المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌تفريعات: "الأول" كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

[محمد أبو شهبة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌تقدمة بين يدي الكتاب

- ‌منهجي في تأليف هذا الكتاب:

- ‌ال‌‌مدخلللكتاب

- ‌مدخل

- ‌ألقاب المشتغلين بالحديث

- ‌مدخل

- ‌من مفاخر المحدثين

- ‌الحفظ والفقه للأحاديث

- ‌فائدتان

- ‌علوم الحديث بالمعنى العام

- ‌مدخل

- ‌علم الحديث دراية

- ‌مدخل

- ‌تاريخ علم الحديث دراية

- ‌الرواية في الإسلام:

- ‌تعريف الرواية:

- ‌كون الرواية طريقا إلى العلم

- ‌تاريخ الرواية:

- ‌الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌الإذن لبعض الصحابة بالكتابة

- ‌آراء العلماء في التوفيق بين أحاديث الإذن وحديث النهي

- ‌الحديث في عهد الصحابة وكبار التابعين

- ‌تدوين الحديث تدوينا عاما

- ‌التدوين في القرن الثاني 100-200ه

- ‌التأليف في القرن الثالث" 200-300ه

- ‌التأليف في القرن الرابع 300-400ه

- ‌التأليف بعد القرن الرابع:

- ‌تقليد المؤلفين في العلوم النقلية للمحدثين في الرواية

- ‌مناهج المحدثين في التأليف

- ‌شروط الراوي في الإسلام

- ‌الفرق بين عدل الرواية والشهادة:

- ‌التحمل والأداء وشروطهما

- ‌فائدة

- ‌تفريعات:

- ‌الإسناد العالي والنازل

- ‌مسائل تتعلق بكتابة الحديث وآدابها

- ‌صفة رواية الحديث وآدابها

- ‌مسائل تتعلق بهذا الفصل

- ‌آداب المحدث

- ‌آداب طالب الحديث

- ‌الرحلة في سبيل العلم

- ‌مدخل

- ‌وارتحال التابعين ومن بعدهم

- ‌أدب أهل العلم والحديث وطلابه مع الله ورسوله

- ‌تقسيم الحديث من حيث عدد رواته

- ‌المتواتر

- ‌شروط المتواتر

- ‌أقسام المتواتر:

- ‌العلم الذي يفيده المتواتر:

- ‌الشبه التي أوردت على المتواتر:

- ‌وجود المتواتر من الأحاديث:

- ‌أمثلة المتواتر

- ‌أخبار الآحاد

- ‌المشهور من الحديث

- ‌العزيز:

- ‌تقسيم الحديث من حيث نسبته إلى قائله

- ‌مدخل

- ‌مظان الموقوف والمقطوع

- ‌ما له حكم المرفوع من الموقوف والمقطوع

- ‌الحديث القدسي

- ‌مدخل

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثاني

- ‌أمثلة للأحاديث القدسية:

- ‌طريقة رواية الحديث القدسي

- ‌المؤلفات في الأحاديث القدسية:

- ‌المتصل" أو "الموصول

- ‌المسنَد

- ‌أقسام الحديث من حيث القبول والرد

- ‌مدخل

- ‌الحديث الصحيح

- ‌مدخل

- ‌أقسام الحديث الصحيح:

- ‌حكم الحديث الصحيح

- ‌فوائد مهمة تتعلق بالصحيح

- ‌الفائدة الأولى:

- ‌الفائدة الثانية:

- ‌الفائدة الثالثة:

- ‌الفائدة الرابعة:

- ‌الفائدة الخامسة:

- ‌تعقيبات وتنبيهات

- ‌الحديث الحسن

- ‌تعريفه:

- ‌تنبيهات وتعقيبات

- ‌التنبيه الأول

- ‌تنبيه آخر

- ‌تنبيه ثالث

- ‌تنبيه رابع

- ‌الاحتجاج بالحديث الحسن:

- ‌خاتمة:

- ‌الحديث الضعيف

- ‌أقسام الضعيف

- ‌حكم الحديث الضعيف رواية وعملا

- ‌فائدة

- ‌المرسل

- ‌تعريفه:

- ‌حكم المرسل عند المحدثين

- ‌المنقطع

- ‌تعريفه:

- ‌فائدة تتعلق بالمنقطع

- ‌المعضل

- ‌تعريفه:

- ‌فائدتان

- ‌تفريعات

- ‌المعلق

- ‌المدلس

- ‌الشَّاذُ

- ‌المحفوظ

- ‌المنكر

- ‌المعروف

- ‌المتروك

- ‌المُعَلُّ" لا "المعلول" ولا "المُعَلَّل

- ‌المضطرب

- ‌المدرج

- ‌المقلوب

- ‌المطروح

- ‌الحديث الموضوع

- ‌تعريفه

- ‌حكم رواية الموضوع:

- ‌حرمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌أقسام الموضوع:

- ‌متى نشأ الوضع في الحديث:

- ‌عرض موجز لحركة الوضع في الحديث

- ‌مدخل

- ‌الأسباب الحاملة على الوضع:

- ‌الوضاعون

- ‌أمارات الوضع:

- ‌آثار الوضع السيئة

- ‌الموضوعات وكتب العلوم:

- ‌الموضوع وكتب التفسير

- ‌الموضوعات وكتب الفقه والأصول:

- ‌الموضوع وكتب الوعظ، والتصوف، والأخلاق

- ‌الموضوع وكتب العلوم الأخرى:

- ‌جهاد العلماء في مقاومة حركة الوضع وتنقية السنة والأحاديث

- ‌كتب أخر للتخاريج

- ‌الاعتبار والمتابعات والشواهد

- ‌معرفة الأفراد

- ‌معرفة زيادات الثقات وحكمها

- ‌انتقاد الحافظ القول القائل بالقبول مطلقا

- ‌علم الجرح والتعديل

- ‌جواز الجرح وإن كان غيبة

- ‌مدخل

- ‌من الذي يستأهل أن يكون ناقدًا

- ‌مناهج النقاد في النقد

- ‌مشاهير المتصدين للجرح والتعديل

- ‌بم تثبت العدالة

- ‌هل يشترط ذكر السبب في الجرح والتعديل

- ‌بم يكون الجرح

- ‌المراد بالبدعة وحكم رواية المبتدع

- ‌هل يجزئ التعديل على الإبهام

- ‌مدخل

- ‌فائدتان مهمتان

- ‌هل الرواية عن رجل سماه تعتبر تعديلا

- ‌هل يعتبر عمل العالم أو فتياه على وفق حديث تصحيحا له

- ‌جهالة الراوي

- ‌هل يقبل تعديل العبد والمرأة

- ‌ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها

- ‌مدخل

- ‌مراتب الجرح والتعديل

- ‌ألفاظ التجريح، ومراتبها

- ‌المسلسل من الحديث

- ‌تعريفه:

- ‌الأمثلة لهذه الأنواع:

- ‌المسلسلات لا تخلو من ضعف في التسلسل:

- ‌أشهر المؤلفات في المسلسلات

- ‌علم علل الحديث

- ‌مدخل

- ‌المؤلفات في علل الحديث

- ‌علم غريب الحديث:

- ‌تعريفه:

- ‌منشأ الغريب في الحديث:

- ‌التثبيت في القول في غريب الحديث

- ‌المؤلفون في هذا العلم:

- ‌علم مختلف الحديث ومشكله

- ‌مختلف الحديث في اللغة

- ‌مختلف الحديث في الاصطلاح:

- ‌مشكل الحديث

- ‌أقسام مختلف الحديث

- ‌أشهر الكتب المؤلفة في مختلف الحديث ومشكله

- ‌علم ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌مدخل

- ‌النسخ في اللغة

- ‌يطلق النسخ في اللغة على معنين

- ‌بم يعرف النسخ

- ‌أشهر الكتب المؤلفة في الناسخ والمنسوخ في الحديث

- ‌محكم الحديث

- ‌علم أسباب ورود الحديث

- ‌مدخل

- ‌هذا العلم نظير علم أسباب النزول عند علماء علوم القرآن

- ‌سبب ورود الحديث قد يذكر في الحديث وقد يذكر في غيره

- ‌ القسم الأول: وهو ما يذكر في الحديث من أمثلته:

- ‌القسم الثاني من أسباب ورود الحديث

- ‌المؤلفات في هذا العلم:

- ‌علم المصحف والمحرف

- ‌تعريفه:

- ‌منشأ التصحيف

- ‌مقالة جيدة للحافظ ابن كثير الدمشقي

- ‌ذكر العلماء المثل للتصحيف للتصويب والتحذير لا للتشهير

- ‌التصحيف في حديث لا يخل بصحته وحسنه

- ‌أقسام التصحيف

- ‌تقسيم أول:

- ‌تقسيم ثان له

- ‌تقسيم ثالث له

- ‌النتيجة

- ‌المؤلفات في الصفحات

- ‌معرفة الصحابة رضوان الله عليهم

- ‌من هو الصحابي

- ‌تعريف الصحبة:

- ‌بم تعرف الصحبة

- ‌عدالة الصحابة

- ‌المكفرون لبعض الصحابة

- ‌أكثر الصحابة رواية للحديث

- ‌الصحابي المظلوم أبو هريرة

- ‌أكثر الصحابة علما وفتيا

- ‌المعروفون بالفتوى من الصحابة:

- ‌عدد الصحابة

- ‌طبقات الصحابة

- ‌أفضل الصحابة

- ‌مدخل

- ‌خصائص بعض الصحابة

- ‌أزواجه صلى الله عليه وسلم

- ‌أول الصحابة إسلاما

- ‌آخر الصحابة موتا

- ‌المؤلفون في الصحابة

- ‌التابعون رضي الله عنهم

- ‌مدخل

- ‌طبقات التابعين

- ‌سيدات النساء التابعيات

- ‌جماعة عدوا من التابعين وليسوا منهم

- ‌قوم من الصحابة عدوا من التابعين وبالعكس

- ‌آخر التابعين

- ‌اتباع التابعين

- ‌رواية الأكابر عن الأصاغر

- ‌المدبج وراية القرين عن القرين

- ‌معرفة الإخوة والأخوات من الرواة

- ‌رواية الآباء عن الأبناء

- ‌رواية الأبناء عن الآباء

- ‌السابق واللاحق

- ‌معرفة الوحدان

- ‌معرفة من ذكر بأسماء أو صفات مختلفة

- ‌معرفة المفردات من الأسماء والكنى والألقاب

- ‌المؤلفات في هذا الفن

- ‌القسم الأول: في أسماء

- ‌فمن الصحابة:

- ‌ومن التابعين

- ‌القسم الثاني: الكني

- ‌القسم الثالث: الألقاب

- ‌معرفة الأسماء والكنى

- ‌مدخل

- ‌أقسام هذا النوع

- ‌معرفة كنى المعروفين بالأسماء

- ‌معرفة ألقاب المحدثين، ومن يذكر معهم

- ‌المؤتلف والمختلف

- ‌مدخل

- ‌المؤلفات فيه:

- ‌وما ضبط من هذا النوع قسمان:

- ‌القسم الأول:

- ‌القسم الثاني:

- ‌الأنساب

- ‌تعليق المؤلف

- ‌المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب ونحوها

- ‌أقسام المتفق والمفترق

- ‌المتشابه

- ‌المشتبه المقلوب

- ‌معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم

- ‌النسب التي هي على خلاف ظاهرها

- ‌معرفة المبهمات

- ‌معرفة التواريخ لمواليد الرواة والسماع والقدوم والوفيات لهم

- ‌مدخل

- ‌فروع:

- ‌الفرع الأول:

- ‌الهجرة مبدأ التاريخ الإسلامي:

- ‌الفرع الثاني:

- ‌الفرع الثالث:

- ‌الفرع الرابع:

- ‌سبعة من الأئمة الحفاظ، أحسنوا التأليف، وعظم النفع بتأليفهم

- ‌معرفة من اختلط من الرواة الثقات

- ‌مدخل

- ‌طبقات العلماء والرواة

- ‌معرفة الموالي من العلماء والرواة

- ‌بلوغ الموالي من العلماء والرواة مرتبة سامية في الإسلام

- ‌معرفة أوطان الرواة وبلدانهم

- ‌رواية الصحابة بعضهم عن بعض والتابعين بعضهم عن بعض

- ‌معرفة ما رواه الصحابة عن التابعين

- ‌مدخل

- ‌معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه وعكسه

- ‌معرفة من وافق اسم شيخه اسم أبيه

- ‌معرفة من اتفق اسمه واسم أبيه وجده

- ‌معرفة من اتفق اسمه واسم شيخه

- ‌معرفة من اتفق اسم شيخه والراوي عنه

- ‌معرفة من اتفق اسمه وكنيته

- ‌معرفة من وافق اسمه نسبه

- ‌معرفة الأسماء التي يشترك فيها الرجال والنساء

- ‌معرفة من لم يرو إلا حديثًا واحدًا

- ‌باب: المراجع والفهارس

- ‌المراجع الأصلية:

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌ ‌تفريعات: "الأول" كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها

‌تفريعات:

"الأول" كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها ما يجده من ألفاظ المؤلف أو شيوخه في قولهم: حدثنا أو أخبرنا أو نحو ذلك بغيره، وإن كان الراوي يرى التسوية بين هذه الألفاظ لاحتمال أن يكون المؤلف أو شيوخه ممن يرون التفرقة بينهما، ولأن التغيير في ذاته ينافي الأمانة في النقل ويؤدي إلى تغيير النصوص.

وأما إذا روى الراوي حديثا عن أحد الشيوخ في غير الكتب المؤلف. فإن كان الشيخ ممن يرى التفرقة بين التحديث والإخبار فإنه لا يجوز للراوي إبدال أحدهما بالأخر، وإن كان ممن يرى التسوية بينهما جاز للراوي ذلك. لأنه يكون من باب الرواية بالمعنى. وقال آخرون بمنعه مطلقا وهو الحق لأنه ينافي الدقة في الرواية، وفي هؤلاء أحمد بن حنبل قال:"اتبع لفظ الشيخ في قوله: حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا ولا تعده".

"الثاني" إذا نسخ السامع أو المسمع حال القراءة فما الحكم؟ قال جماعة منهم إبراهيم الحربي وابن عدي والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني1: لا يصح السماع وصحح السماع جماعة منهم: الحافظ موسى بن هارون الحمال، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، وكان ابن المبارك ينسخ وهو يقرأ عليه، وكتب أبو حاتم حالة السماع عند عارم.

وقال أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي2 على من ينسخ أن يقول: حضرت ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا وهو رأي وسط، وتحوط مشكور،

1 بكسر الهمزة وسكون السين وفتح الفاء والراء ثم كسر الياء والنون نسبة إلى إسفرايين.

2 بكسر الصاد وسكون الباء الموحدة والغين المعجمة، وياء النسبة في آخره وهو ما يصبغ به من الألوان، وهو إمام مشهور له رحلة إلى العراق والحجاز وسمع الحارث بن أبي أسامة ومحمد بن عيسى بن السكون وتوفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة "342" وكان أبوه يبيع الصبغ وممن سمع عن محمد بن يحيى الذهلي وأبي زرعة وتوفي إسحاق سنة إحدى وسبعين ومائتين.

ص: 100

والصحيح التفصيل: فإن فهم الناسخ المقروء صح السماع، وإن لم يفهمه لا يصح، ويروي أنه قد حضر الدارقطني مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي والدارقطني ينسخ جزءا كان معه، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال: فهمي للإملاء بخلاف فهمك، ثم قال له: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا. فقال الدارقطني: أملي ثمانية عشر حديثا، فعدت فوجدت كما قال، ثم سردها كلها بأسانيدها ومتونها، فتعجب الناس منه.

"الثالث" إذا قال الشيخ بعد التحديث بحديث لمن يسمع منه: لا ترو عني أو رجعت عن إخبارك، أو لا آذن لك في الرواية عني ونحو ذلك غير معلل ذلك بخطأ منه فيما حدث به، أو شك فيه ونحوه، لم تمتنع رواية التلميذ عنه، فإن استند إلى شيء من ذلك امتنعت الرواية عنه، ولو خص بالسماع قوما فسمع غيرهم بغير علمه جاز لهم الرواية عنه ولو قال: أخبركم ولا أخبر فلانا جاز له الرواية عنه لأن العبرة في الرواية بصدق الراوي في حكاية ما سمعه من شيخه، وصحة نقله عنه، فلا يؤثر في ذلك تخصيص البعض بالرواية عنه، أو نهي البعض وأيضا فالأحاديث ليست ملكا له. وإنما هي ملك الشارع، فمن سمعها فله أن يرويها وعليه أن يبلغها.

"الطريق الثالث":

الإجازة: معناها لغة: قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي: الإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث. يقال: استجزته فأجازني إذا سقاك ماء لماشيتك وأرضك، كذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيجيزه إياه أي يمنحه ويعطيه إياه، قال ابن الصلاح1 فعلى هذا يجوز أن يقال: أجزت فلانا مسموعاتي أو مروياتي

1 علوم الحديث، بحث الإجازة.

ص: 101

متعديا بغير حرف جر، وبدون ذكر لفظ الرواية، ومن جعل الإجازة إذنا وإباحة وهو المعروف يقول: أجزت له رواية مسموعاتي، ومن قال: أجزت فلانا مسموعاتي فعلى الحذف كما في نظائره1.

وفي اصطلاح المحدثين: إذن الشيخ للطالب في الرواية عنه من غير سماع منه ولا قراءة عليه، فهي إخبار إجمالي بمروياته.

وإنما تستحسن الإجازة إذا علم المجيز ما يجيزه، وكان المجاز له من أهل العلم لأنها توسيع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها. واشترطه بعضهم في صحتها.

والإجازة: إما بالتلفظ أو بالكتابة وينبغي للمجيز كتابة أن يتلفظ بها أيضا، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صحت.

ولا يشترط في الإجازة القبول. قال السيوطي في التدريب: فلو رد فالذي ينقدح في الذهن الصحة، وكذا لو رجع الشيخ عن الإجازة. ويحتمل أن يقال: إن قلنا: الإجازة إخبار لم يضره الرد ولا الرجوع وإن قلنا: إذن وإباحة ضرا كالوقف والوكالة، لكن الظاهر الأول2.

