الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
حرمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم
":
لقد حرمت الشريعة الإسلامية الكذب وجعلته من أقبح الصفات وفي الكتاب الكريم والسنة المحمدية الأدلة المتكاثرة على ذلك.
ولئن حرمت الشريعة الكذب بعامة فقد غلظت حرمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاصة لما فيه من الجناية على الدين بتشريع ما لم يأذن به الله، ولم يصدر عن رسوله قال تعالى:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} 1، وقال:{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} 2، وما الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا افتراء على الله، قال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} 3، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ، رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقد روي من طرق متكاثرة حتى قال العلماء إنه متواتر كما ذكرنا سابقا وفي معنى الكذب على النبي الكذب على الصحابة والتابعين ولا سيما فيما لا مجال للرأي فيه؛ لأن له حكم المرفوع إلى النبي وكثير من الفقهاء يعتبر قولهم حجة في التشريع.
ولا يدخل في الكذب الرواية بالمعنى لأنها إنما أجيزت لعالم بالألفاظ عارف بمقاصدها خبير بما يغير المعاني فهي لم تخرج عن مدلول اللفظ الأصلي.
حكم الكذب على رسول الله:
جمهور العلماء على أن الكذب على رسول الله من الكبائر، ولا يكفر
1 سورة الأنعام آية 144.
2 سورة الزمر آية 60.
3 النجم 3، 4.
فاعل ذلك إلا إذا كان مستحلا للكذب عليه. وقال الإمام أبو محمد الجويني -والد إمام الحرمين- من أئمة الشافعية: يكفر من تعمد الكذب على رسول الله نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين، وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وإنه هفوة من والده، ووافق الجويني على هذه المقالة الإمام ناصر الدين ابن المنير من أئمة المالكية، وغيره من الحنابلة ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام، ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى:{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} 1 فقد نفت الآية الإيمان عمن يفتري الكذب على الله والكذب على الرسول كذب على الله أقول: لعل مراد هؤلاء من استحل ذلك، أو أنهم قالوه على سبيل المبالغة في الزجر والتنفير منه؛ لأن الأدلة المتكاثرة من القرآن والسنة على أن فاعل الكبيرة لا يكفر.
هل تقبل رواية من كذب في الحديث وإن تاب؟
ولما للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من إفساد في الشريعة وإبطال في الدين ذهب جمهور المحدثين إلى أن من كذب في حديث واحد فسق، وردت روايته، وبطل الاحتجاج بها، وإن تاب وحسن توبته ومن هؤلاء أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي والصيرفي والسمعاني2، وخالف في ذلك النووي فقال: والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها3، ومذهب الجمهور أحوط للحديث وأبعد من الريبة في الرواية.
1 النحل: 105.
2 علوم الحديث لابن الصلاح 128.
3 شرح النووي على صحيح مسلم ج1 ص70.