة.
الطالب: نعم.
الشيخ: يحل؟
طالب: يحل.
الشيخ: من جميع المحظورات، توافقونه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، يلّا ويش تقول أنت؟
طالب: بعد طواف الإفاضة يا شيخ.
الشيخ: هو قالها، قال: رمي الجمرة والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة.
طالب: بعد خمس من المناسك المعروفات.
الشيخ: المهم، عندك زود ولّا لا؟
الطالب: عندي زود.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: رمي الجمار.
الشيخ: لا، قالها.
الطالب: نعم؟
الشيخ: أقول: ذكرها.
الطالب: الحلق والتقصير.
الشيخ: أو التقصير، الحلق أو التقصير، نعم.
الطالب: وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة.
الشيخ: والسعي بين الصفا والمروة.
الطالب: خليني بَعِدَّها من أولها يا شيخ.
الشيخ: عدها من أولها.
الطالب: رمي الجمار.
الشيخ: رمي جمرة العقبة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والثاني؟
الطالب: ذبح الهدي.
الشيخ: لا.
الطالب: ذبح الهدي يا شيخ بعد ..
الشيخ: ما هو بشرط للتحلل.
الطالب: لأني أعرفها خمسة (
…
).
الشيخ: لا، ما ضعت، لكن أنت تعرف خمسة ما هو يترتب عليها الحل.
طالب: يحل بالرمي والحلق أو التقصير.
الشيخ: الرمي والحلق أو التقصير، لا كله، التحلل كله؛ يعني التحلل الثاني.
نعم؟
طالب: الطواف.
الشيخ: قلها من أولها.
الطالب: جمرة العقبة، ثم الحلق أو التقصير.
الشيخ: الحلق أو التقصير.
الطالب: الطواف.
الشيخ: الطواف؛ طواف الإفاضة.
طالب: السعي بين الصفا والمروة.
الشيخ: السعي بين الصفا والمروة.
الطالب: إن لم يكن قد سعى.
الشيخ: لا، هو إذا سعى فقد حصل، نحتاج نقول: إن لم يكن سعى؛ لأنه إذا سعى معناه أن السعي سبق هذه الثلاثة، المهم يحصل التحلل الكامل بفعل أربعة أشياء؛ رمي جمرة العقبة، الحلق أو التقصير، الطواف بالبيت طواف الإفاضة، الرابع السعي سواء قُدِّم أو أُخِّر.
هل يمكن أن يحل التحلل كله قبل أن يبيت بمنى؟
طالب: التحلل الكامل قبل أن يبيت بمنى؛ يعني ليلة العشر.
الشيخ: ليلة العشر؟ ! لا، قبل أن يبيت بمنى ليلة إحدى عشر واثني عشر وثلاث عشر، يمكن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يمكن.
طالب: يعني يوم العاشر يوم النحر يحصل؛ يعني يمكن أن يتحلل (
…
)، هو لم يرمِ جمرة العقبة ثم الحلق أو التقصير ثم طواف الإفاضة ثم السعي ثم التحلل من كل شيء.
الشيخ: توافقونه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الحمد لله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويدعو بما ورد ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال) إلى آخره، ثم يرجع من مكة يخرج إلى منى، فيبيت بمنى ثلاث ليال الحادي عشرة والثاني عشرة والثالث عشرة، ثلاث ليال فيرمي الجمرة الأولى، وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات، ويجعلها عن يساره إلى آخره، يرمي الجمرات الثلاث، يبدأ بالأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، وهي أبعد الجمرات عن مكة.
يقول: (ويجعلها عن يساره، ويكون مستقبل القبلة) إذا جعلها عن يساره وهو مستقبل القبلة صار يرمي هكذا، وهذا ما ذهب إليه الأصحاب رحمهم الله، والصواب أنه يجعلها بين يديه مستقبلًا القبلة، فيجعلها تلقاء وجهه؛ لأن هذا هو الذي يمكن أن يتمكن به من الرمي، فإذا جعلها بينه وبين القبلة تمكن من الرمي تمامًا، وإذا قُدِّر أن الزحام كان شديدًا من الناحية هذه ولكنه ليس بشديد من الناحية الأخرى فهل يزاحم في هذه الجهة أو يذهب إلى الجهة الأخرى التي هي أقل زحامًا؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، نعم يذهب إلى الجهة الأخرى التي هي أقل زحامًا، حتى يؤدي هذه العبادة وهو مطمئن لا يؤذي ولا يتأذى، ويتأخر قليلًا، وأطلق المؤلف القلة، ولم يحددها بذراعٍ ولا غيره، لكن غيره قال: يتأخر قليلًا بحيث لا يصيبه الحصى؛ يعني: حصى الذين يرمون، ونحن نقول زيادة على هذا: ولا يتأذى بالزحام؛ لأن الوقت تغير عن ما كان عليه العلماء سابقًا، فنقول: بحيث لا يصيبه الحصى ولا يتأذى بالزحام؛ لأن الرجل سوف يقف، فإذا وقف والناس يتزاحمون شق عليهم وعلى نفسه أيضًا، فيقف.
يقول رحمه الله: (ويدعو طويلًا) يعني: يدعو دعاء طويلًا، وبماذا يدعو؟ بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، ويكون رافعًا يديه مستقبل القبلة (ثم الوسطى مثلها ثم جمرة العقبة) يرمي الوسطى مثلها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة وظاهر كلام المؤلف أنه يجعلها عن يساره ولكن الذين قالوا بأنه يرمي الجمرات عن جنب، يقول: يجعل هذه عن يمينه، والصحيح أن يقال في هذه مثل ما قيل في الأولى أنه يجعلها بين يديه، مستقبل القبلة ما لم يكن الزحام شديدًا فيرمي من الجهة التي تيسرت.
يقول: (ثم الوسطى مثلها)، وبعد أن يرمي الوسطى يتأخر قليلًا؛ يعني: يتقدم بحيث لا يصيبه الحصى ولا يتأذى بالزحام، فيقف فيدعو الله تعالى دعاء طويلًا حسب ما يتيسر، ثم يرمي جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، كما سبق في رميها يوم العيد، يجعلها عن يمينه، وتكون الكعبة أمامه.
لكنه سبق أن هذا ليس بصواب، وأن الصواب أن يجعلها تلقاء وجهه، وأن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره، هكذا وقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (19)، وهذا هو المناسب؛ لأنه في ذلك الوقت كانت الجمرة على أسفل الجبل جمرة العقبة والوادي من تحت، وإذا جعلها تلقاء وجهه صارت منى عن يمينه والكعبة عن يساره، وهذه نقول فيها ما قلنا في الجمرتين السابقتين، إذا قدرنا أن هذه الجهة فيها زحام شديد وأنك لو أتيتها من جهة القبلة صار أخف فاتبع الأخف والأيسر؛ لئلا تتأذى وتؤذي.
قال: (ويستبطن الوادي) يعني يأتيها من بطن الوادي، ولا يأتيها من فوق الجبل؛ لأن رميها من فوق الجبل فيه صعوبة؛ لأنه سيقف على حافة الجبل وتكون الجمرة تحته، وفيه صعوبة، ثم إنه لا يخشى أن يسقط، فيحصل بذلك ضرر أو تلف.
(ويستبطن الوادي ولا يقف عندها) بل إذا رماها انصرف، قال بعض العلماء: لأن المكان ضيق، فلو وقف لحصل منه تضييق على الناس وتعب في نفسه. وقيل: لا يدعو؛ لأن الدعاء إنما يكون في بطن العبادة، وليس بعد العبادة، ولذلك دعا بعد الأولى ودعا بعد الوسطى، وهذه انتهى بها الرمي فلا يدعو؛ لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوفها ولا يكون بعدها، والله أعلم، والذي نعلل به دون أن يعترض معترض أن نقول: هكذا فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (20)، وحينئذ لا أحد يستطيع أن يعترض.
والعلل التي لم يُنص عليها قد تكون خفية وقد تكون ظاهرة، والخفي لا ينبغي للإنسان أن يتمحل له؛ لأنه إذا كانت العلة خفية وتمحل لها الإنسان فما أيسر أن تُنقض.
يقول: (ولا يقف عندها، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) يفعل هذا؛ أي: الرمي، على هذا الوجه في كل يوم من أيام التشريق، وأيام التشريق ثلاثة بعد العيد، وسميت أيام التشريق؛ لأن الناس يشرقون فيها اللحم؛ أي: ينشرونه إذا طلعت الشمس، فتشرق عليه الشمس وييبس ولا يعفن، فلهذا سميت أيام التشريق.
وقيل: إنها تسمى أيام التشريح أيضا؛ لأن الناس يشرحون فيها اللحم، المهم أنها (
…
).
طالب: (
…
).
الشيخ: تمام، بارك الله فيك، يفعل هذا بعد الزوال، أي بعد زوال الشمس وجوبًا، ولا يجزئه قبل الزوال، فلو رمى قبل الزوال فهو كما لو صلى الظهر قبل الزوال؛ لأن الله تبارك وتعالى حد حدودًا فلا يجوز أن نعتديها، وتحديد الرمي بالزوال ظاهر من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يترقب الزوال.
فمن حين أن تزول الشمس يرمي قبل أن يصلي الظهر، مما يدل على أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال؛ لأنه لو جاز الرمي قبل الزوال لقدمه حتى من أجل أن يصلي الظهر في أول وقتها، كالذي ينتظر بفارغ الصبر أن تزول الشمس حتى يرمي ثم يصلي الظهر، علم أنه لا يجوز قبل الزوال، هذا وجه.
الوجه الثاني أيما أيسر للأمة أن ترمي قبل الزوال في الصباح أو بعد الزوال؟
الأول؛ لأنه بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس أن يأتوا من مخيمهم إلى الجمرات، ومع شدة الحر يكون الغم مع الضيق والزحمة، فلا يمكن أن يختار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأشد ويدع الأخف فإنه ما خُيِّر بين اثنين بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (21)، فنعلم من هذا أنه لو رمى قبل الزوال صار ذلك إثمًا، ولذلك تجنبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم لعل هناك أيضًا فائدة أخرى وهي الابتلاء، ابتلاء العباد، هل يرمون مع المشقة أو يتقدمون خوف المشقة؟
وليس هذا ببعيد أن يبتلي الله عباده في مثل هذا، لذلك نقول: لا يجوز لإنسان أن يرمي الجمرات في أيام التشريق قبل الزوال، رخص بعض العلماء في اليوم الثاني عشر لمن أراد أن يتعجل أن يرمي قبل الزوال، ولكن لا ينفر من منى إلا بعد الزوال، وبعضهم أطلق جواز الرمي قبل الزوال في اليوم الثاني عشر، ولكن لا وجه لهذا إطلاقًا مع وجود السنة النبوية، ولهذا قال ابن عمر: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا (22)، فلو قال قائل: إن الله تعالى يقول: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه} [البقرة: 203]، والأيام تكون في أول النهار وآخر النهار.
فالجواب أن هذا المطلق في القرآن بينته السنة، وليس هذا أول مطلق تبينه السنة، فما دام النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الله برمي الجمرات في هذا الوقت فإنه لا يجزئ قبله.
لم يذكر المؤلف إلى متى يكون الرمي، لكن سيشير إليه قريبًا (بعد الزوال، مستقبل القبلة مرتبًا) يعني يكون حين رميه مستقبل القبلة، وأين تكون الجمرات؟ تكون العقبة عن يمينه، والأولى عن يساره، والوسطى سكت عنها المؤلف، ولكنه قال: إنها مثل الأولى، فتكون عن يساره، وغيره قال: إنها تكون عن يمينه، والصواب أن الجمرات كلها تكون بين يديه.
يقول: (مستقبل القبلة مرتبًا) يعني بادئًا بالأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، دليل هذا أنه مرتب قول النبي صلى الله عليه وسلم:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (7)، والترتيب شرط، فلو بدأ بالعقبة ثم الوسطى ثم الأولى، ما الذي يصح؟ الأولى فقط، ونقول: ارم الوسطى والعقبة، ولو بدأ بالعقبة ثم الأولى ثم الوسطى تصح الأولى والوسطى؟ ونقول: ارم العقبة؛ لأنها صارت قبل أن يجوز رميها.
فالترتيب شرط، فإن خالفه ونكس فإن كان متعمدًا فكما سمعتم لا يصح منه إلا رمي الأولى، أو الأولى والوسطى على حسب المثال، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا، جاهلًا يظن أنه لا فرق بين أن يبدأ بهذا أو هذا، أو نسي أو تاه، فهل نقول: إنه يلزمه أن يعيد الرمي مرتبًا أو يسقط؟
في هذا قولان للعلماء، ونظيرها الترتيب في الوضوء، لو خالف الترتيب ناسيًا أو جاهلًا ففيه الخلاف، فمن العلماء من يقول: يسقط؛ لأن هذا وصف في عبادة وليس عبادة، والوصف يسقط بالجهل والنسيان، فنقول: إذا أمكن أن يعيد هذا (
…
).
فأرجو أن لا يكون عليه بأس إن شاء الله.
قال رحمه الله: (فإن رماه كله في الثالث أجزأه ويرتبه بنيته) إن رماه أي الجمرات كلها في اليوم الثالث أجزأ، وظاهر كلام المؤلف أنه يجزئ ولا شيء عليه؛ بمعنى: لو أخر رمي جمرة العقبة يوم العيد ورمي الجمرات الثلاث يوم الأحد عشر ويوم اثني عشر، ورماها كلها في آخر يوم، يقول: لا بأس، يجزئ.
وفي هذا القول نظر، والصواب أنه لا يجزئ، وأنه يجب أن يرمي كل جمرة في يومها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يرمي كل يوم في وقته، ويكلف نفسه أن يمشي إلى الجمرات، وأن يقف بعد الجمرتين الأولى والثانية، وقال:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (7)، ولأنه رخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا (23)، وكلمة (رخص) تعني أن غيرهم غير مرخص لهم.
