الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البعض أول من أسلم، وحق له ذلك قال ابن الصلاح، وتبعه النووي، والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان عليّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال، ويحكى هذا التوفيق بين الروايات عن الإمام أبي حنيفة، وهو توفيق حسن.
وهناك أقوال أخرى غير مشهورة منها: إن أول من أسلم خالد بن سعيد ابن العاصي، وهو قول ضعيف، ومنها: إن أول من أسلم خباب بن الأرت، ومنها: أولهم بلال، ومنها: أولهم عبد الرحمن بن عوف. والذي يظهر لي في كثرة هذه الآراء والأقوال المتغايرة أن كلا أخبر بما علم، وقد يكون عند أحدهم من العلم ما ليس عند الآخر، وقد يقول أحدهم قولا ثم يظهر له خلافه، فيرجع عنه إلى غيره، ولا ينقل عنه الرجوع، وأن اللغة العربية باب التجوز فيها واسع، فقد يقول قائل: فلان أول الناس إسلاما مثلا ويريد أنه من أولهم، أو أنه بالنسبة لمن تأخر عنه، فكن على ذكر من هذا إذا عرض لك ما يشبه هذا.
"
آخر الصحابة موتا
":
كما عني المحدثون بالصحابة من حيث بيان صحبتهم وعدالتهم وطبقاتهم وتفاوتهم في الفضل والمنزلة، وأولهم إسلاما، وتواريخهم وسيرهم، عنوا بهم من حيث بيان وفياتهم ومتى ماتوا؟ وأين ماتوا؟ وقد تبين لهم بعد الاستقراء والتتبع أنه لم يتأخر أحد منهم عن مائة سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم مصداقا للحديث الصحيح المتفق عليه الذي ذكرناه في بحث ثبوت الصحبة فيما سبق، وستجد اختلافا كبيرا فيما ذكروه في سنوات وأماكن وفياتهم سواء أكان ذلك في الآخرية المطلقة أو في الآخرية المقيدة بالأقطار والأمصار، والبلدان، فلا يهولنك كثرة الاختلاف في هذا؛ لأن الضبط الدقيق في مثل هذا متعذر، ولأن كل واحد حدث
بما علم على حسب ما رأى أو سمع، وقد يرى أحدهما ما لا يرى الآخر، أو يسمع ما لم يسمع الآخر، وقد يكون منشأ هذا الاختلاف في الآخرية اختلافهم في موطن وفاته، فمثلا الذي عليه الجمهور أن آخر الصحابة موتا بالمدينة سهل بن سعيد قاله عليّ بن المديني والواقدي ومحمد بن سعد وغيرهم، ولكن قتادة يرى أنه توفي بمصر فمن ثم جعل آخرهم وفاة بالمدينة جابر بن عبد الله، وقال أبو بكر بن أبي داود أنه توفي بالأسكندرية ولذلك جعل آخرهم وفاة بالمدينة السائب بن يزيد، وقد مات بالمدينة بلا خلاف أما جابر فيرى ابن أبي داود أنه مات بمكة1، وإن كان المشهور وفاته بالمدينة، وهذا مثل من أمثلة كثيرة يهون عليك كثرة هذا الاختلاف.
وآخر الصحابة موتا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي مات سنة مائة من الهجرة قاله مسلم في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط، وقيل سنة اثنين ومائة، وقيل سبع ومائة، وقيل عشر ومائة، وهو الذي صححه الذهبي، ويؤيد هذا الأخير ما رواه وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: كنت بمكة سنة عشر ومائة فرأيت جنازة فسألت عنها فقالوا: "هذا أبو الطفيل" ويدل على أن أبا الطفيل آخرهم موتا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي الطفيل قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما على وجه الأرض رجل رآه غيري"، وكانت وفاته رضي الله عنه بمكة.
قال الحافظ العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دريد من أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة، فهذا باطل لا أصل له، والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة، فقد حكى ذلك في كتابه "المعارف"، وهو كثير الغلط، ومع ذلك فالحكاية
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص271.
بغير إسناد وهي محتملة للتأويل بأنه استكمل المائة بعد الجمل لا أنه بقي بعدها مائة سنة.
وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة وأنه أخذه من قول سهل:"لو مت لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وإنما كان خطابه لأهل المدينة.
وأما بالنسبة إلى النواحي والمدن والأقطار فإليك آراءهم في هذا.
آخر الصحابة موتا بالمدينة: سهل بن سعد، وقيل: السائب بن يزيد، وقيل: جابر بن عبد الله، والحق ما قاله العراقي: إن آخرهم موتا بالمدينة محمود بن الربيع الذي عقل من النبي مجة مجها في وجهه، وهو ابن خمس سنين كما رواه البخاري وكانت وفاته سنة تسع وتسعين.
وآخر الصحابة موتا بمكة: هو أبو الطفيل عامر بن واثلة على الصحيح، وآخرهم موتا بالبصرة: أنس بن مالك مات سنة تسعين، وقيل: إحدى وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين.
