الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والبصريون منهم البغداديين؟ ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي (1) ابنه أبا هاشم، وأصحاب أبي هاشم (2) يكفرون أباه أبا عليا؟ كذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم، إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين، يكفر بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم، وسائر المبتدعة بمثابتهم (3)، وهل على الباطل دليل أظهر من هذا؟ قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} الأنعام: 159" (4).
4 - الاستمرار في البدع وعدم الرجوع عنها:
ومن آثار البدع المتقابلة: أن صاحب البدعة إذا أصيب بمرضها، لا يرجع عن بدعته، بل يستمر فيها، مبعدة إياه عن طريق الحق، حتى يصعب عليه الرجوع والتوبة، إلا من رحم الله، قال صلى الله عليه وسلم:((إنَّ من ضِئضِئِ هذا قومًا يَقرَؤونَ القرآنَ، لا يُجاوزُ حَناجِرَهم، يَمرُقونَ منَ الإسلامِ مُروقَ السهمِ منَ الرَّمِيَّةِ، يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ، لئنْ أدرَكتُهم لأُقَتِّلَنَّهم قتلَ عادٍ)) (5). وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة)) (6)، أي: لا يوفقون لها (7).
فصاحب البدعة لا يتوب عن بدعته، وإن خرج عنها فإنه يخرج إلى ما هو شر منها، أو يُظهرُ الخروج عنها ويصر عليها باطناً.
(1) هو: أبو علي محمد بن عبد الوهاب والبصري، إمام في الكلام، أخذ الاعتزال عن شيخه أبي يعقوب الشحام، من تلاميذه: أبو الحسن الأشعري، من مصنفاته: الأصول، النقض على ابن الراوندي، والأسماء والصفات، توفي بالبصرة (303 هـ). ينظر: السير للذهبي (14/ 183)، طبقات المعتزلة لابن المرتضى (ص 80)، شذرات الذهب (2/ 241).
(2)
هو: أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي البصري، إمام في الكلام، أخذ الاعتزال عن والده أبو علي الجبائي، من مصنفاته: الجامع الكبير، العرض، المسائل العسكرية، توفي (321 هـ)، ينظر: السير للذهبي (15/ 63)، طبقات المعتزلة لابن المرتضى (94 - 96)، شذرات الذهب (2/ 289).
(3)
ينظر: دلائل ذلك في كتب المقالات، مثل مقالات الإسلاميين (1/ 169 - 170)، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي (20 - 22)، والملل والنحل للشهرستاني (121 - 122).
(4)
الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لأبي القاسم الأصبهاني (2/ 225 - 226).
(5)
أخرجه البخاري، حديث رقم (7432). وحديث المارقين عن الدين متفق على صحته.
(6)
أورده السيوطي في الجامع الصغير برقم (1663)، وقال حديث صحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1620).
(7)
وهذا الحكم بعدم توبة أهل البدع للغالب الأعظم من أهل البدع لا أنه شامل لكل أفرادهم، وبهذا يندفع ما قد يتوهم من تعارض بين ما دلت عليه النصوص وكلام السلف في المسألة من أن أهل البدع لا يوفقون للتوبة وما يشهد به الواقع، من ثبوت رجوع بعضهم وتوبتهم من البدع.
ينظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (1/ 324).
وعدم توبة صاحب البدعة له أسباب (1)، منها:
أأن الدخول تحت التكاليف في الشريعة صعب على الأنفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، ومحاد للشهوات، فيثقل عليها جداً؛ لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها، لا بما يخالفه، وكل بدعة للهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها وهواه، لا إلى نظر الشارع وحجته.
ب أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل، ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع فصار هواه مقصوداً بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكن الخروج من ذلك، وداعي الهوى مستمسك بأحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.
ت أن المبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه، وغير ذلك من أصناف الشهوات، ويرون أن عملهم أفضل من عمل غيرهم، قال تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} الكهف: 103 - 104. فسبب ما داخل أنفسهم من الهوى يجد المبتدعة في ذلك الالتزام والاجتهاد، خفة ونشاطاً، يستسهلون به الصعب، {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} المدثر: 31.
وقد ذكر الشاطبي رحمه الله سبب رجوع بعض أهل البدع وتوبتهم من بدعهم، وإصرار بعضهم عليها فلا يتوبون منها، وهم عامة أهل البدع وغالبهم، فقسم الشاطبي أصحاب الأهواء إلى قسمين: قسم أشرب الأهواء وتمكنت منه، وقسم لم يشربها، فمن أشرب البدعة من أصحاب الأهواء لا يتوب منها، ولا يرجع عنها، إلا أن يشاء الله؛ وأما من لم يشربها، ولم تتمكن منه، فهذا هو الذي يمكن أن يتوب منها (2).
(1) ينظر: الاعتصام للشاطبي (1/ 114 - 125)، والبدعة والمصالح المرسلة (ص 209 - 219).
(2)
ينظر: الاعتصام (2/ 270 - 274).