وهذا هو المتعين أنه لا يجوز أن يجمع الجمرات في آخر يوم إلا إذا كان هناك حاجة، الحاجة مثل أن يكون الإنسان مريضًا لا يستطيع أن يتردد كل يوم إلى الجمرات، أو يكون بعيدًا عن الجمرات يشق عليه التردد مثل أن يكون في آخر منى من الناحية الشرقية، فهذا يشق عليه أن يتردد، وربما يكون أبعد من هذا فنقول، إذا كان هناك سبب يقتضي أن يؤخر فلا بأس، وأما بدون سبب فلا وجه لهذا القول إطلاقًا.
وسبحان الله، النبي صلى الله عليه وسلم يأتي كل يوم ويرمي الجمرات، ونقول: لا بأس أن تجمع، هذا بعيد من الصواب، ولكن إذا جمع إما مطلقًا -على ما يفيده كلام المؤلف- وإما لعذر.
يقول المؤلف: (يرتبه بنيته) يرتبه: أي يرتب الرمي بنيته، فيرمي الثلاث أولًا عن اليوم الحادي عشر، ثم يعود ويرميها عن الثاني عشر، ثم يعود ويرميها عن الثالث عشر، ولا بد؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، فلا بد أن يأتي بعبادة اليوم الأول قبل عبادة اليوم الثاني، ولا يجوز أن يجمع رمي الأيام الثلاثة في موقف واحد، فيرمي مثلًا الأولى بإحدى وعشرين حصاة عن ثلاثة أيام، والوسطى كذلك، والأخيرة كذلك، هذا لا يجوز؛ لأنه الآن دخل العبادات بعضها ببعض، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعلها كل يوم على حدة.
فإن قال قائل: ألستم تجيزون لمن ناب عن غيره في الرمي أن يرمي عن نفسه وعن موكله في مكان واحد؟
فالجواب: المسألة فيها خلاف، ما هي إجماعية، فمن العلماء من قال: إذا وُكِّل الإنسان في الرمي فلا بد أن يرمي أولًا عن نفسه الثلاث، ثم يعود فيرمي عن موكله، وإذا كان الذي وكله خمسة أو ستة يعود بعدد الموكلين؛ لأنها عبادة لا يمكن يتداخل بعضها ببعض.
ولكن من تأمل كون الصحابة رضي الله عنهم يرمون عن النساء وعن الصبيان فإن ظاهر الحال أنهم يرمون في موقف واحد، وإلا لقالوا فيرمي أحدنا عن نفسه ثم يعود فيرمي عن من توكل عنه، فنقول: لولا ظاهر فعل الصحابة لكان القول بأنه لا بد أن يرمي الثلاث أولا عن نفسه ثم عن موكله هو الصواب، لكن ما دام هذا ظاهر فعل الصحابة، ثم الحال تقتضي ذلك في الوقت الحاضر -هذا الزحام الشديد- كيف نلزم عباد الله بشيء لم يتبين فيه الدليل ظاهرًا؟ وهذه قاعدة ينبغي أن يبني الإنسان عليها كل شيء لا يكون فيه الدليل ظاهرًا، فلا تلزم به الناس مع المشقة؛ لأن الأصل براءة الذمة وعدم التكليف.
وما دام ليس هناك دليل ظني جدًّا أو قطعي فإن الأولى أن لا تلزم العباد، نعم، لو كان الناس مثل الأول كان في الأول ما تجد عند الجمرة إلا عشرة، عشرين فقط، هذا ربما يُقال: الاحتياط أولى، لكن الآن كما تشاهدون المسألة صعبة جدًّا، فلا يجسر للإنسان أن يلزم عباد الله بأمر فيه احتمال.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، التوكيل في الرمي أليس ظاهر حال الصحابة أنهم يتوكلون للحاجة لا للضرورة، يعني النساء والصبيان بالذات، يمكن يأتي الصبي فيرمي.
الشيخ: لا، قد يقال مثلًا إن الصبيان الذي لا يمكن، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله إذا أراد أن يرمي عن الصبي فالأفضل أن يجعلها في يد الصبي ثم يأخذها ويرمي عنه؛ يعني: يحملونهم معهم.
طالب: على هذا يا شيخ ضابط التوكيل؟
الشيخ: التوكيل نرى أنه بالوقت الحاضر الإنسان الذي لا بد أن يرمي في الزحام، فالمرأة توكل، ومن شاهد الواقع لا يستريب في جواز التوكيل، ولولا أن الصحابة توكلوا عن صغارهم ونسائهم لولا هذا لقلنا: إنه يسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات، وكما قال به بعض المتأخرين؛ لأنه مع العجز عنه أو خوف التلف يسقط، لكن الصواب أنه لا يسقط ما دام جرى التوكيل أو الوكالة من الصحابة، فهم خير من يُقتدى بهم.
وأما تساهل الإنسان في التوكيل فغلط؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرخص للضعفاء أن يوكلوا بل أمرهم أن يتقدموا في الدفع من مزدلفة ليرموا قبل الزحام (24)، وأيضًا لم يأذن للرعاة أن يوكلوا، ويقول: وكلوا من تريدون وتبقون في مرعاكم.
طالب: لو مرض في اليوم الأول أو الثاني وهو يرجو البرء هل يوكل أم ينتظر؟
الشيخ: لا، ينتظر من مرض في أول أيام التشريق وهو يرجو أن يبرأ كزكام يسير وما أشبه ذلك فالأفضل أن ينتظر ويرمي الجمرات بعد ذلك.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة لمن له عذر في تأخير رمي الجمار إلى آخر يوم الدليل -بارك الله فيك- هو رخصة النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة أن يرموا يومًا ويؤخروا يومًا، لكن يا شيخ -بارك الله فيك- الدليل أليس هو أخص من المدلول؛ لأنهم يرمون يومًا ويتركون يومًا، لكن إحنا قلنا: إنه يرمي آخر يوم، النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يرموا يومًا ..
الشيخ: نعم، هذا يكون أصلًا في جواز التأخير، وإذا كان الإنسان يتكلف أن يأتي في اليوم الثاني عشر ثم يأتي في الثالث عشر قد يتكلف.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، من شك في جواز التوكيل في الرمي يا شيخ، كيف نجيز التوكيل في الحج كله من أوله إلى آخره ونمنع الضعيف اللي ما يستطيع؟
الشيخ: هل يجوز أن يتوكل الإنسان في الحج كله؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟
طالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمرأة لما سألت وقالت: إن أبي لا يستطيع (25) ..
ويُرَتِّبُه بنِيَّتِهِ، فإن أَخَّرَه عنه أو لم يَبِتْ بها فعليه دَمٌ، ومَن تَعَجَّلَ في يومينِ خَرَجَ قبلَ الغُروبِ، وإلا لَزِمَه الْمَبيتُ والرَّمْيُ من الْغَدِ، فإذا أرادَ الخروجَ من مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حتى يَطوفَ للوداعِ، فإن أَقامَ أو اتَّجَرَ بعدَه أَعادَه، وإن تَرَكَه غيرُ حائضٍ رَجَعَ إليه فإن شَقَّ أو لم يَرْجِعْ فعليه دَمٌ، وإن أَخَّرَ طَوافَ الزيارةِ فطَافَه عندَ الخروجِ أَجْزَأَ عن الوَداعِ، ويَقِفُ غيرُ الحائضِ بينَ الركْنِ والبابِ داعيًا بما وَرَدَ، وتَقِفُ الحائضُ ببابِه وتَدْعُو بالدعاءِ، وتُسْتَحَبُّ زِيارةُ قَبْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ.
و(صِفَةُ العُمرةِ) أن يُحْرِمَ بها من الْمِيقاتِ أو من أَدْنَى الْحِلِّ من مَكِّيٍّ ونَحوِه لا من الْحَرَمِ، فإذا طافَ وسَعَى وقَصَّرَ حَلَّ، وتُباحُ كلَّ وقتٍ وتُجزئُ عن الفَرْضِ.
و(أركانُ الْحَجِّ): الإحرامُ، والوُقوفُ، وطَوافُ الزيارةِ، والسعيُ.
و(وَاجِبَاتُه): الإحرامُ من الْمِيقاتِ الْمُعْتَبَرِ له،
طالب: الدليل، بارك الله الله فيك، هو رخصة النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة ليرموا يومًا ويؤخروا يومًا، الحديث، بارك الله فيك، الدليل ليس هو (
…
) يوم لكن إحنا قلنا (
…
).
الشيخ: هل يكون الأصل في جواز التأخير؟ وإذا كان الإنسان يتكلف أن يأتي في اليوم الثاني عشر، ثم يأتي في الثالث عشر قد يتكلف.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، من شك في جواز التوكيل في الرمي يا شيخ، كيف نجيز التوكيل (
…
) كله من أوله لآخره ونمنع الناس الضعيفة اللي ما يستطيع؟
الشيخ: طيب، هل يجوز أن يتوكل الإنسان في الحج كله؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمرأة لما سألته قالت: إن أبي لا يستطيع الثبوت على الراحلة.
الشيخ: طيب صحيح.
الطالب: ولكن ..
الشيخ: الجواب: لأنه لما شرع في الحج صار فرضًا عليه، تعين أنه يقوم به كما قال عز وجل:{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197]، وقال:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أيهما أفضل للضعفاء أن يوكلوا بكل يوم يعني أم يُجمعوا في آخر اليوم الثاني إذا كانوا يتأخرون؟
الشيخ: أجبنا عنه، أجبنا عن هذا؟ أجبنا.
طالب: سؤالي ما تم يا شيخ.
الشيخ: إي، يتم إن شاء الله.
قلنا: الأفضل أن يؤخر، وهذا سأله الأخ، قال: مثلًا إنسان مريض يرجو أن يشفى في آخر أيام التشريق فهل يُوكِّل أو ينتظر؟ نقول: ينتظر، كمِّل؟
الطالب: عفا الله عنك يا شيخ، من الأول اللي يشق على الناس (
…
) الجمرات، ما هو الزحام، الأول الزحام ما فيه زحام، لكن ها الحين القوي على خطر ما الضعيف؟ !
الشيخ: إي نعم، صحيح.
الطالب: (
…
) ها الحين بعض الضعفاء (
…
) اللي تتبعها الروعة، الروعة تمزع قلبها وهي (
…
) يا شيخ المرة، كيف بنلزمها وهي (
…
)؟
الشيخ: لا، (
…
) فأنا من الحين أقولك: أبدًا لها رخصة.
الطالب: اللي يدل على كلامي أنا الشيء الواقع.
الشيخ: إحنا على الواقع وإلا ما نطيعك، ولهذا أفتينا في يوم اثني عشر اللي بيتعجلون لازم يرمون بعد زوال قلنا: لا، رجعناهم، رجعنا الحريم من أثناء الطريق، قلنا: رجعوهن وتوكلوا عنهن في يوم اثني عشر، لكن غير يوم اثني عشر الحمد لله الليل كله محل للرمي.
طالب: (
…
) جمعوا جمرات في يوم واحد بلا سبب، ماذا عليه؟
الشيخ: إي، هو إذا كان مقلدًا لمن أفتاه بذلك فلا حرج عليه، إحنا من قاعدتنا أن كل إنسان يعمل ما نراه خطأ بناءً على فتوى، ما عليه؛ لأنه فعل ما يجب عليه:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
الطالب: إذا كان عن جهل؟
الشيخ: عن جهل إن شاء الله ما نرى عليه شيئًا، هذا من جنس الترتيل، اختلاف الترتيل.
طالب: أحسن الله إليك، من رمى في آخر أيام من شهر ذي الحجة يعتقد أن شهر ذي الحجة كله أيام الرمي، وإنما الرمي في أيام التشريق على الاستحباب، جاهل؟
الشيخ: لا، هذا كالتارك.
الطالب: عليه دم؟
الشيخ: عليه دم، نعم.
طالب: إذا أراد شخص يجوز له التوكيل أن يوكل لكن إن وكل شخصًا لم يعقد الإحرام أصلًا يروح له؟
الشيخ: هذه منعها العلماء، فقهاؤنا رحمهم الله منعوها، قالوا: لا بد أن يكون الوكيل قد حج هذا العام حتى لو تحلل ما فيه مشكلة.
الطالب: لو وقع الاجتهاد (
…
)؟
الشيخ: أُفتي بأنه جائز؟
الطالب: لا، لو استفتى فيما بعد يعني بعد ..
الشيخ: والله أرى أنه كأن لم يكن.
الطالب: (
…
)؟
الشيخ: والله حسب الخلاف في هذه المسألة، يجي واحد يخلي العامل ارمِ عني، ولا أحرم بالحج ولا شيء.
يقول رحمه الله: (ويُرتِّبه بنيته) معنى يرتبه بنيته أنه يبدأ بالأول، ثم الوسطى، ثم العقبة عن اليوم الأول، ثم يعود مُرتِّبًا هكذا عن اليوم الثاني، ثم يعود مُرتِّبًا هكذا عن اليوم الثالث.
(فإن أخَّره عنه) أي عن اليوم الثالث.
(أو لم يبت بها فعليه دم) إن أخَّر الرمي عن اليوم الثالث فكمن لم يرمِ، أي: فعليه دم؛ لأنه ترك واجبًا من واجبات الحج فيلزمه دم.
(أو لم يبت بها) بأيش؟
الطلبة: بمنى.
الشيخ: بمنى، والباء هنا بمعنى في، يعني لم يبت في منى، فعليه دم؛ لأنه ترك واجبًا.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله كما سيأتي إن شاء الله في المبِيت في منى.
فمنهم من قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه سُنَّة، ومنهم من قال: إنه واجب يأثم به، ولا يجب به دم، ومنهم من قال: إنه يجب به دم، ومنهم من قال: يجب الدم بترك ليلة واحدة، ومنهم من يقول: لا يجب بالليلة الواحدة شيء، ومنهم من يقول: يجب بالليلة الواحدة درهم أو إطعام مسكين، ولا يجب الدم إلا بترك الليلتين.
فالمسألة هذه فيها خلاف طويل عريض، لكن ظاهر كلام المؤلف:(أو لم يبت بها) أنه إذا لم يبت بها ليلة واحدة فعليه دم، وهذا هو المذهب، لكنه ضعيف. ونص الإمام أحمد فيمن ترك ليلة واحدة قال: يتصدق بشيء. يعني بما يسمى صدقة، والصدقة تطفئ الخطيئة قليلها وكثيرها، ونسمع أن بعض الناس إذا استفتاهم مستفتٍ وقال: تركت ليلة من الليالي، يقول: عليك دم وهو معذور إذا كان مقلدًا لكن مثل هذه المسائل التي فيها غرم وإلزام للناس ببذل المال ينبغي للإنسان أن يتحرى فيها كثيرًا وألا يتسرع.
