المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب طريق الحكم وصفته] - الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين - جـ ٢

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌(باب صفة الصلاة)

- ‌[مكروهات الصلاة]

- ‌[أركان الصلاة وواجباتها]

- ‌[باب سجود السهو]

- ‌(كتابُ الْمَنَاسِكِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط وجوب الحج والعمرة]

- ‌[باب المواقيت]

- ‌[باب الإحرام]

- ‌(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)

- ‌(بابُ الفِديةِ)

- ‌(باب جزاء الصيد)

- ‌[باب صيد الحرم]

- ‌[باب ذكر دخول مكة]

- ‌[باب صفة الحج والعمرة]

- ‌[باب الفوات والإحصار]

- ‌[باب الهدي والأضحية]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب البيع

- ‌[باب شروط البيع]

- ‌[باب الشروط في البيع]

- ‌[باب الخيار]

- ‌[باب الربا والصرف]

- ‌[باب بيع الأصول والثمار]

- ‌[باب السلم]

- ‌[باب القرض]

- ‌[باب الرهن]

- ‌[باب الضمان]

- ‌[باب الحوالة]

- ‌[باب الصلح]

- ‌[باب الحجر]

- ‌[باب الوكالة]

- ‌(باب الشركة)

- ‌[باب المساقاة]

- ‌[باب المزارعة]

- ‌[باب الإجارة]

- ‌[باب السبق]

- ‌[باب العارية]

- ‌[باب الغصب]

- ‌[باب الشفعة]

- ‌[باب الوديعة]

- ‌[باب إحياء الموات]

- ‌[باب الجعالة]

- ‌[باب اللقطة]

- ‌[باب اللقيط]

- ‌(كتابُ الوَقْفِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الهبة والعطية]

- ‌[فصل في تصرفات المريض]

- ‌[مدخل]

- ‌كتاب الوصايا

- ‌[باب الموصى له]

- ‌[باب الموصى به]

- ‌[باب الوصية بالأنصباء والأجزاء]

- ‌[باب الموصى إليه]

- ‌(كتابُ النِّكاحِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[أركان النكاح]

- ‌[شروط النكاح]

- ‌[باب المحرمات في النكاح]

- ‌[باب الشروط والعيوب في النكاح]

- ‌[باب نكاح الكفار]

- ‌[باب الصداق]

- ‌[باب وليمة العرس]

- ‌[باب عشرة النساء]

- ‌[باب الخلع]

- ‌(كتاب الطلاق)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب ما يختلف به عدد الطلاق]

- ‌[باب الطلاق في الماضي والمستقبل]

- ‌[باب تعليق الطلاق بالشروط]

- ‌[باب التأويل في الحلف]

- ‌[باب الشك في الطلاق]

- ‌[باب الرجعة]

- ‌(كتابُ الإيلاءِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[من يصح منه الإيلاء]

- ‌[مدة الإيلاء وما تحصل به الفيئة أو فسخ النكاح]

- ‌(كتابُ الظِّهارِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[كفارة الظهار]

- ‌(كتابُ اللِّعانِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط صحة اللعان]

- ‌[ما يلحق من النسب]

- ‌(كتابُ العِدَدِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الاستبراء]

- ‌(كتابُ الرَّضَاعِ)

- ‌[مدخل]

- ‌[شروط الرضاع المحرِّم]

- ‌[من يُحَرَّم بالرضاع]

- ‌[مدخل]

- ‌[باب نفقة الأقارب والمماليك والبهائم]

- ‌[باب الحضانة]

- ‌[باب شروط القصاص]

- ‌[باب استيفاء القصاص]

- ‌[باب العفو عن القصاص]

- ‌[باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس]

- ‌(كتاب الديات)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب مقادير ديات النفس]

- ‌[باب ديات الأعضاء ومنافعها]

- ‌[باب الشجاج وكسر العظام]

- ‌[باب العاقلة وما تحمله]

- ‌[باب القسامة]

- ‌(كتاب الحدود)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب حد الزنا]

- ‌[باب حد القذف]

- ‌[باب القطع في السرقة]

- ‌[باب حد قطاع الطريق]

- ‌[باب حد المسكر]

- ‌[باب قتال أهل البغي]

- ‌[باب التعزير]

- ‌[باب حكم المرتد]

- ‌(كتاب الأطعمة)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب الذكاة]

- ‌[باب الصيد]

- ‌(كتاب الأيمان)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب جامع الأيمان]

- ‌[باب النذر]

- ‌(كتاب القضاء)

- ‌[مدخل]

- ‌[باب آداب القاضي]

- ‌[باب طريق الحكم وصفته]

- ‌[مدخل]

- ‌(كتاب الشهادات)

- ‌[باب موانع الشهادة وعدد الشهود]

الفصل: ‌[باب طريق الحكم وصفته]

الشيخ: بيحكم لنفسه، لكن لو فُرض أنهما تخاصما عنده، وحكم على نفسه، على وكيله ينفذ ولَّا لا؟

طالب: ينفذ.

الشيخ: ينفض بنص القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135]، فيحكم على نفسه فينفذ حكمه على نفسه، ولا يحكم له، هذه واحدة، الحكم لنفسه سواء استقلالًا أو اشتراكًا.

ثانيًا: الحكم لأصوله أو لفروعه لا يؤخذ، لماذا؟ لأنه متهم فيهم؛ ولهذا قال الله تعالى:{وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، فالإنسان في الحقيقة متهم إذا حكم لولده أو لوالده، الحواشي مثله ولَّا لا؟

طلبة: لا.

الشيخ: لا، الحواشي مثل أخيه وعمه وخاله لا بأس أن يُحكم لهم؛ لأنه غير متهم والتهمة بعيدة، كذلك لا يحكم أحد الزوجين لصاحبه، موافقون؟

طلبة: لا.

الشيخ: ليش؟

طلبة: (

).

الشيخ: لأن الزوجة ما يمكن أن تكون قاضية، لكن لا يحكم الزوج لزوجته.

طلبة: صالحة.

الشيخ: تكون صالحة؟ كل من لا تقبل شهادته له على ما يوصف الشهادة، فكل من لا تُقبل شهادته له لا يُقبل حكمه له، ولكن حُكمه عليه يقبل ولَّا لا؟

طالب: يُقبل.

الشيخ: يقبل لقوله تعالى: {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135].

