الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانياً: بيان ثمرة وأهمية الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها (1):
أولاً: العلم بعظمة الله تعالى وقوته وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق، وإذا كان الملك قادراً على إحصاء كل دقيق وجليل، فإن معطي الكمال أولى به (2).
ثانياً: شكر الله تعالى ومحبته على عنايته وحمايته لبني آدم، حيث جعل الله عليهم حفظة يحفظونهم من الجن والشياطين ومن كل شرٍّ:{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} الرعد: 11. واطمئنان المؤمن إلى أنه محاطٌ برعاية الله تعالى له، بهؤلاء الخلق العظام الذين يرعون شؤونه، ويسيرون كثيراً من شؤون الكون بإذن الله تعالى، ليستوجب محبته والعمل على طاعته.
ثالثاً: التقرب إلى الله بحب الملائكة على ما قاموا به من مراضي الله، وعبادة الله تعالى، وتحقيقها على الوجه الأكمل، ونصرتهم للمؤمنين واستغفارهم لهم. قال تعالى:{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)} الأنفال: 12، {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)} غافر:7.
كما أن دعاء الملائكة للمؤمنين من أسباب تثبيت المؤمنين وتسديدهم -وهذا يوجب محبتهم-، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)} الأحزاب: 43، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعليقاً على هذه الآية:" فدل ذلك على أن هذه الصلاة سبب لخروجهم من الظلمات إلى النور"(3).
(1) ينظر: الداء والدواء (ص 169)، وشرح ثلاثة الأصول للعثيمين (ص 92)، وعالم الملائكة الأبرار (ص 48)، والإسلام أصوله ومبادئه لمحمد بن عبد الله السحيم (2/ 133)، والقصد والوسطية في ضوء السنة النبوية، لعبد الواحد الشربيني (226 - 229).
(2)
ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (1/ 407).
(3)
مجموع الفتاوى (17/ 525).
ودعاء الملائكة للمؤمنين شاهد صدق على محبتهم لهم، وحرصهم على استقامة أحوالهم، قال الشيخ السعدي:" فمن محبة الملائكة لهم -أي للمؤمنين- دعوا الله واجتهدوا في صلاح أحوالهم؛ لأن الدعاء للشخص من أدل الدلائل على محبته؛ لأنه لا يدعو إلا لمن يحبه"(1).
رابعاً: الاستقامةُ على أمر الله عز وجل والصبر على طاعته، والحث على العمل الصالح والزجر عن السيئات؛ لأن الملائكة يترصدون جميع الأعمال ويكتبونها (2).
فمن يستشعر وجود الملائكة معه وعدم مفارقتها له، ويؤمن برقابتهم لأعماله وأقواله وشهادتهم على كل ما يصدر عنه، فيورثه الاستقامة، فلا يخالف الله عز وجل في أمر ولا يعصيه في سرِّ ولا علانية، مواصلاً الجهاد في سبيل الله، وعدم اليأس والشعور بالأنس والطمأنينة؛ لأن جنود الله معه، فيجد منهم أنيسًا ورفيقًا يصحبه ويطمئنه ويشجعه على مواصلة السير في طريق الهدى.
خامساً: إغلاقُ باب الخرافة والتخيلاتِ الباطلة والاعتقادات الزائفة في الملائكة، وذلك بأن يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم -بما أطلعنا من أمر الملائكة وأفعالها-.
سادساً: ومن ثمرات الإيمان بالملائكة تطهير عقيدة المسلم من شوائب الشركِ وأدرانه؛ لأنَّ المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بأعمال عظيمة تخلَّص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهميةٍ تسهمُ في تسيير أمورِ الكون (3).
(1) تيسير الكريم الرحمن (ص 733)، وينظر: فتح الباري لابن حجر (7/ 29)، (11/ 213).
(2)
كما أن في هذا إظهار عدل الله التام: حيث تكون صحيفة الأعمال حجة للإنسان أو عليه {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)} الإسراء: 13 - 14، مع ما يحصل للمؤمن من استبشار عظيم بأخذ كتابه، في موقف الحساب بيمينه وما يحصل من ضده للكافر.
ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (1/ 407).
(3)
قال ابن القيم رحمه الله: "
…
فكل حركة في السموات والأرض من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسموات والأرض
…
وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكلّ بالجبال ملائكة، ووكلّ بالسحاب والمطر ملائكة، ووكلّ بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها
…
". إغاثة اللهفان (2/ 153 - 161) باختصار.