فالإنسان يقول: إذا ترك الليالي الواجب مبيتها في منى فالقول بأن عليه دمًا قول مبني على أساس صحيح، وهو أنه ترك واجبًا، لكن إذا ترك واحدة ليلة واحدة نقول: عليك دم؟ ! هذا فيه نظر، والصواب أنه لا يجب عليه دم إن تصدق بشيء؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة، فهذا حسن، وإن لم يفعل فلا شيء عليه.
كذلك في مسألة الجمرات يقول بعض العلماء: إذا ترك جمرة من آخر الجمرات، إذا ترك يعني حصاة من آخر الجمرات فعليه أن يتصدق يُطعم مسكينًا واثنتين؟ مسكينًا، ثلاثًا؟ دم، مع أن الصحابة رضي الله عنهم إذا رموا الجمرات جاء بعضهم يقول: رميت بالست وبعضهم يقول: بخمس، فلا يرون النقص عن السبع إلى الخمس لا يرون فيه بأسًا، فهذه الأمور أنا لا أدعو إلى أن يُفتي الناس بما يوجب التهاون، لكن أيضًا لا أرى أن يفتي الناس بما لا يلزمنا.
(أو لم يبت بها فعليه دم) فما هو الدم؟ سبق في كلام المؤلف هو؟
الطلبة: شاة.
الشيخ: أو؟
الطلبة: أو سُبع بدنة.
الشيخ: أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة.
(فعليه دم، ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) أي غروب اليوم الثاني، (وإلا) يعني وإلا يخرج، (لزمه المبيت والرمي من الغد).
قوله: (ومن تعجَّل في يومين) أتى بلفظ الآية ونِعْم ما صنع؛ لأنه متى أمكن للإنسان أن يأتي بلفظ الدليل فهو أولى لأن يجمع بين المسألة ودليلها.
مثل قول الماتن رحمه الله: (وإذا أُقِيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) هذا لفظ المتن، وهو أيضًا لفظ الحديث، فمتى أمكنك أن تأتي بالألفاظ الشرعية فهو خير وأسلم لذمتك، ويفهم الناس منها ما يفهمون من الدليل، ما هو من كلامك.
فالمؤلف قال: (من تعجل في يومين) يعني فلا إثم عليه. ولكن ما المراد باليومين؟ عند العوام المراد باليومين: العيد والحادي عشر، واللي يحب أن يرجع إلى أهله يفتي نفسه بهذا، يقول: لأني جلست في منى يومًا، وهو العيد، ويومًا ثانيًا، إذن تعجل في يومين، والله عز وجل لم يقل: ومن تأخر في يومين. قال: {مَنْ تَأَخَّرَ} . إحنا (
…
) التأخر بيومين والتقدم التعجل بيومين لكن هذا فهم مَنْ؟ فهم الجاهل العامي، والله عز وجل يقول:{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ} يعني في هذه الأيام. {مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]، والأيام المعدودات هي أيام التشريق؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (1).
فإذا كانت الأيام المعدودات أيام التشريق، فمتى يكون التعجل في يومين؟ في أي اليومين؟ في الثاني عشر، ولاحظوا أن الآية لا تدل على أنه يتعجل في اليوم الأول؛ لأنه قال:{مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} ولو تعجل في اليوم الأول لكان تعجل في يوم فلا بد يعني أن يتأخر إلى اليوم الثاني، أقول: لا يقول قائل: إن في للظرفية، والله تبارك وتعالى جعل اليومين ظرفًا، والظرف يستوي أوله وآخره، نقول: لا، إن الله قال: في يومين، فلو تعجَّل في اليوم الأول لكان تعجل في يوم.
(في) للظرفية فلا بد أن يكون التعجل قبل غروب الشمس؛ لأنها لو غابت الشمس لم يكن تعجل في يومين إذ إن اليومين انقضيا.
يقول: (فَمن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) أي قبل غروب الشمس، خرج منين؟ من مِنى، وإذا خرج قبل غروب الشمس فقد تعجل، فلو رجع بعد ذلك إلى منى هل يلزمه أن يبيت ويرمي من الغد؟ نقول: ما دام الرجل نوى إنهاء العبادة، وأنه متعجل فإذا رجع فلا بأس لكن ما رأيكم لو تحيل لما رمى جمرة العقبة عند غروب الشمس وهو أمير على حملة مثلًا، رمى جمرة العقبة وقال: نويتُ التعجل، خطى خطوة مع أنه ما يحتاج إلى خطى؛ لأن جمرة العقبة ليست من منى، ثم رجع وجلس مع أصحابه، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟
الإنسان يتردد في هذا؛ يعني تحتاج إلى تأمل، هل نقول: إن الله أطلق، وأنه لو رجع فقد تعجل؟ أو نقول: إن الله أراد عز وجل أن ينهي المكث في منى، وهذا الرجل خطا هذه الخطوة من أجل ألا يلزم نفسه بالمكث والرمي من الغد؟
فنقول لمن كان يريد أن يبقى مع الحملة إلى اليوم الثالث عشر نقول: لا تحرم نفسك؛ لأن التأخر أفضل، فلا تتحيل على التعجل، ولا تحرم نفسك من الخير فإنك إذا بقيت في مِنى بعد أن نويت التعجل تبقى بلا عبادة أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وإن نويتَ التأخر بقيت بعبادة فتحرم نفسك.
يقول رحمه الله: (خرج قبل الغروب وإلا لزمه)(وإلا) يعني وإلا يخرج قبل الغروب. (لزمه) وظاهر كلامه رحمه الله أنه إذا تأخر عن الغروب ولو لمشقة الخروج قبل الغروب فإنه يلزمه المبيت، مثال ذلك: رجل هدم خيمته، وحمَّل متاعه، أو حمله على رأسه ونزل، يريد أن يرمي ويمشي، ولكن حبسه حابس، حبسه المسير، تزاحُم السيارات، أو تزاحم الناس عند الجمرات فعجز أن يرمي قبل الغروب، وقدر على الرمي بعد الغروب فهل نقول: يرمي ويستمر؟ أو نقول: يبقى؟ ظاهر كلام المؤلف أنه يبقى؛ لأنه أطلق. والصواب أنه لا يلزمه البقاء؛ لأن الرجل تعجل وحُبِس عن الخروج من منى بغير اختياره فنقول: توكل على الله، يمشي.
وقد صرح بذلك علماء الحنفية رحمهم الله وقالوا: إن ليلة الثالث عشر تابعة لليوم فيكون الحج للتعجُّل ما هو؟ طلوع الفجر، ويكون ما دام الليل باقيًا فله أن يتعجل؛ لأن اليوم تابع للنهار، كما أتبعتم ليلة الثاني عشر بل ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر لليوم الذي قبله، وكما أتبعت السنة ليلة العيد في يوم عرفة لليوم التاسع لكن جمهور العلماء يحددون ذلك بالغروب ويقولون: إن الليلة لليوم الذي بعدها ما لم يكن دليل واضح أنها تابعة لما قبلها.
قال: (والرمي من الغد) ومتى يكون الرمي من الغد؟ بعد الزوال يكون الرمي من الغد بعد الزوال فيرمي، وينهي الحج.
(فإذا أراد الخروج من مكة) يعني بعد انتهاء النسك كله.
(إذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع).
قوله: (لم يخرج) يعني تحريمًا ولَّا كراهة؟ تحريمًا لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض (2). فقوله: إلا أنه خفف عن الحائض. يدل على الوجوب على غيرها؛ لأنه لو كان غير واجب على غيرها لكان خفيفًا على كل الناس؛ لأن ما لا يجب ليس الإنسان ملزمًا به؛ فله تركه. فالصواب أن طواف الوداع واجب.
وقد عكس بعض الأئمة رحمهم الله فقال: طواف الوداع سنة، وطواف القدوم واجب مع أن السنة تدل على العكس بدليل حديث عروة بن المضرس (3) أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: هل طفت للقدوم؟
(لم يخرج حتى يطوف للوداع) نشوف المؤلف.
يُستثنى من ذلك: الحائض؛ فإنها لا تطوف للوداع، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أُخبر أن صفية قد طافت طواف الإفاضة قال:«انْفِرُوا» (4)، فأسقط عنها طواف الوداع، ويدل لهذا أيضًا حديث ابن عباس: إلا أنه خُفِّف عن الحائض (5). ولأن طواف الوداع ليس من النسك بل هو تابع له، فسقط بتعذره شرعًا بخلاف طواف الإفاضة، طواف الإفاضة لا يمكن أن يسقط عن الحائض والنفساء.
فإن قال قائل: هل تجعلون العجز الحسي كالعجز الشرعي؟ يعني لو كان الإنسان مريضًا لا يستطيع أن يطوف لا بنفسه ولا بغيره هل يسقط عنه طواف الوداع؟
فالجواب: لا؛ لأن إحدى أمهات المؤمنين استأذنت من النبي صلى الله عليه وسلم أن تدع طواف الوداع لكونها مريضة، قال لها:«طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» (6). فهذا المريض نقول له: الأمر مُيسَّر ولله الحمد، فيه عربيات الآن (
…
) يركبها ويطوف، وفيه شيء يُحمل على الأكتاف ويطوف.
إذن لا يسقط طواف الوداع إلا عن الحائض والنفساء فقط.
يقول رحمه الله: (حتى يطوف الوداع فإن أقام أو اتجر بعده أعاده) إن أقام بعد طواف الوداع ولو يسيرًا وجبت عليه إعادته؛ لأنه لا يصدق عليه أنه آخر أموره إلا أنه يُستثنى من ذلك إذا أقام لعجزه عن السفر؛ بمعنى أنه ودَّع وركب السيارة لكن لم يتيسر له السير لشدة الزحام فلا حرج، أو لما انتهى من الطواف أذَّن للصلاة فأقام ليصلي فلا بأس؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لما طاف للوداع صلى الفجر، ثم سار متجهًا إلى المدينة (7).
كذلك لو أقام لانتظار رُفقة، يعني تواعدوا أن يذهبوا للوداع، ثم يحضروا إلى مقر إقامتهم ليمشوا، لكن اختلفوا، لما طافوا للوداع بعضهم وبعضهم ما حضر، فهنا نقول: لا بأس أن يُقيم الحاضرون لانتظار رفقتهم؛ لأننا لو قلنا: إن هؤلاء يلزمهم أن يعيدوا الطواف لما انتظروا الرفقة وبقوا ساعة، ساعتين فذهبوا يطوفون، انتظرهم آخرون الذين حضروا، وإذا طال الوقت نقول: روحوا أعيدوا الطواف، وهكذا فتكون سلسلة.
فالمهم أن وجه عدم وجوب الإعادة في طواف الوداع لانتظار الرفقة هو أنه لو ألزمناهم بإعادة طواف الوداع لصار تسلسلًا ودورًا.
لو أقام لشد الرحل يعني هو راح يطوف أولًا وقال: إذا رجعت حمَّلت المتاع يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، ولا تلزمه الإعادة؛ لأن تحميل المتاع من لوازم السفر فهو كالذي سافر، لو أنه حين جاء حضر وجد السيارة فيها خلل، فبقي يُصلح السيارة، ولم يرد الإقامة المطلقة، وإنما أقام من أجل إصلاح السيارة، السيارة بقيت في الورشة يوم أو يومين يعيد أو لا يعيد؟ لا يعيد؛ لأنه حُبِس عن مواصلة السفر بغير اختياره.
لو اشترى حاجة في طريقه للسفر أو هدية للأولاد أو ما أشبه ذلك.
يقول المؤلف: (أو اتجر بعده أعاده) يعني اشترى شيئًا للتجارة فإنه يُعيد، وعُلم من كلامه أنه لو اشترى شيئًا لحاجته له سواء في سفره أو في بلده فلا حرج عليه.
طالب: (
…
) لو توكل عن غيره في الحج، ثم تأخر حتى فاته التمتع، تأخر في الإحرام، تأخر حتى فاته التمتع، فهل نقول يا شيخ: إنه يجب عليه أن يقرن هنا، أو نقول: لو أنه حج مفردًا لكان قد أدى ما عليه؟
الشيخ: لا، نقول: إذا كان قد استأذن من صاحبه فعلى حسب استئذانه، وإن كان لم يستئذن فالعُرف عندنا أن من وُكِّل في حج فإنما يريد الموكِّل أن يتمتع والعامة عندنا لا تعرف سوى هذا.
الطالب: لو استأذن بعد الرجوع يا شيخ يعني بعد العودة؟
الشيخ: يعني بمعنى أنه ضاق الوقت وأفرد؟ لا حرج ما دام أذِن.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، طواف الوداع هل هو تابع للنسك أم أنه يجب على كل أحد؟ ولو مثلًا واحد خرج إلى جدة، ثم وجد الطيارة فاتت طيارته، رجع إلى مكة وبقي فيها يومًا، ثم رجع مرة أخرى.
الشيخ: طواف الوداع لا يجب إلا على من أتى بالنسك، وأما من لم يأتِ بالنسك فلا وداع عليه، فهو تابع للنسك وليس منه.
الطالب: في مكة يا شيخ لو أتى بعمرة .. ؟
الشيخ: يعني مثلًا افرض إنسان قدم مكة لحاجة، شراء سيارة، أو زيارة قريب، أو عيادة مريض، أو ما أشبه ذلك، ثم خرج فليس عليه وداع.
