الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
رواية الأبناء عن الآباء
":
ولأبي نصر الوائلي فيه كتاب، وأهمه ما لم يسم فيه الأب والجد، فيحتاج إلى معرفة اسمه ويخشى أن يستبهم الأمر على القارئ.
وهو نوعان: أحدهما رواية الرجل عن أبيه فحسب وهو كثير كرواية أبي العشراء الدارمي عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في السنن الأربعة، ولم يسم أبوه وقد اختلف فيه1.
وثانيهما: أي النوعين رواية الرجل عن أبيه عن جده، ثم تارة يراد بالجد أبو الأب وتارة يراد به الجد الأعلى.
وقد روى ابن الصلاح بسنده عن أبي القاسم العلوي أنه قال: "الإسناد بعضه عوال، وبعضه معال وقول الرجل: حدثني أبي عن جدي من المعالي" قال الحافظ ابن حجر: "وقد جمع الحافظ صلاح الدين العلاني من المتأخرين مجلدا كبيرا في معرفة من روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم وقسمه أقساما، فمنه ما يعود الضمير في قوله: "عن جده" على الراوي، ومنه ما يعود الضمير فيه على أبيه
…
قال: "وقد لخصت كتابه المذكور وزدت عليه تراجم كثيرة جدا وأكثر ما وقع فيه ما تسلسلت فيه الرواية عن الآباء بأربعة عشر أبا"2 ومن أمثلة هذا النوع:
1-
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله بهذا الإسناد نسخة كبيرة، أكثرها فقهيات جياد، والمراد بالجد هنا الأعلى، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص فهو جد الأب، وقد اختلف الأئمة المحدثون في الاحتجاج بهذا السند إذا صح السند إليه قال البخاري: "رأيت أحمد بن حنبل، وعليّ بن المديني، وإسحاق بن راهويه وأبا عبيدة وعامة أصحابنا
1 قال ابن الصلاح: وقد اختلفوا فيه فالأشهر أن أبا العشراء هو أسامة بن مالك بن قِهْطم قال: وهو فيما نقلته من خط البيهقي بكسر القاف، وقيل قحطم بالحاء المهملة وقيل: هو عطارد بن برز -بتسكين الراء المهملة، ثم زاي- وقيل: بتحريكهما وقيل: ابن بلز باللام، وفي اسمه، واسم أبيه من الخلاف غير ذلك والله أعلم.
2 قد رأيت الإعراض عما ذكره ابن الصلاح، والنووي، والعراقي، والسيوطي من تسلسل رواية الأبناء عن الآباء بتسعة آباء وباثني عشر أبا، وبأربعة عشر أبا؛ لأن أسانيدها لا تخلو عن وضاع ومتكلم فيه ومجاهيل فأحر بها أن تهمل لا أن تذكر، ومن أراد التأكد فليرجع إلى ما قاله الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه "الوشي المعلم"، وقد نقل كلامه السخاوي في شرحه لألفية العراقي ج3 ص181 ط العاصمة بمصر.
يحتجون بحديثه، ما تركه أحد من المسلمين" وزاد مرة:"والحميدي" قال: ومن الناس بعدهم؟ وقال مرة: "احتج علي -يعني ابن المديني- ويحيى بن معين، وأحمد وأبو خيثمة، وشيوخ من أهل العلم فتذاكروا حديث عمرو بن شعيب فثبتوه، وذكروا أنه حجة".
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: احتج أصحابنا بحديثه، قال النووي في "شرح المهذب": وهو الصحيح المختار الذي عليه المحقون من أهل الحديث، وهم أهل الفن وعنهم يؤخذ.
وقد حمل هؤلاء "جده" على عبد الله الصحابي دون محمد التابعي لما ظهر لهم في! طلاقة ذلك، وسماع شعيب من عبد الله بن عمرو ثابت، وقد أبطل الدارقطني وغيره إنكار ابن حبان، ذلك، وحكى الحسن بن سفيان عن إسحاق بن راهويه أن قال:"إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر".
قال النووي: وهذا التشبيه نهاية الجلالة من مثل إسحاق.
وقال أبو حاتم: عمرو عن أبيه عن جده أحب إليّ من بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وقد ألف العلائي1 جزءا مفردا في صحة الاحتجاج بهذه النسخة، والجواب عما طعن به عليها قال: ومما يحتج به لصحتها احتاج مالك بها في الموطأ، فقد أخرج عن عبد الرحمن بن حرملة عنه حديث:"الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب". وذهب قوم إلى ترك الاحتجاج به، وحكاه الآجري عن أبي داود صاحب "السنن"، وهو رواية عن ابن معين قال: لأن روايته عن أبيه عن جده كتاب ووجادة2 فمن هاهنا جاء ضعفه، لأن التصحيف يدخل
1 هو الإمام الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدا بن عبد الله العلائي الدمشقي المقدسي الشافعي المتوفى سنة إحدى وستين وسبعمائة.
2 يعني عن طريق الوجادة لا عن طريق السماع عنه ولا القراءة عليه: ولا الإجازة، وهي أدنى طرق التحمل.