[باب طريق الحكم وصفته]

(أما طريق الحكم وصفته) فطريق الحكم ما يُتوصَّل به إلى الحكم، هذا الطريق، طريق البلد ما يُتوصل به إلى البلد، طريق الحكم ما يُتوصل به إلى الحكم؛ يعني كيف يتوصل القاضي إلى الحكم بين الناس؟ (

).

ص: 3886

على كل حال نفرض -بل هو الواقع- أن الحكومة تكون بين خصمين، ونعني بالخصم ما يشمل الواحد والجماعة؛ لأن الخصم يُطلق على الواحد والجماعة {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] خصْم تسوروا جمع، {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ} [ص: 22]، فدل هذا على أن كلمة خصم تكون للواحد؛ أي للواحد والاثنين والثلاثة فأكثر.

إذا حضر إليه خصمان فإنه يسأل أيهما المدعِي، يقول: أيكما المدعي؟ فإن سكت ولم يسأل القاضي حتى بدأ أحدهما فله ذلك، ولكن لا يبقى ساكتًا، وهؤلاء ساكتون، إذا كان الخصمان كل منهما ينتظر سؤال القاضي فليسأل، أما إذا كان قد عرف ذلك فلا حاجة إلى أن يسأل؛ لأنه قد يكون بعض القضاة له هيبة في صدور الناس، إذا قال: ادخلوا مثلًا، ودخلوا يسكتون ما يتكلمون حتى يسأل، فإذا كان هذا حال القاضي فإنه يجب أن يسأل.

وإذا كان القاضي عاديًّا فإنه لا بأس أن يسكت حتى يتكلم أحدهما فيقول: أيكما المدعي؟ فإذا ادعى فأقر له الخصم حكم عليه إذا ادعى، قال: أنا أدعي على فلان بكذا، فأقر له الخصم، قال: نعم، صحيح أن ما ادعاه عليَّ فإنه عليَّ وأنا مستعد بتسليمه، يحكم له عليه، لكن هذه الصورة تقع ولَّا ما تقع؟

طالب: تقع.

الشيخ: هي في الحقيقة قد نقول: إنها لا تقع؛ لأنه لو كان يريد أن يقر له ما أكله فقد نقول: إنه حدث له أن يتقي الله سبحانه وتعالى عندما حضر عند القاضي قال: أنا مثلًا الآن بين يدي حكم أستطيع أن أتخلص منه بالإنكار، ولكني سأكون بين يدي حكَم لا أستطيع أن أتخلص منه بالإنكار، فحينئذٍ يتقي الله سبحانه وتعالى وهو (

).

مثل قصة المرأة التي كان لها ابن عم يُريدها على نفسها، وتأبى عليه حتى ألمت بها سَنَة فوافقت، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت: اتقِ الله ولا تفُضَّ الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه.

ص: 3887

هذا الرجل متى حصل له هذه التقوى؟ حينما أراد أن يفعل وأن يباشر؛ فالإنسان قد يكون له حالات عند إيقاع الفعل غير حالاته عند بُعده عن الفعل، فهذا الرجل قد يتقي الله سبحانه وتعالى عندما يحضر عند القاضي ويقر، هذه واحدة، ربما يفعل ذلك لأجل أن يتخلص من الأمر في المستقبل؛ لأنه في هذه الحال بيعطى صكًّا بهذا الشيء، وكثير من الناس قد يخشى على نفسه في المستقبل أنه يهينك، يعني يقر لخصمه اليوم، لكن يخشى على نفسه في المستقبل أن ينكر إما لوجود تقديرات بعيدة أو قريبة كما يوجد الآن -حسب ما نسمع- بعض الناس يكون عنده نية على أن يقر بما يجب عليه، ويقول لأولاده: لا تكترثوا، هذا ما عنده بينة أن هذه أرضه هي أرض كثيرة وزين (

)، لكن يحب أن يروح للقاضي يثبت الحكم عنده حتى لا يبقى أي احتمال للرجوع.

إنما على كل حال، المسألة إذا وقعت ويمكن تصويرها بعدة صور، وإن كان ما فائدة وقعت، وأقر له حكَم عليه، وإذا كانت من عادة الناس أن يُعطوا صكًّا بهذا فإنه يجب على القاضي أن يكتب لهم به صكًّا.

طالب: (

).

الشيخ: لا، أقر به بالكلام، السكوت ما يكفي. إذا لم يُقر طلب من المدعي البينة، طلب من؟

طالب: القاضي.

الشيخ: طلب القاضي من المدعي البينة فقال: إن كان لك بينة فأحضرها، فإن أتى بها حَكَم بها، طبعًا إذا كان له بينة وأتى بها حكم بها. وهل يحكم على حسب شهادتها أو على حسب دعوى المدعي؟

الجواب: يحكم على حسب شهادتها، قد يدعي بألف، وتشهد بثمان مئة فيكون الحكم على أي شيء؟

طالب: على شهادتها.

ص: 3888

الشيخ: على ما شهدت به ما لم تكن الشهادة متضمنة لتكذيبه، فإن كانت متضمنة لتكذيبه لم يُعتد بها مثل أن يدعي عليه ألف درهم ثمن المبيع، ثم تشهد بأن عليه ألف درهم أرش جناية، الآن البينة شهدت بما لم يدَّعِ، فطبعًا ما يحكم له بها حتى لو كان الآن المؤدى واحدًا في الحقيقة، دعواه وشهادة البينة ويش يتضمن؟ ثبوت ألف في ذمته، لكن اختلف السبب فلا يُحكم له بذلك.

لا بد أن تشهد البينة بمقتضى السبب الذي ادعى به، فإذا شهدت بالحق أو بما في ذمته، واختلف السبب فلا يُعتد به (

)، وإلا حلف الخصم على نفي ما ادُّعِي عليه وخُلِّي.

إذا قال المدعي: ما لي بينة، أو قال: ما عندي بينة، أو قال: لا أعلم بينة، في هذه المسائل كلها نقول: يتوجه الآن على الخصم اليمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1). فنوجِّه الآن اليمين على الخصم المدَّعَى عليه.

وهنا أظن سيُذكر أنه يفرق بين قول المدعي: ما لي بينة، وقوله: لا أعلم لي بينة؛ إذا قال: ما لي بينة، ثم أتى بها فيما بعد؟

طالب: لا تصح.

الشيخ: فإنها لا تصح، وإذا قال: لا أعلم لي بينة، ثم أتى بها فيما بعد.

طالب: قُبلت.