الطالب: (
…
) مكة لو واحد مثلًا أتى بعمرة، ثم بقي معانا سنة، ثم أراد الخروج؟
الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه لا يلزمه الوداع؛ لأن سكنه مكة، والخروج هذا خروج طارئ، فلا يلزمه الوداع.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، من تعجل في اليوم الثاني وكان بقي عليه النحر فهل له أن يرجع اليوم الثالث عشر ليذبح هذا النحر، الهدي هذا؟
الشيخ: لا حرج؛ يعني لو تعجَّل قبل أن ينحر، ونزل إلى مكة، ثم أراد أن ينحر في منى فلا بأس، لكن يمكن ينحر بمكة، قد يكون نحره بمكة أحسن؛ لأنه سيجد فقراء يأخذون اللحم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يصح أن يطوف المرء للإفاضة مرتين للحاجة؟
الشيخ: للحاجة؟ ويش الحاجة؟
الطالب: مثلًا كان معه زوجته، رأى لها أن تطوف هي طوافًا تجمع الوداع مع الإفاضة، وطاف لوحده، ثم بعد أن رجع المخيم فقالت: أود أن أطوف الإفاضة، فذهب بها مرة ثانية؟
الشيخ: ما يكون طواف إفاضة في حقه، يكون طواف تطوع.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الحجاج عندهم حكاية، يقولون: من مات في أيام الحج في الحج فهو شهيد؟
الشيخ: من أين أخذوا هذا؟
الطالب: ما أدري من أين أخذوه لكن عندهم من مات في أيام الحج في الحج فهو شهيد، فبعضهم يعدونها طلبًا للشهادة؟
الشيخ: لعلهم أخذوا هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، قال لعائشة:«عَلَيْكُنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ» (8).
الطالب: ما أدري هذا من أين أخذوه يا شيخ؟
الشيخ: هذه ربما نقول: إنه لو مات في الزحمة على المشاعر يُرجى أن يكون شهيدًا، أما إذا مات ميتة طبيعية، ما يكون شهيدًا.
طالب: أحسن الله إليك، السؤال يترتب على هذه النية أنهم لا يتفادون الزحام مع بعضهم بعضًا وما يتفادون الزحام.
الشيخ: صحيح، أنا سمعت هذا، سمعت أن بعضهم يدخل نفسه في الزحام يقول: لعله يموت، نعم، لا، إذا فعل هذا فقد قتل نفسه يكون هو السبب.
الطالب: هل يجب على نيته شيء يا شيخ؟
الشيخ: لا، بلِّغه، علمه، إذا شفت واحدًا على هذا علِّمه، لازم.
طالب: يا شيخ، رضي الله عنك؛ بعض الحملات إذا رموا يوم الثاني عشر يريدون يخف عنهم الزحام في المطاف، يرجعون إلى مزدلفة يبقون فيها وبعضهم يقول: لماذا لم نبقَ في المخيم في منى بعد النوم؟ هم خرجوا ورجعوا إلى منى، يجلسون من بعد المغرب إلى مثلًا الساعة عشرة، اثنتي عشرة بالليل؟
الشيخ: ذكرناها، ألم نذكرها؟ ذكرناها، إذا تعجل الإنسان فلا حرج أن يرجع إلى منى أو مزدلفة.
طالب: قوله تعالى: {لِمَنِ اتَّقَى} في الآية متعلق بأي شيء؟
الشيخ: {مَنْ تَأَخَّرَ} .
الطالب: أو تأخر؟
الشيخ: نعم، يعني كأنهم -والله أعلم فيما سبق- يتأخرون لأشياء أخرى إما افتخارًا أو ذكرًا لأمجاد آبائهم أو ما أشبه ذلك فقال:{لِمَنِ اتَّقَى} يعني فمن تأخر تقوى لله عز وجل فلا إثم عليه، ومن تأخر لغير ذلك فعليه الإثم بحسبه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة للي ما ودع البيت وأراد أن يخرج لكنه متعَب، وأراد أن ينام شوي ويستريح ثم (
…
) في آخر مكة.
الشيخ: ما يخالف، ينام شوي، ثم إذا استيقظ يُعيد الطواف.
الطالب: (
…
)؟
الشيخ: لا، قال: لا تطوف أصلًا ما دام أنك متعب تستريح، ثم تطوف.
الطالب: (
…
).
الشيخ: لا بد من النوم (
…
)
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب صفة الحج والعمرة من كتاب المناسك:
وإن تركه رجع إليه، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم، وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقف غير الحائض بين الركن والباب داعيًا بما ورد، وتقف الحائض ببابه وتدعو بالدعاء، وتُستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، وصفة العمرة أن يُحرم بها من الميقات، أو من أدنى الحِل من مكي ونحوه لا من الحرم، فإذا طاف وسعى وقصَّر حل، وتُباح كل وقت، وتُجزئ عن الفرض.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما الذي يفيده كلام المؤلف في حكم المبيت في منى ليالي أيام التشريق؟
طالب: يفيد أنه واجب.
الشيخ: كيف عرفت ذلك؟
الطالب: من قول المصنف: (أو لم يبت فيها فعليه دم).
الشيخ: من إيجاب الدم على من لم يمكث، ولا يجب الدم إلا لترك واجب.
ما هو الدليل على وجوب المبيت في منى ليالي أيام التشريق؟
طالب: (
…
) النبي صلى الله عليه وسلم (
…
)
الشيخ: فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
لو قال قائل: مجرد الفعل لا يدل على الوجوب؟
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (9)
الشيخ: وهذا أيضًا؛ لأنه لم ينص على الليالي بعينها.
طالب: أنه رخَّص للرعاة أن يتركوا المدينة، والترخيص يدل على أن المقابل عزيمة.
الشيخ: نعم، صحيح، أنه رخَّص للرعاة، ورخَّص لعمه العباس أن يبيت في مكة من أجل السقاية.
هل يسقط المبيت في منى عن الجنود الذين يدبرون الناس في المرور وللإطفاء وما أشبه ذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: يسقط؟
الطالب: نعم، كالرعاة والسقاة.
الشيخ: كالرعاة والسقاة. صحيح؛ لأنهم يشتغلون لمصالح الحجاج، وكذلك الأطباء والممرضون؛ لأنهم يشتغلون لمصالح الحجاج.
وهل يُعذَر بذلك من كان عذره خاصًّا كمريض احتاج إلى أن يبيت في المستشفى؟
طالب: يُعذر.
الشيخ: يُعذر، نعم، هذا هو القول الراجح، وقال بعض العلماء: لا يُعذر، لكن الصواب أنه إذا سُهِّل لهؤلاء أن يبيتوا خارج منى فكذلك من لا يتمكن من المبيت في منى لعُذْر خاص به.
لو امتلأت منى ولم يوجد بها مكان، أيش تقول؟
طالب: إي نعم، يجوز يعني ..
الشيخ: ويش يجوز؟ يجوز تمتلئ ويجوز ما تمتلئ؟
الطالب: أما إذا امتلأ يعني (
…
) أي مكان وجده.
الشيخ: يعني يسقط المبيت، أو نقول: يجب أن يبيت الناس عند آخر خيمة حتى يكون مظهر الحجيج واحدًا؟
الطالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، وأما ما يفعله بعض الناس الآن من أنهم إذا لم يجدوا مكانًا في منى نزلوا إلى مكة، وباتوا بها، فهذا وإن كان له وجه من حيث إنه لما زال مكان الواجب سقط كما لو قُطعت اليد فإنه يسقط فرض غسلها، لكن الأوْجَه منه أن يُقال: إن الواجب أن يضربوا خيامهم عند آخر خيمة ولو في مزدلفة، أو من جهة جمرة العقبة مما يلي مكة، إن هذا أيضًا يكون الحجيج مظهرهم واحدًا، ونظير ذلك ما إذا امتلأ المسجد بالجماعة فإنهم يصلون خارج المسجد لكن بصفوف متصلة.
طواف الوداع سُنَّة؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب؟ ما الدليل؟
الطالب: حديث ابن عباس: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أنَّهُ خُفِّفَ عن الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ (5).
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: خُفِّف يدل على أن غيرها أشد.
الشيخ: نعم، لما خُفِّف عن الحائض دل أنه على غيرها مشدد لا يرخص فيه، وأيضًا حديث أم سلمة لما قالت: إنها مريضة قال: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» (6).
لو قال قائل: إنه لا يجب مبيت في مزدلفة، ولا في منى، ولا رمي جمرات، ولا طواف ولا سعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعروة بن المضرس:«مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا هَذِهِ» . أو قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (10). لو استدل واحد بهذا الحديث على سقوط ما بعد عرفة؟
طالب: نقول: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» أن التمام قد يكون ركن، وقد يكون تمام الشيء ركنًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون سنة (
…
).
الشيخ: لا، هذا لا بأس لكن ما يتوجه هنا.
طالب: تم حجك فيما مضى، ويبقى عليك ما بقي.
الشيخ: إي، صحيح؛ لأن الرجل يسأل عن الوقوف بعرفة، فقال:«فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» أي باعتبار ما مضى مما سألت عنه، وإلا فلا يمكن لأحد أن يقول: إنه يسقط طواف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت طواف الإفاضة ركن بإجماع المسلمين، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه أن الحج يصح بدونه فيكون معنى الحديث أنه جواب عن سؤال خاص، فيكون تم حجه باعتبار ما مضى.
قال المؤلف رحمه الله في بقية الكلام على طواف الوداع: (وإن تركه غير حائض رجع إليه) رجع إليه منين؟ إذا ذكر قُرْب مكة أو عَلِم، وكان جاهلًا بالأول فإنه يرجع إليه ويطوف.
(فإن شق) عليه الرجوع بأن يكون مع رفقة لا يمكن أن يتخلف عنهم.
(أو لم يرجع) تعمد ألا يرجع.
(فعليه دم) ونزيد أمرًا ثالثًا: إذا بعد عن مكة فإنه لا يرجع، لا يلزمه الرجوع، ولو رجع لم يسقط عنه الدم كما لو سافر حتى إذا وصل نصف الطريق وهو من أهل القصيم ندم أنه لم يكن طاف للوداع، ثم رجع، نقول: لو رجع لا يسقط عنه؛ لأنه بمفارقة مكة ولا يكون مفارقًا لها إلا إذا كان بينه وبينها مسافة القصر صار الدم ثابتًا في ذمته، وعلى هذا فيسقط إذا شق، أو مضى ولم يرجع، أو تجاوز مسافة القصر.
وفُهِم من قول المؤلف رحمه الله: (فإن شق فعليه دم) أنه ليس الإنسان مخيرًا بين أن يقوم بالواجب أو يذبح عنه فدية كما يظنه بعض الجُهَّال، بعض الجهال يقول: وقفت بعرفة، ونزلت إلى مكة، وطفت طواف الإفاضة والسعي، وبقي عندي المبيت في مزدلفة وفي منى، ورمي الجمار، وطواف الوداع، أذبح عشر ذبائح ما هو أربع، هل هذا جائز؟
الجواب: لا، ليس بجائز؛ لأن المسألة ليست مسألة تخيير لكن مسألة أنه إذا فات الواجب، ولم يمكن تداركه فإنه يُفتى بدم، وبعض الجهَّال يظن أنه مُخيَّر؛ ولهذا تجده يقول: أنا ما يهمني أتجاوز الميقات بلا إحرام، ومتى شئت أحرمت، والمسألة سهلة أذبح فدية.
نقول: ما هو صحيح هذا، لكن إذا فات الواجب ولم يمكن تداركه فحينئذٍ نُلزمه بالفدية، وهكذا بقية الكفارات في المعاصي، ليس معناها أن الإنسان مُخيَّر بين فعل المعصية مع الكفارة أو تركها.
فلو قال قائل: أنا لا يهمني أن أُجامِع زوجتي في نهار رمضان وأعتق رقبة، رجل قد أغناه الله عز وجل وهو حديث عهد بزواج، ولا يُشبع رغبته في الليل، ويقول: لا يهم، يجامع كل يوم في رمضان ويقول: المسألة كفارة ثلاثين رقبة ما تهمني، هل هذا جائز؟
ليس بجائز؛ ولهذا يجب أن ننبه العوام وبعض طلبة العلم الذين علمهم قاصر أن هذه الكفارات والفداءات ليس معناها أن الإنسان مُخيَّر بين أن يفعل المعصية أو يترك الواجب ويفعل هذه الفدية، بل إذا فات الأمر ولم يمكن تداركه فالفدية.
يقول: (فعليه دم) فما هو الدم؟ سبق، ما هو؟
طلبة: شاة.
الشيخ: شاة، أو سُبْع بدنة، أو سُبْع بقرة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام على المشهور من المذهب، والصواب: أنه إذا لم يجد سقط عنه؛ لأنه لا دليل على أن الهدي له بدنة.
يقول رحمه الله: (وإن أخَّر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن طواف الوداع)
(إن أخَّر طواف الزيارة) ما هو طواف الزيارة؟ هو طواف الإفاضة، طواف الحج، وكان الأفضل أن يكون يوم العيد، ويجوز في أيام التشريق قولًا واحدًا، ويجوز على القول الراجح إلى آخر يوم من شهر ذي الحجة.
هذا رجل أخَّر طواف الإفاضة ليستغني به عن طواف الوداع، يقول المؤلف: إن هذا جائز، ولا بأس به، وهو من الحِيل المباحة، كيف حِيَل؟ يعني بدل أن يلزمه طوافان يسقط عنه أحدهما.
وقوله: (فطافه عند الخروج) أفاد الضمير أنه ينوي طواف الإفاضة، لا ينوي طواف الوداع، فلو أخَّره وطافه عند الخروج بنية الوداع، وغاب عن ذهنه أنه طواف الإفاضة فإنه لا يجزئه.
المؤلف يقول: (طافه) أي طاف طواف الزيارة عند الخروج أجزأ عن الوداع، أما لو طواف الوداع فإنه لا يجزئ عن طواف الإفاضة. فإن نواهما معًا فهل يجزئ عن طواف الإفاضة؟ الصحيح: نعم، أنه يجزئ؛ لأنه لا تعارض بين النيتين وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (11).
وعلى هذا فالمسألة لها ثلاث صور؛ إذا أخَّر طواف الإفاضة إلى السفر:
الصورة الأولى: أن ينوي طواف الإفاضة فقط فيُجزئ عن طواف الإفاضة، ويسقط عنه طواف الوداع، ونظير ذلك سقوط تحية المسجد لمن دخل وصلَّى الفريضة.
الصورة الثانية: أن ينوي طواف الوداع فقط، فهنا لا يجزئ، لا عن طواف الإفاضة، ولا عن طواف الوداع، صح؟ لا يجزئ، لا عن طواف الإفاضة، ولا عن طواف الوداع، أما عن طواف الإفاضة فلأنه لم ينوِ، وأما عن طواف الوداع فلأن من شرط طواف الوداع أن يكون بعد استكمال النسك، والنسك الآن ما تم.
