الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية
.
أختم هذا الفصل بذكر إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في توحيد الربوبية؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر (1):
1 -
قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)} الأنعام: 14، في هذه الآية رد على المعطلة في قوله:(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مُبْتَدِعَهُمَا وَمُبْتَدِئَهُمَا وَخَالِقَهُمَا؛ ذلك أن المنطلق العقلي يقتضي أن تصرف العبادة إلى الخالق الرازق، الذي بيده مقاليد الأمور، أما صرفها إلى من لا يملك لنفسه ضراً، ولا نفعاً -فضلا عن غيره- فهذا مما لا تقر به العقول السليمة، ولا تؤيده الفطر المستقيمة. وفيها رد على المشبهة بقوله:(يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) فلا شبيه له سبحانه في أفعاله.
2 -
قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)} الملك: 2، فيه رد على الملاحدة المنكرين لذات الله في قوله:(الَّذِي خَلَقَ)، وفيه رد على الجهمية المثبتين للذات المنكرين للصفات من باب تنزيه الله عن مشابهة خلقه وذلك في قوله:(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).
3 -
قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)} الأنعام: 1، في هذه الآية رد على المعطلة بقوله:(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، وفيها كذلك رد على المشبهة، بقوله:(بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي يعدلون ويساوون به غيره فيجعلونه لغيره عدلاً مساوياً.
4 -
قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} الكهف: 110، ترد هذه الآية على الملحدين في قوله تعالى:(لقاء ربه)، وفيها رد على المغالين في الربوبية في قوله:(ولا يشرك بعبادة ربه).
5 -
قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)} يونس: 31، فيها رد على من أنكر
(1) بيان أن الحصر، يحتاج إلى القطع ولا يستطيع هذا إلا عالم مجتهد؛ لأن كتاب الله مليء، ففي كل مرة تقرء فيها آياته تظهر أدلة جديدة في الرد على البدع المتقابلة، ولا عجب فكتاب الله هو المعجزة الخالدة.
الخالق عز وجل بقوله: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)(فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)، كما أن فيها رداً على من أشرك مع الله غيره في ربوبيته (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)(أَفَلَا تَتَّقُونَ).
6 -
قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)} العنكبوت: 65، في هذه الآية رد على من أنكر ربوبية الله (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، كما أن فيها رداً على من أشرك مع الله غيره (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).
7 -
قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)} التوبة: 30، في هذه الآية ردٌ على اليهود والنصارى ومشركي العرب الذين نسبوا لله الولد (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ)؛ وهذا الرد يستلزم كمال غناه سبحانه. وكمال قدرته التي تغنيه عن اتخاذ الولد؛ كما أن فيها رداً على من أنكر وجود الله وأنكر تفرده عز وجل بصفات الربوبية في قوله (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) لإثبات أفعال الله الدالة على وجوده وقدرته.
كما أن في هذه الآية إشارة إلى قاعدة في التعامل مع أهل البدع، في أن البدع بين أهل الباطل يتأثر الجديد منها بالقديم (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)، وفيها رد كذلك على دعوى تقارب الأديان بقوله:(قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) فكيف يكون هناك تقارب بينهم وبين الإسلام الذي مبناه على التوحيد لرب العالمين وبين الأديان المحرفة.
وغير ذلك من الآيات، التي هي في الحقيقة أدلة مفحمة استعملها القرآن ليدلل على قبح الشرك والإلحاد وعلى فظاعة ما وقعوا فيه من المناقضة للعقل والفطرة حين أشركوا مع الله غيره أو أنكروا وجوده، فوقعوا في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية؛ كما أن ردود هذه الآيات، يستلزم إثبات المنهج الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة -منهج الوسطية في أبواب الاعتقاد-، من أجل ذلك سعدوا بهذا الوصف {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} الأنعام:122.
وقد يتساءل البعض فيقول: إذا كان الخلق كلهم مقرين بربوبية الله عز وجل عدا من شذ، فلماذا ساق الله سبحانه وتعالى في كتابه وكرر ذكر ربوبيته كثيراً؟ والجواب أن يقال: لقد تنوعت الأساليب (1) التي ساق الله فيها ذكر الربوبية في كتابه ومن يتتبعها يدرك أنها تدور حول قضية واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده سبحانه وترك عبادة من سواه؛ فالله يعبد بمعرفته (2) كما يعرف بأمره (3)، وهذا هو الصراط المستقيم الذي ضل عنه كثير من الخلق، وهو موضوع الفصل التالي بإذن الله تعالى.
(1) ومن هذه الأساليب:
1 -
…
المجادلة العقلية للمشركين في بيان بطلان معبوداتهم ووجوب عبادة الرب عز وجل.
2 -
…
تجهيلهم بقولهم على الله بلا علم.
3 -
…
احتجاج الله عليهم بما أقروا به وبما أنكروه.
4 -
…
ضرب الأمثال على بطلان كل ما عبد من دون الله وهذا كثير في كتاب الله.
ينظر: اللطائف الندية في بيان توحيد الربوبية (ص 96 - 100).
(2)
أي: توحيد الربوبية، فهو مستلزم للألوهية.
(3)
أي توحيد الألوهية؛ لأنه متضمن للربوبية.
الباب الثاني:
الفصل 2 الآيات الواردة في توحيد الألوهية.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف توحيد الألوهية.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في توحيد الألوهية.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في توحيد الألوهية.