الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتلافيا للوقوع في هذا المزلق الخطير، أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط في العمل؛ فقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه باب القصد والمداومة على العمل، في كتاب الرقاق، وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((أدومها وإن قلَّ)) (1) وقال: ((اكلفوا من الأعمال ما تطيقون)) (2).
وليس من الغلو طلب الأكمل في العبادة؛ بل الغلو تجاوز الأكمل إلى ما يؤدي إلى المشقة ونحوها، وليس الجفاء هو طلب الحد الأدنى من العبادة بل هو طلب التخفيف والتسهيل لحد الخروج عن شرعه وتجاوز حدوده باسم الدين.
قال ابن المنير رحمه الله: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل (3).
ومن يظن أن إعمال نصوص الشرع تؤدي للغلو، فإنه واهم؛ لأنه لا تلازم بين التمسك بالنصوص والغلو؛ فقد كان الصحابة € أشد الناس تمسكاً والتزاماً لنصوص الشريعة مطلقاً (4)، ومع هذا لم يحصل لهم غلو أو تشديد، إلا في قضايا عينية (5) في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أصحابه إليها وعلمهم وبين لهم طريق العبادة المعتدل، فانتهوا (6).
المعلم السادس: عدم وضوح الأصول الاعتقادية:
المتأمل لواقع أكثر أصحاب التوجهات التي تميل إلى الغلو والعنف أو إلى الجفاء والتمييع يجد أن أصولهم الاعتقادية غير واضحة المعالم، ولا يكون ذلك إلا عن نقص كما لا يخفى، فهم يتميزون بالجهل وضعف الفقه في الدين، وضحالة الحصيلة في العلوم الشرعية، فحينما
(1) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب القصد والمداومة على العمل برقم (6011)، ورواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم برقم (1311).
(2)
رواه مسلم في كتاب الصيام باب النهي عن الوصال في الصوم برقم (1854).
(3)
ينظر: فتح الباري (1/ 94)، والغلو في الدين ص (85).
(4)
لا يوجد أحد من الصحابة كان صاحب بدعة أو مقالة، قال صلى الله عليه وسلم:((أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما يوعدون)).
(5)
كقصة عبد الله بن عمرو بن العاص في إطالة الصوم، المتفق على صحتها. رواها البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب كم يقرأ من القرآن، ومسلم في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، وكحديث عبد الله بن الشخير في وفد بني عامر وفيه " فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله تبارك وتعالى ". فقلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فقال: قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان " رواه أبو داود والنسائي بأسانيد جيدة. وما قوله عليه السلام ذلك إلا سدا لطريق الغلو فيه.
ينظر: فتح المجيد (ص 517).
(6)
ينظر: التحذير من الغلو في ضوء القرآن والسنة، أ. د. بدر بن ناصر البدر، مؤتمر ظاهرة التكفير (5/ 2573).
يتصدون للأمور الكبار والمصالح العظمى يكثر منهم التخبط والخلط، والأحكام المتسرعة، والمواقف المخالفة؛ ومن آثار عدم وضوح الأصول الاعتقادية:
1 -
عدم الثبات والاستمرار؛ فلا تكاد تجد فرقة ضلت في غياهب البدع وانتهجت موقفا واستطاعت أن تثبت عليه، بل يحدث بينها من التشقق والخلاف، ما يكون أكبر دليل على أن ما ابتدعوه ضلال وباطل. إلا أهلُ السنة والجماعة فالمتأخر منهم مثل المتقدم.
2 -
الجهل بمذهب السلف وبالوحي وبالعقل السليم، والجهل بدلالات النصوص وأسباب النزول.
3 -
مخالفة أحكام الشرائع السماوية وقلة البصيرة فيها-ولو بمقصد شرعي-، وهذا يؤدي إما إلى فهم زائد عن الواجب (1)، أو إلى عكسه؛ وهذا يستلزم اعتقادهم بعدم كمال الدين وصلاحه لكل زمان ومكان.
4 -
التعالم والغرور عند هؤلاء الغلاة، والتعالي على العلماء وعلى الناس، واحتقار الآخرين وآرائهم (2).
5 -
قد يحمل عدم الوضوح على الزيغ والانسلاخ من الدين، فإن النفس تضعف كلما ابتعدت عن العمل بحجة إخراجه من مسمى الإيمان، وكذلك قد تعجز أو تمل مع شدة العمل فتتركه ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن المتشدد في الدين:((كالمنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع)) (3).
(1) وهو الغلو والإفراط.
(2)
في حين تجد أحدهم لا يعرف بدهيات العلم الشرعي وأصول الأحكام وقواعد الدين، أو قد يكون عنده علم قليل بلا أصول ولا ضوابط ولا فقه ولا رأي سديد، ويظن أنه بعلمه القليل وفهمه السقيم قد حاز علوم الأولين والآخرين، فيستقل بغروره عن العلماء، وعن مواصلة طلب العلم فيهلك بغروره ويهلك، وهكذا كان الخوارج الأولون يدعون العلم والاجتهاد ويتطاولون على العلماء، وهم من أجهل الناس.
ينظر: التحذير من الغلو في ضوء القرآن والسنة، أ. د. بدر بن ناصر البدر، مؤتمر ظاهرة التكفير (5/ 2610).
(3)
أخرجه ابن المبارك في " الزهد "(ص 469)، والبيهقي في السنن الكبرى (3/ 19)، وقال الهيثمي في «المجمع» (1/ 62): رواه البزار، وفيه: يحيى بن المتوكل أبو عقيل وهو كذاب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم (2022).