والصورة الثالثة: أن ينويهما معًا؛ فالراجح أنه لا ضرر في نيتهما معًا، ويحصل له طواف الإفاضة وطواف الوداع؛ ولذلك يجب أن ينتبه الإنسان لهذه المسألة؛ لأنه ربما مع العجلة والارتباك ربما لا يكون على باله عند السفر إلا طواف الوداع، فيجب أن يُنبَّه الناس على هذا ويقال: انتبهوا، انتبهوا، انتبهوا؛ لأن المسألة خطيرة.
قال: (أجزأ عن طواف الوداع).
(ويقف غير الحائض بين الركن والباب داعيًا بما ورد) وهذا الالتزام؛ يعني إذا فرغ من طواف الوداع وقف بين الركن والباب، الركن يعني الركن الأعظم من أركان الكعبة وهو الذي فيه الحجر الأسود، فيقف ويلتزم، يضع صدره على الجدار، ويديه وذراعيه هكذا، ويلصق خده على الجدار، ويدعو بما أحب، وهذا أعني الالتزام لم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديث صحيح، لكن ورد من فِعْل الصحابة.
وهل هو في كل وقت أو عند الوداع؟ هو الصحابة يفعلونه عند الوداع، وقد يفعلونه عند القدوم لكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يُزاحم هذا الزحام الشديد للحصول عليه؛ لأنه ربما يتعب ويأتي يركض ركضًا، وقد سبقهم من هم أقوى منه، ويبقى متذبذبًا ما يقدر فيتعَب ويُتعِب.
والعجب أنا رأينا أناسًا في صلاة الفريضة يُسلِّمون مع الإمام أو قبله، وربما لا يسلمون التسليمة الثانية، ويقولون: بعض العلماء يقولون: سُنَّة، ثم يثبون وثبًا عظيما على الحجر، وأنا في نفسي شيء هل يُسنُّ تقبيل الحجر بدون طواف أو هو من سنن الطواف؟ فمن رأى منكم شيئًا في هذا الباب وأنه يسن تقبيل الحجر بدون طواف فليسعفنا به؛ لأن في نفسي من هذا شيئًا، أن يقوم الإنسان ويُقبِّل الحجر وينصرف، هذا فيه نظر، يحتاج إلى ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(ويدعو بما ورد) والظاهر أنه لا يُسنُّ، هذا الذي ذكره المؤلف، وهو الوقوف بين الحجر والباب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين طاف للوداع لم يفعله، وخير أسوة لنا هو إمامنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما دام لم يفعله فلا نقول: إنه سُنَّة.
قال: (وتقف الحائض ببابه) أي: باب المسجد.
(وتدعو بالدعاء) يعني الحائض لا تدخل المسجد معروف إلا مارة بشرط أن تأمن من تلويث المسجد.
لكن يقولون رحمهم الله: تقف بباب المسجد لتشاهد الكعبة.
(وتدعو بالدعاء) وهذا يحتاج إلى دليل، إن وُجِد دليل على هذا فعلى العين والرأس، وإن لم يُوجَد فلا قبول، ولكن لم يُوجَد هذا، إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر حائضًا أن تقف عند باب المسجد وتدعو، بل قال:«انْفِرُوا» . لما قيل له: إن صفية رضي الله عنها قد أفاضت قال: «انْفِرُوا» (4). ولم يقل: تذهب إلى باب المسجد مع دعاء الحاجة إلى بيانه لو كان مشروعًا.
فالصواب أن الحائض من بيتها إلى رحلها ولا حاجة تذهب إلى المسجد؛ لأنه لا دليل على ذلك.
(وتقف الحائض ببابه وتدعو بالدعاء) وبهذا انتهى الكلام على صفة الحج والعمرة.
واعلم أن كل ما ذكرناه فإنه مبني على ما نعلمه من الأدلة، ومع هذا لو أن إنسانًا اطلع على دليل يُخالِف ما قررناه فالواجب اتباع الدليل، لكن هذا جهد الْمُقِل، نسأل الله أن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا.
ثم قال رحمه الله: (وتُستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه).
قوله: (تستحب) بعد ذكر الوداع قد يفهم منه أن من كمال الحج بعد الوداع أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، ولكن هذا المفهوم ليس مرادًا، وإنما يذكر الفقهاء زيارة المسجد النبوي بعد الحج؛ لأنهم كانوا فيما سبق يشق عليهم أن يفردوا زيارة المسجد النبوي بسفر، والحجاج إذا جاؤوا إلى مكة يسهل عليهم أن يذهبوا إلى المدينة، فمِن ثَمَّ صار الفقهاء رحمهم الله يذكرون الزيارة؛ زيارة المسجد النبوي عقب ذِكْر الحج.
يقول المؤلف رحمه الله: (تُستحب زيارة قبر النبي) ظاهره أنه تشد الرحال لزيارة قبره؛ أي: قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه قال: (تستحب زيارة قبره) بعد ذكر الحج، ومعلوم أن من ذهب يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحج فإنه لا بد أن يشد الرحل، وهذا أحد القولين أو الأقوال في المسألة، فقد قيل: إنه يحرم شد الرحل لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: جائز، وقيل: مكروه.
ولكن شيخ الإسلام رحمه الله بَيَّن أن الأدلة تقتضي التحريم؛ تحريم شد الرحل إلى زيارة القبر وقال: لا يوجد في الدنيا مكان تُشد إليه الرِّحال إلا المساجد الثلاثة، هي التي تشد إليها الرحال بنص الحديث، وكتب في ذلك رسائل رحمه الله وبينها.
وقوله رحمه الله: (تُستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه) يعني: يشد الرحل لذلك، ولكن فيه نظر.
ويقال للإنسان: بدل أن تنوي شد الرحل لزيارة قبره الشريف انوِ شد الرحل لزيارة المسجد الشريف، المسجد النبوي الذي أُذِن لك أن تشد الرحل إليه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (12). وإذا وصلت إلى هناك حينئذٍ نقول: زُر قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه.
وهنا مباحث في هذه المسألة:
أولًا: تبين أن الصواب أن شد الرحل لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم محرمة كما جرى تحقيقه من شيخ الإسلام وغيره من المحققين لما علمتم من النص: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ» ، ولأن تجويز شد الرحال إلى القبور وسيلة للشرك؛ لأن غالب الناس رعاع، فيشد الرحل إلى من يدعي أنه ولي من أجل أن يدعوه أو يدعو الله عند قبره فيكون بذلك فتنة عظيمة.
المبحث الثاني: أن الأولى أن ينوي بشد الرحل زيارة المسجد النبوي، والمسجد النبوي لا يختص بمكان المسجد على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل يدخل فيه كل زيادة تُزاد في المسجد بدليل أن عثمان رضي الله عنه لما زاد في المسجد النبوي صار المسلمون يُصلُّون في الزيادة، الإمام والصفوف الأولى كلها في الزيادة، ولم يكونوا يَدَعون الزيادة ليصلوا في مكان المسجد الأول بل يصلون في الزيادة، وعلى هذا فيكون قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«وَمَسْجِدِي هَذَا» الإشارة لتمام التعيين وليس لحصر المكان.
ولو سألنا سائل: هل الأولى أن أصلي المفروضة مع الإمام في الروضة أو في الصف الأول؟
لقلنا بالثاني، صلِّ في الصف الأول.
أيضًا من المباحث: إذا أراد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكيف يقف؟ وماذا يقول؟
نقول: يقف أمام وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وتكون القبلة خلفه، ويُسلِّم عليه بما علمه أمته عليه الصلاة والسلام، وهو: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويُثنِّي بالصلاة عليه والبركة عليه، ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون مقابل وجه أبي بكر رضي الله عنه، فيُسلِّم عليه، السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته، اللهم ارضَ عنه، واجزه عن أمة محمد خيرًا. ثم يخطو عن يمينه خطوة ليقف أمام وجه عمر رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرًا. وانتهى.
فماذا يصنع بعد ذلك؟ ينصرف يخرج مع الباب؛ ولهذا الصحيح أنه لا يُسن الوقوف للدعاء، ولو استقبل الإنسان القبلة واستدبر القبور الثلاثة فلينصرف كما كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك.
أيضًا هل وقوفنا في المكان الذي هو مكان الزيارة هل يُعدُّ زيارة حقيقة أو لا؟ حقق شيخ الإسلام رحمه الله أنه ليس زيارة حقيقة؛ لأن الزيارة الحقيقية أن يقف عند القبر أمامه والقبر مكشوف، وهنا لا يتمكن من هذا؛ لأن القبر داخل جدران ثلاثة؛ ولهذا خفف بعض أهل العلم في زيارة النساء للقبور الثلاثة وقالوا: إن ذلك ليس بزيارة حقيقية، تلقينا ذلك من شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله ورأيناه في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية صريحًا بأن هذا ليس الزيارة الشرعية؛ لأن بين الإنسان وبين القبور جدران ثلاثة لكنها عرفًا تسمى زيارة.
أيضًا من المباحث في زيارة المدينة: هل هناك شيء يُزار غير المسجد النبوي والقبور الثلاثة؟ نعم، البقيع، فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزور البقيع، ويدعو لهم بالدعاء المعروف، فيُسن للإنسان أن يزور البقيع، وفي البقيع أحد الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان، وقبره معروف، وما عداه من القبور فليست معروفة، وإن كان مشهور عند الناس أن هذا قبر فلان، هذا قبر مالك، وهذا قبر آل البيت وما أشبه ذلك لكن الإنسان ما يتيقن أما قبر عثمان فهو معروف؛ لأنه قد جُعِل له طريق يصل إليه، ودُفن هناك بعيدًا؛ لأنكم تعلمون أنه استُشْهد في فتنة فدفنوه ليلًا بعيدًا خوفًا من الخوارج الذين خرجوا عليه أن يستخرجوه من قبره ويمثلوا به رضي الله عنه.
هناك شيء ثالث يُزار، وهو مسجد قباء الذي أسس على التقوى، وضده مسجد الضرار الذي أُسِّس على الفسق والمعصية، هذا المسجد معروف والحمد لله، فإذا تطهر الإنسان في بيته وخرج إليه وصلى فيه ما شاء الله صار كمن أدى عمرة فيُسن الخروج إلى مسجد قباء، إن كان الإنسان في المدينة فكل سبت وإن كان مستطرقًا لها فحيثما تيسر.
وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج إليه كل يوم سبت، ويصلي فيه، وإنما كان يخرج يوم السبت؛ لأنه بعد الجمعة التي عظَّم فيها المسجد النبوي فصار من الحكمة والمناسبة أن يخرج يوم السبت لتعظيم مسجد قباء؛ لأن الله تعالى قال في مسجد الضرار:{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].
فيه أيضًا رابع: وهم شهداء أُحُد فإنه ينبغي للإنسان أن يخرج إليهم كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويُسلِّم عليهم بالسلام المعروف في زيارة القبور، وما سوى ذلك من المزارات فلا صحة له، ولا تُسن زيارته لعدم صحته تاريخيًّا، ولعدم ثبوته شرعيًّا، فيه شيء يسمونه أيش؟
الطلبة: مساجد السبعة.
الشيخ: مساجد السبعة، ومسجد غمامة، ومسجد القبلتين، وما أشبهه كل هذه لا أصل لها، لكن ما ذكرناه هذه الأربعة وهي في البسط خمسة: المسجد النبوي، والقبور الثلاثة، والبقيع، وقباء، وأُحد، خمسة بالبسط.
وردت أحاديث في فضل زيارة النبي صلى الله عليه وسلم منها هذا الحديث المكذوب الموضوع: من حج ولم يزُرْني فقد جفاني (13). لو صح هذا الحديث لكانت زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحج؟
الطلبة: واجبة.
الشيخ: ما هي واجبة، أصل من أصول الإسلام؛ لأن جفوة النبي صلى الله عليه وسلم، أي من جفاه فقد كفر، لكنه موضوع، وكل الأحاديث الواردة في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بخصوصه فإنها موضوعة، مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا تعتمدها.
طالب: بارك الله فيك، سبق وقررنا أن النية في الحج مخفف فيها، يعني الذي يحج نفلًا وهو لم يحج الفريضة فينقلب إلى فريضة.
الشيخ: نعم.
الطالب: الذي يطوف طواف الوداع، وكان بقي (
…
) وغفل عن نية الإفاضة، لماذا نقول: إنه (
…
) بقي عليه طواف الواجب وهو ركن في الحج؟
الشيخ: هذا وارد لكن الجواب عنه أنهما واجبان مستقلان، أما كونه ينوي النفل في الحج وهو لم يؤدِّ الفريضة فليس كذلك؛ لأنه إذا انقلب النفل هذا فريضة صار فريضة فقط.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة لزيارة القبور يا شيخ، زيارة قبور الشهداء.
الشيخ: في أحد.
الطالب: أرى مما استحضر، ورأيت أن صاحب العلم المعروف أنه لا يزوره إلا خفية، يعني حتى لا يسوي فتنة (
…
)، يسوى أهل المدينة أهل السيارات بالخصوص والمزورون يدورون فيها التجارة، والناس اللي يجون من خارج المملكة يحطون في (
…
).
الشيخ: (
…
) نعم، وإذا خيف هذا أن الناس يعتقدون أنها فرض فينبغي لمن هو قدوة ألا يزورها في وقت زيارة الناس لكن كون أن أجزم بهذا ونقول: لا، أهل العلم لا يزورونها ما نستطيع، فيه صعوبة.
الطالب: لو أن يا شيخ العالم المعروف يحط (
…
).
الشيخ: طيب إذا قال للناس: إنه سنة ما هي واجب؟
الطالب: (
…
).
الشيخ: (
…
) آمين.
الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (
…
) ولم يكن يعرف بحكم طواف الوداع، ثم تبين له القول بالوجوب فما الذي يجب؟
الشيخ: هذا إذا كان، طواف الوداع في العمرة مختلف فيه، من العلماء من يقول: واجب، ومنهم من يقول: سُنَّة، ومنهم من يقول: ليس سنة لذاته، إنما هو سنة كسائر (
…
).