الشيخ: قُبلت؛ لأنه في الأثر الثاني نفى العلم، وقد يكون الإنسان جاهلًا ببينته أو ناسيًا، ثم يذكر أو يعلم فيأتي بها، أما إذا قال: ما لي بينة فقد نفاها، فإذا أتى بها بعدُ فإنه هو نفسه قد شهد بتكذيبها حيث قال بالأول: ما لي بينة.

ولاحظوا -في الحقيقة- أن هذا الأمر بالنسبة للعوام لا يفرقون، أليس كذلك؟

طلبة: بلى.

الشيخ: العامي اللي ما عنده بينة وما أعلم بينة.

طالب: كله سواء.

الشيخ: كلها سواء، ولذلك المذهب الأول؛ وهو أنه يفرق بين الكلمتين، والقول الثاني أنه إذا كان ذلك من عامي لا يتم التفريق بينهما؛ فإنه إذا أقام بينة بعد تُقبل سواء قال: لا أعلم أو قال: ما لي بينة.

ص: 3889

وهذا هو الصحيح؛ لأن الواجب أن نأخذ الناس بما يفهمون من الأقوال، هذا هو الواجب؛ إذ إن الأقوال هي قالب المعاني، والمعاني هي المقصودة، والإنسان في أمر لا يعرفه لا يمكن أن يقصده؛ إذ إن تتبع العلم.

قوله: (وإلا حلف الخصم)(حلف) للقاضي الحق بأن يُوجه اليمين على المدَّعى عليه قبل أن يسأل ذلك المدعِي؟ هذا أيضًا اختلف فيه الفقهاء، بعضهم يرى أنه يجوز للقاضي أن يُوجِّه اليمين إلى المدَّعَى عليه، وإن لم يطلبه المدَّعِي، وبعضهم يقول: إنه لا يلزمه، بل إنه لا يملك توجيه اليمين إلى المدَّعَى عليه حتى يطلب المدَّعِي ذلك، والأقرب أن للقاضي أن يُوجِّه اليمين إلى المدَّعَى عليه؛ لأننا لو قلنا بعدمه؛ معناه انصرف الخصمان الآن بدون أي فائدة، وبدون أي حل لمشكلتهما، ثم يلزم من هذا أن يأتي إلى القاضي كل يوم يجلسانِ يتخاصمان، ويضيعان الوقت عليه، وآخر الأمر لك بينة؟ ما لي بينة يقول: قوموا.

هذا لا شك أنه ضرر حتى في مجلس القضاء، ولذلك الصحيح، والرواية الصحيحة أن له أن يُحلِّفه بدون طلب المدعي، وحينئذٍ يحكم ببراءته، ولكنه ليست براءة تامة، فلو أتى المدعِي بعد ببينة فإنه يُحكم له بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق كما سيُذكر.

طالب: (

).

الشيخ: إي نعم.

الطالب: (

).

الشيخ: على المذهب ما يمكن.

الطالب: (

).

الشيخ: هو ما رضي، هو الغالب أنه لو رضي بالبينة ما قام عليه بينة، لكن مع ذلك يقول: ما تقبل سواء كان جاهلًا أو ناسيًا، وهو قد يكون جاهلًا -كما قلت- يكون مثلًا قد سمع من الناس وهو ما شافه مثلًا، أو أقر المدعى عليه بالحق عند أناس وهو ما علم، وقد يعلم وينسى؛ ولهذا الصحيح أنه تقبل لا سيما إذا كان عاميًّا، أما طالب العلم فإنه يعرف الفرْق فيكون يعني مُعذَّرًا بما يكون فيه الحيطة في نفسه.

طالب: (

).

الشيخ: أيش؟

الطالب: اليمين (

).

ص: 3890

الشيخ: لأن اليمين هذه لحل النزاع فقط، نجيب للناس الحق، فالأصل هو البينة لكن البينة على المدعى عليه، وهو يقول: أنا ما أعلم، ثم علم.

طالب: (

).

الشيخ: لا، هي ما تكون ملزمة للحق.

يقول: (على نفي ما ادعى عليه، وكل، فإن أقام المدعي البينة بعد ذلك حُكِم بها ولم تكن يمينًا ملزمة للحق)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَلَكِنْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (1)، وإن نكر الخصم عن اليمين قُضِي عليه بالنكول بدون يمين المدعي وقيل: بيمين المدعي، وهذا فيه تفصيل.

الآن المدعِي قال: ما عندي بينة، والمدعى عليه لم يحلف، قال: ما أنا بحالف، نجيب الشهود ولا أنا بحالف، نلزمه باليمين، وإلا نقضي عليه، نقول: إما يحلف وإلا قضينا عليه، إذا قال: ما أنا بحالف هو المدعي يأتي ببينة، نقول له: ماذا يضرك من اليمين؟ إن كنت صادقًا فاليمين لا تضرك، وإن كنت كاذبًا تبوء بالإثم.

فإذا قال قائل: إن هذا المدعِي سيحلف ولا يُبالي؟

نقول: نعم، ليس لك إلا يمين؛ يمين الخصم؛ لقول الرسول:«شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (2). ما لك إلا يمينه، وهو إذا كان يكذب فليس عليك، فالحلف وحلَّفناه، ما فيه إلا أن نحلفك، فليس لك عليه حق، إذا نكل يُقضى عليه بالنكول، أيش معنى نكل؟

طلبة: امتنع.

الشيخ: امتنع عن اليمين، يقضي عليه القاضي بالنكول، وهذه أحد الطرق التي يُحكم بالحق فيها، فيقضي عليه بالنكول، لكن هل يُحلَّف المدعي أو لا يُحلَّف؟ المذهب أنه لا يُحلَّف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1). وهذا المدعِي مُنكِر ولا مطالِب؟

طالب: مطالِب.

الشيخ: مطالِب؛ فلا يُحلَّف. وقال بعض العلماء: بل يُحلَّف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل اليمين في جانب المنكر لقوة جانبه، بماذا قوي جانبه؟

طالب: بيمينه.

ص: 3891

الشيخ: لا؛ لأن معه الأصل، الأصل عدم الثبوت الأصل وهو البراءة، فإذن صار الواجب في حقه اليمين، هنا لما نكر المدعى عليه، ويش اللي ترجح الآن؟

ترجح جانب المدَّعِي ولَّا لا؟

طالب: نعم، ترجح.

الشيخ: فالمدعي ما له بينة يا جماعة، لما نكر المدَّعَى عليه لا شك أنه يقوم في نفوسنا قرينة ظاهرة على أيش؟

طالب: صدق المدَّعِي.

