الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» «1» .
أنموذج تطبيقي:
ولأن التدرج في الإقراء كان فعله صلى الله عليه وسلم فقد كانت طريقته التعليمية الإرشادية هي التي تستفز الصحابة رضي الله عنهم للحفظ والإتقان على هيئة متدرجة، ولذا فسنأخذ نموذجا تستبين فيه الطريقة العلمية التي كان يسلكها النبي صلى الله عليه وسلم لإلزام أصحابه بحفظ القران واستظهاره دون إلزام! مباشر، فقد روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من قرأ عشر ايات من الكهف عصم من فتنة الدجال» «2» ، دون تحديد لمكان العشر وهو تحضيض على حفظ أي عشر منها، وروى النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال: «من راه منكم فليقرأ فواتح سورة الكهف» «3» دون تحديد لكمية هذه الفواتح، وحددت الفواتح بعشر فيما رواه مسلم عن أبي الدرداء مرفوعا:«من حفظ عشر ايات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» وفي لفظ عنده: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف» ، ورواية «العشر الأخيرة» تدرج اخر وحثّ فبقيت كل أجزاء السورة محفوظة بين الغالب الأعم من المسلمين، وإنما نوّع الكمية التي تحفظ ومكانها من السورة بغية الوصول بالمسلمين إلى حفظها كلها، أو إلى أن يحفظها معظم المسلمين
(1) مسلم (1/ 553) ، مرجع سابق.
(2)
ابن حبان (3/ 65) ، مرجع سابق، انظر:(النسائي) أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ت 303 هـ: فضائل القران ص 95، تحقيق: د. فارروق حمادة، دار إحياء العلوم، بيروت، ط 2، 1992 م.
(3)
مسلم (4/ 2252) ، الحاكم (4/ 538) ، الترمذي (4/ 510) ، أبو داود (4/ 117) ، النسائي في الكبرى (5/ 15) ، ابن ماجة (2/ 1356) ، مراجع سابقة.
ولو بالتوزيع بينهم، فقد يفضل البعض أولها، وقد يختار بعضهم اخرها، وقد يختار البعض ما بين ذلك، والعادة جارية بذلك كله
…
هذا إن لم يقم الواحد منهم بحفظها مع أن التحضيض على ذلك شديد، وبذا جمع السيوطي بين الروايات المختلفة فقال:«وعلى هذا يجتمع رواية من روى أول سورة الكهف مع من روى من اخرها ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها» «1» ، وهذا أرجح وأملح من جعل بعض الروايات شاذة بالميزان الحديثي لأول وهلة؛ إذ الترجيح فرع التعارض، ولا تعارض مع الجمع.
وفي حال عدم الحفظ لهذه السورة- وهذا نادر مع هذا الحض الشديد والتهييج البالغ لحفظها- فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على قراءتها ولو نظرا فيما رواه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق» «2» وفي لفظ: «أضاء له النور ما بين الجمعتين» «3» .
وحفنا الله عز وجل بتنوع الأجر فيها زيادة في التحضيض على حفظها والتدرج على حفظها، فعن معاذ ابن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من قرأ أول سورة الكهف واخرها كانت له نورا من قدمه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نورا ما بين الأرض إلى السماء» «4» ، على أنه- مع ذلك- أمر بإتقانها
(1) نقله عنه صاحب عون المعبود (11/ 304) ، وصاحب تحفة الأحوذي (8/ 157) ، مرجعان سابقان.
(2)
الدارمي (2/ 546) ، مرجع سابق، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 6471، مرجع سابق.
(3)
الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 6470، مرجع سابق.
(4)
الطبراني في الكبير 20/ 197، مرجع سابق.
إتقانا بينا من حيث الأداء فيما رواه أبو سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نورا من مقامه إلى مكة ومن قرأ بعشر ايات من اخرها فخرج الدجال لم يسلط عليه» «1» .
وهو هنا حثّ على حفظ الأصل اللفظي وقراءته كما حث على إتقان أداء اللفظ بأسلوب تعليمي متدرج كاد يشبه الإلزام التكليفي والفعلي ويظهر أنه فاق ذلك، ولكن بأسلوب فريد كم هو بحاجة وإلى تأمل وإعجاب.
وليس المراد من الحديث مجرد القراءة والحث بفضل مزيّف
…
حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وقد أنكر ذلك العلماء فقد قال الغزالي:«وأما قوله عليه السلام قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص) تعدل ثلث القران فما أراك أن تفهم وجه ذلك فتارة تقول هذا ذكره للترغيب في التلاوة وليس المعنى به التقدير وحاشا منصب النبوة عن ذلك» «2» ، بل هذا الذي ذكر ها هنا من إرادة الحفظ إنما دلت عليه دلالة التنبيه، وهي فوق دلالة الإشارة «3» .
(1) النسائي في الكبرى (6/ 236) ، مرجع سابق.
(2)
(الغزالي) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ت 505 هـ: جواهر القران ص 77، تحقيق: د. محمد رشيد رضا القباني، دار إحياء العلوم، بيروت، ط 1، 1985 م.
(3)
انظر في دلالة التنبيه (الامدي) علي بن محمد الامدي أبو الحسن ت 631 هـ: الإحكام في أصول الأحكام (3/ 71)، تحقيق: د. سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1404 هـ.