الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وماله (1). وأما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة في الدنيا خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين (2).
القسم الثالث: أهل السنة والجماعة
، وهم من جمعوا الإحسان كله، فقد توسطوا فلا إفراط ولا تفريط، فجعلوا الإنسان مستحقا اسم الإيمان واسم الإسلام، ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فمرتكب الكبيرة عندهم ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصيته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلا ولا يخرجونه من الإسلام بالكلية كالخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بكل ذنب، وكذلك لم يكونوا كالجهمية المرجئة؛ الذين يجعلونه كامل الإيمان، ويعتقدون أن المعاصي (3) لا تضره! ، بل جعلوه مؤمنا ناقص الإيمان، أو قالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته (4).
وبالجملة فإن الأصل الذي نشأ منه النزاع بين المبتدعة في مسائل الإيمان، وسبب انحرافهم فيه، أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعاً، وانطلقوا منه: هو أن الإيمان شيء (5) واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتبعض، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان (6)، ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه، فانقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! .
وقد بين شيخ الإسلام ذلك الأصل الذي كان سبباً لنشوء تلك الضلالات، وكشف عن تلك اللوازم بقوله: " وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان؛ من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة،
(1) ولهذا كفروا عليًّا ومعاوية وأصحابهما، واستحلوا منهم ما يستحلون من الكفّار.
(2)
ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (1/ 114)، والخوارج في العصر الأموي لنايف محمود معروف (187/ 194)، وتاريخ الطبري (5/ 55)، ودراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين للدكتور أحمد محمد جلي (ص 53).
(3)
المعاصي لا تخرج العبد من الإيمان ولكن عليه منها ضرر، فإنها قد تجتمع على العبد فتهلكه، ولا يخلد في النار؛ ولكن يستحق دخولها، ويعذب بقدر سيئاته، إذا كان من أهل العقيدة الصحيحة، ومن أهل الإسلام، ولكن معه ذنب.
(4)
ينظر: شرح السنة للبربهاري (ص 73)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 162، 175، 176)، شرح السنة للبغوي (1/ 103)، مجموع الفتاوى (3/ 151، 374)(4/ 307)، شرح الطحاوية (2/ 524)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (ص 276).
(5)
وهو ما أطلقوا عليه بعد استخدام المصطلحات الفلسفية والمنطقية "الماهية"، وقالوا: إن للإيمان ماهية معينة لا تقبل التعدد ولا التبعيض، إما أن توجد وإما أن تفقد فلا أبعاض له بحيث يذهب بعضه ويبقى بعضه. وسيأتي مزيد بيان لهذا.
(6)
ينظر: مجموع الفتاوى (7/ 510).
والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال بعضُه زال جميعُه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه
…
ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.
وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً لا يتبعض. إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءاً منه، فإذا ذهب بعضه؛ فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل فيستدل بعدمها على عدمه" (1). وبيان ما سبق في المطلبين الآتيين.
(1) مجموع الفتاوى (7/ 510 - 511)، وينظر: الإيمان لابن تيمية (ص 176)، وشرح العقيدة الأصفهانية (2/ 574).