الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن كان الإرجاء يعذر تاركها، لهذا تم إخراج العمل النافع من العبادة نتيجة لهذا التصور المنحرف، فأصبحت العبادة في مقابل العمل الدنيوي، ولهذا سهل تقبل الأفكار الغربية المناقضة لأصول الإسلام؛ لأنها لا تعارض الإيمان فيما يعتقدون، فسياج التصديق القلبي لم يخترق-بزعمهم-! ! (1).
- انتشار مظاهر الشرك في الأمة: ويعود ذلك إلى أن المنهج الكلامي الإرجائي، اعتبر التوحيد هو مجرد اعتقاد قلبي بربوبية الله وأسمائه وأفعاله، ولا يكون الشرك إلا مقروناً باعتقاد الاستقلالية في الخلق والإيجاد بزعمهم! ، بناء على ذلك أصبح مدلول كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أي: لا خالق إلا الله، فالإله هو القادر على الاختراع والخلق، وليس معناه المعبود عندهم، وبسبب هذا الفكر الإرجائي تحول المجتمع الإسلامي إلى إحياء المقابر، وتحويلها إلى معابد وثنية يعبد فيها غير الله تعالى، بل تطور الأمر إلى انتشار المذاهب الإلحادية كمذهب وحدة الوجود، والتصوف الفلسفي، ومذهب الرافضة، ولم يجرؤ علماء الإرجاء على اعتبار ذلك كفراً؛ لأن ذلك لا يؤثر على أصل الإيمان، بل إن غالية المرجئة هم ممن ينكرون الوعيد والعقاب في الآخرة بالكلية (2).
-
ثالثاً: الفهم المغلوط لحقيقة الإيمان:
تكاد المرجئة أن تجمع على أن العمل ليس ركناً من أركان الإيمان ولا داخلاً في مفهومه، محتجين بالتفسير اللغوي لمصطلح الإيمان -بأنه التصديق فقط-، مستدلين على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب وأن القرآن نزل بلغتهم ونحو ذلك.
(1) ينظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها (ص 342).
(2)
كما يفعله طوائف من الاتحادية والمتفلسفة والقرامطة والباطنية من الجبرية المرجئة. ينظر: حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين، د. عبد الرحيم السلمي (ص 498) وما بعدها، الليبرالية في العالم الإسلامي (ص 345 - 346).
وهذا الفهم المغلوط لحقيقة الإيمان وتعريف معناه؛ كان بسبب توهمهم أن الإيمان لو كان مركباً للزم منه ذهابه كله بذهاب بعضه، ولخرج العصاة من الإيمان، وهو قول الخوارج، وللزم منه اجتماع الإيمان والكفر في الشخص، وهذا مخالف للأصل الذي اعتمدوه (1)، فلما كان ارتكاب المحظورات وترك الفرائض هو من جنس الأعمال لا الاعتقادات، وكانت النصوص الكثيرة (2) والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج والمعتزلة، اتفقت سائر فرقهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، وحصره في تصديق القلب وقول اللسان، وإنكار زيادة الإيمان ونقصانه حتى يسلم لهم الأصل المذكور، فيظل تارك الفريضة أو مرتكب المحرم مؤمناً، بل لم يتورع بعضهم عن التصريح بمساواة إيمانه بإيمان الملائكة والنبيين بناء على هذا الأصل (3).
من أجل ما آل إليه هذا الفهم من ظهور للبدع، فقد بين شيخ الإسلام رحمه الله المنهج الصحيح في ذلك، فقال: " ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع:
نوع يُعرف حده بالشرع؛ كالصلاة والزكاة.
ونوع يُعرف حده باللغة؛ كالشمس والقمر.
ونوع يُعرف حده بالعرف؛ كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} النساء: 19، ونحو ذلك
…
فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يُراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لم يقبل منه، وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها؛ فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام، وهو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا.
(1) بأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان.
(2)
كنصوص دخول الموحدين الجنة مهما عصوا ولو بعد حين، ونصوص إثبات الإسلام لمرتكب الكبيرة.
(3)
ينظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص 132)، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان للسكسكي (ص 33)، وظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (2/ 402).
واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر أعظم من هذا كله؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين المراد بهذه الألفاظ بياناً لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله؛ فإنه شافٍ كافٍ؛ بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة، بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً، ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونُقِرُّ بألسنتنا بالشهادتين؛ إلا أنَّا لا نطيعك بشيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضاً ونقاتلك مع أعدائك؛ هل كان يتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟ ! بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك.
وكذلك كل مسلم يعلم أن شارب الخمر والزاني والقاذف والسارق لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يجعلهم مرتدين يجب قتلهم، بل القرآن والنقل المتواتر عنه يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام، كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزاني وقطع السارق، وهذا متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانوا مرتدين لقتلهم؛ فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم" (1).
وحقيقة الأمر أن المرجئة تعتبر الإيمان قضية ذهنية مجردة -تسميها تصديقاً أو معرفة- تعلق هذه القضية بالقلب كمادة جامدة ومعزولة لا تزيد ولا تنقص، توجد كاملة أو تذهب كاملة، ولا تستلزم أي أثر في الوجدان والشعور أو الحركة والكدح، بل هي مثل أية معلومة
(1) كتاب الإيمان (ص 224 - 225).