الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر
.
تمهيد:
إن أهل الأهواء والبدع قد وقفوا من هذا الركن موقفهم من الأركان السابقة، فتباينت مواقفهم تجاه الإيمان باليوم الآخر، بين غالٍ فيه، وكافر به (1)، والبحث في هذا الباب -الإيمان باليوم الآخر- بحثٌ طويل، وما يندرج تحته من المسائل شيءٌ كثير، والمتصل من ذلك بموضوع المبحث هو البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.
ويمكن إجمال ما ورد من انحراف الفرق في الإيمان باليوم الآخر إلى الأسباب التالية:
1 -
فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابع لفساد الركن الأول وهو الإيمان بالله تعالى ومعرفته.
2 -
الانحراف في الإيمان بالغيب والانحباس في عالم الشهادة، وهذا مرتبط بانحرافهم في الربوبية، الذي يؤثر في قبول علم الله الغيبي؛ لأنه لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني ومن ذلك أحداث اليوم الآخر، وهناك أمر مشترك عند أغلب المكذبين بالغيب وهو انحباسهم في عالم الشهادة، ووقوعهم بين طرفي نقيض، عند إرادتهم تفسير الأمور الغيبية، فإما أن يجلبوا ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة، وإما أن ينفوا ذلك الغيب مطلقاً (2).
3 -
الخوض في تصور كيفية اليوم الآخر، وقياسهم عالم الغيب على عالم الشهادة.
4 -
الانحراف في الأسماء والأحكام، ومحاولة التزامهم بالأصول التي أصلوها لأنفسهم، كإنكار الخوارج للشفاعة (3)؛ وذلك لأن إثباتها يخالف أصلاً من أصولهم وهو
(1) ينظر أقوال الفرق في الإيمان باليوم الآخر: مجموع الفتاوى (13/ 238)، الصواعق المرسلة (2/ 473 - 480)، التدمرية (ص 47 - 48)، تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (1/ 352) وما بعدها.
(2)
ينظر: النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية (2/ 891 - 892).
(3)
ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص 688)، الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 63) وما بعدها.
خلود الفساق المذنبين من المسلمين في النار، وعدم خروجهم، وهكذا مع بقية الفرق الضالة (1).
5 -
الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك بالاعتماد على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية.
ومن أجل هذا فقد انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! ، وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.
(1) فتعتقد الخوارج أن الفاسق كافر في الدنيا، مخلد في النار يوم القيامة، يجوز سلب ماله واستحلال دمه واسترقاقه وتطليق زوجته منه. . . وهو في الآخرة يائس من رحمة الله للجزم بأنه كافر ومخلد في نار جهنم.
أما المعتزلة فيوافقونهم في حكم يوم القيامة، فهؤلاء ضيقوا على الناس بمحاسبتهم بكبائرهم ومعاصيهم، فكم يبقى في الدين من رجل بعد هذا التشدد والتعسير؟
وعند المرجئة المؤمن على رأيين:
1 -
من أوقفوا الإيمان على مجرد المعرفة والإقرار القلبي بالله وبرسوله، فلا فرق بين المؤمن والكافر إلا بالجهل بالرب أو جحوده، هذا عند المرجئة المحضة من الجهمية ومن وافقهم.
2 -
من حد الإيمان بالنطق باللسان فقط - وهم الكرامية - وإن جحد قلبه، فعلى هذا اسم المؤمن عندهم في الدنيا شمل المنافق والمعاند والزنديق؛ لأنهم أظهروا كلمة الإيمان نطقا، وإن لم يعتقدوها قلبا أو يطبقوها عملا.
أما في الآخرة فعند المعرفية من المرجئة - كالجهمية المحضة وغيرهم - لا يدخل النار إلا الملاحدة المنكرون بقلوبهم وألسنتهم وجود الله، والمكذبون بقلوبهم الرسول صلى الله عليه وسلم .. وعند الكرامية كل من نطق بلسانه دخل الجنة، وإن كان ما في قلبه خلاف ذلك، ومن لم ينطق بلسانه، بل اكتفى بتصديق قلبه وإيمانه ويقينه، فهو من أهل النار .. وبقية المرجئة مترددون ومنتقلون في هذا بينهما بشيء من الزيادة والنقصان، فمن ناقص على قولهم ومن زائد عليه كما سبق الكلام عليهم تفصيلا.
وهؤلاء العصاة مهما كانوا عليه من معصيتهم أو كفرهم فهم كاملو الإيمان، فلا حاجة إلى جهاد المشركين، كما أنهم يتركون الملاحدة والمفسدين يعيثون في الأرض الفساد بجامع أنهم مؤمنون، بل وسعوا دائرة الإيمان وأدخلوا فيها الزنادقة وأكفر الكفرة.
ينظر: مقالات الإسلاميين (1/ 168)، الملل والنحل (1/ 115، 139 - 140)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 108).