فإذا كان هذا الرجل ما تيقن أنه واجب إلا فيما بعد بناءً على الكلام فيه فليس عليه شيء، وهذه قاعدتنا قلتها لكم: كل من كان مقتديًا بعالم ولو كان خطأ فإنه لا يُؤمر بمخالفة ما هو عليه لكن يُقال له: لا تعُد.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يشرع الآن شد الرحال إلى المسجد الأقصى؟
الشيخ: إي نعم، يشرع.
الطالب: ولكن يا شيخ لما ذهب أحد العلماء إلى المسجد الأقصى وأقام عليه الناس يعني واستنكروا عليه هذا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه في أيدي العدو أو في أيدي الصهاينة.
الشيخ: الحديث عام: «الْمَسْجِد الْأَقْصَى» ، أما إذا كان يروح المسجد الأقصى، ثم بيقف في المسجد ويقول: أيها الناس، إنه بهذا الاستعمار وهذا الاستحلال خير مما كان سابقًا، هذا يُمنع.
طالب: قلنا: قبر عثمان معروف يا شيخ، هل يُخصص له بالدعاء؟
الشيخ: إي نعم، يذهب إليه ويُسلِّم عليه سلامًا خاصًّا؛ لأن له فضلًا على هذه الأمة رضي الله عنه.
طالب: شيخ، بالنسبة لطواف الوداع في العمرة، مَنْ طاف وسعى، ثم جلس في المسجد ومكث مكثًا يسيرًا، ثم انصرف في المسجد يقرأ أو يصلي أو؟
الشيخ: لا بد أن يطوف الوداع إلا إذا أَذَّن فله أن ينتظر الصلاة.
الطالب: (
…
) الوداع؟
الشيخ: إي معلوم، إذا لم يخرج على طول؛ لأنه إذا مكث ولو ساعة عاد الوداع، وفي الصورة التي ذكرتها ما أعاد نقول: يطوف للوداع.
طالب: أحسن الله إليك، الداعي إلى المسجد النبوي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم دخل صلى مع الناس وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم جانب المسجد وراح، هل يقال له: فعل مستحب أم تذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم و (
…
) إليه وتسلم عليه أو يكتفى به؟
الشيخ: الكفاية يُكتفى بها لا شكن يعني إذا سلَّم على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو في أقصى المسجد يُكتفى بهذا لكن حسب العرف أنه إذا ذهب إلى المسجد كان أشد تعظيمًا.
طالب: طواف الوداع خاص بالحج؟
الشيخ: لا، الذي نرى أنه في الحج وفي العمرة إلا من خرج من العمرة بانتهائها يعني طاف، وسعى، وقصَّر، وركب سيارته ورجع، هذا ما يحتاج.
طالب: أحيانًا يكون عليه دم، عليه تكفير، فنقول: سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، أو ما يشبه ذلك.
الشيخ: كيف؟
الطالب: بأن نقول: يا شيخ، عليه سُبع بدنة أو بقرة؟
الشيخ: لا، نقول: دم، والدم هو إما سبع بقرة أو بدنة، أو شاة، أو ما أشبه.
طالب: (
…
) مرة نقول: فدية أذى.
الشيخ: فدية الأذى غير، هذه فدية خاصة، فدية الأذى إما دم، أو صدقة، أو صيام ثلاثة أيام.
الطالب: (
…
) الدم نقول: سُبع بدنة، المراد بقول (
…
).
الشيخ: لا، نقول: المراد بالدم كل ما ذكره الفقهاء فهو واحد من ثلاثة: إما سُبْع بعير، أو سُبْع بقرة، أو شاة.
طالب: بارك الله فيكم، أيهما الأفضل بالنسبة لطواف الوداع والإفاضة أن ينوي طواف الوداع عن أن ينوي طواف الإفاضة أو ينوي الاثنين جميعًا؟
الشيخ: إي، لا، نية طواف الإفاضة أحسن، أحسن؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا نواهما جميعًا لم يصح.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لزيارة.
الشيخ: (
…
).
الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للرعاة الذين رخص لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في الرمي، وصورة رميهم يعني ما يتضح صورة الرمي؟
الشيخ: لأنهم لما رموا يوم العيد خرجوا إلى المرعى، وتركوا يوم الحادي عشر، ورموا الثاني عشر.
الطالب: يوم الثاني عشر يعني يومين؟
الشيخ: تعجلوا في يومين، أو تأخروا، ورموا الثاني عشر.
طالب: أحسن الله إليك، الآن قلنا: إنه إذا تعمد ترك الواجب مثل لما يجاوز الميقات أن هذا لا يجوز فهل لو فعله متعمدًا يصح حجه؟
الشيخ: إي نعم، يصح حجه ما دام أحرم يصح حجه.
الطالب: شيخ، ما نقيس على وجه الصلاة؟
الشيخ: لا، ما تُقاس عليه؛ لأن الحج من خصائصه أن فعل المحظور فيه لا يُبطله.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هذا الطيار يا شيخ، رجل طيار حج، وفي يوم العيد، أو في اليوم الثاني، في اليوم الأول من منى طُلب عن طريق مكة هل يقاس عليه مثل الرعاة أو أنه يوجب عليه الدم لتركه المبيت من أعمال الحج أو إنه يبقى لآخر شهر الحج.
الشيخ: يُؤخر الطواف إلى آخر شهر الحج ما فيه مشكلة.
الطالب: إي، الطواف ما عليه إشكال، لكن المبيت والرمي؟
الشيخ: المبيت يبيت بوقته، فإذا كان دعاه للمصلحة العامة فهو كالرعاة، وإذا دعاه لمصلحة خاصة ..
الطالب: طيران يا شيخ هذا عمله.
الشيخ: إي، لكن عمل أيش؟
الطالب: طيار.
الشيخ: عمل يجيب ركاب ويروح بركاب، ما هو هذا الحالة؛ لأن الركاب اللي بيخدمهم ليسوا الحجاج.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وصفة العمرة أن يُحرم بها من الميقات أو من أدنى الحل من مكي ونحوه)
العمرة هي إحرام وطواف وسعي وحلْق أو تقصير، أفعالها قليلة ولكن من أين يحرم؟
نقول: إن مر بالميقات أحرم منه قرب من مكة أو بعد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقَّت المواقيت وقال: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ» (14).
وقوله: (أو من أدنى الحل) قيده، قال:(من مكي ونحوه). ما بين الميقات ومكة من أين يحرم؟ يحرم من مكانه.
إذا كان في مكة يقول رحمه الله: (من أدنى الحل)، يعني خارج حدود الحرم، وحدود الحرم -والحمد لله- الآن مبينة موضحة عليها علامات، فلننظر لو خرج إلى مزدلفة يحرم منها أو لا؟
طلبة: لا يحرم.
الشيخ: يحرم؟ ليش ما يحرم؟
الطلبة: من الحرم.
الشيخ: لأنه من الحرم. لو خرج إلى عرفة يحرم منها؛ لأنها من الحل، خرج إلى التنعيم يحرم منه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يحرم منه، طيب الآن مكة وصلت التنعيم؟ ولو وصلت، وهذه مسألة غريبة: رجل له بيت على حد الحرم في التنعيم، نصفه خارج الحرم، ونصفه داخل الحرم، الصيد في نصفه الذي داخل الحرم؟
طلبة: حرام.
الشيخ: وخارجه حلال، فيُقال: بيت رجل جمع بين الحل والحرم، هو غريب، وتصويره سهل ما فيه مشكلة.
وقعت حمامة على الشرفة؛ شرفة الغرفة التي داخل حجر الحرم، ووقعت أخرى على شرفة الغرفة التي خارج الحرم، الأولى حرام لا يجوز قتلها، والثانية حلال يجوز صيدها؛ لأن الحد معلوم.
إذن يقول المؤلف رحمه الله: (من مكي ونحوه) يعني نحو المكي الذي كان في مكة وليس من أهلها كالآفاقي، هذا يُحرم من أدنى الحل، ولا يجوز أن يُحرم من مكة.
ودليل ذلك أن عائشة رضي الله عنها لما أرادت أن تُحرم بالعمرة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تخرج مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم (15) مع أن خروجها فيه مشقة؛ لأنه كان ليلًا، ولو كان يجوز لمن كان بمكة أن يحرم بالعمرة منها لأمرها أن تحرم من مكانها من الأبطح؛ لأنه أيسر لها وأسهل، فلما لم يكن كذلك عُلم أنه لا يجوز أن يُحرم من في مكة بالعمرة إلا من خارج الحرم أي من الحل.
فإذا قال قائل: ما الجواب عن قوله في الحديث الصحيح: حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ (14).
طلبة: (
…
).
الشيخ: لا، الحديث: لمن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة.
نقول: هذا عام، ودلت السنة بنطق الذي نطق بهذا الحديث أنه لا إحرام للعمرة من مكة فيُحمل قوله: حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ، على الحج، وبذلك يلتئم الحديثان.
ثم هناك دليل نص في المسألة وهو قصة عائشة، ولا يغني يعني ولا يدفع هذا الاستدلال أن يقول قائل: إن عائشة ليست من أهل مكة، نقول: ها هم الصحابة رضي الله عنهم ليسوا من أهل مكة وأحرموا بالحج من مكة، لم يؤمروا أن يخرجوا إلى الحِلِّ كما أُمرت عائشة أن تخرج إلى الحل؛ ولأن العمرة زيارة، والزيارة لا بد أن يفد الإنسان إلى المزور، ولا وفود إلى الحرم إلا إذا أحرم من الحل.
(لا من الحرم) كما قال، (لا من الحرم) يعني لا يجوز أن يُحرم بها من الحرم.
(فإذا طاف وسعى وقصَّر حَلَّ) وإن حلق بدل التقصير حلَّ من باب أولى، لكن عمرة المتمتع إذا كان قريبًا من وقت الحج الأفضل فيها التقصير، وهو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه في اليوم الرابع من ذي الحجة.
قال: (وتُباح كل وقت) أما الحج فله وقت مخصوص قال الله عز وجل: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] أما العمرة فتُباح كل وقت لكن على المشهور من المذهب: بشرط ألا يُحرِم بها على الحج. ولذلك قالوا رحمهم الله: القِران أن يدخل الحج على العمرة لا أن يدخل العمرة على الحج، وخالف في ذلك أصحاب الشافعي رحمهم الله وقالوا: يجوز أن يُدخل العمرة على الحج ويصير قارنًا.
(تباح كل وقت) هل تباح في يوم العيد؟ أما لغير الحاج نعم، يجوز في عيد الأضحى أن يأتي بعمرة، أما للحاج فلا إلا إذا تحلل التحلل الأول فإنه يجوز أن يأتي بعمرة؛ لأن إحرامه بالحج حينئذٍ ناقص، تحلَّل من أكثر المحظورات؛ ولهذا عبَّر صاحب الفروع لما ذكر نص الإمام أحمد فيمن جامع بعد التحلل الأول أنه يأتي بعمرة أو كلام نحو هذا قال: فدل على أنه لو أحرم بعد تحلُّله الأول صح، ولكن هل يُشْرع هذا أو لا؟
الجواب: لا يُشرَع لكنه لا يُمنع.
قال: (وتجزئ عن الفرض) يعني تُجزئ في أي وقت عن الفرض، فأفادنا رحمه الله أن العمرة فريضة وهو كذلك، وقد سبق في أول المناسك، فإذا اعتمر في أي وقت ليلًا أو نهارًا رمضان وغير رمضان فإنها تجزئ عن الفرض، ولكن هل لها أوقات فاضلة؟ نعم، في رمضان تعدل حجةً كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والصحيح أنها عامة خلافًا لمن قال: إن هذا الحديث ورد في المرأة التي تخلفت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحج فقال لها: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي» (16). فإن بعض العلماء قال: هذا خاص بهذه المرأة، يريد أن يُطيِّب قلبها، ولكن الصواب أنها عامة.
وتسن أيضًا في أشهر الحج وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خصها -أي أشهر الحج- بالعمرة، وقد تردد ابن القيم رحمه الله أيهما أفضل العمرة في أشهر الحج أو العمرة في رمضان، ولكن الظاهر أن العمرة في رمضان أفضل؛ لقوله:«تَعْدِلُ حَجَّةً» . وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كرر العمرة في أشهر الحج لتزول عقيدة أهل الجاهلية الذين يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، شوف جاهليتهم، هذه عصبية، يقولون: ما يمكن تعتمر في أشهر الحج، علشان الناس يأتون في غير أشهر الحج إلى مكة فيحصل ارتفاع اقتصادي ولكن الراجح أنها في رمضان أفضل من أشهر الحج.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأركان الحج: الإحرام، والوقوف، وطواف الزيارة، والسعي) أربعة، أركان الحج أربعة: الأول: الإحرام وسبق أن الإحرام هو نية النسك وليس لباس ثياب الإحرام، فلا بد أن ينوي النسك لو أحرم بدون نية النسك؛ يعني لبس الثياب ولكن لم ينوِ لم يصح الحج، لا بد من نية النسك.
الثاني: الوقوف في أي مكان؟ في عرفة، ووقته عند أكثر أهل العلم مِن زوال الشمس يوم التاسع إلى صباح يوم العيد، يعني إلى طلوع الفجر يوم العيد، وعند الإمام أحمد رحمه الله أنه من طلوع الفجر يوم التاسع إلى طلوع الفجر يوم العيد.
الثالث: طواف الزيارة وهو: طواف الحج، ويسمى طواف الإفاضة، ويشترط أن يقع بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة فلا يصح أن يطوف قبل عرفة، ولا قبل مزدلفة، لا بد أن يكون بعدهما؛ لقول الله تبارك وتعالى:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] هذا إذن مزدلفة تلي عرفة، ثم قال لما ذكر النحر والذبح قال:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، فجعل الطواف بعد الوصول إلى منى وهو كذلك، وعليه فيُشترط لصحة طواف الإفاضة أن يكون بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، وعليه فلو أن الإنسان انطلق من عرفة إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، ثم عاد إلى مزدلفة وبات بها فطوافه لا يصح يكون نفلًا.
الرابع: السعي، السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج؛ لقول الله تبارك وتعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» (17) ولقول عائشة: والله ما أتم اللهُ حجَّ أحدٍ ولا عُمْرَتَه حتى يطوف بينهما (18).
