الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أبو إسحاق الدمشقي: كنت أمشي بالبادية واحدي فإذا أعييت رفعت صوتي بالقران فحمل عني ألم الجوع حتى قطعت مراحل كثيرة» «1» .
ومن أهم مظاهر الاستغناء به:
نبذ كل ما خالفه وجعله المهيمن في كل الأمور، وقد علمهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قول الله سبحانه وتعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ (المائدة: 48) .
وعن أنس بن مالك أنّه سمع عمر الغد حين بايع المسلمون أبا بكر واستوى على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهّد قبل أبي بكر فقال أمّا بعد فاختار الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الّذي عنده على الّذي عندكم وهذا الكتاب الّذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا وإنّما هدى الله به رسوله «2» ، وكذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هذا الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القران «3» .
ثانيا: تعليمهم الاعتزاز بحفظ القران: ومن مظاهره:
1-
تعليمهم إحكام القران بسلامته من الاختلاف: كما في قوله سبحانه وتعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء: 82)، فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه:
اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الاخر، واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا وهذان الضربان من الاختلاف
(1) فيض القدير (2/ 20) ، مرجع سابق.
(2)
البخاري (6/ 2653) ، ابن حبان (14/ 590) ، مرجعان سابقان.
(3)
الدارمي (2/ 524) ، الطبراني في الكبير (9/ 212) ، مرجعان سابقان.
منفيان عن القران، والثالث: اختلاف التلاؤم هو أن يكون الجميع متلائما في الحسن كاختلاف وجوه القراات ومقادير الايات» «1» .
1-
تعليمهم الاكتفاء به في بيان منهج التلقي والاستدلال، والنجاة الدنيوية والاخروية: فقد علمهم النبي صلى الله عليه وسلم قوله جل جلاله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ (العنكبوت: 51)، وعلمهم أنه لا مجال للخسارة والتلجلج والاضطراب بعد أن يوهب المرء الكتاب حفظا إلا لمن لا عقل له وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لو أن القران جعل في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق» «2» ، وفسره بعض الرواة بأن من جمع القران ثم دخل النار فهو شر من الخنزير، وعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه الداعي إلى النجاة، ودستور الفلاح فعن النّوّاس بن سمعان الأنصاريّ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصّراط سوران فيهما أبواب مفتّحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصّراط داع يقول أيّها النّاس ادخلوا الصّراط جميعا ولا تتفرّجوا وداع يدعو من جوف الصّراط فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنّك إن تفتحه تلجه والصّراط الإسلام والسّوران حدود الله تعالى والأبواب المفتّحة محارم الله تعالى وذلك
(1) أحكام القران للجصاص (3/ 182) .
(2)
الدارمي (2/ 522) ، أحمد (4/ 151) ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 5266، وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص 200 في معناه: «حدثني يزيد بن عمرو قال: سألت الأصمعي عن هذا الحديث فقال: يعني لو جعل القران في إنسان ثم ألقي في النار ما احترق، وأراد الأصمعي أن من علمه الله تعالى القران من المسلمين وحفظه إياه لم تحرقه النار يوم القيامة إن ألقي فيها بالذنوب كما قال أبو أمامة احافظوا القران أو اقرؤا القران ولا تغرنكم هذه المصاحف فإن الله تعالى لا يعذب بالنار قلبا وعى القران وجعل الجسم ظرفا للقران كالإهاب والإهاب الجلد الذي لم يدبغ
…
» انظر: (ابن قتيبة) : تأويل مختلف الحديث ص 200.
الدّاعي على رأس الصّراط كتاب الله عز وجل والدّاعي فوق الصّراط واعظ الله في قلب كلّ مسلم» «1» .
2-
نعت حملة القران بأعظم النعوت، وأجلها: مثل أهل الله وخاصته، خيركم، القراء على الإطلاق
…
ومن مقتضى هذا الإطلاق: الإشارة إلى أن غيرهم أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وكأن عدم إتقان ألفاظ القران وحفظها أمية غير لائقة بالمديح حتى لو كان صاحبها متقنا لكل علم غير ذلك
…
، وذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أولم تروه يتعلّم القران» «2» ، وقد حاد عن المنهجية من يمتهن ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعظمونه.
3-
ولتعليمهم الاعتزاز بحفظ القران الكريم أمرهم بالفرح به في قوله سبحانه وتعالى:
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (يونس: 58) فقد قال ابن عباس فيها: «بكتاب الله وبالإسلام خير مما يجمعون» «3» ، وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ القران وَبِرَحْمَتِهِ أن جعلكم من أهله «4» .
4-
أوجب عليهم تطبيقه وهيمنته على كل أمور الحياة الفردية والجماعية، فيكون الإنسان محاطا به في يقظته ومنامه، وأكله وجوعه، وذهابه وإيابه، وارتباطه الفردي والجماعي.
(1) أحمد (4/ 182) ، مرجع سابق.
(2)
أحمد (5/ 284) ، مرجع سابق.
(3)
سعيد بن منصور (5/ 314) ، مرجع سابق.
(4)
الطبراني في الأوسط (5/ 347) ، مرجع سابق، وقال في مجمع الزوائد (7/ 36)، مرجع سابق:«وفيه عطية العوفي وهو ضعيف» وانظر في شواهده: لمحات الأنوار (1/ 34) برقم 18، مرجع سابق.
5-
التشديد على من ذكره في حلف أو قسم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف بسورة من القران فعليه بكل اية كفارة إن شاء بر وإن شاء فجر» «1» .
6-
وكنتيجة لهذا الاعتزاز بالقران فقد كان من اعتزازهم بالقران يطردون البطالين فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن بطالا أقبل إليهم فقال ابن مسعود اطردوه بالقران، ثم أمر غلاما أن يقرأ سورة في المصحف فلما سمع البطال القران ذهب «2» ، وفي المقابل فقد كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن يشجع المقرئ القارئ فيقول المقرئ للقارئ أحسنت أو نحوها من العبارات: فعن عبد الله ابن مسعود قال:
بينا أنا بالشام بحمص فقيل لي: اقرأ سورة يوسف، فقرأتها فقال رجل: ما كذا أنزلت! فقلت: والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحسنت فبينا أنا أكلمه إذ وجدت ريح الخمر، قلت: أتكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ والله لا تبرح حتى أجلدك الحد «3» .
ومن تسلسل المنهجية في تعليم الاعتزاز بالقران ما جاء عن عطاء بن السائب قال أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القران، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القران، قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (النساء: 166) «4» .
(1) البيهقي في سننه الكبرى (10/ 43) ، مرجع سابق.
(2)
(أبو يوسف) القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ت 182 هـ: الاثار ص 53، دار الكتب العلمية، بيروت، 1355 هـ، والبطال يطلق على الساحر، ويطلق على اللعاب العابث.
(3)
النسائي في السنن الكبرى (5/ 29) ، مرجع سابق.
(4)
ابن كثير (1/ 590) ، مرجع سابق.