الشيخ: على صدق المدَّعي، وإذا ترجح جانبه بسبب نكول المدعى عليه صار توجه اليمين إليه قويًّا؛ لأن اليمين في الحقيقة ليست في جانب المدَّعِي دائمًا، أو في جانب المدعى عليه دائمًا، أحيانًا تكون في جانب المدعِي، وأحيانًا تكون في جانب المدَّعى عليه، وقد مر علينا أيضًا في القسامة؛ أن اليمين في جانب المدعِي مع أنه مدعِي، ومر علينا أيضًا لها نظائر، وهو أن الرجل والمرأة إذا ادعيا شيئًا في البيت فالذي يصلح للرجل يكون للرجل، واللي يصلح للمرأة يكون للمرأة، ومضى علينا واحد معه شماغان وواحد أصلع.

طالب: (

).

الشيخ: من يترجَّح؟

طالب: الأصلع.

الشيخ: جانب الأصلع، وعلى هذا فقِسْ. إذن القول بأنه تُردُّ اليمين على المدعِي إذا نكل المدعَى عليه له وجه ولَّا لا؟

طالب: له وجه.

الشيخ: له وجه، فيه رأي ثانٍ: التفصيل، فيه رأي آخر: التفصيل، وهو أنه ينبغي للقاضي أن ينظر في جانب المدَّعِي والمدعَى عليه قد يكون المدَّعَى عليه يقول: ما أنا بحالف، أنا موفيه مثلًا، ولا أنا بحالف، ويكون المدعِي معروف بأيش؟ معروف بالفجور، فحينئذٍ نقول للقاضي: حلِّفه، ولا تحكم له إلا بيمينه؛ لأنه في هذه الحال ما دام أننا نعرف أن المدعى عليه الذي امتنع أن يحلف أنه رجل أمين وذو ورع، ولكنه تحرج عن اليمين، وأن الثاني أيضًا معروف بالفجور ودعوى ما ليس له وإنكار ما عليه فإنه ينبغي أن ترد اليمين إلى المدعي؛ وهذا قول التفصيل وهو الظاهر لي.

ص: 3892

وحينئذٍ إذا قال قائل: كيف نذهب إلى التفصيل والمسألة فيها قولان، والمعروف أن العلماء إذا اختلفوا على قولين لم يجز إحداث ثالث؟ وهذا معروف عندكم في أصول الفقه.

طلبة: نعم.

الشيخ: نقول: إذا كان القول الثالث لا يخرج عن القولين فإنه يجوز؛ لأن هذا التفصيل يوافق أحد القولين في حال، وأحد القولين في حال أخرى، أما اللي ما يجوز مثل لو قال أحد العلماء: هذا واجب، والآخر قال: هذا مستحب، والثالث قال: هذا مباح، فهذا اللي يقول بالإباحة مثلًا إذا أجمعوا على أنه إما مستحب أو واجب يكون قولًا خارجًا عن الإجماع، وأما التفصيل فإنه لا يخرج عن محل الإجماع.

وشيخ الإسلام أحيانًا يأتي بمثل هذا ويقول: وهو بعض قول من يقول بكذا، بعض قول؛ لأن حقيقة الأمر أنه بعض من يقول: ترد اليمين على المدَّعي ومن يقول: لا تُرد، قولوا يا جماعة.

طالب: (

).

الشيخ: ويش وجه التبعيض؟ أنه في حال يأخذ بقول من يقول تُرد، وفي حال أخرى يأخذ بقول من يقول: لا ترد. إذن الصواب، قلنا: طريق الحكم (

). المدعى عليه يعني ما يُحكم له به.

طالب: (

).

الشيخ: كلهم على ما يحل، نعم، يبقى بيد المدعى عليه، ويقال للمدعي الآن: إذا كنت صادقًا في دعواك، فما الذي يضرك إذا حلفت؟

طالب: (

).

طالب آخر: إذا حلف ثبت.

الشيخ: لا بأس، هو شوفوا يا جماعة، لا يشفع له، إذا حلف المنكر قال: والله ما هذا الذي بيدي لفلان، بل هو لي، قلنا للمدعي: خلاص روح، ما لك شيء، واضح يا جماعة؟

طلبة: نعم، واضح.

الشيخ: إذا قال المنكر: ما أنا بحالف، هو يجي ببينة ولَّا ما يجي، ولا أنا بحالف. على المذهب؟

طالب: يكره.

الشيخ: يكون -لا يُكره على الحلف- نكوله حُكمًا للمدعِي، فيُؤخذ المدَّعَى به، ويُعطَى المدعِي، وتنتهي القضية.

ص: 3893

بعض العلماء يقول: نعم، الحكم كذلك إذا نكل المدَّعَى عليه، ولكن لا بد أن نُحلِّف المدعي؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3) إنما جعلت اليمين على من أنكر لقوة جانبه، فهنا قوي جانب المدعي، لما نكل المدعى عليه قوي جانب المدعي؛ فوجب أن تكون اليمين في حقه فيحلف، إن حلف حُكِم له، وإن لم يحلف؛ لم يحكم له وبقيت في جانب المدعى عليه.

فيه رأي ثالث يقول بالتفصيل: إذا علم القاضي بأن المدَّعِي رجل صدوق فلا يحتاج إلى تحليفه، وإذا علم أنه رجل قد يدَّعي ما ليس له فإنه يُحلِّفه.

في هذه الصورة يا جماعة، هذا الذي ذكرنا هل ينطبق على جميع الناس، وفي جميع الدعاوي؟ يعني مثلًا افرض واحد قال: أنا أطلب رئيس الوزراء شيخ تميم؛ لأنه اشترى مني حزمة بقل، ويش تقولون في ها الدعوى؟

طالب: لا، ما تصح.

الشيخ: يحضر عند القاضي؟

طلبة: لا.

الشيخ: ما يحضر؛ ولهذا هذه المسألة موضع خلاف بين العلماء طويل عريض. فعام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3). وهذا عام، ولم يفرق، وبعضهم يقول: إن من القواعد المقررة شرعًا أن ما خالف الحس لا يُقبل، وهذا مخالِف للمحسوس، هل من المعقول أن رئيس الوزراء مثلًا يجي يشتري من هذا الرجل حزمة بقل؟

طالب: (

).

الشيخ: لا، ما هو معقول، لا والله يا شباب وإلى اليوم (

)، هذا في الحقيقة بعيد جدًّا، هذا ربما يكون مثلًا في بلاد غير بلده؛ في بلد ليس بها رئيس وزراء يجوز، هذا ممكن، يسافر للخارج، وإذا سافر إلى خارج بلده، تعرف الغريب ما يهتم بهذا الموضوع.

فهذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء، ولكن الحقيقة أنه إذا كانت الدعوى التي يكذبها الحس هي غير مقبولة.

طالب: (

).

الشيخ: خلاص انتهى، ما عاد يمكن إذا حكمنا ببينته ما عاد يمكن؛ لأنه حكمنا له باليمين كبينته.

ص: 3894

طالب: (

).

الشيخ: المدعي معلوم، إذا قال: أنا ما أعرف إذا قال: أنا ما أرضى أنه يقول: إذا لم يكن لك بينة ما لك شيء إلا بمثل القتل كما في القسامة فإنه يُودَع من بيت المال، أما هذا نقول: ما لك شيء، إذا ما رضيت ما لك شيء، تجيب بينة ولَّا ما لك شيء.

طالب: شيخ، ما هي صيغة اليمين؟

الشيخ: صيغة اليمين: واللهِ ما له عليَّ شيء، أو: واللهِ ما له حق في هذه العين المدعى بها، حسب عادة ما يكون الجواب يحلف على حسب جوابه.

الطالب: صيغة يمين خاصة قوية؟

الشيخ: ما سمعت.

الطالب: مثلًا يقول: والله والله مثلًا، يعني ..

الشيخ: لا، أبدًا، تغليظ اليمين يكون في مواضع، بعض العلماء يقول: يغلظ اليمين في مواضع؛ في الأشياء التي لها خطر؛ لأنها تُغلَّظ في الزمان، وفي المكان، وفي الهيئة، وفي الصيغة.

في الزمان بعد العصر، وفي المكان عند المحراب، وفي الهيئة قائمًا، وفي الصيغة مثل أن يقول: والله الذي لا إله غيره، عالم الغيب والشهادة، الغالب القادر، وما أشبه ذلك، من الأشياء التي يكون لها قوة لكن هذه ما في كل يمين، في المسائل الخطيرة، مثل أموال كثيرة، أو دماء، أو ما أشبه ذلك.

طالب: (

).

الشيخ: لا، ما له حلف مثلما قلت: إن الأمور الخطيرة هي نعم بتغلظ وغير الخطيرة ما هي بتغلظ.

الطالب: (

).

الشيخ: لا، ما (

) هذه -والعياذ بالله- العقوبة تسير في الإنسان مهما كان حسب ما سمعنا إن كثيرًا من الناس حلفوا كذبًا ورأوا العقوبة حاضرة -والعياذ بالله- حدثني واحد من الناس يقول: إنه كان بينه وبين شخص في (

) دعوى طلب، وأنه أنكر المطلوب وحلف عند القاضي، فخرج إلى الرياض في سيارته ومعه زوجته وأولاده فحصل لهم حادث وماتت زوجته وأولاده بقي هو فقط منفردًا والعياذ بالله.

وهي الغالب أنها الحقيقة، أنها كما جاء في الحديث:«أَنَّهَا تَذَرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ» . (4) اليمين الغموس أبدًا ما يعيش صاحبه، والعياذ بالله، إلا كمثل إرادة من الله.

ص: 3895

يقول المؤلف: (وإن نكَل قُضِي عليه بالنكول، وإن تداعيا عينًا بيد أحدهما، وأقام كل منهما بينته بأنها).

طالب: بأنه.

الشيخ: بأنه، الصواب (بأنها له قضي بها للخارج، والراجح للداخل، وهو الذي بيده العين لقوة جانبه باليد). (تداعيا عينًا بيد أحدهما) كل واحد منهما أقام بينة أنها له، ويش دل؟

طالب: (

).

الشيخ: إي نعم.

الطالب: (

).

الشيخ: يا سليمان، أقام سليمان بينة أنه له، وأقام عبد الرحمن بينة أنه له، فهمتم الآن؟ فماذا نصنع؟

المذهب يُقضى للخارج، الخارج اللي ما هي بإيده، وهو عبد الرحمن، فيُقضى له ببينته ويأخذها من سليمان، لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3). فالمنكر جانبه له اليمين، والمدعي جانبه له البينة، وقد أتى بالبينة فيُحكم له فيها، يحكم له بها، هذا هو وجه نظرهم.

وقال بعض العلماء: يُقضى بها للداخل الذي هي بيده؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . ليس معناه أن البينة على المدعي وأن اليمين على من أنكر أنه لو أتى من أنكر بالبينة لم تُقبل، بل لأن الغالب أن من هي بيده لا يحتاج إلى بينة؛ لأنه معه الأصل، وهي أن الأصل أن ما بيد الإنسان فهو له، وهنا نقول: إذا وزنا القولين بالقسط، قلنا: كل من القولين أو من الدعويين كل منهما فيه بينة، صح ولَّا لا؟

طالب: نعم.

الشيخ: فتتساقط البينتان؛ بينة هذا تسقط بينة هذا، ويبقى المدَّعى عليه يترجح جانبه بأي شيء؟

طالب: باليد.

الشيخ: إي نعم، باليد الذي هو الأصل فنقول: إذا أردنا أن نزن والشرع كله ميزان: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17] فنقول: نزن، البينة هذه تسقط هذه، ويبقى جانب من بيده العين مترجحًا فيحكم له بيمينه، والله أعلم (

).

ص: 3896

شروط الدعوى: الدعوى هي ادعاء الإنسان على غيره حقًّا، سواء كان هذا الحق عينًا أو دينًا، أو أي حق من الحقوق؛ فالدعوى معناها إضافة الإنسان لنفسه شيئًا على غيره، هذه الدعوى بأن يقول: هذا لي، أو لي الحق الفلاني، أو ما أشبه ذلك، والدعوى لا تُقبل إلا بوجود بينة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1).

شروط الدعوى أولًا: (إن كانت تحس)، يعني أن يمكن أنها صحيحة، وإن كان عقليًّا ولَّا عرفيًّا أو هما؟ هما جميعًا، لا بد أن يكون مما يمكن عقلًا وعرفًا، فإن لم يمكن لا عقلًا ولا عرفًا فإنها لا تُقبل.

مثال التي لا يمكن عقلًا، أو فلا تصح على ابن عشرين سنة أنه سرق منذ عشرين سنة، لماذا؟

طلبة: (

).

الشيخ: ما يمكن يسرق، هذا شيء مستحيل، أو على ابن عشرين سنة أنه سرق منذ ثلاثين سنة من باب أولى، هذا لا يمكن عقلًا، هذا غير ممكن عقلًا.