وقيل: إنه واجب -أي السعي- يُجبر بدم. وقيل: إنه سنة، وهذا أضعف الأقوال. وأصح الأقوال أنه ركن لا يتم الحج إلا به.
(وواجباته: الإحرام من الميقات) هنا الواجب هل هو عائد على الإحرام من الميقات أو على كون الإحرام من الميقات؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، يعني من الواجب أن يكون الإحرام من الميقات، فلو أحرم من دونه فالإحرام صحيح لكنه ترك واجبًا، والفرْق بين الواجب والركن أن الواجب يصح الحج بدونه والركن لا يصح إلا به هذا هو الفرق، ويأتي -إن شاء الله- الكلام على الفوات.
وواجبات (الإحرام الميقات المعتَبر له) يعني لا من كل ميقات. إذن إذا كان من أهل نجد ومر بالمدينة، وخرج منها للحج فمن أين يُحرم؟ من ذي الحليفة، وإذا قدم أهل الشام إلى المدينة يريدون الحج وخرجوا منها فمن أين يحرمون؟ من ذي الحليفة، ولا يجوز أن يؤخروا الإحرام إلى الجحفة التي هي ميقاتهم الأصلي، ولهذا قال:(المعتبر له) والمعتبر له هو كل ميقات مر به وهو يريد الحج أو العمرة.
طالب: أحسن الله إليك، إذا رجع إلى ميقاته الأصلي يكون يجب عليه الدم يا شيخ؟
الشيخ: إذا تأخر لا إذا رجع، يعني لو مر المدني بالجحفة، وذهب إلى المدينة، وأحرم من ذي الحليفة لا بأس، لكن العكس لا يجوز.
طالب: بارك الله فيك، إذا أراد شخص أن يعتمر في عشر ذي الحجة فهل تكون عمرته أفضل من عمرة رمضان؟
الْمُعْتَبَرِ له، والوُقوفُ بعَرفةَ إلى الغُروبِ، والْمَبيتُ لغيرِ أَهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى ومُزدَلِفَةَ إلى بَعدِ نِصفِ الليلِ، والرميُ، والْحِلاقُ، والوَداعُ، والباقي سُنَنٌ.
و(أَركانُ العُمرةِ): إحرامٌ، وطَوافٌ، وسَعْيٌ.
و(واجباتُها): الْحِلاقُ، والإحرامُ من مِيقاتِها، فمَن تَرَكَ الإحرامَ لم يَنعقِدْ نُسُكُه، ومَن تَرَكَ رُكْنًا غَيرَه أو نِيَّتَه لم يَتِمَّ نُسُكُه إلا به، ومَن تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
(بابُ الفَواتِ والإحصار)
مَن فَاتَه الوُقوفُ فاتَه الْحَجُّ، وتَحَلَّلَ بعُمرةٍ ويَقْضِي، ويَهْدِي إن لم يكنْ اشْتَرَطَ، ومَنْ صَدَّه عَدُوٌّ عن البيتِ أَهْدَى ثم حَلَّ، فإن فَقَدَه صامَ عَشرةَ أَيَّامٍ ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عَرفةَ تَحَلَّلَ بعُمرةٍ، وإن حَصَرَه مَرَضٌ أو ذَهابُ نَفَقَةٍ بَقِيَ مُحْرِمًا إن لم يَكُنْ اشْتَرَطَ.
(بابُ الهديِ والأُضْحِيَةِ)
أَفْضَلُها إِبِلٌ، ثم بَقَرٌ، ثم غَنَمٌ، ولا يُجْزِئُ فيها إلا جَذَعُ ضَأْنٍ، وثَنِيٌّ سِوَاهُ، فالإِبِلُ خَمْسٌ، والبَقَرُ سَنَتَانِ، والْمَعْزُ سَنَةٌ، والضأْنُ نِصْفُها، وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحدٍ، والبَدَنَةُ والبقرةُ عن سبعةٍ، ولا تُجْزِئُ العَوراءُ والعَجْفاءُ
ولا يجوز أن يؤخروا الإحرام إلى الجحفة التي هي ميقاتهم الأصلي، ولهذا قال:(المعتبر له)، والمعتبر له هو كل ميقات مر به وهو يريد الحج أو العمرة.
طالب: أحسن الله إليك، إذا رجع إلى ميقاته الأصلي يكون يجب عليه الدم يا شيخ؟
الشيخ: إذا تأخر، لا إذا رجع، يعني لو مر المدني بالجحفة، وذهب إلى المدينة وأحرم من ذي الحليفة، لا بأس، لكن العكس لا يجوز.
طالب: بارك الله فيك، إذا أراد شخص أن يعتمر في عشر ذي الحجة، فهل تكون عمرته أفضل من عمرة رمضان؟
الشيخ: (
…
) ذو الحجة مو من أشهر الحج!
الطالب: إذا كان قد سبق له أن أدى الفريضة.
الشيخ: هو يريد أن يعتمر فقط؟
الطالب: (
…
).
الشيخ: ظاهر الحديث: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ» (1) أنه أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَمَّم، ولم يستثن إلا الجهاد إذا خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء.
طالب: أحسن الله إليك، ما الحكمة في حث النبي على العمرة في رمضان حيث يدري أن (
…
) صائمون، وسيحتاجون إما ..
الشيخ: لا، هو ما حث عليها، ما قال: اعتمروا في رمضان، لكن قال لهذه المرأة:«عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» (2).
طالب: إحنا نشهد الناس في رمضان يأتون ب ..
الشيخ: (
…
) يعني هي في الحقيقة من الناحية العملية يحتاج الإنسان إلى تأمل هل السلف عملوا بهذا؟ هل كانوا يذهبون إلى مكة في رمضان ويبقون فيها إلى العيد؟ هو في هذا الحديث، وهذا الحديث كما سمعتم قبل قليل بعض العلماء يقول: إنما قال لهذه المرأة فقط، لكن الصحيح على العموم.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، من اعتمر في شهر رمضان، هل الأفضل في الحج الإفراد أو التمتع؟
الشيخ: التمتع، الأفضل التمتع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتمتع في الرابع من ذي الحجة، ولم يقل: إلا من أتى بعمرة في رمضان أو قبل هذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل تختص نية الحج بالتلفظ دون غيرها من العبادات؟
الشيخ: لا، هي كغيرها من العبادات، يعني بمعنى أنك تنوي الدخول في النسك وإن لم تتلفظ، إلا على رأي من يقول: إن التلبية الشرط للدخول في النسك، وإن التلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة، لكن الصحيح خلاف ذلك.
الطالب: هل هناك عبادة لها تلفظ غير الحج؟
الشيخ: أصلًا الحج ما هو تلفظ بالنية، الحاج لا يتلفظ بالنية أيضًا؛ لأن التلفظ بالنية معناه أن يقول: اللهم إني أريد أن أعتمر. وهذا لا يقوله، أما (لبيك عمرة) فهو لإظهار ما في قلبه وإعلانها وتعظيم الشعيرة.
طالب: أحسن الله إليك، بعض الناس يطلعون على جبل ثور وغار حراء، أكثر الناس يعني يطلعون لازم كأنه من المناسك؟
الشيخ: يعني يرونه من الأماكن التي تُشرَع زيارتها؟
الطالب: إي، وأكثر الناس يعني ..
الشيخ: لا هذا غلط، أما من ذهب إليها لينظرها فقط ويعتبر فلا بأس، أما من ذهب إليها تعبُّدًا يتقرب إلى الله تعالى بزيارتها فلا يجوز.
طالب: ذكرنا في الممتع أن عند القول للإحرام هل يُشترط مع النية لفظ أو لا؟ قلنا: الصحيح لا يُشترط.
الشيخ: أيش؟
الطالب: هل يشترط مع النية لفظ بالتلبية يعني؟ قلنا: إن الصحيح لا يُشْتَرَط، ومن العلماء أنه قال: لا بد من التلبية، في الحاشية يا شيخ يقول عن شيخ الإسلام: ينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبية أو سوق الهدي، هذا القول الثالث أو أنه يدخل في الثاني؟
الشيخ: ما أدري ويش عبارة الشيخ.
الطالب: يا شيخ، القول الثاني: قالوا: إنه لا بد من التلبية مع النية، وهنا قال: قال شيخ الإسلام: ينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبية أو سوق الهدي.
الشيخ: يعني الشيخ رحمه الله يقول: لا بد مع النية من تلبية أو سوق الهدي، النية وحدها لا تكفي.
الطالب: (
…
) القول الثاني، لكن ..
الشيخ: لكن الصحيح أنها تكفي، الحديث:«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (3).
الطالب: بس يا شيخ إن هذا من قول ..
الشيخ: الشيخ رحمه الله يقول: ما تكفي النية فقط، لا بد أن يلبي، فزاد على قول من يشترطون التلبية سوق الهدي.
الطالب: يُعتبر قولًا ثالثًا.
الشيخ: لا قول ثانٍ بس أضاف إليه.
طالب: شيخ، إذا قرن هل يحرم من مكة أو (
…
)؟
الشيخ: وهو من أهل مكة؟ إذا قرن وهو في مكة يحرم من مكة، من مكانه؛ لأنها الآن دخلت العمرة في الحج، كما يدخل الحدث الأصغر الوضوء في الغُسل من الجنابة.
الطالب: ما يطوف للقدوم؟
الشيخ: لا، ما يطوف للقدوم، الذي يُحرِم من مكة لا يطوف للقدوم، هو هل قدم؟ ما قدم.
طالب: بارك الله فيكم، يكثر الآن كلام الناس عن تسع ذي الحجة، ولم يتبين لي وجه القول بعدم مشروعية جزء منها.
الشيخ: جزء منها! شو مشروعية جزء منها؟
الطالب: يعني لو واحد مثلًا صام ثلاثة أيام منها أربعة.
الشيخ: صام، أنت ما تكلمت في الصيام.
الطالب: عن الصيام يا شيخ.
الشيخ: كل الكلام هذا لا فائدة منه، يُسن أن يصومها كلها، من أول يوم إلى التاسع، لكن عند الناس عقيدة -وأظن إن شاء الله اضمحلت أو نقصت- أنه يُسَنّ أن يصوم ثلاث الحجي، يسمونها ثلاث الحجي، يعني السابع والثامن والتاسع، هذا هو الذي ليس له أصل.
طالب: إذا صام يومًا أو يومين فقط؟ الثاني والثالث فقط وعرفة؟
الشيخ: هل يقصد بهذا التعبد لله بالترك؟
الطالب: لا.
الشيخ: أقول: الصوم بالخيار، سُنَّة.
طالب: أحسن الله إليك، ثبت التلبية عن الصبيان.
الشيخ: لبيك عن ابن فلان، عن بنت فلان.
الطالب: إذا كان ينطق هل يُنَطِّقُه؟
الشيخ: إي نعم، لكن ينطق يقول له (
…
).
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قول النبي صلى الله عليه وسلم:«مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (4) ما معنى الحديث؟ وما وجه الدلالة في الحديث في مشروعية الصلاة فيها؟
الشيخ: الروضة من رياض الجنة أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن إبراهيم الخليل أن الجنة قِيعَان، وأن غِراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (5). فمعنى روضة من رياض الجنة أنها مكان للعمل الصالح، الصلاة وغيرها، هذا معناها.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (
…
) من أهل جدة، ومر على الميقات، وهو في نزوله يريد الزيارة فقط، وهو يريد أن يحرم بالحج من عامه، فهل نلزمه بالإحرام؟
الشيخ: لا، إذا كان من أهل جدة وذهب إلى جدة يريد أهله، ولكن من نيته أن يحج هذا العام، فلا حرج، إذا جاء وقت الحج يحرم من مكانه.
طالب: الحاج عن غيره هل يُكتَب له أجر الحج؟
الشيخ: بأجرة ولَّا بغير أجرة؟
الطالب: (
…
).
الشيخ: أما بأجرة فليس له إلا ما أخذ من الأجرة، وأما إذا كان بغير أجرة فله أجر الإحسان فقط، أجر الإحسان إلى الغير؛ لأن أجر العبادة نفسها لم يرده، أراده لغيره.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لزيارة قبري الخليفتين أبي بكر وعمر، هل هناك أصل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث زار شخصا بعينه وذكره وقال: السلام عليك يا فلان؟
الشيخ: من المعلوم أن الرسول مات قبل أبي بكر وعمر.
الطالب: (
…
) بكر وعمر، زار شخصًا آخر فيعد هذا أصلًا بأن نقف عند قبر إنسان ..
الشيخ: إي نعم، الأصل في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن الله عز وجل أن يستغفر لأمه، فلم يأذن له، واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له، فزار قبرها (6).
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للحجاج اللي يأتون من الغرب، إذا نزلوا بجدة ( .. ) إلى الجحفة (
…
)؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: (
…
) الذي يحرم من جدة لا يكون إحرامه من الميقات (
…
) على الجحفة.
الشيخ: الواقع أن اللي يأتون من الغرب يختلفون، من حاذى الميقات قبل أن يصل إلى جدة لزمه أن يُحرِم، إذا حاذى الميقات، ومن وصل إلى جدة قبل محاذاة الميقات فليُحرِم من جدة. فيه مكان في السودان أظن يسمى سواكن هؤلاء ذكر العلماء رحمهم الله أن أهل سواكن يحرمون من جدة؛ لأنه يأتون على طول من الغرب، لكن لو جاء من الشمال أو جاء من الجنوب: إن جاء من الشمال يحرم من الجحفة، وإن جاء من الجنوب يحرم من يلملم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (
…
) إذا خرج بعد انقضاء (
…
) تجارة (
…
).
الشيخ: (
…
) التجارة لازم يعيده، أما إذا كان لقضاء حاجة أو انتظار رفقة فلا بأس.
طالب: أحسن الله إليك، ترك الإحرام بالنسبة لبعض الهنود اللي يشتغلون في أعمال المسلمين والممرضين والأطباء، ترك اللباس الـ ..
