الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السورة التي وعدتني؟ قال: ما تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأت عليه أم القران قال:
والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها السبع المثاني «1» ، وعن عبد الله بن جابر الأنصاري رضي الله عنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم:«ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخير سورة في القران؟» قلت: بلى يا رسول الله! قال: «اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها» «2» .
ونتيجة لذلك فقد انتشر حفظ القران بين كبار الصحابة وصغارهم رضي الله عنهم حتى كان البعض يتلقنه من أفواه المسافرين ويكفيه ذلك كعمرو بن سلمة، وساعد هذا أن الصحابة كانوا أمة يضرب بها المثل في الذكاء والألمعية وقوة الحافظة وصفاء الطبع وسيلان الذهن واحدة الخاطر حتى لقد كان الرجل منهم ربما يحفظ ما يسمعه لأول مرة مهما كثر وطال، وحسبك أن تعرف أن رؤوسهم كانت دواوين شعرهم، وأن صدورهم كانت سجل أنسابهم، وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم، وأيامهم ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب، وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صقل ونفوسهم من طهر وعقولهم من سمو خصوصا إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب الله «3» .
ثالثا: تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم في مسألة أخذ الأجرة على إقراء القران:
نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبلوا أجرا على تعليم القران الكريم، وقال:«من يأخذ على تعليم القران قوسا قلده الله قوسا من نار» «4» ، وقد كثرت الأحاديث في هذا المعنى
…
وبناء على هذا منع بعض أهل العلم أخذ الأجرة على تعليم القران
(1) أحمد (2/ 412) ، مرجع سابق.
(2)
الضياء في المختارة (9/ 130) ، مرجع سابق، وقال ابن كثير (1/ 11) :«هذا إسناد جيد» .
(3)
انظر: مناهل العرفان (1/ 204) ، مرجع سابق.
(4)
مجمع الزوائد (4/ 95) ، مرجع سابق، وقال:«رواه الطبراني في الكبير» .
الكريم، وعلة التحريم عندهم هي وجوب هذا التعليم وتعينه على المسلم:
فالتعليم للقران واجب إلزامي عام يجب بذله لمن لم يطلبه فكيف بمن طلبه؟ «1» .
وذهب الجمهور كعطاء ومالك «2» والشافعي وأبي ثور إلى جواز الاستئجار على قراءة القران- بل ذهب إلى ذلك الأئمة الثلاثة، ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القران عن العلماء كافة إلا الحنفية- «3» ، وقال الحكم: لم أسمع أحدا كره أجر المعلم «4» ، وأجابوا عن أدلة المانعين، واستدلوا لمذهبهم بأدلة تعليمية صريحة في مشروعية حل الأجرة، ومن أبرز الأدلة: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» «5» ، وهذا نص عام، وبقوله صلى الله عليه وسلم:«من أصاب برقية باطل فقد أصبت برقية حق كل وأطعم أصحابك» «6» .
وفصّل بعض أهل العلم بالنظر إلى الواقع الحقيقي للمسلمين، فنظر إلى أن المسلمين يشغلون عن ذلك بمعائشهم، وليس فيهم من يقوم به ويكفي الأمة ثغرته، فقال:«أخذ الأجرة على تعليم القران له حالات: فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه لأن فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال أو في موضع لا يقوم به غيره لم تحل له الأجرة وعلى هذا يؤول اختلاف الأخبار فيه» «7» .
(1) انظر: بداية المجتهد (2/ 168) ، مرجع سابق.
(2)
انظر: الإمام مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي: المدونة الكبرى (1/ 62) ، دار صادر، بيروت.
(3)
انظر: فتح الباري (9/ 213) ، شرح الزرقاني (3/ 169) ، مرجعان سابقان.
(4)
البخاري (2/ 795) ، مرجع سابق.
(5)
البخاري (5/ 2166) ، مرجع سابق.
(6)
ابن حبان (13/ 474) ، الحاكم (1/ 747) ، والحديث في مجمع الزوائد (1/ 95) ، مرجع سابق، وتفصيل الموضوع في الأصل.
