الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك كله معلقا؛ لأن بين البخاري ومالك وبين البخاري والزهري، وبينه وبين مجاهد، وبينه وبين ابن عباس رواة محذوفون.
ومثاله: قول البخاري: قال بَهْز بن حكيم عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم:"الله أحق أن يستحيا منه".
وقد جعل العلماء المعلق من قبيل الضعيف للجهل بحال الراوي المحذوف، لجواز أن يكون غير ثقة -ليس بعدل، ولا ضابط- فلمكان هذا الاحتمال لا يقبل الحديث الذي سنده هكذا على سبيل الاحتياط للأحاديث وصيانتها عن التزيد والاختلاق، أو الخطأ، والغلط وقد يحكم بصحة المعلق أو بحسنه إن عرف المحذوف بأن يجيء مسمى من وجه آخر أما حكم المعلق في الصحيحين، فمنه ما هو صحيح، ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيف، وقد قدمنا حكم التعليق عندهما فيما سبق بعد مبحث الصحيح فكن على ذكر منه.
"
المدلس
":
المدلس: "بضم الميم وفتح اللام المشدودة" في اللغة: مأخوذة من الدلس "بفتح اللام"، وهو: اختلاط الظلام بالنور وأطلقه المحدثون على الأنواع الآتية لاشتراكها في الخفاء وعدم الوضوح.
وفي اصطلاح المحدثين له أقسام عدة أشهرها ثلاثة:
"القسم الأول": تدليس الإسناد عرفه ابن الصلاح، فقال: هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه، وذلك بأن يأتي بلفظ محتمل كقال فلان أو عن فلان، ونحوهما1، وقد يكون بينهما واحد، وقد يكون أكثر.
1 أما إن أتى بصيغة صريحة في السماع أو الحديث، ولم يكن سمعه من شيخه، ولا قرأه عليه، فلا يكون تدليسا بل يكون كذبا مسقطا للعدالة.
وخالف ابن الصلاح الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها ففرق بين ما إذا روى عمن لقيه ما لم يسمعه منه، وما إذا عاصره، ولم يلقه فجعل الأول تدليسًا والثاني مرسلًا خفيًّا.
واستدل لما ذهب إليه بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين1 كأبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس، لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم قطعًا، ولكن لم يعرف: هل لقوه؟ أم لا؟ 2
وممن قال باشتراط اللقاء في التدليس أيضًا الإمام الشافعي وأبو بكر البزار، وكلام الخطيب في الكفاية يقتضيه، وهو المعتمد، ويعرف عدم الملاقاة بإخباره عن نفسه بذلك، أو جزم إمام مطلع بذلك، ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادة راوٍ أو أكثر بينهما، لاحتمال أن يكون من المزيد في متصل الأسانيد3.
مثاله: ما روي عن علي بن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة، فقال: قال الزهري كذا. فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: قال الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري.
"ذم هذا النوع": وقد كره هذا القسم من التدليس جماعة من العلماء، وذموه، وكان شعبة بن الحجاج أشد الناس إنكارا له، روى عنه الإمام
1 جمع مخضرم -بضم الميم وفتح الخاء وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة- اسم مفعول من خضرم عما أدركه أي قطع وقيل: بكسر الراء اسم فاعل من خضرم أذن الناقة إذا قطعها، كما حكى الحاكم عن بعض مشايخه، وذلك أن أهل الجاهلية ممن أسلم كانوا يخضرمون آذان الإبل ليكون علامة على إسلامهم إن أغير عليهم أو حوربوا.
2 التعبير الصحيح: ألقوه؟ أم لا؟ لأن هل يسأل بها عن التصديق.
3 شرح النخبة ص29 ط الاستقامة.
الشافعي أنه قال: التدليس أخو الكذب، وقال أيضا:"لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس"، واعتبر ابن الصلاح هذا القول من شعبة مبالغة في الزجر عنه والتنفير منه1.