على الراوي من الصحف، ولذا تجنبها أصحاب الصحيح.
وقال ابن عدي: روايته عن أبيه عن جده مرسلة؛ لأن جده محمدا لا صحبة له، وقال ابن حبان: إن أراد جده عبد الله فشعيب لم يلقه فيكون متقطعا، وإن أراد محمد فلا صحبة له فيكون مرسلا.
قال الذهبي وغيره: وهذا القول لا شيء، لأن شعيبا ثبت سماعه من عبد الله، وهو الذي رباه حتى قيل: إن محمدا مات في حياة أبيه عبد الله، وكفل شعيبا جده عبد الله، فإذا قال عن أبيه عن جده فإنما يريد بالضمير في "جده" أنه عائد إلى شعيب.
وصح أيضا أن شعيبا سمع من معاوية -يعني ابن أبي سفيان- ومعاوية مات قبل عبد الله بن عمرو بسنوات، فلا ينكر له السماع من جده، سيما وهو الذي رباه وكفله"1.
وهذا القول اختاره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع" إلا أنه احتج بها في "المهذب".
وذهب الدارقطني إلى التفرقة بين أن يفصح بجده أنه عبد الله فيحتج به أولا فلا، وكذا إن قال: عن جده قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه مما يدل على أن مراده عبد الله.
وذهب ابن حبان إلى التفرقة بين أن يستوعب ذكر آبائه بالرواية، أو يقتصر على أبيه عن جده، فإن صرح بهم كلهم فهو حجة، وإلا فلا، وقد أخرج في صحيحه له حديثا واحدا هكذا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عبد الله بن عمرو، عن أبيه مرفوعا: "ألا أحدثكم بأحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة
…
" الحديث.
1 ميزان الاعتدال ج3 ص266، 267 ط الحلبي.
قال العلائي: ما جاء فيه التصريح برواية محمد عن أبيه في السند، فهو شاذ نادر والراجح والصواب هو ما ذهب إليه جمهور المحدثين ومنهم أئمة كبار لا يشق لهم غبار.
2-
ومن أمثلة ما أريد فيه الجد الأدنى: بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة1 عن أبيه، عن جده، له هكذا نسخة حسنة، ومعاوية صحابي جليل.
صححها ابن معين واستشهد بها البخاري في الصحيح2، وقال الحاكم: إنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنها شاذة لا متابع له فيها.
وقد اختلف العلماء في أي النسختين أصح وأرجح من الأخرى: رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أو رواية بهز عن أبيه عن جده؟
فرجح بعضهم رواية بهز عن أبيه عن جده؛ لأن البخاري استشهد ببعضها في صحيحه تعليقًا دونها.
ورجح غيرهم رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو الصحيح كما يعلم ذلك من كتب الرجال، ومن هؤلاء أبو حاتم الرازي قالوا: لأن البخاري صحح نسخة عمرو، وهو أقوى من استشهاده بنسخة بهز بن حكيم.
وأما قول الأولين: لأن البخاري
…
إلخ، فمردود؛ لأن البخاري استشهد أيضًا بحديث عمرو، فقد أخرج حديثًا معلقًا في كتاب اللباس من صحيحه، وخرجه الحافظ ابن حجر من طريق عمرو بن شعيب. وقال: إنه لم ير في البخاري إشارة إلى حديث عمرو غير هذا الحديث،
1 بفتح الحاء وسكون الياء المثناة من تحت القشيري.
2 يعني أن البخاري ذكرها في الصحيح تعليقًا.
فيبقى كون البخاري قد صحح نسخة عمرو، وهو أقوى من استشهاده بنسخة بهز مرجحا لقول هؤلاء على قول الأولين، وهو الحق1.
3-
ومن أمثلته طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي، وقيل: كعب بن عمرو، عن أبيه عن جده، قال البلقيني: في هذا المثال نظر من جهة أن أبا داود قال في "سننه" في حديث الوضوء: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن عيينة -زعموا- كان ينكره، ويقول:"أيش هذا؟ طلحة عن أبيه عن جده، وقال عثمان بن الدارمي: سمعت ابن المديني يقول: قلت لسفيان: إن ليثا يروي عن طلحة عن أبيه عن جده: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ"، فأنكر سفيان ذلك، وعجب أن يكون جد طلحة لقي النبي صلى الله عليه وسلم.
"فائدة مهمة":
يلحق برواية الرجل عن أبيه عن جده، رواية المرأة عن أمها عن جدتها، وهو غزير جدا ومن ذلك ما رواه أبو داود في "سننه" عن بندار "ثنا" عبد الحميد بن عبد الواحد قال: حدثتني أم جنوب بنت نميله عن أمها سويدة بنت جابر عن أمها عقيلة بنت أسمر بن مضرس، عن أبيه أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فقال:"من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له".
1 التدريب من ص433-436، علوم الحديث لابن الصلاح بشرح العراقي ص347-349، واختصار علوم الحديث من ص202-204، وتهذيب التهذيب ج8 من ص48-55.