الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأئمة من التابعين ومن جاء بعدهم فهذا هو ابن سيرين الإمام التابعي الجليل الذي أخذ عن كثير من الصحابة يقول "إن هذا العلم -أي علم الحديث والرواية- دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
وهذا هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان فقيه أهل المدينة قال: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله" رواه مسلم.
وهذا هو الإمام عبد الرحمن بن مهدي يقول: "لا يكون الرجل إماما يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع" رواه مسلم. وهذا هو ابن وهب الإمام المتفق على حفظه وإتقانه يقول: قال لي مالك -إمام دار الهجرة- "اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
وكان الإمام مالك يقول: "لقد أدركت في هذا المسجد -أي النبوي- سبعين ممن يقول: قال فلان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو أن أحدهم اؤتمن على بيت مال لكان أمينا عليه. ولكني ما أخذت عنهم؛ لأنهم ليسوا من أهل هذا الشأن" أي علم الحديث والرواية، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد، ونقد الرواية والتثبت في الرواية، ولولا هذا لوجد الزنادقة، وأعداء الإسلام الفرصة سانحة للإفساد في الدين، والإدخال في الأحاديث ما ليس منها.
"
تدوين الحديث تدوينا عاما
":
وأخذت الحياة العلمية في الازدياد، وكثر الراوون للأحاديث والكاتبون له من التابعين، وفي أواخر عصر التابعين اتسعت رقعة الإسلام، وانطوى تحت لوائه شعوب من كل جنس ولون، وفيهم المخلص وغير المخلص، ومنهم من ذاب في الإسلام ظهرا وباطنا ومنهم من اندمج فيه ظاهرا، وحمل له العداوة باطنا.
وكانت قد ظهرت الخلافات السياسية والمذهبية، والعصبيات الجنسية وأطل الزنادقة وأعداء الإسلام برءوسهم، ووجد هؤلاء وأولئك مجالا لتأييد نحلهم ومذاهبهم وآرائهم وإرضاء أحقادهم فشرعوا يضعون بعض الأحاديث لذلك حتى كاد الباطل أن يلتبس بالحق، وأن يلبس الكذب ثوب الصدق.
"متى بدأ التدوين؟ ":
فرأى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه جمع الأحاديث والسنن في الصحف، وأن تدون تدوينا عاما في الكتب حتى لا يختلط الصحيح بالزائف، وحتى لا يضيع منها شيء يموت حفاظها، فكتب إلى عماله في الأمصار الإسلامية يأمرهم بذلك، وكتب بذلك أيضا إلى العلماء المبرزين في الأقطار، وكان ذلك على رأس المائة الأولى1. روى الإمام مالك في الموطأ، رواية محمد بن الحسن أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم2: "أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سننه أو حديث عمر أو نحو هذا فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وأوصاه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، والقاسم بن محمد بن أبي بكر" ورواه الإمام البخاري في صحيحه تعليقا فقال: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: رضي الله عنهما: أن انظر ما كان عندك -أي في بلدك- من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه. فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم
1 كانت خلافته من سنة 99 إلى 101هـ.
2 قد ينسب إلى جد أبيه كما في رواية البخاري، ولجده عمرو صحبة، ولأبيه رؤية، وهو فقيه تابعي استعمله عمر بن عبد العزيز على المدينة، وولاه قضاءها، توفي سنة "120هـ"، وقد روى عن بعض الصحابة وعن خالته عمرة، وعن خالدة بنت أنس ولها صحبة. قال الإمام مالك، لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن حزم" ولا يعرف له اسم غير أبي بكر، وقيل اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد.
ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم. فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا"1. أي خفية، يعني أن كتمان العلم يؤدي إلى ذهابه وهلكته.
ورواه موصولا بسنده. ولكن إلى قول "ذهاب العلماء"2 وأخرج أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" بسنده عن عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه أنه كتب إلى علماء الآفاق:"انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه".
وممن كتب إليه الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني أحد الأئمة وعالم أهل الحجاز والشام المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة هجرية. وقد صادف هذا الأمر من الخليفة الراشد هوى في نفوس العلماء والولاة أمثال أبي بكر بن حزم والزهري وسعيد بن أبي عروبة. والربيع بن صبيح وغيرهم. وكانوا يصنفون كل باب على حدة
…
فقاموا بما ندبوا إليه خير قيام. وأقبلوا على جمع الأحاديث والسنن وتجميعها وتمييز صحيحها من سقيمها. ومقبولها من مردودها. ولا سيما أنه لم يعد من السلف من كان يتحرج من الكتابة فقد ارتفع الخلاف الذي كان أولا. واستقر الأمر. وانقعد الإجماع على جواز كتابة الأحاديث بل على استحبابها. بل على وجوبها على من يتعين عليه تبليغ العلم والأحكام ولا تلتفت إلى تشكيك المستشرقين في هذا زعمهم أنه صلى الله عليه وسلم أمر بعدم الكتابة. ولكن لعلهم لم يأتمروا به! ولا تلتفت أيضا إلى من تابعهم في هذا من الكتاب المعاصرين3 فقد قام شاهد العيان على أنهم نفذوا ما
1 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم.
2 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، أما ما بعد ذلك فيحتمل أن يكون من كلام عمر بن عبد العزيز، ولكن لم يدخل في هذه الرواية الموصولة، ويحتمل أن يكون من كلام البخاري أورده عقيب كلام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه وبه سرح أبو نعيم في المستخرج عمدة القارئ ج1 ص527 ط عثمانية، وانظر فتح الباري ج1 ص194، 195.
3 ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين ج2 ص106.