ما لا يمكن عادةً وعُرفًا، قالوا: لو ادعى على الملك أنه اشترى منه حزمة بقل؛ البقل مثل الكرات وما أشبهه، أو هذا الذي يستعملونه أيضًا في الأطعمة.

طالب: البقدونس.

الشيخ: البقدونس، والأشياء هذه، لو ادعاها على الملك، هل يُقبل هذا ولَّا ما يقبل؟

طالب: ما يُقبل.

الشيخ: ما يُقبل ولا يصح، والسبب أن هذا أمر مستحيل عادةً، ولو أننا قبلنا مثل هذه الأمور، وقلنا: إذا ادعى على الملك هذا، كان يروح مثلًا يجيب الملك ويخليه يجلس عند القاضي والقضية بقدونس (

)، هذا يقول العلماء: إنه لا يمكن واختلف العلماء في هذه المسألة هل يُؤدَّب المدعي أو لا يؤدب؟

ص: 3897

قال بعض العلماء: إنه يؤدب؛ لأنه استهان بحرمة الغير، وقال آخرون: إنه لا يؤدب، وعسى أننا نتجاسر ونقول: إن دعواه لا تُسمع؛ يعني غاية ما نأتي به أن نتجاسر، ونقول: إن الدعوى لا تسمع، وأما كونه يمتهن حرمة غيره فإنها كل شيء جائز من الناحية العقلية، وتمثيلنا مثلًا للملك ليس معناه أن يقتصر عليه، كل إنسان مثلًا له شرف وجاه يبعد عادة أن يفعل هذا المدَّعَى به فإن حكمه حكم المنع. إذن اللي كان (

) أيش؟

طالب: عقلًا وعادة.

الشيخ: عقلًا وعادة، أو عقلًا وعرفًا، فإن خالف فإنها لا تُقبل.

الثانية: أن تكون محررة؛ والتحرير معناه إزالة شوائب الجهل والغرر عنها بحيث يُذكر جنس المدعى به، ويذكر أيضًا نوعه وقدره، نشوف الآن الجنس بأن نقول أدَّعِي عليه بصاع بُر (

).

له عدة وجوه، فلا بد أن يستقصي أي (

) رقبة، فالصواب أن تحرير الدعوى ليس بشرط، ولكنه إذا كان في الدعوى التباس وجب على القاضي أيش؟

طالب: أن يستكشف.

الشيخ: السؤال والاكتشاف حتى يكون على بينة من الأمر.

أيضًا حتى لو قلنا بوجوب تحريرها فإن ذكر النوع يكفي عن ذِكر الجنس؛ لأن النوع أخص؛ يعني مثلًا لو أقول: نعين مئة صاع نعين، هل يحتاج مع ذلك أنك تنظر؟

طالب: لا.

الشيخ: لأن نعين معروف أنها تنظر، فاشتراط الجنس مع اشتراط النوع ليس له وجه؛ إذ إن النوع أخص، وإذا وُجِد الأخص فإن الأعم لا شك أنه موجود.

القدْر صحيح لا بد من ذِكر القدر؛ لو قال: أدعي عليه دراهم، تُسمع الدعوى ولَّا ما تُسمع؟

طالب: ما تُسمع.

الشيخ: ما تُسمع على اشتراط تحرير الدعوى؛ وذلك لأنه لم يعينها دراهم كم؟ وعلى القول بسماعها تُسمع، ويحضر إلى مجلس الحكم، ويقال له: كم الدراهم؟ عيِّنها، وهل يشترط أن يقول مثلًا: قيمة مبيع، أجرة بيت، أرش جناية ولَّا ما هو شرط؟

طلبة: لا، ما هو شرط.

ص: 3898

الشيخ: على الأول أن يشترط التحرير يُشترط أن يقول ذلك، وعلى الثاني لا يشترط؛ لأن المقصود ثبوت الحق عليه، ولكن إذا علم القاضي أن هناك حقوقًا متعددة لهذا الرجل على هذا الرجل فإنه يجب عليه أن يستقصي حتى يأتوا على الحق المعين من هذه الحقوق.

طالب: (

).

الشيخ: يعني لا بد أن يكون (

) المدعى عليه، وأخذ الدراهم كم هي؟

الطالب: (

).

الشيخ: يعني يقول: أنا أصدِّقه في ذلك.

الطالب: (

).

الشيخ: بيمكن في الغالب أنه يمكن؛ لأنه لو كان منتظرًا ما حضر.

الطالب: (

).

الشيخ: يقول: دخل الدار وكسر (

) ولكن ما أخذ شيء.

الطالب: (

).

الشيخ: هو داخل الثياب، لكنه يقول: ما أخذته.

نعم، إذا شهد وقال: أشهد بأنه أخذ من الثغور بيده لفة من الدراهم، شفناها في يده، حينئذٍ يثبت أنها دراهم، وتحتاج إلى المقدار، هذا المقدار نقول للرجل: ادَّعِ ما شئت، الآن القدر، ثم إذا ادعى ما شاء سألنا هذا المدَّعَى عليه أن يقر أو ما يقر، وتجري الحكومة على (

).

الشرط الثالث: أن تكون معلومة المدَّعى به إلا فيما يخص مجهولًا (

) أن تكون معلومة المدعى به؛ يعني بمعنى أن الدعوى معلومة إلا في الأشياء التي تصح مجهولة.

الوصية تصح مجهولة، وهذا مثال، وليس على سبيل الحصر مثل أن يقول: أدَّعي على هؤلاء الورثة أن مُورِّثهم أوصى لي بشيء، هذا مجهول ولَّا غير مجهول؟

طالب: مجهول.

الشيخ: مجهول، والوصية بشيء من ماله مرت عليكم أنها تصح، وأن الورثة يورثونه ما شاؤوا، وحينئذٍ تسمع الدعوى، ويقال للورثة: أعطوه ما يسقط عليه أنه شيء، إذا ادعى أنه أوصى له بسهم من ماله تصح ولَّا لا؟ تصح؛ لأن الوصية بسهم من ماله صحيحة، وقد سبق أنه يُعطى كم؟ السدس، يُعطى السدس.