(7)
انظر: عون المعبود (9/ 204) ، مرجع سابق.
وصفة الكلام هنا أن علة الاختلاف هي إلزامية تعليم القران، وأن القائلين بالإباحة يجدون الأجرة تعين على التفرغ، وهي أجرة على حق في مقابل من يأكله على باطل، وإن كانت الكمية الملزمة تختلف من فرض العين إلى فرض الكفاية- حتى كان من أجوبة من أباح الأجرة على أدلة من منعها:«أن تكون الاية- أي وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا (البقرة: 41) - فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذه عليه أجرا فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة» «1» ومن ثم فيجب على الإمام أن يعين المقرئين لإقامة الدين من بيت المال، وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك فقال: ومن أين أنفق على عيالي؟
فردوه وفرضوا له كفايته «2» .
ورجح ابن تيمية أن الأجرة تباح «للمحتاج، ولهذا اتفق العلماء على أنه يرزق الحاكم وأمثاله عند الحاجة وتنازعوا في الرزق عند عدم الحاجة وأصل ذلك في كتاب الله في قوله سبحانه وتعالى في ولي اليتيم وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (النساء: 6) «3» .
والحاجة- فيما يظهر- ليس للشخص الذي لا بد من تفرغه، بل لسد ثغرة الدين الأعظم من كل الثغور، وهي تعليم أصل أصول الإسلام والمسلمين، وجعله عاما شائعا في حياة المسلمين
…
والتفرغ في الغالب مطلوب لذلك لجسامة المهمة التي يقوم بها معلم القران، وضرورة تفرغه في الغالب لتبعاتها
…
(1) القرطبي (1/ 336) ، مرجع سابق.
(2)
القرطبي (1/ 336) ، مرجع سابق.
(3)
ابن تيمية (30/ 193) ، مرجع سابق.
ولذلك فجواز الأجرة لمعلم القران كالإجماع، بل ذهب بعض المتأخرين إلى وجوبها، حتى أن فتوى الحنفية «اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القران
…
استحسنوا ذلك وقالوا: بنى أصحابنا المتقدمون الجواب على ما شاهدوا من قلة الحفاظ، ورغبة الناس فيهم، ولأن الحفاظ والمعلمين كان لهم عطايا في بيت المال، وافتقادات من المتعلمين في مجازات التعليم من غير شرط وهذا الزمان قل ذلك، واشتغل الحفاظ بمعائشهم، فلو لم يفتح لهم باب التعليم بالأجر لذهب القران فأفتوا بالجواز، والأحكام تختلف باختلاف الزمان وكان محمد بن الفضل يفتي بأن الأجرة تجب ويحبس عليها» «1» .
وينبغي التنبيه إلى أن هذا الخلاف إنما هو في أخذ الأجرة من المتعلم لا إذا كانت الأجرة من بيت مال المسلمين كما هو واضح من كلام أهل العلم فيما تقدم، والكلام المتقدم لأهل العلم يدل صريحا على أن ذلك من مسؤوليات الدولة المباشرة
…
ولذا تنبغي المناداة بقيام وزارات لرعاية شؤون القران الكريم تكون رديفة لوزارات التعليم والتوجيه والمعارف، وتستقل للأهمية البالغة
…
وليست الرياضة بأحق في منحها وزارة مستقلة.
على أن الباحث يختم هه المسألة بضرورة التذكير بالإخلاص وابتغاء وجه الله عز وجل والتعفف عن أجر القران ما دام المرء في غنى عنه قدر الإمكان فذلك أدعى أن يبسط للمرء باب القبول في الدنيا والاخرة، وقد قال الحسن البصري: «قرأ القران ثلاثة: رجل أخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس، وقوم قرؤوا القران وحافظوا حروفه وضيعوا حدوده، واستنزلوا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، فقد كثر هذا الضرب في حملة القران لا كثرهم الله، ورجل
(1) البحر الرائق (8/ 22) ، مرجع سابق، وانظر: تحفة الأحوذي (6/ 191) ، مرجع سابق.