الشيخ: الإحرام. هل عملهم يتوقف على أن يبقوا بلباسهم المعتاد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هو باعتبار الجنود أوافق على هذا، أنهم لو جاؤوا بالإحرام اللي على جميع الناس ما صار لهم هيبة أبدًا، لكن إذا بقوا على لباسهم صاروا لهم هيبة، فهؤلاء لا بأس، نقول: البسوا لباسكم المعتاد ولا ضرر، لكن هل نقول: إنه على القول بوجوب الفدية عليهم تسقط عنهم الفدية في هذه الحال كما سقط عنهم وجوب المبيت؟
الظاهر نعم ما عليهم شيء؛ لأنهم إنما بقوا في لباسهم للمصلحة، أما الأطباء فليس بشرط، الطبيب الظاهر أحسن له أنه ما يكون عليه إلا إحرام عادي.
طالب: إسعافات يعني نزوله وركوبه يعني إسعافات ما (
…
).
الشيخ: ما فيها ضرر، يكون بإزار و (
…
) يترك الرداء.
***
طالب: والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك في سياقه لواجبات الحج:
والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنًى ومزدلفة إلى بعد نصف الليل، والرمي والحلاق والوداع والباقي سنن.
وأركان العمرة: إحرام وطواف وسعي، وواجباتها: الحلاق والإحرام من ميقاتها، فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه، ومن ترك ركنًا غيره أو نيته لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم أو سنة فلا شيء عليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ما الفرق بين الركن والواجب في الحج؟
طالب: أن الركن إذا ما أتى به الحاج لا يتم حجه.
الشيخ: نعم، الركن لا يصح الحج إلا به. والواجب؟
الطالب: إن لم يأت به فعليه دم.
الشيخ: يصح الحج بدونه وعليه دم. تمام.
أركان الحج: الإحرام، ما المراد به؟
طالب: نية النسك.
الشيخ: نية النسك، أو لباس الإحرام؟ نية النسك.
والركن الثاني؟
طالب: الوقوف بعرفة.
الشيخ: الوقوف بعرفة، وهذا هو الركن الخاص بالحاج. تمام.
الثالث؟
طالب: طواف الزيارة.
الشيخ: نعم، طواف الزيارة.
وشرطه؟
الطالب: شرط له.
الشيخ: شرطه من حيث الوقت؟
الطالب: الأفضل أن يكون يوم العيد ..
الشيخ: لا، شرطه في الوقت، شرطه ما هو السنة.
طالب: بعد عرفة وبعد مزدلفة.
الشيخ: أن يكون بعد عرفة ومزدلفة.
ما هو الدليل؟
طالب: الدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم ..
الشيخ: من القرآن.
الطالب: من القرآن؟
الشيخ: نعم.
الطالب: قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198].
الشيخ: طيب، (
…
).
الطالب: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198]، {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199].
الشيخ: لا.
الطالب: وقوله تعالى في سورة الحج: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] فقضاء التفث (
…
)؟
الشيخ: بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
الركن الرابع؟
طالب: السعي.
الشيخ: السعي بين؟
الطالب: بين الصفا والمروة.
الشيخ: بين الصفا والمروة. الدليل؟
الطالب: فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وغيره؟
طالب: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158].
الشيخ: قوله تعالى.
الطالب: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} .
الشيخ: من شعائر الله. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» (7).
ما معنى قوله: (الإحرام من الميقات) في الواجبات؟
طالب: المقصود أن يعقد نية الإحرام من الميقات.
الشيخ: المقصود أن يعقد نية الإحرام من الميقات، وليس المراد أن يحرم؛ لأن الإحرام سبق أنه ركن.
قوله: (الميقات المعتبر له)؟
طالب: المراد بذلك أن من مر على الميقات وكان في نيته أن يحج أو يعتمر فإن من واجبه أن يحرم من هذا الميقات.
الشيخ: نعم. المعتبر له، وليس المراد من أي ميقات، بل من الميقات المعتبر له.
قوله: (الوقوف بعرفة إلى الغروب) ما هو الوقوف بعرفة ركن؟ كيف جعله هنا واجبًا؟
طالب: على قول ..
الشيخ: (الوقوف بعرفة إلى الغروب)؟
طالب: من حيث الوقت، يعني (
…
).
الشيخ: يعني المعنى أنه يجب أن يمتد وقوفه إلى الغروب.
الطالب: هذا واجب.
الشيخ: هذا واجب. والوقوف أصله في وقته ركن.
ثم قال المؤلف: (والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنًى ومزدلفة) المبيتُ يعني أن يبيت في هذين المكانين بمزدلفة ومنى، والمراد: أن يبيت معظم الليل فيهما، سواء كان من أوله أو آخره بالنسبة لمنى، وأما في مزدلفة فلو وقف أدنى جزء قبل طلوع الفجر أجزأه؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له:«مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (8).
وقوله رحمه الله: (لغير أهل السقاية والرعاية) استثنى أهل السقاية الذين يسقون الحجاج من زمزم، وأما أهل الرعاية فهم الذين يرعون إبل الحجاج، وهذا في منى له دليل، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذِن لعمه العباس أو رخص له أن يبيت في مكة ليالي منى من أجل السقاية (9).
وكذلك الرعاة، رخص لهم أن يبقوا في إبلهم ويرموا يومًا ويدعوا يومًا. والحكمة ظاهرة لأن هنا فيه مصلحة عظيمة لعامة الحجاج بالنسبة للسقاية وبالنسبة لرعاة الإبل. لكن في مزدلفة لا وجه لذلك؛ لأن الناس كلهم في مزدلفة وليس ثمة سقاية، والإبل لا تُرعَى في ليلة المزدلفة؛ لأن الحجاج محتاجون لها، فهم راكبوها من عرفة إلى مزدلفة، ثم من مزدلفة إلى منى، لكن في منى لا يحتاجون إليها، تذهب إلى المرعى. فالصواب أنه لا يَستثنَى بالنسبة لمزدلفة لا أهل السقاية ولا أهل الرعاية، وأنه يجب عليهم المبيت كما يجب على غيرهم؛ لأن المعنى الذي من أجله سقط المبيت في منى لا يوجد في مزدلفة.
وقوله رحمه الله: (لغير أهل السقاية والرعاية) هل يلحق بهم من يتصرف للمسلمين عمومًا؟
سبق أن القول الراجح أنهم يُلحَقون بهم؛ إذ لا فرق، كرجال المرور والإطفاء والجنود، المهم كل من يحتاج لهم المسلمون، والأطباء وشبههم.
وقوله: (ومزدلفة إلى بعد نصف الليل) هذا من أتاها قبل انتصاف الليل يجب أن يبقى إلى نصف الليل، أما من أتاها بعد منتصف الليل فيكفي أن يكون إلى الفجر أو إلى آخر الليل في مزدلفة لمن تقدم خوفًا من الزحام.
وقوله رحمه الله: إن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج قول وسط بين قولين؛ أحدهما أن المبيت بها ركن من أركان الحج؛ لأن الله نص عليه في قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في حديث عروة بن مُضَرِّس: «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (8). وهذا القول قوي جدًّا، وابن القيم رحمه الله يميل إليه؛ إلى أن المبيت في مزدلفة -وإن شئت فقل: الوقوف في مزدلفة- ركن.
القول الثاني: أن المبيت في مزدلفة واجب، يصح الحج بدونه، ولكن على تاركه دم.
القول الثالث: أنه سنة. وهذا ضعيف. القول بأنه سنة ضعيف، كيف يكون سنة وقد نص الله عليه، وحافظ عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ !
أما المبيت في منى فلم يقل أحد من العلماء: إنه ركن، لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنة؛ فمنهم من يرى أنه واجب، وعلى هذا في تركه دم، على القاعدة المعروفة، ومنهم من يرى أنه سنة وليس بواجب، ومنهم من يفرق بين الليلة والليلتين والثلاث.
والإمام أحمد لما قيل له: إن فلانًا يقول: في تركه دم؛ ضحك رحمه الله وقال: هذا شديد. وهذا يدل منه على أن المبيت في منى سنة. فالمبيت بمنى لا ينبغي أن نشدد فيه، ما دام العلماء من التابعين فمن بعدهم بعضهم يرخص فيه ويرى أنه إذا ترك ليلة فلا شيء عليه، وبعضهم يقول: يتصدق بدرهم، وبعضهم يقول: يتصدق بشيء بقبضة من طعام أو نحو ذلك، فهو عند العلماء ليس بمنزلة المبيت في مزدلفة، ولهذا صار الإفتاء الآن بأنه إذا كانت منى ضيقة فإن الإنسان يبيت في أي مكان شاء، سواء في مكة أو في مزدلفة أو وراء ذلك.
ولكن سبق لنا أن الذي ينبغي أن يضرب خيمته عند آخر خيمة، سواء كان من جهة العقبة، أو من جهة وادي مُحَسِّر؛ لأجل أن يكون مظهر الحاج واحدًا.
(والرمي) رمي الجمار، الثلاث في أيام التشريق، والعقبة في يوم العيد، فهو من الواجبات، لو ترك الأيام كلها لم يرم فعليه دم واحد، ولو ترك ثلاث حصيات من آخر جمرة فعليه دم، على ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله.
ما هو الدليل على أن رمي الجمرات واجب؟
الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم حافظ عليه، وقال:«بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا» (10).
وكونه يحافظ عليه ويأمر أن نرمي بمثل هذه الحصيات يدل على أنه مهم. وأقل الأحوال أن نقول: إنه واجب.
الثالث: الحلق أو التقصير، يعني المؤلف ما ذكر التقصير، لكن معروف. الحق أو التقصير واجب من الواجبات، وليس كما قيل: إطلاقًا من محظور. لأن بعض العلماء يقول: الحلق يعني أن إحرامك انتهى، وقصصت الشعر أو حلقته، وليس بنسك وعبادة. ولكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأننا لو قلنا: إنه إطلاق من محظور لقلنا: إذن يتحلل بجماع زوجته، إذا رمى ونحر يقول: بدل حلق الرأس يجامع زوجته؛ لأن جماعه يدل على أنه حَلَّ وانتهى. وكيف يكون إطلاقًا من محظور والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا للمُحَلِّقِينَ ثلاثًا، وللمُقَصِّرينَ مرَّة (11)، وحافظ عليه.
والصواب أنه واجب، وأنه من باب تعظيم الله عز وجل، والتعبد له، وهذا مشهور حتى في عرف الناس؛ فإن عابد البشر إذا قابله حلق رأسه أمامه تعظيمًا له، فهو -أعني الحلق أو التقصير- قد دل العرف على أنه من باب التعظيم، فهو إذن عبادة، والصواب أنه واجب، ولكن سبق لنا أن الواجب أن يعم جميع الرأس، لا يجوز الاقتصار على بعضه؛ لأنه نسك، وليس إطلاقًا من محظور.
قال: (والوداع) يعني طواف الوداع، وطواف الوداع ليس واجبًا في النسك، وإنما هو واجب للخروج من مكة، ولذلك لو أن الحاج بقي في مكة، يعني نواها محل إقامة، هل يجب عليه أن يطوف؟
لا، فهو خارج عن واجبات الحج، لكنهم ألحقوه بواجبات الحج لأن حكمه حكم الواجبات في وجوب فعله، ومن لم يفعله فعليه دم.
قال: (والباقي سنن) الحج له الآن أربعة أركان، والواجبات سبعة، هذه إحدى عشرة، والباقي من أفعال الحج سنن، وهنا ننظر هل في هذه الأركان والواجبات شيء من الأقوال؟ انظروا.
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
طالب: (
…
).
الشيخ: لا، أقوال.
طالب: الواجبات ما فيها شيء
الشيخ: ما فيه شيء، يعني على ما يفيده كلام المؤلف وغيره من الفقهاء أن الإنسان لو سكت من حين أحرم إلى أن خلص فحجه صحيح، لكنه ناقص جدا، الحج فيه ذكر الله عز وجل، في الطواف، في السعي، في الوقوف، في الرمي، وكيف نجرده من شيء قد يكون هو لُبه؟ ! ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن التلبية واجبة، بل ذهب بعضهم إلى أنه لا ينعقد النسك إلا بها، وأنها في النسك بمنزلة تكبيرة الإحرام.
قال: وأركان العمرة: إحرام وطواف وسعي، وواجباتها: الحلق والإحرام من ميقاتها) أما الطواف والسعي فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها أن تطوف وتسعى، وقال:«طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (12).
وأما الإحرام من الميقات فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقَّت المواقيت وقال: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» (13).
وأما الحلق فكما سمعتم دليله في الحج.
ثم عاد المؤلف ليبين أحكام هذه الأركان والواجبات والسنن، قال:(فمن ترك الإحرام لم يَنعقد نسكُه) لأن الإحرام نية، ولا يدخل في العبادة إلا بالنية. ومن نوى ولم يلبس ثياب الإحرام انعقد نسكه لأن الإحرام ليس بلباس الإحرام ولكنه النية؛ نية النسك.
(ومن ترك ركنًا غيره أو نيته لم يتم نسكه إلا به) ما هي الأركان غير الإحرام؟ الطواف والسعي والوقوف، من ترك واحدًا منها لم يتم نسكُه، وسيأتي إن شاء الله في باب الفوات والإحصار حكم ترك هذه الأركان.
وقوله: (أو نيته) لو قال: أو شرطه لكان أعم، فمثلًا إذا قلنا: من شرط الطواف أن يجعل البيت عن يساره، وطاف وجعل البيت عن يمينه، فقد طاف بالبيت لكن ترك شرطًا في الطواف، وهو أن يجعله عن يساره، كذلك لو طاف بغير طهارة على القول باشتراط الطهارة في الطواف، فقد طاف بالبيت لكن لا يصح طوافه بناء على اشتراط الطهارة في الطواف.
فلو قال رحمه الله: أو شرطه لكان أعم، تدخل فيه النية وغيرها مما يشترط.
(لم يتم نسكه إلا به) يعني لا بد أن يأتي به. وظاهر كلامه حتى لو كان ذلك للضرورة، لا بد أن يأتي به، فإن عجز عن ذلك فسيأتي إن شاء الله في باب الفوات والإحصار حكمه.
(لم يتم نسكه إلا به) والدم عرفتموه سابقًا أنه شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة. دليل هذا الأثر المروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: مَن تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا (14). قالوا: وهذا حكم لا مجال للاجتهاد فيه، فيكون له حكم الرفع. يعني كأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.