ص: 3899

إذن يشترط أن تكون معلومة، والحقيقة أن هذا الشرط الثالث داخل في ضمن الشرط الثاني؛ لأن العلم ما هي بتحديد، فيُشترط أن يكون أدى عليه مئة درهم بمئة صاع بمئة كيلو، ويذكر النوع والجنس كما سبق، كل هذا لأجل ألا يزول الاشتباه فيما بعد، ويقول: إن الذي حُكم لي عليه غير ما أدعي به الآن؛ فلهذا نقول: إن اشتراط العلم لا شك أنه يوجب أن تكون القضية واضحة، وأن تنقطع الخصومة انقطاعًا نهائيَّا، ولكن كما قلنا: الصحيح أنه ليس بشرط لسماع الدعوى، وأنها تُسمع الدعوى مع الجهل، ولكنه يُطلَب من المدَّعِي أن يُعيِّن قدر ما ادعى به حتى يُحكَم له به.

طالب: لماذا قلنا: السدس لمن حكم له بسهم؟ لماذا حددنا السدس؟

الشيخ: لأنه ورد عن بعض الصحابة هذا أن السهم يُطلق على السدس.

الشرط الرابع: ذكر شروط العقد إن كانت لعقد. يعني مثلًا إذا قال: أدعِي عليه أنه باع عليَّ بيته، لا بد أن يذكر شروط العقد، شروط العقد معروفة؛ شروط عقد البيع كم؟ سبعة شروط، لا بد أن يذكر هذه الشروط السبعة؛ لأنه لا يتم البيع إلا بها، فإذا ادَّعى بيعًا وهو لم يذكر شروطه قد يعتقد أن هذا بيع وهو في الواقع ليس ببيع، فيقول مثلًا: باع عليَّ ملكه وهو بحالة جواز التصرف، والملك معلوم، والثمن أيضًا معلوم، فلا بد من ذكر الشروط، ولا يحتاج إلى ذكر الموانع؛ لأنه إن كان فيه مانع فإنه يذكره المدَّعَى عليه.

مثلًا هذا الرجل ادعيت عليه أنه باع عليَّ بيته، وقلت: إنه باعه في حال جواز تصرفه وعِلمه وعلم الثمن، وأذكر بقية الشروط، هل يشترط أن أقول: وأنه لم يبعه بعد نداء الجمعة الثاني؟ وأنه ليس مرهونًا وما أشبه ذلك؟

طالب: لا.

الشيخ: لا؛ لأن هذه موانع، فإذا كانت هذه الموانع موجودة فبإمكان المدَّعَى عليه أن يدلي بها، ثم يُنظر.

ص: 3900

وقيل: إن ذكر شروط العقد ليست بشرط، وأنه إذا ادعى البيع سُمعت الدعوى، ثم إن ادعى المدَّعَى عليه ما ينافي الصحة فعليه بيانه مثل لو قال: باع عليَّ بيتي فادعى المدعى عليه أنه كان مكرهًا، فإن من شروط البيع كما هو معروف.

طالب: التراضي.

الشيخ: أن يكون عن تراضٍ، فالمدعي يقول: ما يحتاج أني أقول عن تراضٍ، إذا كان بيدعي أنه مكره فليدلِ بحجته، وينظر في الموضوع، وهذا القول أصح، وهذا هو الذي عليه العمل الآن.

الآن الناس يدعون أنهم باعوا بيوتهم، وأنه اشترى هذا البيت من فلان، أو باعه على فلان، وليسوا يذكرون شروط العقد، لكن إن وُجِد ما يمنع الصحة فإن من وجده يدليه، ولو قلنا: إنه لا بد أن يذكر هذه الأشياء لكانت في هذا خطر في الحقيقة في (

)؛ إذ إننا نجد وثائق للمتقدمين بأن فلانًا باع على فلان بيع بيته بمقتضى ثمن وقدره، كذا وكذا وقبض الثمن.

وليسوا يذكرون الشروط، نعم يُوجد مثلًا بعض العلماء أو بعض القضاة يُذيِّل على هذه الوثيقة، فيقول: البيع المتبوع على ما كان وقع صحيحًا بتمام شروطه وانتفاء موانعه. حينئذٍ نعرف أنه صحيح بسبب تصديق هذا القاضي عليه، لكن أحيانًا تأتينا وثائق، أو نشاهد الوثائق ما فيها ذكر المدعِي بهذه الوثيقة نقول: لا نقبل دعواك؛ لأنك لم تذكر الشروط؟

طالب: لا.

الشيخ: لا، ولهذا الصحيح أن ذكر شروط العقد ليست بلازمة، ولكن للمدَّعَى عليه الإدلاء بما يراه ناقضًا لهذه الشروط، فإذا أدلى به ينظر في الموضوع؛ وذلك لأن الأصل في العقود، ويش الأصل فيها؟

طالب: الصحة.

الشيخ: الصحة ولَّا الفساد؟

طلبة: الصحة.

الشيخ: الأصل فيها الصحة حتى يتبين أنها فاسدة، وعلى هذا فإذا ادَّعى عقدًا قلنا: إن الدعوى مسموعة، وإذا كان لخصمك دعوى تقتضي بطلان هذا العقد الذي ادعيت فليدلِ بما معه.

طالب: (

).

ص: 3901

الشيخ: سماعًا بمعنى أنه إذا جاء يطلب إحضار خصمه أحضرناه، وإذا قلنا بعدم السماع ما يصح إطلاقًا، فهناك سماع للدعوى وقبول الدعوى؛ القبول معناه أن نأخذ بقول هذا المدعي، ونقول: خذ ما ادعيت، والسماع أن نقول: إنما نستمع إلى ما تقول فأحضر خصمك.

فلو جاء إنسان يدعي على شخص بأنه سرق منه منذ عشرة أعوام وعمر هذا الشخص عشرة أعوام، نقول: حضِّر خصمك؟

طالب: لا.

الشيخ: ما نقول: حضر خصمك؛ لأن ما نسمع إطلاقًا.

طالب: (

).

الشيخ: كل هذا شرط للسماع على المذهب.

الطالب: (

الشيخ: لا، لا بد أنه يقدم الدعوى متضمنة هذه الشروط، إذا لم تتضمن هذه الشروط فإنها لا تسمع، ولا يحضر خصمه.

الطالب: (

).

الشيخ: ما يستقصي، ما يلزم الاستقصاء إلا على القول بأنها تسمع مقبولة، يعني ما يشترط فيها التحرير، ولا العلم، ولا ذكر الشروط، فعلى هذا لا بد أن يستقصي، يخبره ويستقصي، يخبر الخصم ويستقصي.