أنواعها:

الأول: إجازة لمعين من الطلبة في معين من الكتب وذلك مثل أجزتك أو أجزتكم -لجماعة معروفين- كتاب كذا، أو ما اشتملت عليه فهرستي3 هذه، وهذه أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة.

حكمها: والصحيح الذي قاله الجمهور من المحدثين وغيرهم، واستقر

1 في القاموس المحيط مادة "جاز" والجواز كسحاب. صك المسافر. والماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث. وقد استجزته فأجازني سقى أرضك أو ماشيتك.. وأجاز له: سوغ له. ورأيه أنفذه كجوزه. واستجاز طلب الإجازة أي الإذن".

2 التدريب ص142.

3 الفهرس: الكتاب الذي تجمع فيه الكتب، معرب فهرست. قاموس.

ص: 102

عليه العمل جواز الروية والعمل بها، بل ادعى أبو الوليد الباجي، والقاضي عياض الإجماع على ذلك، وإن كان ابن الصلاح نقض الإجماع بما روي عن الشافعي وغيره المنع من الرواية بها.

وأبطلها جماعات من المحدثين وغيرهم منهم شعبة. روي عنه أنه قال: "لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة" ومنهم إبراهيم الحربي، وأبو الشيخ محمد بن عبد الله الأصبهاني، وأبو الحسن الماوردي، وحكي عن أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف، وقال ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة، بل بالغ بعضهم فقال:"إن من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب علي لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع" والراجح جوازها، قال ابن الصلاح: "ثم إن الذي استقر عليه العمل، وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم القول بتجويزه الإجازة، وإباحة الرواية بها وفي الاحتجاج لذلك غموض، ويتجه أن نقول: إذا جاز له أن يروي عنه مروياته وقد أخبره بها جملة، فهو كما لو أخبره بها تفصيلا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا كما في القراءة على الشيخ كما سبق1.

وقد احتج بعض أهل العلم لجوازها بحديث "أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب سورة براءة في صحيفة ودفعها لأبي بكر، ثم بعث علي بن أبي طالب فأخذها منه ولم يقرأها عليه ولا هو أيضا حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس" رواه ابن إسحاق، والإمام أحمد، والترمذي.

"وجوب العمل بها" وكما تجوز الرواية بالإجازة يجب العمل بالمروي بها بشرطه أي إذا توفرت فيه شروط القبول بأن يكون صحيحا أو حسنا وخالف في هذا بعض الظاهرية ومن تابعهم فقالوا: تجوز الرواية بها ولا يجب العمل بها كالمرسل، وهذا باطل لأنه ليس في الإجازة ما

1 علوم الحديث ص102.

ص: 103

يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة به.

منزلتها: الجمهور على أنها دون السماع، وقيل هما سواء، ومنهم من شذ فجعلها أعلى من السماع، وقال الطوفي: في عصر السلف السماع أولى، وأما بعد أن دونت الدواوين وجمع السنن، واشتهرت فلا فرق بينهما، والراجح والصحيح هو الأول، وأنها دون السماع، ودون القراءة على الشيخ لما في السماع والقراءة من تحقيق الرواية وضبط الألفاظ.

"النوع الثاني" أن يجيز لمعين من الطلبة في غير معين من الكتب أو المرويات كأجزتك أو أجزتكم جميع مسموعاتي أو مروياتي.

والخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر من الأول، والجمهور من العلماء المحدثين والفقهاء على جواز الرواية بها ووجوب العمل بما روى بها بشرطه، يعني أن يكون صحيحا أو حسنا.

"النوع الثالث" الإجازة لغير معين بوصف العموم كأجزت جميع المسلمين، أو كل واحد أو أهل زماني وما أشبه ذلك.

وقد اختلف في جواز هذا النوع، فمنهم من جوزه كالقاضي أبي الطيب الطبري وتلميذه الخطيب البغدادي، وابن منده، وأبي العلاء الهمداني. وأبي الوليد بن رشد وغيرهم حتى جمعهم بعضهم في جزء كما قال السيوطي في التدريب، وكلما كان هذا النوع من الإجازة مقيدا بوصف حاصر كأجزت طلبة العلم ببلد كذا، أو من سمع مني كتاب كذا كان أقرب إلى الجواز من غير المقيدة.

ومنهم من منع الرواية بها منهم العلامة ابن الصلاح حيث قال: "ولم نسمع عن أحد يقتدى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها، ولا عن الشرذمة المستأخرة الذين سوغوها، والإجازة في أصلها ضعف، وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفا كثيرا لا ينبغي احتماله والله أعلم".

وقد انتقد ابن الصلاح النووي فقال: "الظاهر من كلام مصححها

ص: 104

جواز الرواية به. وهذا مقتضى صحتها، وأي فائدة لها غير الرواية بها" وكذلك انتقده العراقي في شرحه على المقدمة فقال: "إن ما رجحه المصنف من عدم صحتها خالفه فيه جمهور المتأخرين، وصححه النووي في الروضة من زياداته فقال الأصح جوازها، وبعد أن ذكر أن بعض المتقدمين روى بها كالحافظ ابن خير الأشبيلي، وبعض المتأخرين كالحافظ الدمياطي وغيره، وصححها ابن الحاجب قال: وبالجملة ففي النفس من الرواية بها شيء، والأحوط ترك الرواية بها1 إلا المقيدة بنوع حصر فإن الصحيح جوازها.

"النوع الرابع" الإجازة لمعين من الطلاب بمجهول من الكتب، أو الإجازة بمعين من الكتب لمجهول من الناس مثل: أجزتك كتاب السنن مثلا وهو يروي كتبا في السنن أو أجزت سنن أبي داود مثلا لمحمد بن خالد الدمشقي، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم، فإن لم تكن هناك قرينة دالة على مراده فهي باطلة، وإلا فهي صحيحة لأنه مع وجوه القرينة يصير كالمعلوم.

فإن أجاز لجماعة مسمين في الإجازة أو غيرها، ولم يعرفها بأعيانهم ولا أنسابهم ولا عددهم ولا تصفحهم صحت الإجازة منه، وذلك مثل سماعهم منه في مجلسه في هذا الحال.

وأما أجزت لمن يشاء فلان أو نحو هذا ففيه جهالة وتعليق بشرط، فالأظهر بطلانه وبه جزم البعض، وصحح هذا الضرب من الإجازة بعض العلماء وقال: إن الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة، ولو قال: أجزت لمن يشاء الإجازة فهو كالسابق في البطلان بل وأكثر جهالة وانتشارا.

ولو قال أجزت لمن يشاء الرواية عني فأولى بالجواز، ولو قال:

1 علوم الحديث بشرح العراقي ص154، 155 والتدريب ص138.

ص: 105

أجزت لفلان كذا إن شاء روايته عني، أو لك إن شئت أو أحببت أو أردت فالأظهر الجواز.

"النوع الخامس" الإجازة للمعدوم كأجزت لمن يولد لفلان، وقد اختلف المتأخرون من العلماء في صحتها، فإن عطفه على موجود كأجزت لفلان ومن يولد له أو لك ولولدك ولعقبك ما تناسلوا فأولى بالجواز مما لو أفرده بالإجازة قياسا على الوقف، فقد أجاز أصحاب مالك وأبي حنيفة الوقف على المعدوم وإن لم يكن أصله موجودا.

وقد فعل هذا الثاني من المحدثين الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني فقد سئل الإجازة فقال: "أجزت لك ولأولادك، ولحبل الحبلة1 يعني الذين لم يولودا بعد

وأجاز الأول أيضا الخطيب البغدادي وألف فيه جزءا، وحكاه عن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، وابن عروس المالكي وأبطلها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ الشافعيان وهو الصحيح الذي لا ينبغي غيره؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا يصح الإجازة له، أما إجازة من لم يوجد مطلقا فلا يجوز بالإجماع2.

"النوع السادس" إجازة ما لم يتحمله المجيز وهو الشيخ ليرويه المجاز له وهو الطالب إذا تحمله المجيز. قال القاضي عياض في كتابه "الإلماع" لم أر من تكلم فيه من المشايخ، ورأيت بعض المتأخرين والعصريين يصنعونه، ثم حكي عن قاضي قرطبة أبي الوليد يونس بن مغيث منع ذلك قال عياض: وهذا هو الصحيح، وقال النووي: وهذا هو الصواب، وممن قال ببطلانها الإمام ابن الصلاح وقال: سواء قلنا إن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز جملة أو إذن. إذ لا يجيز بما لا خبر

1 في المصباح المنير: وحبل الحبلة بفتح الحاء المهملة ولد الولد الذي في بطن الناقة وغيرها.

2 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي بحث الإجازة والتدريب ص140 والباعث الحثيث ص137.

ص: 106

عنده، ولا يؤذن فيما لم يملكه الآذن بعد كالإذن في بيع ما لم يملكه فعلى هذا يتعين على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أن هذا مما تحمله شيخه قبل الإجازة له.

وأما قول الشيخ: أجزت لك ما صح وما يصح عندك من مسموعاتي فصحيح تجوز الرواية به لما صح عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبلها، وقد فعل هذا الدارقطني وغيره.

"النوع السابع" الإجازة بالمجاز كأجزتك مجازاتي أو جميع ما أجيز لي روايته وقد منع هذا بعض من لا يعتد به من المتأخرين وهو الحافظ عبد الوهاب بن المبارك شيخ أبي الفرج بن الجوزي، واحتج له: بأن الإجازة ضعيفة، فيقوي الضعف باجتماع إجازتين، والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وبه قطع الأئمة الحفاظ: الدارقطني وابن عقدة وأبو نعيم وأبو الفتح نصر المقدسي، وفعله الإمام الحاكم. وادعى ابن طاهر الاتفاق عليه، وكان أبو الفتح المقدسي يروي بالإجازة عن الإجازة، وربما والى بين ثلاث إجازات، ووالى الإمام الرافعي في أماليه بين أربع أجائز، والحافظ قطب الدين الحلبي بين خمس أجائز في تاريخ مصر، وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في أماليه والى بين ست أجائز1.

وينبغي للراوي بالإجازة عن الإجازة تأملها، والوقوف عند شروطها حتى لا يروي بها ما لم يدخل تحتها.

"تتمة":

الإجازة للطفل الذي لا يميز صحيحة على الصحيح الذي قطع به القاضي أبو الطيب الطبري والخطيب، ولا يعتبر فيه سن ولا غيره خلافًا لبعضهم حيث قال: لا يصح الإجازة للطفل كما لا يصلح سماعه، ولما ذكر

1 التدريب ص142، 143.

ص: 107

ذلك لأبي الطيب قال: يجوز أن يجيز للغائب، ولا يصح سماعه قال الخطيب: وعلى الجواز كافة شيوخنا، قال ابن الصلاح في تعليل الجواز: كأنهم رأوا الطفل أهل لتحمل هذا النوع ليؤدي بعد حصول الأهلية لبقاء الإسناد وأما الطفل المميز فلا خلاف في صحة الإجازة له1.

وبقي بيان الإجازة للمجنون والكافر والحمل.

فأما المجنون فالإجازة له صحيح. ويتحمل إذا عقل.

وأما الكافر فقال العراقي: لم أجد نقلا، وقد تقدم أن سماعه صحيح. ولم أجد عن أحد من المتقدمين والمتأخرين الإجازة للكافر، إلا أن شخصا من الأطباء يقال له: محمد بن عبد السيد، سمع الحديث في حال يهوديته2 على أبي عبد الله الصوري، وكتب اسمه في الطبقة مع السامعين، وأجاز لهم الصوري وهو من جملتهم، وكان ذلك بحضور المزي3 فلولا أنه يرى جواز ذلك ما أقر عليه، ثم هدى الله هذا اليهودي إلى الإسلام وسمع منه أصحابنا قال: أما الفاسق والمبتدع فهما أولى بالإجازة من الكافر إذا زال المانع، قال: وأما الحمل فلم أجد فيه نقلا، إلا أن الخطيب قال: لم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودا في الحال، ولم يتعرض لكونه إذا وقع يصح أو لا. قال: ولا شك أنه أولى بالصحة من المعدوم4.

"ألفاظ الأداء عن الإجازة":

أجازني أو أجازنا فلان، حدثني فلان أو حدثنا إجازة، أخبرني أو أخبرنا إجازة، وأما بإطلاق حدثنا وأخبرنا فأجازه البعض والذي عليه

1 المرجع السابق ص140.