"حكم هذا النوع": وقد اختلف العلماء في قبول رواية من عرف بهذا النوع من التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحا بذلك، وقالوا: لا تقبل روايته بحال بين السماع أو لم يبين، ونقل السيوطي في التدليس أن ابن عبد البر نقل عن أئمة الحديث أنه يقبل تدليس ابن عيينة؛ لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، ورجحه ابن حبان وقال: هذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة، فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد له خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته، ثم مثل ذلك بمراسيل كبار التابعين، فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابي وسبقه إلى ذلك أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي2 وهذا يعتبر قول ثان.
والصحيح التفصيل: فما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال، فهو مرسل لا يقبل، وما رواه بلفظ مبين للاتصال، نحو سمعت وحدثنا وأخبرنا ونحوها، فهو مقبول محتج به، وليس أدل على هذا من أنه يوجد في الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير كقتادة، والسفيانين3 وهشام بن بشير، وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم؛ لأن التدليس ليس كذبا، وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل، وهذا الحكم جار كما نص عليه الشافعي فيمن دلس ولو مرة واحدة.
ومما ينبغي أن يعلم أن ما كان في الصحيحين وأشباههما من الكتب التي التزمت الصحة من الرواية عن المدلسين الذين رووا بلفظ عن
1 علوم الحديث ص81.
2 تدريب الراوي ص80.
3 سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري.
محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، ولذلك نجد البخاري ومسلما كثيرا ما يذكرون للحديث الواحد أكثر من سند لهذا الغرض، وقد يختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطه دون تلك.
وفصل بعضهم تفصيلا آخر فقال: إن كان الحامل له على التدليس تغطية الضعيف فجرح؛ لأن ذلك حرام وغش وإلا فلا.
"القسم الثاني" تدليس الشيوخ: وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف كي لا يعرف.
"مثاله" ما روي عن أبي بكر بن مجاهد المقرئ أنه روى عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني فقال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وروى عن أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر شيخ المقرئين في عصره المتوفى سنة 351هـ، فقال: حدثنا محمد بن سند نسبه إلى جد له عالٍ.
"حكمه": قال ابن الصلاح: إن هذا القسم أمره أخف من الأول، وفيه تضييع للمروي عنه وللمروي أيضا؛ لأنه ربما لا يتنبه إليه فيصير بعض رواته مجهولا، فلا يقبل ذلك الحديث، وتوعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته، ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه فقد يحمله على ذلك كون شيخه غير ثقة أو كونه متأخر الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه، أو كونه أصغر سنا من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه، فلا يجب الإكثار من ذكر اسمه بلفظ واحد، وتسمح بذلك جماعة من العلماء المصنفين منهم الخطيب البغدادي.
أما حكمه فقد قال العراقي: جزم ابن الصباغ في العدة أن من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة عند الناس، وإنما أراد أن يغير
اسمه ليقبلوا خبره، يجب أن لا يقبل خبره يعني يكون مجروحا بذلك، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة، فهو غلط لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو، وإن كان لصغر سنه، فيكون ذلك رواية عن مجهول لا يقبل خبره حتى يعرف من روى عنه1، وقال الآمدي: إن فعله لضعفه فجرح أو لضعف نسبة أو لاختلافهم في قبول روايته، فلا يكون جرحا وقال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه، فجرح وإلا فلا.
ومنع بعضهم إطلاق اسم التدليس على هذا، روى البيهقي في المدخل عن محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر: كان الثوري يدلس؟ قال: لا، قلت: أليس إذا دخل كورة يعلم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل قال: حدثني رجل، وإذا عرف الرجل بالاسم كناه، وإذا عرف بالكنية سماه؟ قال: هذا تزيين ليس بتدليس2.
"القسم الثالث" تدليس التسوية، وهو أن يسقط المدلس غير شيخه لضعفه أو لصغره، فيصير الحديث ثقة عن ثقة، فيحكم له بالصحة، وممن اشتهر بذلك الوليد بن مسلم كان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء، ويبقي الثقاة، فقيل له: لقد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ فقيل له: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة، قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء فقيل له: فإذا روى عن هؤلاء، وهم ضعفاء أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي؟ فلم يلتفت الوليد إلى ذلك القول؛ قال الخطيب: وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلان مثل هذا.
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص83.
2 تدريب الراوي ص80.