المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مسائل تتعلق بهذا الفصل - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث

[محمد أبو شهبة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌تقدمة بين يدي الكتاب

- ‌منهجي في تأليف هذا الكتاب:

- ‌ال‌‌مدخلللكتاب

- ‌مدخل

- ‌ألقاب المشتغلين بالحديث

- ‌مدخل

- ‌من مفاخر المحدثين

- ‌الحفظ والفقه للأحاديث

- ‌فائدتان

- ‌علوم الحديث بالمعنى العام

- ‌مدخل

- ‌علم الحديث دراية

- ‌مدخل

- ‌تاريخ علم الحديث دراية

- ‌الرواية في الإسلام:

- ‌تعريف الرواية:

- ‌كون الرواية طريقا إلى العلم

- ‌تاريخ الرواية:

- ‌الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌الإذن لبعض الصحابة بالكتابة

- ‌آراء العلماء في التوفيق بين أحاديث الإذن وحديث النهي

- ‌الحديث في عهد الصحابة وكبار التابعين

- ‌تدوين الحديث تدوينا عاما

- ‌التدوين في القرن الثاني 100-200ه

- ‌التأليف في القرن الثالث" 200-300ه

- ‌التأليف في القرن الرابع 300-400ه

- ‌التأليف بعد القرن الرابع:

- ‌تقليد المؤلفين في العلوم النقلية للمحدثين في الرواية

- ‌مناهج المحدثين في التأليف

- ‌شروط الراوي في الإسلام

- ‌الفرق بين عدل الرواية والشهادة:

- ‌التحمل والأداء وشروطهما

- ‌فائدة

- ‌تفريعات:

- ‌الإسناد العالي والنازل

- ‌مسائل تتعلق بكتابة الحديث وآدابها

- ‌صفة رواية الحديث وآدابها

- ‌مسائل تتعلق بهذا الفصل

- ‌آداب المحدث

- ‌آداب طالب الحديث

- ‌الرحلة في سبيل العلم

- ‌مدخل

- ‌وارتحال التابعين ومن بعدهم

- ‌أدب أهل العلم والحديث وطلابه مع الله ورسوله

- ‌تقسيم الحديث من حيث عدد رواته

- ‌المتواتر

- ‌شروط المتواتر

- ‌أقسام المتواتر:

- ‌العلم الذي يفيده المتواتر:

- ‌الشبه التي أوردت على المتواتر:

- ‌وجود المتواتر من الأحاديث:

- ‌أمثلة المتواتر

- ‌أخبار الآحاد

- ‌المشهور من الحديث

- ‌العزيز:

- ‌تقسيم الحديث من حيث نسبته إلى قائله

- ‌مدخل

- ‌مظان الموقوف والمقطوع

- ‌ما له حكم المرفوع من الموقوف والمقطوع

- ‌الحديث القدسي

- ‌مدخل

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثاني

- ‌أمثلة للأحاديث القدسية:

- ‌طريقة رواية الحديث القدسي

- ‌المؤلفات في الأحاديث القدسية:

- ‌المتصل" أو "الموصول

- ‌المسنَد

- ‌أقسام الحديث من حيث القبول والرد

- ‌مدخل

- ‌الحديث الصحيح

- ‌مدخل

- ‌أقسام الحديث الصحيح:

- ‌حكم الحديث الصحيح

- ‌فوائد مهمة تتعلق بالصحيح

- ‌الفائدة الأولى:

- ‌الفائدة الثانية:

- ‌الفائدة الثالثة:

- ‌الفائدة الرابعة:

- ‌الفائدة الخامسة:

- ‌تعقيبات وتنبيهات

- ‌الحديث الحسن

- ‌تعريفه:

- ‌تنبيهات وتعقيبات

- ‌التنبيه الأول

- ‌تنبيه آخر

- ‌تنبيه ثالث

- ‌تنبيه رابع

- ‌الاحتجاج بالحديث الحسن:

- ‌خاتمة:

- ‌الحديث الضعيف

- ‌أقسام الضعيف

- ‌حكم الحديث الضعيف رواية وعملا

- ‌فائدة

- ‌المرسل

- ‌تعريفه:

- ‌حكم المرسل عند المحدثين

- ‌المنقطع

- ‌تعريفه:

- ‌فائدة تتعلق بالمنقطع

- ‌المعضل

- ‌تعريفه:

- ‌فائدتان

- ‌تفريعات

- ‌المعلق

- ‌المدلس

- ‌الشَّاذُ

- ‌المحفوظ

- ‌المنكر

- ‌المعروف

- ‌المتروك

- ‌المُعَلُّ" لا "المعلول" ولا "المُعَلَّل

- ‌المضطرب

- ‌المدرج

- ‌المقلوب

- ‌المطروح

- ‌الحديث الموضوع

- ‌تعريفه

- ‌حكم رواية الموضوع:

- ‌حرمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌أقسام الموضوع:

- ‌متى نشأ الوضع في الحديث:

- ‌عرض موجز لحركة الوضع في الحديث

- ‌مدخل

- ‌الأسباب الحاملة على الوضع:

- ‌الوضاعون

- ‌أمارات الوضع:

- ‌آثار الوضع السيئة

- ‌الموضوعات وكتب العلوم:

- ‌الموضوع وكتب التفسير

- ‌الموضوعات وكتب الفقه والأصول:

- ‌الموضوع وكتب الوعظ، والتصوف، والأخلاق

- ‌الموضوع وكتب العلوم الأخرى:

- ‌جهاد العلماء في مقاومة حركة الوضع وتنقية السنة والأحاديث

- ‌كتب أخر للتخاريج

- ‌الاعتبار والمتابعات والشواهد

- ‌معرفة الأفراد

- ‌معرفة زيادات الثقات وحكمها

- ‌انتقاد الحافظ القول القائل بالقبول مطلقا

- ‌علم الجرح والتعديل

- ‌جواز الجرح وإن كان غيبة

- ‌مدخل

- ‌من الذي يستأهل أن يكون ناقدًا

- ‌مناهج النقاد في النقد

- ‌مشاهير المتصدين للجرح والتعديل

- ‌بم تثبت العدالة

- ‌هل يشترط ذكر السبب في الجرح والتعديل

- ‌بم يكون الجرح

- ‌المراد بالبدعة وحكم رواية المبتدع

- ‌هل يجزئ التعديل على الإبهام

- ‌مدخل

- ‌فائدتان مهمتان

- ‌هل الرواية عن رجل سماه تعتبر تعديلا

- ‌هل يعتبر عمل العالم أو فتياه على وفق حديث تصحيحا له

- ‌جهالة الراوي

- ‌هل يقبل تعديل العبد والمرأة

- ‌ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها

- ‌مدخل

- ‌مراتب الجرح والتعديل

- ‌ألفاظ التجريح، ومراتبها

- ‌المسلسل من الحديث

- ‌تعريفه:

- ‌الأمثلة لهذه الأنواع:

- ‌المسلسلات لا تخلو من ضعف في التسلسل:

- ‌أشهر المؤلفات في المسلسلات

- ‌علم علل الحديث

- ‌مدخل

- ‌المؤلفات في علل الحديث

- ‌علم غريب الحديث:

- ‌تعريفه:

- ‌منشأ الغريب في الحديث:

- ‌التثبيت في القول في غريب الحديث

- ‌المؤلفون في هذا العلم:

- ‌علم مختلف الحديث ومشكله

- ‌مختلف الحديث في اللغة

- ‌مختلف الحديث في الاصطلاح:

- ‌مشكل الحديث

- ‌أقسام مختلف الحديث

- ‌أشهر الكتب المؤلفة في مختلف الحديث ومشكله

- ‌علم ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌مدخل

- ‌النسخ في اللغة

- ‌يطلق النسخ في اللغة على معنين

- ‌بم يعرف النسخ

- ‌أشهر الكتب المؤلفة في الناسخ والمنسوخ في الحديث

- ‌محكم الحديث

- ‌علم أسباب ورود الحديث

- ‌مدخل

- ‌هذا العلم نظير علم أسباب النزول عند علماء علوم القرآن

- ‌سبب ورود الحديث قد يذكر في الحديث وقد يذكر في غيره

- ‌ القسم الأول: وهو ما يذكر في الحديث من أمثلته:

- ‌القسم الثاني من أسباب ورود الحديث

- ‌المؤلفات في هذا العلم:

- ‌علم المصحف والمحرف

- ‌تعريفه:

- ‌منشأ التصحيف

- ‌مقالة جيدة للحافظ ابن كثير الدمشقي

- ‌ذكر العلماء المثل للتصحيف للتصويب والتحذير لا للتشهير

- ‌التصحيف في حديث لا يخل بصحته وحسنه

- ‌أقسام التصحيف

- ‌تقسيم أول:

- ‌تقسيم ثان له

- ‌تقسيم ثالث له

- ‌النتيجة

- ‌المؤلفات في الصفحات

- ‌معرفة الصحابة رضوان الله عليهم

- ‌من هو الصحابي

- ‌تعريف الصحبة:

- ‌بم تعرف الصحبة

- ‌عدالة الصحابة

- ‌المكفرون لبعض الصحابة

- ‌أكثر الصحابة رواية للحديث

- ‌الصحابي المظلوم أبو هريرة

- ‌أكثر الصحابة علما وفتيا

- ‌المعروفون بالفتوى من الصحابة:

- ‌عدد الصحابة

- ‌طبقات الصحابة

- ‌أفضل الصحابة

- ‌مدخل

- ‌خصائص بعض الصحابة

- ‌أزواجه صلى الله عليه وسلم

- ‌أول الصحابة إسلاما

- ‌آخر الصحابة موتا

- ‌المؤلفون في الصحابة

- ‌التابعون رضي الله عنهم

- ‌مدخل

- ‌طبقات التابعين

- ‌سيدات النساء التابعيات

- ‌جماعة عدوا من التابعين وليسوا منهم

- ‌قوم من الصحابة عدوا من التابعين وبالعكس

- ‌آخر التابعين

- ‌اتباع التابعين

- ‌رواية الأكابر عن الأصاغر

- ‌المدبج وراية القرين عن القرين

- ‌معرفة الإخوة والأخوات من الرواة

- ‌رواية الآباء عن الأبناء

- ‌رواية الأبناء عن الآباء

- ‌السابق واللاحق

- ‌معرفة الوحدان

- ‌معرفة من ذكر بأسماء أو صفات مختلفة

- ‌معرفة المفردات من الأسماء والكنى والألقاب

- ‌المؤلفات في هذا الفن

- ‌القسم الأول: في أسماء

- ‌فمن الصحابة:

- ‌ومن التابعين

- ‌القسم الثاني: الكني

- ‌القسم الثالث: الألقاب

- ‌معرفة الأسماء والكنى

- ‌مدخل

- ‌أقسام هذا النوع

- ‌معرفة كنى المعروفين بالأسماء

- ‌معرفة ألقاب المحدثين، ومن يذكر معهم

- ‌المؤتلف والمختلف

- ‌مدخل

- ‌المؤلفات فيه:

- ‌وما ضبط من هذا النوع قسمان:

- ‌القسم الأول:

- ‌القسم الثاني:

- ‌الأنساب

- ‌تعليق المؤلف

- ‌المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب ونحوها

- ‌أقسام المتفق والمفترق

- ‌المتشابه

- ‌المشتبه المقلوب

- ‌معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم

- ‌النسب التي هي على خلاف ظاهرها

- ‌معرفة المبهمات

- ‌معرفة التواريخ لمواليد الرواة والسماع والقدوم والوفيات لهم

- ‌مدخل

- ‌فروع:

- ‌الفرع الأول:

- ‌الهجرة مبدأ التاريخ الإسلامي:

- ‌الفرع الثاني:

- ‌الفرع الثالث:

- ‌الفرع الرابع:

- ‌سبعة من الأئمة الحفاظ، أحسنوا التأليف، وعظم النفع بتأليفهم

- ‌معرفة من اختلط من الرواة الثقات

- ‌مدخل

- ‌طبقات العلماء والرواة

- ‌معرفة الموالي من العلماء والرواة

- ‌بلوغ الموالي من العلماء والرواة مرتبة سامية في الإسلام

- ‌معرفة أوطان الرواة وبلدانهم

- ‌رواية الصحابة بعضهم عن بعض والتابعين بعضهم عن بعض

- ‌معرفة ما رواه الصحابة عن التابعين

- ‌مدخل

- ‌معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه وعكسه

- ‌معرفة من وافق اسم شيخه اسم أبيه

- ‌معرفة من اتفق اسمه واسم أبيه وجده

- ‌معرفة من اتفق اسمه واسم شيخه

- ‌معرفة من اتفق اسم شيخه والراوي عنه

- ‌معرفة من اتفق اسمه وكنيته

- ‌معرفة من وافق اسمه نسبه

- ‌معرفة الأسماء التي يشترك فيها الرجال والنساء

- ‌معرفة من لم يرو إلا حديثًا واحدًا

- ‌باب: المراجع والفهارس

- ‌المراجع الأصلية:

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌مسائل تتعلق بهذا الفصل

تقدم من الشروط جازت الرواية من الكتاب وإن غاب عنه ما دام الغالب على ظنه سلامة كتابه من التغيير والتبديل، ولا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالبا.

ص: 143

"‌

‌مسائل تتعلق بهذا الفصل

":

"المسألة الأولى" الضرير ومثله البصير الأمي إذا لم يحفظ ما سمعه فاستعان بثقة في ضبط سماعه، وحفظ كتابه عن التغيير، واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته في التغيير صحت روايته عند الجمهور، وقد منع من روايتها غير واحد من العلماء.

"المسألة الثانية" إذا روى طالب الحديث كتابا كصحيح البخاري مثلا عن شيخ، ثم وجد نسخة ليس فيها سماعه أو ليست مقابلة على أصل شيخه لكن سمعت على شيخه أو فيها سماع شيخه على الشيخ الأعلى أو كتبت عن شيخه، وسكنت نفسه إلى صحتها، فقد حكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية منها، منهم الشيخ أبو نصر ابن الصباغ الفقيه.

وحكى أيوب السختياني ومحمد بن بكر البرساني1 إنهما رخصا في الرواية منها، وإلى هذا مال الحافظ ابن كثير2، وهو الصواب.

وقد توسط الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فقال: إن كانت له من شيخه إجازة عامة لمروياته أو لهذا الكتاب جازت له الرواية منه، والحال هذه، وإلا فلا3.

"المسألة الثالثة" إذا وجد الحافظ للحديث في كتابه خلاف ما في

1 البرساني: بضم فسكون ينسب إلى قبيلة من الأزد يقال لها: برسان وهو بصري توفي سنة ثلاث ومائتين.

2 اختصار علوم الحديث ص140.

3 علوم الحديث لابن الصلاح، والتدريب ص309، 310، وفتح المغيث ج2 ص209-211.

ص: 143

حفظه فماذا يصنع؟ والجواب: أنه إن حفظ من كتابه رجع إليه وإن كان حفظ من سماعه من شيخه اعتمد على حفظه، إن لم يشك، والأحسن أن يجمع بينهما في الرواية، فيقول: حفظي كذا، وفي كتابي كذا كما فعل شعبة بن الحجاج وغيره، وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ يقول: حفظي كذا، وقال فيه غيري أو فلان كذا، كما فعل الثوري وغيرهم.

وإذا وجد سماعه في كتابه، ولا يذكره ففيه خلاف، فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية لا يجوز روايته حتى يتذكر.

ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي الإمام الأعظم أبي حنيفة جوازها، وهو الصحيح بشرط أن يكون السماع بخطه أو بخط من يثق به والكتاب مصون بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير، وتسكن إلى ذلك نفسه، فإن شك فيه لم يجز، وكذا إن لم يكن الكتاب بخط ثقة.

"المسألة الرابعة" الرواية بالمعنى:

لا خلاف بين العلماء أن المحافظة على ألفاظ الحديث وحروفه أمر حسن مرغوب فيه، وأن الأولى لكل ناقل المحافظة على اللفظ ما استطاع إلى ذلك سبيلا، بل قد أوجبه قوم من التابعين والتزموه في رواياتهم.

قال وكيع: كان القاسم بن محمد وابن سيرين، ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه. أي على لفظه، وأما الرواية بالمعنى ففيها خلاف وإليك خلاصة ذلك:

اتفق العلماء قاطبة على أن الراوي إذا لم يكن عالما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها ولا خبيرا بما يحيل معانيها ولا بصيرا بمقدار

ص: 144

التفاوت بينها لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى، بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرف فيه.

ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعالم العارف الخبير.

فمنها أيضا كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول ومنهم ابن سيرين، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وروي عن ابن عمر.

وبعضهم قيد المنع بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المرفوعة وأجازها فيما سواه وهو قول الإمام مالك رواه البيهقي عنه في المدخل. وبه قال الخليل بن أحمد، واستدل له بحديث:"رب مبلغ أوعى من سامع" فإذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضعه ومعرفة ما فيه، وبعضهم قال بجوازها إذا نسي اللفظ وتذكر المعنى لأنه وجب عليه التبليغ، وقد تحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر، وقيل عكسه: وهو الجواز لمن يحفظ اللفظ ليتمكن من التصرف فيه دون من نسيه، وجزم القاضي أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" بجواز ذلك للصحابة دون غيرهم لأنا لو جوزنا لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، والصحابة قد اجتمع فيهم أمران:

1-

الفصاحة والبلاغة بالجبلة والسليقة.

2-

ومشاهدة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وسماع أقواله. فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة واستيفاء القصد كله، وليس من أخبر كمن عاين.

والأصح جواز الرواية بالمعنى إذا كان عالما خبيرا بما ذكرناه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه عند الجمهور سلفا وخلفا ومنهم الأئمة الأربعة، وذلك لما يأتي:

1-

لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين. وكثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ.

ص: 145

2-

ولأنه ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في معرفة الصحابة، والطبراني في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن أكيمة الليثي قال:"قلت يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك يزيد حرفا أو ينقص حرفا. فقال: "إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس"، فذكر ذلك للحسن فقال: "لولا هذا ما حدثنا" وكذا رواه الخطيب البغدادي في كتبه، والحديث وإن كان مضطربا -كما قال السخاوي- إلا أنه يؤخذ به في مثل هذا وقد ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" ومعروف تساهله في ذلك، وكذلك كان يروي بالمعنى غيره، أسند البيهقي في المدخل عن ابن عون قال: "كان الحسن وإبراهيم والشعبي يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه" وأسند أيضا عن سفيان قال:"كان عمرو بن دينار يحدث بالحديث على المعنى، وكان إبراهيم بن ميسرة لا يحدث إلا على ما سمع" وعن وكيع: "إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس".

3-

ولأنه كما قال الحافظ ابن حجر يجوز بالإجماع شرح الشريعة وتبليغها للعجم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه بالعربية أحرى1.

ومما ينبغي أن يعلم أن بعض المجوزين للرواية بالمعنى استثنوا من ذلك:

1-

الأحاديث التي تتعلق بالعقائد كذات الله وصفاته.

2-

والأحاديث التي يتعبد بها كأحاديث التشهد والأذكار.

1 مقدمة ابن الصلاح ص189، تدريب الراوي ص161، 162.

ص: 146

3-

والأحاديث التي تشتمل على جوامع كلمة صلى الله عليه وسلم فإنها لا تجوز روايتها على لفظها.

فائدتان:

الأولى: ما ذكرناه من الخلاف في الرواية بالمعنى إنما هو في غير المؤلفات أما هي فلا يجوز تغيير شيء منها وإبداله بآخر وإن كان بمعناه. قال ابن الصلاح: "ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريا ولا أجراه الناس فيما نعلم فيما تضمنته بطون الكتب فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظا آخر بمعناه، فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم فيها في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تصنيف غيره".

أقول: وهذا غاية الأمانة في النقل والمحافظة على الأصول التي امتاز بها أئمة هذا العلم النبوي الشريف.

"الثانية" الأولى لمن روى حديثا بالمعنى أن يعقبه بقوله "أو كما قال" أو نحوه، أو شبهه وما في معناه وكذلك إذا رواه أو ذكره بغير المعنى على سبيل الاحتياط فقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس رضي الله عنهم يقولون إذا رووا الحديث "أو نحو هذا""أو شبهه""أو قريبا منه" فإذا قالوا ذلك وهم أعلم الناس باللسان، وبمواقع الخطاب فما بالك بنا؟ وكذلك إذا اشتبهت على القارئ لفظة فيحسن بعد قراءتها على الشك أن يقول:"أو كما قال" ونحوها وذلك لما في ذلك من الخروج من العهدة والتخلص من التبعة.

"والنتيجة": التي نخرج منها من هذا البحث أن بعض الرواة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم التزموا الرواية على اللفظ الذي سمعوه.

ص: 147

وأن الكثير من الأحاديث رويت على ألفاظها ولا سيما الأحاديث القصار وأن الذين أجازوا الرواية بالمعنى من السلف فمن بعدهم أجازوها بشروط وتحوطات بالغة الغاية في الدقة والأمانة في الرواية. وتبعد الشك والارتياب. فمن ثم نرى -ونحن على يقين واطمئنان- أن الرواية بالمعنى لم تدخل على الدين ضررا ولا على السنة تحريفا وتبديلا كما زعم بعض المتخرصين والمغرضين وذوي الأهواء المضللة الذين ألفوا في الأحاديث. وطلعوا على الناس بكتب فجة، وآراء مبتسرة عارية عن التحقيق والأصالة في البحث، كما صنع صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" فكن من سمومه على حذر، ولا تلق إليه بإلا، فإنما هو بوق من أبواق الدخلاء والمستغربين، والمستشرقين وأعداء الإسلام والمسلمين.

"المسألة الخامسة": هل يجوز اختصار "الحديث"؟ 1:

اختلف العلماء في رواية بعض الحديث دون بعض، فمنعه بعضهم مطلقا بناء على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم مع تجويزها إذا لم يكن رواه هو أو غيره على التمام قبل هذا وإلا جاز، وجوزه بعضهم مطلقا. وينبغي تقييده بما إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمذكور تعلقا يخل بالمعنى حذفه. كالاستثناء والشرط والغاية ونحوها والصحيح التفصيل: فإن كان غير عالم امتنع ذلك، وإذا كان عالما جاز إذا كان ما تركه متميزا عما ذكره غير متعلق به بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوزنا الرواية بالمعنى أم لا، وسواء رواه قبل تاما أم لا، لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين ثم هذا إن ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه تاما، فخاف إن رواه ناقصا أن يتهم بزيادة أولا،

1 هكذا جاء في بعض كتب علوم الحديث "اختصار" انظر تدريب الراوي ص315، والدقيق أن يعبر بالاقتصار ويكون العنوان هل يجوز الاقتصار على بعض الحديث دون بعض والفرق بينهما أن الاقتصار ذكر بعض الحديث وترك بعضه، وأما الاختصار فهو الإتيان بالمعنى بعبارة وجيزة.

ص: 148

أو بنسيان لغفلة، أو قلة ضبط فيما رواه ثانيا فلا يجوز له النقصان ثانيا ولا ابتداء أن تعين عليه أداؤه تاما لئلا يخرج الحديث بذلك عن حيز الاحتجاج به.

"المسألة السادسة": تقطيع أي تجزئة الحديث في الأبواب: أما تقطيع المؤلف الحديث الواحد في الأبواب بحسب الاحتجاج به في المسألة فهو إلى الجواز أقرب، ومن المنع أبعد.

قال ابن الصلاح: "ولا يخلو من كراهة" وعن الإمام أحمد: "ينبغي ألا يفعل" والحق أنه جائز بلا كراهة فقد فعله الأئمة: مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، وأكبر شاهد على الجواز صنيع الإمام البخاري في صحيحه.

"تنبيه": قال الإمام البلقيني: يجوز حذف زيادة مشكوك فيها بلا خلاف، وكان مالك يفعله كثيرا تورعا بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله، قال: ومحل ذلك زيادة لا تعلق للمذكور بها، فإن تعلق ذكرها مع الشك كحديث:"العرايا في خمسة أوسق 1 أو دون خمسة أوسق" فلا. أقول: ومراده حديث الترخيص في العرايا

وهو حديث رواه البخاري ومسلم في "كتاب البيوع".

وأما كتابة الأطراف فيجوز فيها الاكتفاء ببعض الحديث مطلقا وإن لم يفد كما قال السيوطي2.

"المسألة السابعة" على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما

1 وذلك لأن الزيادة هنا أفادت حكما شرعيا وهو جوازها فيما دون خمسة أوسق.

2 تدريب الراوي ص316.

ص: 149

يسلم به لسانه من اللحن1 والتصحيف، قال الأصمعي:"إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.

وقال شعبة بن الحجاج: "مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف العربية كمثل رجل عليه برنس2 وليس له رأس" ومثل هذا يكون ضحكة -بضم الضاد وسكون الحاء- للناس أو هزأة وأرجو أن يكون في هذا عبرة، وزاجر للخطباء والوعاظ والمتحدثين في الندوات وفي الإذاعات المسموعة والمرئية الذين يذكرون الأحاديث ملحوظة ولا يتورعون عن الغلط فيها وإنه لعاب كبير وإثم عظيم للذين يصدر منهم ذلك، ولا سيما المنتسبون إلى العلم الشرعي نسأل الله لنا ولهم السلامة.

وينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لحان3 أو مصحف بفتح الصاد المهملة وكسر الحاء المشددة، والطريق في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق والضبط عنهم، لا من بطون الكتب ولذلك يسمون من يأخذ من الصحف لا من الشيوخ "صحفيا" وقد روى عن سليمان بن موسى أنه قال:"كان يقال: لا تأخذوا القرآن عن مصحفي، ولا العلم من صحفي"، وقال ثور بن يزيد:"لا يفتي الناس صحفي، ولا يقرئهم مصحفي"، وروي في مسند الدارمي عن الأوزاعي أنه قال: "ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في

1 يقال: لحن بفتح الحاء المهملة يلحن بفتحها في المضارع لحنا بسكون الحاء إذا غلط في الإعراب، ويقال: لحن بكسر الحاء يلحن بفتحها لحنا بفتح الحاء وهو الفطنة، ويطلق اللحن على اللغة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: $"اقرءوا القرآن بلحون العرب -أي لغاتها- وإياكم ولحون أهل الكتاب".

2 البرنس: ثوب له رأس بوضع على الرأس.

3 من اللحن عندي أن يخطئ في اللغة فما كان مثلا من باب ضرب بضرب لا يجعله من باب سمع يسمع وهكذا.

ص: 150

الصحف فوقع عند غير أهله".

ويتصل بهذه المسألة مسألة أخرى وهي ما إذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقد قال ابن سيرين وعبد الله بن سخبرة، وأبو معمر، وأبو عبيد القاسم بن سلام فيما رواه البيهقي عنهما يرويه على الخطأ كما سمعه.

قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: وهذا غلو في اتباع اللفظ والمنع من الرواية بالمعنى والصواب وقول الأكثرين منهم ابن المبارك، والأوزاعي، والشعبي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعطاء وهمام، والنضر بن شميل يرويه على الصواب لا سيما في اللحن الذي يختلف المعنى به.

واختار شيخ الإسلام وسلطان العلماء، العز بن عبد السلام كما حكاه عنه صاحبه ابن دقيق العيد في "الاقتراح" أنه يترك روايته إياه عن ذلك الشيخ مطلقا، لأنه إن تبعه فيه فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحق، وإن رواه عنه على الصواب، فهو لم يسمعه منه كذلك1 وكذا حكاه ابن كثير لكن أبهم قائله2.

وأما إصلاحه في الكتاب وتغيير ما وقع فيه فجوزه بعضهم أيضا، والصواب تقريره في الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية كما تقدم، فإن ذلك أجمع للمصلحة، وأنفى للمفسدة، وقد يظهر له وجه صحته، واللغة بحر واسع ولو فتح باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل.

ثم الأولى عند السماع أن يقرأ أولا على الصواب ثم يقول: وقع في روايتنا أو عن شيخنا أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في

1 التدريب ص318.

2 اختصار علوم الحديث ص145.

ص: 151

الأصل أولا، ثم يذكر الصواب، وإنما كان الأول أولى، لئلا يتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله.

وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية أخرى أو حديث آخر فإن ذكره أمن من التقول المذكور.

وإن كان الإصلاح بزيادة الساقط من الأصل فلا بأس بإلحاقة في الأصل من غير تنبيه على سقوطه، بأن يعلم أنه سقط في الكتابة كلفظ: ابن في النسب، وكحرف لا يختلف المعنى به، وقد سأل أبو داود أحمد بن حنبل فقال: وجدت في كتابي: حجاج عن جريج، يجوز لي أن أصلحه ابن جريج؟ قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به.

وقيل لمالك الإمام: أرأيت حديث النبي صلى الله عليه وسلم يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ فقال:"أرجوا أن يكون خفيفا".

وإن غاير الساقط معنى ما وقع في الأصل تأكد الحكم بذكر الأصل مقرونا بالبيان لما سقط، فإن علم أن بعض الرواة له أسقطه وحده وأن من فوقه من الرواة أتى به فله أيضا أن يلحقه في أصل الكتاب مع كلمة "يعني" قبله كما فعل الخطيب إذ روى عن أبي عمر بن مهدي عن المحاملي بسنده إلى عروة عن عمرة عن عائشة قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إليّ رأسه فأرجله" قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي عن عمرة قالت "كان

" فألحقنا فيه ذكر عائشة إذ لم يكن منه بد، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا، وقلنا له ما فيه، يعني لأن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك، قال: وهكذا رأيت غير واحد من شيوخنا يفعل في مثل هذا، ثم روى عن وكيع أنه قال: "أنا أستعين في الحديث بيعني".

هذا إذا علم أن شيخه رواه له على الخطأ فأما إن رواه في كتاب

ص: 152

نفسه، وغلب على ظنه أنه من كتابه لا من شيخه فيتجه إصلاحه في كتابه، وروايته كما إذا درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن فإنه يجوز استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحته، وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط، كذا قاله أهل التحقيق وممن فعله نعيم بن حماد، ومنعه بعضهم، وإن كان معروفا محفوظا وبيانه حال الرواية أولى.

وهذا الحكم جار في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتاب ثقة غيره أو حفظه، كما روي عن أبي عوانة، وأحمد وغيرهما، ويحسن أن يبين مرتبته كما فعل يزيد بن هارون وغيره ففي مسند أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عاصم بالكوفة فلم أكتبه، فسمعت شعبة يحدث به فعرفته به عن عاصم عن عبد الله بن سرجس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قال:"اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر".

وفي غير المسند: عن يزيد أخبرنا عاصم وثبتني فيه شعبة فعله أبو داود في "سننه" عقب حديث الحكم بن حزن، قال: ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا، فإن وجد في كتابه كلمة من غريب العربية غير مضبوطة أشكلت عليه جاز أن يسأل عنها العلماء بها ويرويها على ما يخبرونه به، فعل ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما والله أعلم.

"المسألة الثامنة": "الجمع بين الشيوخ في الرواية عنهم"

إذا كان الحديث عند الراوي عن اثنين أو أكثر من شيوخه واتفقا أو اتفقوا في المعنى دون اللفظ فله أن يجمع بينهما أو بينهم في الإسناد ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما فيقول: أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان، أو وهذا اللفظ لفلان، وله بعد هذا أن يسند القول إلى من له اللفظ أو يسنده إليهم فيقول: قالا أو قالوا: أخبرنا فلان ونحوه

ص: 153

من العبارات.

وللإمام مسلم في صحيحه عبارة مثل حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج كلاهما عن أبي خالد قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد عن الأعمش

فالظاهر من إعادته أبا بكر ثانيا أن اللفظ له1 وأن رواية الأشج بمعناه فإن لم يخص أحدهما بنسبة اللفظ إليه بل أتى ببعض لفظ هذا وبعض لفظ ذاك فقال: أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ، أو والمعنى واحد قالا حدثنا فلان

جاز على مذهب من يجوز الرواية بالمعنى دون من لم يجوزها، وقول أبي داود صاحب السنن: حدثنا مسدد وأبو توبة المعنى قالا حدثنا أبو الأحوص -يحتمل أن يكون من قبيل الأول فيكون اللفظ لمسدد ويوافقه أبو توبة في المعنى. ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة، بل رواه بالمعنى عن كليهما، وهذا الاحتمال الثاني يقرب في قوله: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل -المعنى واحد- قالا: حدثنا أبان

فإن لم يقل تقاربا ولا شبهة فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى وإن كان قد عيب به الإمام البخاري وغيره.

"المسألة التاسعة": "التعريف بالراوي بذكر نسبه":

ليس للراوي أن يزيد في نسب من فوق شيخه من رجال الإسناد أو صفته مدرجا ذلك إلا أن يميزه فيقول مثلا: هو ابن فلان الفلاني أو -يعني ابن فلان ونحوه- فيجوز وقد فعل ذلك الإمام أحمد وغيره أما إذا كان شيخه قد ذكر نسب شيخه بتمامه في أول حديث ثم اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه أو بعض نسبه، فقد حكى الخطيب

1 قال العراقي ويحتمل أنه أعاده لبيان التصريح بالتحديث دون الآخر.

ص: 154

عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الأول مستوفيا فيها نسب شيخ شيخه، وحكي عن بعضهم أن الأولى فيه أيضا أن يقول: يعني ابن فلان، وحكي عن عليِّ بن المديني وغيره أنه يقول: حدثني شيخي أن فلانا بن فلان حدثه، وحكي عن بعضهم أنه قال: أخبرنا فلان. قال: أخبرنا فلان هو ابن فلان، ويسوق نسبه إلى منتهاه. واستحب الخطيب هذا الأخير لأن لفظ "أن" استعملها قوم في الإجازة كما ذكرنا في باب التحمل والأداء.

قال ابن الصلاح: جميع هذه الوجوه جائزة وأولاها أن يقول: هو ابن فلان أو يعني ابن فلان، ثم قوله: إن فلانا بن فلان، ثم أن يذكر بكماله من غير فصل1. وكثيرا ما يصنع الأول الإمام مسلم في صحيحه.

"المسألة العاشرة": "حذف لفظ "قال" في الإسناد خطا لا نطقا"

جرت عادة المحدثين بحذف لفظ "قال" ونحوه بين رجال الإسناد خطا اختصارا، وينبغي للقارئ التلفظ بها. قال ابن الصلاح وغيره: لا بد من ذكره حال القراءة لفظا، أما إذا كان في الإسناد وقرئ على فلان أخبرك فلان، أو قرئ على فلان: حدثنا فلان. فليقل القارئ في الأول: قيل له أخبرك فلان، وفي الثاني قال: حدثنا فلان، قال ابن الصلاح: وقد جاء هذا مصرحا به خطا هكذا في بعض ما رويناه قال السيوطي: وينبغي أن يقول في قرأت على فلان: قلت له أخبرك فلان وإذا تكرر لفظ قال. كقول البخاري "حدثنا صالح بن حيان قال: قال عامر الشعبي"، فإنهم يحذفون أحدهما خطا

والظاهر أنها الأولى فيتلفظ بهما القارئ جميعا. قال الإمام النووي: ولو ترك القارئ

1 لأن ذكر النسب زيادة في التعريف ولا دخل له في نص الحديث.

ص: 155

قال في هذا كله فقد أخطأ، والظاهر صحة السماع، ومقتضى كلام ابن الصلاح السابق أنه لا يصح السماع بدونها، ولكنه خالف ذلك في الفتاوى، فإنه لما سئل عن ترك القارئ قال: فقال هذا خطأ من فاعله، والأظهر أنه لا يبطل السماع لأن حذف القول جائز اختصارا جاء به القرآن الكريم1 قال السيوطي: ومما يحذف في الخط أيضا لفظ "أنه" كحديث البخاري عن عطاء بن أبي ميمونة سمع أنس بن مالك أي أنه سمع، قال الحافظ بن حجر في شرحه لفظ أنه يحذف في الخط عرفا2.

"المسألة الحادية عشرة": "طريقة رواية النسخ المشهورة":

النسخ والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد كنسخة همام بن منبه عن أبي هريرة التي رواها عبد الرزاق، عن معمر، عن همام وكنسخة شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده3.

من أئمة الحديث من يجدد الإسناد في أول كل حديث منها وهو أحوط، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة وأوجبه بعضهم، ومنهم من يكتفي في أول حديث منها أو أول كل مجلس من سماعها ويدرج الباقي عليه ويقول في كل حديث بعده وبالإسناد أو وبه، وذلك هو الأغلب الأكثر، فمن كان سماعه هكذا فأراد رواية غير الحديث الأول مفردا

1 وذلك في مثل قوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} أي قائلين: ربنا

إلخ.

2 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص196، والتدريب ص167.

3 فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي ج2 ص252.

ص: 156

عنه بالإسناد المذكور جاز له ذلك عند الأكثرية منهم: وكيع بن الجراح، وابن معين، والإسماعيلي؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وأيضًا فهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله.

ومن المحدثين من يمنع ذلك منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني1، ورأى ذلك تدليسًا، فعلى هذا الرأي على من يريد أن يروي حديثًا منها بالإسناد الأول أن يبين ذلك كما فعل الإمام مسلم في صحيحه في صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة قال: حدثنا محمد بن رافع "قال" حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أدنى مقعد أحدكم في الجنة أن يقال له: تمن، فيتمنى، ويتمنى فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: لك ما تمنيت ومثله معه"2. وقد التزم الإمام مسلم ذلك في هذه النسخة في صحيحه، وهكذا فعل مثل مسلم كثير من المؤلفين.

وأما الإمام البخاري فإنه لم يسلك قاعدة مطردة فتارة يذكر أو حديث في النسخة ويعطف عليه الحديث الذي يساق الإسناد لأجله وذلك كقوله في "كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} الآية".

حدثني إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لأن يلجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض

1 بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء الممدودة وكسر الياء المثناة من تحت آخره نون، ياء النسبة إلى إسفرايين.

2 كتاب الأيمان -باب معرفة طريق الرؤية وج1 ص167 من متن صحيح مسلم.

ص: 157

الله عليه" 1.

وتارة لا يذكر الحديث الأول في النسخة، ويذكر الحديث الذي يريد أن يسوقه بعد السند وذلك مثل ما صنع في "كتاب التعبير، باب الاستراحة في المنام"2 وفي "كتاب الاستئذان، باب تسليم القليل على الكثير"3 وكأن البخاري أراد أن يبين بصنيعه هذا أن كلا من الأمرين جائز.

وما ينبغي أن يعلم أن الإمام السيوطي في "تدريبه" مثل للنوع الأول فقال: "كقوله في "الطهارة"4: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نحن الآخرون السابقون"، وقال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" الحديث"5.

ولا أدري أأعوز السيوطي مثال لما في صحيح البخاري من نسخة همام بن منبه عن أبي هريرة أم أنه لم يكلف نفسه البحث عن ذلك؟ العلم عند الله، والسخاوي وهو ممن يتعقب السيوطي لم يعلق على ذلك بكلمة، ولا استدرك عليه ما فاته.

وقد أشكل على معظم الشراع بيان المناسبة بين حديث: "نحن الآخرون السابقون"، وبين حديث:"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" وركبوا في ذلك كل صعب وتكلفوا غاية التكلف ولم يصل إلى الحق في هذا إلا الإمام الحافظ ابن حجر، فقال: "والصواب أن البخاري في الغالب يذكر الشيء كما سمعه لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة منه، إن لم

1 صحيح البخاري ج8 ص159، 160.

2 متن صحيح البخاري ج8 ص64.

3 صحيح البخاري ج9 ص49.

4 كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم.

5 تتمة الحديث: "الذي لا يجري ثم يغتسل فيه".

ص: 158

يكن باقيه مقصودا، كما صنع في حديث عروة البارقي في شراء الشاة كما سيأتي بيانه في الجهاد، وأمثلة ذلك في كتابه كثيرة، وقد وقع لمالك مثل هذا في "الموطأ" إذ أخرج في "باب صلاة الصبح والعتمة: متونا بسند واحد أولها: "مر رجل بغصن شوك

" وآخرها: "لو يعلم الناس ما في الصبح والعتمة لأتوها ولو حبوا" 1 وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير لكنه أداها على الوجه الذي سمعه، قال ابن العربي في "القبس": "ترى الجهال يتعبون في تأويلها ولا تعلق للأول منها بالباب أصلا"، ثم قال الحافظ: "والظاهر أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عنه، ولهذا قل حديث يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى، وقد اشتملتا على أحاديث كثيرة أخرج الشيخان غالبها، وابتداء كل نسخة منهما حديث:"نحن الآخرون السابقون" فلهذا صدر به البخاري فيما أخرجه من كل منهما، وسلك مسلم في نسخة همام طريقا أخرى، فيذكر في كل حديث أخرجه منها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكر الحديث الذي يريده يشير بذلك إلى أنه من أثناء النسخة لا من أولها والله أعلم"2.

أقول ويؤيده ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر من أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عن أبي هريرة وأن كلا منهما كانت مبدوءة بحديث: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" ، ما ذكره البخاري في كتاب الجهاد، باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به" قال: حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"نحن الآخرون السابقون".

1 كتاب صلاة الجماعة -باب العتمة والصبح- متن الموطأ ج1 ص131.

2 فتح الباري ج1 ص346، 347.

ص: 159

وبهذا الإسناد: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني

".

وفي "كتاب الديات، باب من أحد حقه، أو اقتص دون السلطان، قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نحن الآخرون السابقون".

وبإسناده: "لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح".

وفي "كتاب التوحيد، باب: يريدون أن يبدلوا كلام الله قال:

حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نحن الآخرون السابقون".

وبهذا الإسناد قال الله تعالى: "أَنفِق أُنفق عليك".

وهذه المسألة قد بحثتها وأطلت البحث حتى وصلت إلى هذا التحرير البالغ فلله الحمد والمنة.

وأما إعادة بعض المحدثين الإسناد في آخر الكتاب أو الجزء فلا يرفع هذا الخلاف السابق بين العلماء، إلا أنه يفيد احتياطا، ويتضمن إجازة من أعلى أنواعها، ويفيد أيضا سماعه لمن لم يسمعه أولا"1.

1 تدريب الراوي 325، 326 ط المحققة، فتح المغيث للسخاوي ج2 ص252-254.

ص: 160

"المسألة الثانية عشرة": تقديم المتن على الإسناد

إذا قدم الراوي المتن على الإسناد كقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ثم يذكر الإسناد بعده أو المتن وبعض الإسناد كروي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا ثم يقول: أخبرنا به فلان عن فلان عن فلان حتى يتصل بما ذكره من السند، صح وكان متصلا فلو أراد من كان سمعه هكذا تقديم جميع الإسناد بأن يبدأ به أولا ثم المتن فجوزه بعضهم.

قال النووي في "الإرشاد" وهو الصحيح، وقال ابن الصلاح ينبغي أن يكون فيه خلاف كالخلاف في تقديم بعض المتن على بعض، فإن الخطيب حكى فيه المنع بناء على منع الرواية بالمعنى، والجواز على جوازها، وخالفه البلقيني فقال: هذا التخريج ممنوع والفرق بينهما: أن تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدي إلى الإخلال بالمقصود في العطف وعود الضمير ونحو ذلك بخلاف تقديم السند كله أو بعضه. فلذلك جاز فيه ولم يتخرج على الخلاف.

فائدة: قال شيخ الإسلام ابن حجر: تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال1 فيبتدئ به ثم بعده الفراغ بذكر السند قال: وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك لا يكون في حل منه

فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية بالمعنى.

1 أي فيه راو أو رواة تكلم في عدالتهم أو ضبطهم.

ص: 161

"المسألة الثالثة عشرة": "ذكر مثله أو نحوه بعد الإسناد"

إذا روى المحدث حديثا بإسناد، ثم أتبعه بإسناد آخر وقال في آخره مثله، ولم يذكر المتن فأراد السامع لذلك منه رواية المتن الأول بالإسناد الثاني فقط. فالأظهر المنع منه، وهو قول شعبة، وأجازه سفيان الثوري وابن معين إذا كان الراوي متحفظا ضابطا مميزا بين الألفاظ، ومنعاه إن لم يكن كذلك، وكان جماعة من العلماء إذا روى بعضهم مثل هذا ذكر الإسناد، ثم قال: مثل حديث قبله متنه كذا وكذا، وهو الذي اختاره الخطيب، وأما إذا قال نحوه فأجازه الثوري أيضا ومنعه شعبة، وأما ابن معين فجوزه في "مثله" دون نحوه، قال الخطيب: تفرقه ابن معين بين "مثله""ونحوه" يصح على منع الرواية بالمعنى فأما على جوازها فلا فرق.

أقول: إن وجهة نظر ابن معين دقيقة؛ لأن المحدثين يريدون بمثله أنه على لفظه، وبنحوه أنه بمعناه، ويفصح عن هذا ما قاله الحاكم أبو عبد الله: إن مما يلزم المحدثين من الضبط والإتقان أن يفرق بين أن يقول: "مثله" أو يقول: "نحوه" فلا يحل له أن يقول: "مثله" إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل أنه يقول:"نحوه" إذ كان على مثل معانيه1.

"المسألة الرابعة عشرة": "ذكر الإسناد وبعض المتن"

إذا ذكر الراوي الإسناد وبعض المتن ثم قال: وذكر الحديث ولم

1 علوم الحديث ص237، والتدريب ص168.

ص: 162

يتمه أو قال "بطوله" أو "الحديث" فأراد السامع روايته عنه بكماله فهو أولى بالمنع من مسألة "مثله ونحوه" السابقة، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني.

وأجازة أبو بكر الإسماعيلي إذا عرف المحدث والسامع ذلك الحديث والاحتياط أنه يقتصر على المذكور ثم يقول: قال: وذكر الحديث وهو هكذا أو وتمامه كذا ويسوق بكماله.

وفصل الحافظ ابن كثير فقال: إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو غيره جاز وإلا فلا. قال ابن الصلاح: إذا جوزنا ذلك فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية الأكيدة فجاز لهذا مع كونه أوله سماعا إدراج الباقي عليه1.

"المسألة الخامسة عشرة": "هل يجوز تغيير لفظ قال النبي إلى قال رسول الله؟ "

قال العلامة ابن الصلاح إنه لا يجوز تغيير قال النبي صلى الله عليه وسلم إلى قال رسول الله ولا عكس، وإن جازت الرواية بالمعنى.

وقال الإمام أحمد إذا كان في الكتاب عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال المحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب. وعلل ابن الصلاح ذلك لاختلاف معنى النبي والرسول، فالنبي من أوحى إليه للعمل فقط، والرسول من أوحى إليه للتبليغ2.

قال الإمام النووي: والصواب -والله أعلم- جوازه لأنه وإن اختلف معناه في الأصل لا يختلف به هنا معنى إذ المقصود نسبة القول إلى قائله. وذلك حاصل بأي وصف وصف به القائل، ونبينا محمد: رسول

1 علوم الحديث ص238 والتدريب ص169.

2 والمشهور الذي عليه الجمهور أن النبي من أوحي إليه بشرع أمر بالتبليغ أم لا والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه فكل رسول نبي ولا عكس وعلى ما ذكر ابن الصلاح يكونان متغايرين.

ص: 163

ونبي. قال وهو مذهب أحمد بن حنبل لما سأله ابنه صالح عن هذا فقال أرجو أن لا يكون به بأس، وما تقدم عنه محمول على الاستحباب لا اللزوم وهو مذهب حماد بن سلمة والخطيب.

وقال البدر بن جماعة لو قيل: يجوز تغيير النبي إلى رسول، ولا يجوز عكسه لما بعد لأنه في الرسول معنى زائدا على النبي يعني بهذا المعنى هو وجوب التبليغ.

"المسألة السادسة عشرة": "الجمع بين الشيوخ في سند حديث روى كل شيخ بعضه"

إذا سمع بعض حديث عن شيخ، وبعضه عن شيخ آخر، فخلط ولم يميزه وعزى الحديث جملة إليهما مبينا أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه فذلك جائز كما فعل الإمام الزهري في حديث الإفك.

رواه عن عروة بن الزبير، وابن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة رضي الله عنها قال: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم عن بعض ثم ذكر الحديث.

قال العراقي: وقد اعترض بأن البخاري أسقط بعض شيوخه في مثل هذه الصورة، واقتصر على واحد فقال: في "كتاب الرقاق من صحيحه":

حدثني أبو نعيم بنصف من هذا الحديث، حدثنا عمر بن ذر1،

1 في شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح هكذا: عمر بن ذر وفي نسختي "التدريب" المطبوعتين "عمرو بن دينار" وهو غلط، والصواب ما ذكره العراقي. راجع صحيح البخاري -كتاب الرقاق- باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتحليهم عن الدنيا" و"كتاب الاستئذان، باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن"، ولم يسبقني أحد ممن علقوا على التدريب إلى هذا -فيما أعلم- فلله الحمد والمنة على ما أنعم ووهب.

ص: 164

حدثنا مجاهد، أن أبا هريرة كان يقول: "والله الذي لا إله غيره: إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع

" الحديث أقول: وهو حديث طويل.

قال العراقي: والجواب أن الممتنع إنما هو إسقاط بعضهم وإيراد كل الحديث عن بعضهم، لأنه حينئذ يكون قد حدث عن المذكور ببعض ما لم يسمعه منه فأما إذا بين أنه لم يسمع منه إلا بعض الحديث كما فعل البخاري هنا فليس بممتنع.

وقد بين البخاري في "كتاب الاستئذان" البعض الذي سمعه من أبي نعيم فقال: حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر، وحدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة قال:

"دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبنا في قدح، فقال: "أبا هريرة الحق أهل الصفة فادعهم إليّ" ، قال: فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا".

فهذا هو بعض حديث أبي نعيم الذي ذكره في الرقاق، وأما بقية الحديث فيحتمل أن البخاري أخذه من كتاب أبي نعيم وجادة، أو إجازة، أو سمعه من شيخ آخر غير أبي نعيم: إما محمد بن مقاتل أو غيره، ولم يبين ذلك بل اقتصر على اتصال الحديث من غير بيان، ولكن ما من قطعة منه إلا وهي محتملة لأنها غير متصلة بالسماع إلا القطعة التي صرح في "كتاب الاستئذان" باتصالها1.

"المسألة السابعة عشرة":

إذا كان في سماعه بعض الوهن أي الضعف فعليه بيانه حال الرواية

1 علوم الحديث بشرح العراقي ص242 ط مطبعة العاصمة و"التدريب" ص331، 332 ط المحققة وفتح المغيث ج2 ص269-271.

ص: 165

فإن في إغفاله نوعا من التدليس، وذلك كأن يسمع من غير أصل، أو حصل نوم، أو نسخ حال السماع أو سمع بقراءة مصحف أو لحان أو نحو ذلك ومنه إذا حدث من حفظه في المذاكرة لتساهلهم فيها، فليقل حدثنا في المذاكرة ونحوه كما فعله الأئمة، ومنع منه جماعة كابن مهدي، وابن المبارك، وأبي زرعة الرازي الحمل عنهم حال المذاكرة لتساهلهم فيها، ولأن الحفظ خوان، وامتنع جماعة من كبار الحفاظ وأعلامهم من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم لذلك منهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.

"المسألة الثامنة عشرة":

إذا كان الحديث عن رجلين أحدهما ثقة والآخر مجروح كحديث لأنس يرويه عنه ثابت البناني، وأبان بن أبي عياش، أو عن ثقتين فالأولى أن يذكرهما لجواز أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر وحمل لفظ أحدهما على الآخر فإن اقتصر على ثقة فيهما لم يحرم، لأن الظاهر اتفاق الروايتين، وما ذكره من الاحتمال نادر بعيد، ومحذور الإسقاط في الثاني أقل من الأول.

قال الإمام أبو بكر الخطيب: وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما أسقط المجروح ويذكر الثقة ثم يقول: وآخر كناية عن المجروح قال: وهذا القول لا فائدة فيه، وقد رد عليه البلقيني فقال: بل له فائدة تكثير الطرق1 والله أعلم. وكذلك حصل هذا من البخاري في صحيحه في مواضع منه كتفسير سورة النساء، وآخر الطلاق، والفتن، وعدة أماكن من طريق حيوة "وغيره" وفي الاعتصام من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح "وغيره" قال السخاوي في "شرح الألفية":

1 علوم الحديث ص240، 241 ط العاصمة، و"التدريب" ص330، و"فتح المغيث" ج2 ص266، 267.

ص: 166