2 هذا إن دل على شيء فإنما يدل على ما كان للثقافة الإسلامية من أثر وقوة حتى إنها جذبت إليها غير المسلمين ممن كانوا يعيشون في الدولة الإسلامية عن طواعية منهم واختيار، وهو شيء عجيب حقا، فإن أطباء المسلمين اليوم لا نكاد نعثر فيهم على مثل هذا!

3 بكسر الميم وتشديد الزاي المكسورة نسبة إلى المزة وهي قرية من ضواحي دمشق.

4 علوم الحديث بشرح العراقي.

ص: 108

الجمهور المنع وهو الصحيح، واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق "أنبأنا" في الإجازة، وخصوا التحديث بالسماع من الشيخ والإخبار بالقراءة عليه كما ذكرنا سابقا، وهذا هو ما عليه العمل عند المتأخرين واستقر عليه الاصطلاح. واستعمل بعض المتأخرين في الإجازة الواقعة في رواية من فوق الشيخ لفظ "عن" وبعضهم لفظ "أن" وهما اصطلاحان خاصان وما قبلهما هو الاصطلاح السائد.

ثم إن المنع من إطلاق حدثنا أو أخبرنا في الإجازة لا يزول بإجازة المجيز ذلك، فقد اعتاد قوم من الشيوخ ذلك في إجازاتهم، لأن إباحة الشيخ لا يغير بها الممنوع في الاصطلاح1.

الطريق الرابع:

المناولة: وهي على نوعين:

الأول: مناولة مقرونة بالإجازة وهي أعلى أنواع الإجازة مطلقا، ومن صورها:

أ- أن يناول الشيخ الطالب كتابه أو فرعا مقابلا عليه ويقول له: هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني ثم يبقيه معه ليملكه، أو لينسخه ثم يرده.

ب- أن يأتي الطالب إلى الشيخ بكتاب من حديث الشيخ أصلا له أو مقابلا به. فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول له: هو حديثي أو روايتي فاروه عني، أو أجزت لك روايته، وهذا سماه غير واحد من الأئمة عرضا، وقد سبق أن القراءة على الشيخ تسمى عرضا، فليسم هذا عرض المناولة، وذلك عرض القراءة.

وقد احتج بعض أهل العلم لصحة المناولة بحديث "أن النبي صلى الله عليه وسلم

1 التدريب ص141.

ص: 109

كتب لعبد الله بن جحش كتابا وقال له: لا تقرأ حتى تبلغ مكان كذا وكذا" فلما بلغ ذلك المكان قرأه على أصحابه في السرية، وأخبرهم بأمر رسول الله لهم أن يتوجهوا إلى "نخلة"1 ليترصدوا بها عيرا لقريش وقال له: لا تكره أحدا ممن معك فلما قرأ الكتاب عليهم قال: أما أنا فأسمع وأطيع لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا جميعا: ونحن كذلك، رواه الطبراني والبيهقي بإسناد حسن، وقد أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا2 واستدل به على صحة المناولة، واستدل الحاكم لها بما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى" رواه البخاري، وكلا الاستدلالين صحيح، وفقه قويم.

"حكمها ومنزلتها":

وهذه المناولة المقرونة بالإجازة أعلى أنواع الإجازة، وأجمع العلماء على صحة الرواية بها، ولكنهم اختلفوا في رتبتها، فمنهم من جعلها كالسماع في القوة والرتبة كالزهري، وربيعة الرأي ومجاهد والشعبي وإبراهيم النخعي ومالك وجماعات آخرين من كل قطر ومصر سردهم السيوطي في التدريب3 ومنهم من جعلها أرفع من السماع؛ لأن الثقة بكتاب الشيخ من إذنه فوق الثقة بالسماع منه، وأثبت؛ لما يدخل من الوهم على السامع والمسمع4.

والصحيح أنها منحطة عن السماع من الشيخ والقراءة عليه، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم قال الحاكم: وعليه

1 واد بين مكة والطائف معروف.

2 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان.

3 تدريب الراوي ص270، 271.

4 المسمع من يبلغ كلام الشيخ.

ص: 110

عهدنا أئمتنا، وإليه نذهب، وهو الذي رجحه ابن الصلاح.

ج- ومن صورها أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه، ثم يمسكه الشيخ ولا يبقيه عند الطالب، وهذا دون ما سبق، ويجوز روايته إذا وجد ذلك الكتاب المناول له، أو وجد فرعا مقابلا به موثوقا بموافقته لما تناولته الإجازة، ولا يظهر في هذه المناولة كبير مزية على الإجازة المجردة الواقعة في معين، بل قال جماعة من أصحاب الفقه والأصول لا تأثير لها ولا فائدة.

د- ومنها أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول له: هذا روايتك فناولنيه وأجز لي روايته فيجيبه من غير نظر فيه، ولا تحقق لروايته له، فهذا النوع لا يجوز ولا يصح، فإن وثق بخبر الطالب ومعرفته اعتمده، وصحت الإجازة والمناولة كما يعتمد في القراءة على الشيخ من أصله إذا وثق بدينه ومعرفته أي الطالب.

الثاني: المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله الكتاب مقتصرا على قوله: هذا سماعي، أو هذا حديثي ولا يقول له: اروه عني، ولا أجزت لك روايته ونحو ذلك.

قال ابن الصلاح: هذه مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها، وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها وسوغوا الرواية بها وحكى الخطيب عن طائفة من أهل العلم أنهم صححوها، وأجازوا الرواية بها ثم قال: إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ الطالب أن هذا الكتاب سماعه من فلان، فإنها لا تخلوا من إشعار بالإذن في الرواية وقال النووي: لا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون وعابوا المحدثين المجوزين لها.

ومال العراقي إلى الجواز بشروط وقال: وعندي أن يقال إن كانت المناولة جوابا بالسؤال كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك

ص: 111

فناوله ولم يصرح بالإذن صحت، وجاز له أن يرويه كما تقدم في الإجازة بالخط بل هذا أبلغ، وكذا إذا قال له: حدثني بما سمعت عن فلان فقال له: هذا سماعي من فلان فتصح أيضا، وما عدا ذلك فلا، فإن ناوله الكتاب ولم يقل له: إن سماعه لم تجز الرواية به بالاتفاق1.

صيغ الأداء: ناولني وأجازني فلان، أو ناولني مع الإجازة، أو ناولني فلان عند من يجيز المناولة المجردة من الإجازة، حدثني فلان بالمناولة والإجازة أخبرني فلان بالإجازة والمناولة، أنبأني فلان بالإجازة والمناولة، أو إجازة ومناولة في الصيغ الثلاث. وأما بإطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" فجوزه بعضهم، وهو مقتضى قول من جعلها سماعا، والصحيح الذي عليه الجمهور المنع منه والتقييد بالإجازة والمناولة.

وأما إطلاق الإنباء فذلك في الإجازة المجردة عن المناولة كما ذكرنا آنفا.

الطريق الخامس:

"المكاتبة" وهي أن يكتب الشيخ مسموعاته أو شيئا من حديثه لحاضر عنده أو غائب عنه، ويرسله إليه سواء كتب بنفسه، أو أمر غيره بكتابته ويكفي أن يعرف المكتوب له خط الشيخ أو خط الكاتب عن الشيخ بشرط أن يكون ثقة -أي عدلا ضابطا- وشرط بعضهم البينة على الخط وهو قول ضعيف والمكاتبة قسمان:

1-

أن تكون مقرونة بالإجازة وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة بل يرى البعض أنها أرجح منها.

2-

أن تكون مجردة من الإجازة، وهذا الضرب منع الرواية به قوم منهم الماوردي والآمدي وابن القطان، وأجازها الجمهور من

1 علوم الحديث ص163، التدريب ص145، الباعث الحثيث ص143 ط أولى.

ص: 112

المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء والأصوليين، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث ويوجد في مصنفاتهم كثيرا: كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان

وقال السمعاني هي أقوى من الإجازة، قال السيوطي، وهو المختار بل وأقوى من أكثر صور المناولة.

وليس أدل على صحتها من اعتبار صاحبي الصحيحين لها، ففي صحيح البخاري في "الإيمان والنذور" كتب إلى محمد بن بشار -شيخه- وليس في بالمكاتبة عن شيوخه غيره، وفيه وفي صحيح مسلم أحاديث كثيرة بالمكاتبة في أثناء السند منها:

ما أخرجاه عن وراد1 قال: "كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه" الحديث في القول عقب الصلاة.

وأخرجا عن ابن عوف قال: "كتبت إلى نافع فكتب إليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون"2 إلى غير ذلك3.

"ألفاظ الأداء" كتب إلى فلان، كاتبني فلان قال: حدثني فلان بالمكاتبة والإجازة، أخبرني بالمكاتبة والإجازة، أو يقيد ذلك بالمكاتبة إذا لم تكن مقرونة بالإجازة، أما إطلاق حدثنا أو أخبرنا فلا يجوز على الصحيح وجوز بعضهم إطلاق أخبرنا دون حدثنا.

"الطريق السادس":

"الإعلام" وهو إعلام الشيخ الطالب بأن هذا الحديث أو الكتاب سماعه من فلان من غير أن يأذن له في روايته عنه.

1 بفتح الواو وفتح الراء المشددة الممدودة آخره دال: أبو سعيد أو أبو الورد الثقفي الكوفي كاتب المغيرة بن شعته ومولاه وهو ثقة من الطبقة الثالثة.

2 أي غافلون، ولكن كانوا قد بلغتهم الدعوة.

3 تدريب الراوي ص147.

ص: 113

وقد جوز الرواية به كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين وأهل الظاهر بل قال بعض الظاهرية: "لو قال هذه روايتي لكن لا تروها عني كان له أن يرويها عنه كما لو سمع منه حديثا ثم قال له: لا تروه عني لم يضره ذلك" وأيد هذا القاضي عياض فقال: "وهذا صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه أن لا يحدث بما حدثه لا لعلة ولا من ريبة لا يؤثر؛ لأنه قد حدثه فهو شيء لا يرجع فيه".

وقاسوا ذلك على القراءة على الشيخ، فإن الرواية بها لا تتوقف على الإذن وقال ابن الصلاح ووافقه النووي: الصحيح ما قاله غير واحد من المحدثين وغيرهم أنه لا تجوز الرواية به، وبه قطع الغزالي في المستصفى قال:"لأنه قد لا يجوز روايته مع كونه سماعه لخلل يعرفه فيه".

واستدل المانعون من الرواية به بقياسه على مسألة الشهادة على الشهادة فإنها لا تصح إلا إذا أذن الشاهد الأول للثاني بأن يشهد على شهادته. وأجاب القاضي عياض: بأن هذا القياس غير صحيح؛ لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإذن على كل حال، والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق، وأيضا فالشهادة تفترق عن الرواية في أكثر الوجوه1.

وقال بعض العلماء المعاصرين "والذي اختاره القاضي عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح، بل إن الرواية على هذه الصفة أقوى وأرجح عندي من الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة؛ لأن في هذه شبه مناولة وفيها تعيين للراوي بالإشارة إليه2.

وجوب العمل به: ثم إنه يجب العمل بما أخبره به الشيخ أنه سمعه إن صح سنده وادعى القاضي عياض الاتفاق على ذلك، وإن اختلف

1 انظر ما قدمناه في الفرق بين عدل الرواية وعدل الشهادة يظهر ذلك الفرق.

2 هامش الباعث الحثيث ص146.

ص: 114

العلماء في جواز الرواية به وعدمه.

"صيغ الأداء عن هذا الطريق" أعلمني فلان. حدثني فلان بالإعلام أخبرني بالإعلام ونحو ذلك.

الطريق السابع:

"الوصية" هي أن يوصي الشيخ بكتاب يرويه عند سفره أو موته لشخص، وقد روي عن بعض السلف جواز رواية الموصى له بذلك عن الموصي -الشيخ- واحتج المجيزون لها بشبهها "بالإعلام والمناولة".

ومنع من الرواية بها ابن الصلاح فقال: "وهذا بعيد، وهو إما زلة عالم، أو متأول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة التي يأتي شرحها إن شاء الله تعالى، وتابعه النووي وقال: الصواب أنه لا يجوز..

وقد نازع ابن الصلاح في مقالته ابن أبي آدم فقال: "الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، وهي معمول بها عند الشافعي وغيره فهذا أولى".

وقد اختلفوا في وجوب العمل بما صح إسناده من الحديث المروي بها. والصحيح وجوب العمل به كوجوبه في سائر الأنواع.

وصيغ الأداء عن هذا الطريق عند من يصحح الرواية به: أوصى لي فلان، حدثني بالوصية، أخبرني بالوصية، ونحوها.

الطريق الثامن:

"الوجادة" في اللغة بكسر الواو مصدر لوجد مولد غير مسموع من العرب قال العلامة المعافى بن زكريا النهرواني: "فرع المولدون قولهم وجادة فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة من تفريق العرب بين مصادر وجد للتمييز بين المعاني المختلفة".

قال ابن الصلاح: "يعني قولهم: وجد ضالته وجدانا، ومطلوبه

ص: 115

وجودا وفي الغضب موجدة، وفي الغنى وجدا، وفي الحب وجدا"1.

وفي الاصطلاح: أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها وهي بخطه ولم يلقه أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه، أو سمع منه ولكن لا يروي تلك الأحاديث الخاصة الواجد بسماع أو قراءة أو إجازة أو يجد أحاديث في كتب لمؤلفين معروفين.

والتعبير الدقيق لمن وجد ذلك، وأراد روايته أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه حدثنا فلان

ويسوق الإسناد والمتن أو قرأت بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العمل قديما وحديثا وفي مسند الإمام أحمد أحاديث كثيرة نقلها عنه ابنه عبد الله يقول فيها: وجدت بخط أبي في كتابه

ثم يسوق الحديث، ولم يستجز أن يرويها عن أبيه وهو رواية كتبه، وابنه وتلميذه، وخط أبيه معروف له، وكتبه محفوظة عنده، وهذا من الورع والأمانة في النقل، وهو من باب المنقطع، ولكن فيه شوب اتصال بقوله: وجدت بخط فلان..

وقد تساهل بعضهم فروى في الوجادة بلفظ "عن"، قال ابن الصلاح: فأطلق فيها "حدثنا فلان" أو "أخبرنا فلان" وقد أنكر ذلك العلماء، ولم يجزه أحد يعتمد عليه".

وإذا وجد حديثا في تأليف شخص وليس بخطه قال: "ذكر فلان أو قال فلان أو أخبرنا فلان" وهذا منقطع لا شوب فيه من الاتصال وهذا كله إذا وثق بخطه أو كتابه..

أما عند عدم الثقة بالخط أو بالكتاب فليس له إلا أن يقول:

1 "وجدانا" بكسر الواو، "وجودا" بضم الواو، "موجدة" بكسر الجيم وفي الغنى "وجدا" بضم الواو، وفي الحب "وجدا" بفتح الواو.

ص: 116

"بلغني عن فلان" أو "وجدت عن فلان" أو "قرأت في كتاب: أخبرني فلان أنه بخط فلان" أو "ظننت أنه بخط فلان" أو "ذكر كاتبه أنه فلان" أو "تصنيف فلان" ونحو ذلك.

وإذا نقل شيئًا عن تأليف فلا يقل فيه "قال فلان" أو "ذكر" بصيغة الجزم إلا إذا وثق بصحة النسخة بمقابلته على أصل مؤلفه، أو مقابلة ثقة بها، فإن لم يود هذا ولا نحوه فليقل: بلغني عن فلان، أو وجدت في نسخة من كتابه ونحوه، وتسامح كثير من الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر ولا تثبت.

وقد اجترأ كثير من الكتاب في عصرنا في مؤلفاتهم وفي غيرها من الصحف والمجلات والمحاضرات، فصاروا ينقلون من كتب السابقين من المؤرخين وغيرهم من غير تثبت ولا تحر، بل وبلفظ التحديث فيقولون: مثلا "حدثنا الطبري" و"حدثنا ابن خلدون" وهذا لا يوافق لغة ولا اصطلاحًا كما عرفت وفي هذا تجرؤ على اللغة، وإفساد لمصطلحات العلوم، وإبهام بغير الحقيقة، ولو أنهم اتبعوا قواعد المحدثين في هذا لكان خيرًا لهم، وأجمل بهم.

"العمل بالوجادة" وقد نقل عن معظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم أنه لا يجوز العمل بها، وعن الشافعي ونظار أصحابه أنه يجوز وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه غيره في هذه الأعصار كما قال ابن الصلاح:"فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شروط الرواية فيها"1.

الاحتجاج لها: وقد احتج الحافظ عماد الدين ابن كثير في أوائل تفسيره للعمل بالوجادة بالحديث المرفوع: "أي الخلق أعجب إيمانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟! قالوا: الأنبياء.

ص: 117

قال. وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟ قالوا: نحن فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا فمن يا رسول الله؟ قال قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها" قال البلقيني: وهو استنباط حسن. والحديث رواه الحسن بن عرفة في "جزئه" قال السيوطي: وله طرق كثيرة أوردتها في الأمالي وفي بعض ألفاظه "بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعلمون بما فيه. أولئك أعظم منكم أجرا" أخرجه أحمد. والدارمي والحاكم. وفي لفظ للحاكم من حديث عمر "يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه. فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا".

"فائدة" ذكر الإمام السيوطي في التدريب1 أنه وقع في صحيح مسلم أحاديث مروية بالوجادة. وانتقدت بأنها من المنقطع كما هو حكم الوجادة كقوله في الفضائل: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا:.. الحديث وروى أيضا بهذا السند حديثها "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم إذا كنت عني راضية

" الحديث وحديث:

"تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لست سنين

". وقد أجاب الرشيد العطار بأن مسلما روى هذه الأحاديث الثلاثة من طرق أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة. وهذا الجواب صحيح في ذاته. لأن مسلما رواه كذلك.

وأجاب السيوطي بجواب آخر. وهو أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه لا في كتابه عن شيخه فتأمل. وهذا هو الجواب الصححي المتعين هنا. لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه حديثا عن شيخه كان

1 علوم الحديث ص149، 150.

ص: 118