الشرط الخامس: أن يدعي لنفسه لا عليه، أن يدعي الإنسان لنفسه ما يدعي على أي أحد، هل أحد بيدعي على نفسه؟ معلوم أن الإنسان يدعي لنفسه وليس يدعي عليها، لكنه ربما يدعي عليها، ولهذا قال:(فلا تصح الدعوى المقلوبة)؛ الدعوى المقلوبة أن يقول الإنسان: أدعي على هذا الرجل أنه يدعي عليَّ بمئة درهم مثلًا، أو أدعي عليه أنه يدعي عليَّ أني بعت بيتي عليه، هذه لا تسمع، لماذا؟

طالب: مقلوبة.

الشيخ: لأنه ادعى على نفسه ولَّا لها؟

طلبة: نعم، ادعى على نفسه.

ص: 3902

الشيخ: على نفسه، يقال له-على القول بأنها لا تسمع- يقال له: أنت تدعي أن فلانًا يدعي عليك أنك بعتَ عليه بيتك؟ فيقول: نعم، نقول: انتظر حتى يأتي ويدعي ونحكم بما تقتضيه الحال، لكن الصحيح الراجح أنها تصح؛ لأن فيها فائدة، وهي التخلص من المدعي هذا المدعي كلما مر شهران ثلاثة جاءنا، قال له: هطلع أنا البيت، أنت بايع عليَّ البيت، ومرة يقول: هذا ما يمكن أن أبسطه أو أستقر، فأنا أدعي عليه لأجل أن يحضر وأحاكمه، ثم آخذ صكًّا من المحكمة بأنه ليس له حق في دعواه، وحينئذٍ أستريح.

كذلك أيضًا يُوجد بعض الناس يجيلوا شخص يقول: أنا أطلب كثيرًا مئة ألف فأقول لهما: أبينوا الشروط، هذا الرجل (

)، ثم إذا بقي مدة من الزمن جاء إليه، وهكذا دواليك.

الإنسان ليس بصابر على هذا الأمر، فهو يدعي عليه بأنه يدعي عليه لأجل أن يحضر إلى القاضي، ثم يُحكم ببراءة المدَّعَى عليه، وحينئذٍ إذا أتاه مرة ثانية يستطيع أن يرفعه إلى ولاة الأمور ليأدبوه، أما إذا لم يُحكم له فإن ما أحد يقول يقدر يقول: إذا أدبه ليش يدعي عليه؟ حتى يتبين براءته.

فالحاصل أن المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ المشهور من المذهب أنها لا تُسمع، وأنه يشترط في الدعوى أن يدعي لنفسه لا عليها، والقول الثاني في المسألة أنه يصح؛ لأن في ذلك مصلحة، وهي تخليص أو تخلُّص هذا المدَّعى عليه من هذا المدعي لأجل أن يستريح منه. وكوننا نقول: إن الآن الحق له، كيف يطالب به؟

نقول: هو ما طالب بأن يُعطي الحق، لو كان مُقرًّا بأن عليه حقًّا لكان أجيبوا، لو كان يقر هذا الذي يدعي أنه يدعي عليه لو كان يقر بأن للمدعي حقًّا.

طالب: لسلمه.

الشيخ: لسلمه إياه وانتهى منه، لكن هو يقول: ما له حق عليَّ، لكنه يؤذيني بالمطالبة فأنا أدعي عليه أنه يدعي عليَّ لأجل أن يحضر إلى المحكمة، ثم ينهى موضوعه حينئذٍ أتخلص منه.

ص: 3903

ولا شك أن في هذا فائدة كبيرة جدًّا ولا سيما في بعض الأحيان في الأوقاف التي يدعي بعض الناس أن له حقًّا فيها، ويؤذي القائمين عليها في المراجعات، فتُقام الدعوى هذه المطلوبة لأجل أن يتخلص من دعوته.

طالب: (

الشيخ: لا، هي لها مدى معين في الحقيقة (

)، وهي المقصود بها ما يقصد بالدعوى المقلوبة؛ لأن المقصود من هذا الذي بيده الملك مثلًا المبلغ عنه يريد إذا كان لأحد دعوى يتقدم لأجل أن يحكم له هو إذا لم يتبين له.

طالب: (

الشيخ: لا، له مختصم هذا، أصله من بعد الشهر يحكم (

)، لكن لو يجي أحد فيما بعد يدعي فإنه ينظر في الموضوع.

طيب الشروط إذن (

) لو ادعى الاستحقاق في هذه الملك، يحتاج إلى ذكر السبب ولَّا لا؟

طالب: لا.

طالب آخر: يحتاج.

الشيخ: يحتاج إلى ذكر السبب؛ لأنه لا تعتبر إلا بوجود السبب، فلو قال: أنا وارث لهذا الملك، أنا أقول: بأي طريقة زوجية فرادى ولاء إلا أن الفقهاء قالوا: إذا كان الملك أو المال ليس له وارث معلوم، فيكفي ذِكْر الجهة مطلقًا بأن يقول: أنا قريب مثلًا لي قرابة مثلًا من هذه (

)، وأما إذا كان له مالك معلوم فلا بد أن يذكر السبب، ولا بد أن يذكر أيضًا الجهة (

)، ويقول: بأن ابن عمه الذي بيني وبينه كذا جد.

والحاصل أن المهم أن الدعوى يعني على سبيل العموم لا بد من اشتراط إمكانها، وما يكذبه الحس أو العقل فلا يصح، ولا بد أيضًا أن يذكر ما لا تحل إلا به إلا أنها تصح مجملة في الحقوق والقاضي هو الذي يستفصل.

طالب: (

).

الشيخ: لا، ننظر؛ لأنهم يرون أن هذا من حقوق العقد لا من حقوق العاقِد؛ يعني هذا الشرط يتعلق بالعقد، فلا يمكن يحكم لهذا العقد إلا بوجود شروطه.

الطالب: (

ص: 3904

الشيخ: هذا ينطبق على الكل بأنه ليس بشرط، وأن البعض يستقصي، لو شك القاضي مثلًا في هذا العقد لا بد أن يستقصي؛ لأنه افرضوا مثلًا ادعى عليه البيع، وهذا البائع ليس بماله هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟ يمكن يجي واحد يتحرج على بيت فلان ويقول: هذا بيتي، يقول على واحد، نعم، مثلما قيل عن الرجل اللي طلق امرأة غيره.

قد يبيع، يلزمه بغيره فلا بد أن يُذكر الشروط، لكن مثل هذا قلنا: إن الأصل في العقود، الأصل فيها الصحة، فإذا ادُّعِي على ما يفيد (

).

***

ص: 3905