الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لانتهى إليه هو وأبو الحسن على علم الصحابة، وبوفاته تزعم مدرسته تلميذه وخريجه ابن مسعود.
ولم يكن هؤلاء الستة يمثلون مشربا واتجاها واحدا في الفقه والفتيا، بل كانوا على منحيين واتجاهين، ويفصح عن هذا ما روي عن الشعبي أيضا قال:"كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر وعبد الله يعني ابن مسعود، وزيد يشبه علم بعضهم بعضا، ويقتبس بعضهم من بعض، وكان عليّ والأشعري وأبي -يعني ابن كعب- يشبه علم بعضهم بعضا وكان يقتبس بعضهم من بعض"، وكان ابن مسعود شديد الاقتداء بعمر في علمه وفتواه، روي عنه أنه كان يقول:"لو سلك الناس واديا وشعبا وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه"، فلا عجب أن كان متزعما لمدرسة عمر العلمية والفقهية وأن انتهى إليه علمها.
المعروفون بالفتوى من الصحابة:
وهناك آخرون من الصحابة عرفوا بالفتوى غير هؤلاء الذين اشتهروا بها، وروي عنهم فيها أكثر ممن روي عن غيرهم، والصحابة متفاوتون في الفتوى قلة وكثرة وتوسطا، وإليك ما قاله الإمام أبو محمد بن حزم قال: "أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة. قال: ويمكن أن يجمع في فتوى كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، وقال: ويليهم عشرون وهم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة. قال: يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير، قال:
وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسًا مقلون في الفتيا جدًّا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة، والمسألتان، والثلاث يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد البحث كأبي بن كعب وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد وغيرهم وسرد الباقين"1.
وقد يستشكل عد ابن حزم أُبيًّا وأبا الدرداء من المقلين، بينما عدهم مسروق أنهم ممن انتهى إليهم العلم من الصحابة، وكذلك اختلاف العلماء في الأكثر أو الأقل رواية وفتوى.
والذي يظهر لي في الجواب -والله أعلم- أنه لا يلزم من كثرة العلم والفتيا في الحقيقة ونفس الأمر أن ينقل ذلك عنه، فهناك أئمة كبار ملئوا الأرض علمًا كالليث والأوزاعي، ولكن لم ينقل لنا من علمهم وفقههم إلا القليل، وذلك لقلة تلاميذهم وأتباعهم أو لغير ذلك من الأسباب، وهناك أئمة لولا تلاميذهم لما وصل إلينا هذا العلم الكثير عنهم، يؤيد هذا ما روي عن عليّ بن المديني أنه قال:"لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له أصحاب يقومون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس رضي الله عنهم كان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله، ويفتون الناس به"2، ولعل مراده أن هؤلاء أكثر من غيرهم تلامذة وأتباعًا أمناء، وإلا فهناك سيدنا عليّ كان له أتباع وتلامذة وأصحاب نشروا علمه لكن بعض أتباعه -وهم الشيعة- أفسدوا كثيرًا من علمه وفتياه بالكذب والاختلاق عليه، وقال ابن القيم:"وكان من المفتين عثمان بن عفان، قال ابن جرير: غير أنه لم يكن له أصحاب يعرفون، والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في الدين بعده كانوا أكثر من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه". وقال: "وأما عليّ بن أبي طالب عليه السلام "كذا"
1 مقدمة الإصابة ج1 ص12، إعلام الموقعين ج1 ص9-11.
2 مقدمة ابن الصلاح ص262.
فانتشرت أحكامه وفتاويه ولكن قاتل الله الشيعة، فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود "كعبيدة" السلماني، وشريح، وأبي وائل ونحوهم، وكان رضي الله عنه وكرم وجهه يشكو عدم حملة العلم الذي أودعه كما قال:"إن هاهنا علما لو أصبت له حملة"1، فمن ثم اختلفت أنظار العلماء وأقوالهم في بعض الأشخاص تبعا لهذه الاعتبارات، فلعل مسروقا لقرب عهده من الصحابة اطلع على قدر كبير من علمهما وفتاويهما، فصدر منه هذا الحكم، بينما ابن حزم لتأخر زمنه لم يطلع إلا على القليل من فتاويهما فحكم عليهما بالقلة، فكن على بينة من هذا ولا يشكلن عليك مثل هذا.
"العبادلة الأربعة":
سئل الإمام أحمد بن حنبل، فقيل له: من العبادلة؟ قال: "عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص"، فقيل له: فأين ابن مسعود؟ فقال: "ليس عبد الله بن مسعود من العبادلة"، وعلل لذلك الإمام البيهقي فقال:"لأن ابن مسعود تقدم موته وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة أو فعلهم".
وهذا هو الصحيح المشهور بين علماء الحديث والفقه، وقيل: هم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير منهم، وعليه اقتصر الجوهري في الصحاح، وأما ما حكاه الإمام النووي في "تهذيبه" عنه: أنه ذكر ابن مسعود، وأسقط ابن العاص فوهم، وذكر الرافعي في "الديات" والزمخشري في "المفصل" أن العبادلة هم: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وقد غلطا في ذلك من حيث الاصطلاح.
1 إعلام الموقعين ج1 ص16.