الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4- ضرورة المناسبة في الترتيب القائم:
فلا يظهر أن اجتهاد الأصحاب رضي الله عنهم قد فكّ هذه المناسبة؛ إذ المتبادر حال الاجتهاد أن يكون مقياسه وضع المدني بجوار المدني وليس الواقع كذلك، أو وضع السور بحسب ترتيب النزول، وليس الواقع كذلك أيضا، أو وضع السور بحسب الأحكام الفقهية أو القصص القراني المتشاكل وليس كذلك أيضا، أو وضع السور بحسب الطول والقصر في أرقام الايات أو في مقدارها وليس كذلك فإن فهذا ما يمكن خطوره على الاجتهاد البشري
…
فلم يبق إلا المناسبة الملتمسة من هذا التشاكل غير الظاهر للبشر إلا بتأمل دقيق، وقد دون كبار العلماء الدواوين للمناسبة واعتبروها من وجوه الإعجاز القراني.
5- لا حجة في اختلاف مصاحف الصحابة في ترتيب السور:
لأنه- حال وجود هذه المصاحف- قريب من اختلافهم في العدد أو القراات من حيث هو اختلاف قد سوغه عدم اكتمال القران إلا بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم بل عدم اكتمال السورة إلا بعد طول مدة أحيانا على ما هو معلوم ضرورة، ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية فنزلت سورة أخرى فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ويتابع ما فاته على حسب ما تسهل له أكثره أو قله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم وتقديم المؤخر «1» ، ثم للشك في ترتيب المنقول عن هذه المصاحف.
وبعد سوق ما يظهر من الأدلة ومعرفة دلائلها فما زال المرء حائرا في كيفية قبول الرأي القائل بأن التأليف لسور القران كان اجتهادا: إذ كيف يعقل ذلك مع
(1) تاريخ اداب العرب ص 41، مرجع سابق.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم المصاحف إلى سبعة أقسام متساوية تقريبا بحيث يحوي كل قسم سورا معينة ثم يقال بأن هذا الترتيب حادث بعده صلى الله عليه وسلم فعن أوس بن حذيفة رضي الله عنه قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف قال فأنزلنا في قبة له، ونزل إخواننا الأحلاف على مغيرة بن شعبة- قال- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا بعد العشاء فيحدثنا وكان أكثر حديثه يشكي قريشا ويقول:«ولا سواء كنا بمكة إلا مستضعفين مستذلين فلما أتينا المدينة كانت الحرب سجالا علينا ولنا» قال:
فأبطأ علينا ذات ليلة فأطول فقلنا: يا رسول الله! أبطأت علينا فقال: «إنه طرأ علي حزب من القران فكرهت أن أخرج حتى أقضيه» فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزّب القران فقالوا: كان يحزبه ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل «1» ، وذلك لا يمكن أن يكون بالتعادل إلا أن يكون على وفق التأليف الحالي للمصحف، «فعلم من هذا أن في عصر الصحابة كان ترتيب القران مشهورا على هذا النمط المعروف الان» «2» ، وقال ابن حجر:«فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الان كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم» «3» ، وسئل ربيعة: لم قدمت البقرة وال عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال ربيعة: قد قدمتا وألف القران على علم ممن ألفه وقد اجتمعوا على هذا بذلك فهذا مما ننتهي إليه ولا نسأل عنه، وقال مالك: إنما ألف القران على ما كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم» «4» .
(1) ابن أبي شيبة (2/ 242) ، وقال العراقي في المغني (2/ 276)، مرجع سابق:«وإسناده حسن» .
(2)
عون المعبود (4/ 190) ، مرجع سابق.
(3)
فتح الباري (9/ 43) ، مرجع سابق.
(4)
القرطبي (1/ 60) ، مرجع سابق.