وآخرهم موتا بالكوفة: عبد الله بن أبي أوفى مات سنة ست وثمانين وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقال ابن المديني: أبو جحيفة. والأول أصح فإنه مات سنة ثلاث وثمانين، وقد اختلف في وفاة عمرو بن حريث فقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، فإن صح الثاني، فهو آخرهم موتا بها، وابن أبي أوفى آخر من مات من أهل بيعة الرضوان.
وآخرهم موتا بالشام: عبد الله بن بسر المازني، قاله كثيرون، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: ست وتسعين، وهو آخر من مات ممن صلى إلى القبلتين، وقيل: آخرهم أبو أمامة الباهلي، قاله الحسن البصري، وابن عيينة، والصحيح الأول؛ لأن أقصى ما قيل في وفاته: سنة ست وثمانين، وقيل: آخرهم واثلة بن الأسقع، وموته بدمشق وقيل: ببيت المقدس
وقيل: بحمص سنة خمس وثمانين وقيل: ست.
وآخرهم بالجزيرة: العرس بن عميرة الكندي.
وآخرهم بفلسطين: أبو أبي عبد الله بن أم حرام ربيب عبادة بن الصامت مات ببيت المقدس.
وآخرهم بمصر: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مات سنة خمس وثمانين، وقيل: وسبع، وقيل: وتسع، وكانت وفاته "بسفط القدور" وتعرف الآن "بسفط أبي تراب".
وآخرهم باليمامة الهرماس بن زياد الباهلي سنة اثنتين ومائة أو بعدها.
وآخرهم ببرقة: رويفع بن ثابت الأنصاري وقبره بها، وقيل: غير ذلك مات سنة ثلاث وستين، وقيل: ست وستين.
وآخرهم بالبادية: سلمة بن الأكوع، قاله أبو زكريا ابن منده، والصحيح أنه نزل المدينة قبل موته بليال، فمات بها سنة أربع وسبعين، وقيل: أربع وستين.
وآخرهم موتا بخراسان: أبو برزة الأسلمي غزا بخراسان ومات بها سنة أربع وستين.
وآخرهم بسجستان: العداء بن خالد بن هوذة، وآخرهم بأصبهان النابغة الجعدي، وآخرهم بالطائف عبد الله بن عباس وقبره بها مشهور، وآخرهم بسمرقند قثم بن العباس رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين1.
"لطائف وعجائب": منها ما ذكره العلماء في هذا الباب من أنه لا يعرف أب وابنه شهدا بدرا إلا مرثد وأبوه أبو مرثد بن الحصين
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص270-271، والتدريب ص209-211.
الغنوي وأعجب من هذا ما ذكره السيوطي أن الأخنس السلمي شهد هو وابنه يزيد وابن ابنه معين بدرا مسلمين، وأنه لا يعرف سبعة إخوة شهدوا بدرا مسلمين إلا بنو عفراء: معاذ، ومعوذ، وإياس، وخالد، وعاقل، وعامر، وعوف، ولم يشهدها مؤمن ابن مؤمنين إلا عمار بن ياسر، ومن عجيب ذلك: امرأة لها أربعة إخوة، وعمان شهدوا بدرا: أخوان وعم مع المسلمين وأخوان وعم مع المشركين، وهي أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، أخواها المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، والعم المسلم معمر بن الحارث، وأخواها المشركان: الوليد بن عتبة، وأبو عزيز، والعم المشرك شبية بن ربيعة، ومن المفاخر ما قاله ابن الصلاح: بنو مقرن المزنيون: سبعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشاركهم فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة في هذه المكرمة غيرهم، وقد قيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم، والسبعة هم: النعمان، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، وسابع لم يسم لنا، وقد استدرك عليه العراقي، فقال: إنه قد سمى لنا سابع وثامن وتاسع وهم: نعيم بن مقرن، وضرار بن مقرن، وعبد الله بن مقرن، وذكر بعض مآثرهم ومفاخرهم، بل قال الطبري: إنهم كانوا عشرة إخوة، وكذلك استدرك عليه العراقي بأنهم لم ينفردوا بهذه المآثر الخالدة، وأنهم شاركهم فيها أولاد الحارث بن قيس السهمي كلهم هاجر وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وعدهم ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة سبعة، وقد تتبعهم العراقي فوجدهم تسعة، وهم: بشر، وتميم، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس أولاد الحارث بن قيس السهمي، ثم قال: فهؤلاء تسعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم أشرف نسبا في الجاهلية والإسلام، وزادوا على بقية الإخوة بأن استشهد منهم سبعة في سبيل الله فقتل تميم، والحارث، والحجاج بأجنادين وقتل سعد يوم اليرموك، وقتل السائب يوم فحل، وقيل: يوم الطائف، وقتل عبد الله يوم الطائف وقيل: