الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبالإجازة جملة أيضا: كأبي نعيم الأصبهاني، وأبي الحسن اللبان، والقاضي أبي بكر بن العربي.
واعتنى كل من حافظ دمشق ابن ناصر الدين، وحافظ مكة من أصحابنا بإفراد ما وقع له منها في تخريج.
وكذلك أفردت مائة منها بالتصنيف مبينا شأنها، ورويت ذلك إملاء وتحديثا بالقاهرة ومكة1.
إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة في المسلسلات ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى "الرسالة المستظرفة، لبيان مشهور كتب السنة المشرفة" قال: ومجموع الأحاديث المسلسلة يزيد على أربعمائة2.
1 فتح المغيث للسخاوي ج3 ص55.
2 الرسالة المستطرفة من ص61-64.
علم علل الحديث
مدخل
…
"علم علل الحديث":
علم علل الحديث من العلوم المهمة جدا، وقد سبق التأليف في هذا العلم على سبيل الاستقلال لكونه فرعا من فروع "علوم الحديث" بمعناها العام. التأليف فيه بعد صيروة "علوم الحديث" فنا مدونا مستقلا عن غيره من العلوم له أصوله، وله مسائله، وله أنواعه، وذلك على يد الإمام أبي محمد الحسن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى حوالي سنة ستين وثلاثمائة.
والعلة في اصطلاح أئمة الحديث وجهابذته: عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث مع أن الظاهر السلامة منها.
وعلى هذا يمكننا أن نعرف هذا العلم فنقول:
علم علل الحديث: هو العلم الذي يبحث فيه عن الأسباب الخفية
الغامضة التي تقدح في الحديث صحة وحسنا، وسندا ومتنا مع أن الظاهر السلامة منها.
ولن أتكلم هنا عن أقسام العلة ولا عن ضرب الأمثلة لها فقد سبق ذلك في نوع "المعل"1 من الحديث أثناء التكلم عن أنواع الحديث الضعيف.
"هذا العلم لم يتكلم فيه إلا الجهابذة":
وهذا العلم لم ينهض للكلام فيه والتأليف إلا الأئمة الكبار الجامعون للحديث، والعارفون بعلله أمثال: علي بن المديني، وأحمد بن محمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، والترمذي، والدارقطني.
"بم تعرف العلة": وتدرك العلة بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنبه العارف بهذا العلم على وهم2 وقع بإرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد في صحته فيتوقف فيه.
والطريق إلى معرفة ذلك جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته وفي ضبطهم وإتقانهم، قال الإمام ابن المديني:"الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه".
وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي3 في نقد الدنانير والدراهم قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: معرفة علل الحديث الهام، ولو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك.
1 بضم الميم وفتح العين المهملة، وتشديد اللام. "انظر ص305".
2 وهم وهما كغلط غلطا وزنا ومعنى.
3 بفتح الصاد المهملة، وسكون الياء، وفتح الراء هو الذي يقوم بصرف الدراهم والدنانير ويميز بين صحيحها وزائفها.
وقيل له أيضًا: إنك تقول للشيء هذا صحيح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بهرج1. أكنت تسأل عن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك بطول المجالسة والمناظرة والخبرة.
وسئل أبو زرعة الرازي: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة -يعني محمد بن محمد بن وارة- فتسأله عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم -يعني الرازي- فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافًا فاعلم أن كلًّا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام.
"تعليق على كلمة ابن مهدي أن هذا العلم إلهام":
قد يوهم ظاهر هذه الكلمة أن هذا العلم لا يحتاج إلى طول بحث ونظر، وموازنة بين الروايات وجمعها كي يصل الإمام المعلل إلى الحق والصواب.
وهذا الظاهر غير مراد قطعًا بعد ما ذكرنا من كلمة الإمام علي بن المديني، وبعد ما هو معلوم من أن العلماء الذين اشتغلوا بعلل الأحاديث لم يدعوا وسيلة من وسائل العلم بالأحاديث، والبحث عن حقائق أمورها إلا سلكوها، وذلك عن طريق جمع الروايات ونقدها على حسب قواعدهم الدقيقة، والموازنة بينها حتى وصلوا إلى الحق والصواب في هذا، والكتب التي ألفت في العلل أكبر شاهد على هذا، إن في هذه الكتب ما يدل دلالة ظاهرة على سعة علم هؤلاء العلماء بالروايات، وعلى دقة أنظارهم في النقد.
1 بهرج على وزن جعفر الرديء المغشوش من الفضة.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن أي عالم متمرس في فن من الفنون، وطالت مصاحبته له، والوقوف على حقائقه ودقائقه تحصل له ملكة1 في هذا الفن قد تصل هذه الملكة المكتسبة بطول البحث والنظر والتأمل إلى أن تجعل صاحبها ملهما في إدراك حقائق الأمور.
فمن الأطباء مثلا من حصل لهم بعد طول الممارسة لعلم الطب، ومقابلة المرضى والتعرف على أدوائهم وأمراضهم وعللهم ملكة بحيث يدرك بمجرد رؤية المريض أنه مريض بكذا، وإن لم يستعمل التفسرة2 التي تعينه على إدراك حقيقة مرض المريض.
كذلك الكثرة الكاثرة من أئمة الحديث ولا سيما في العصور الأولى حصلت لهم بطول الممارسة والملازمة للحديث وعلومه ملكة بها يدركون الحديث المعلول من غير المعلول بحيث لا يحتاجون إلى طول بحث ونظر، وإنما تنطلق ألسنتهم بالحقيقة بحيث يخيل إلى السامع أن هذا العلم إلهام كما قال الرجل الذي ذكرنا قصته مع أبي زرعة الرازي.
إن الواحد منا نحن معاشر المشتغلين بعلم الحديث والسنن على فرق ما بيننا وبين هؤلاء الأئمة قد تحصل له هذه الملكة بحيث يميز ما بين ما هو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ليس من كلامه، ولو لم يكن عنده علم خاص في ذلك، وأيضا فالعالم العامل بعلمه هو أحق من يلهمه الله الحق والصواب والله أعلم.
1 الملكة: كيفية وحالة راسخة في النفس تحصل لمن يمارس وتطول ملازمته لأمر من الأمور.
2 هي الآلة التي يتعرف بها الطبيب مرض المريض كالسماعة مثلا.