الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمور التي يخاف منها وتحذر، كأحوال القبر وشدته، وأحوال الموقف الهائلة، وصفات النار المفظعة، وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والحبرة والسرور، ونعيم القلب والروح والبدع، فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعي للاجتهاد في السعي للمحبوب المطلوب، بكل ما يقدر عليه.
ومنها: أن يعرف بذلك، فضل الله وعدله في المجازاة على الأعمال الصالحة والسيئة، الموجب لكمال حمده، والثناء عليه بما هو أهله
وعلى قدر علم العبد بتفاصيل الثواب والعقاب، يعرف بذلك فضل الله وعدله وحكمته" (1).
o
ثانياً: ضبط السلوك بالتوجه إلى الخير والعصمة من الشر:
لما كانت الطبيعة البشرية فيها الاستعداد للخير والشر: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} الشمس: 7 - 8، فقد يطغى أحد الجانبين على الآخر، وقد يكون الغالب هو جانب الشر، بدافع الشهوات والغفلة، والتي غالباً ما تجمح بصاحبها إلى تجاوز الحدود والتعدي على الآخرين.
وواقع الحال يبين لنا كثيراً أن ممن ارتكب جرائم التعدي في حق غيره وأوقع الظلم بهم، قد غادر الحياة مع المظلوم، قبل أن يأخذ هذا الأخير حقه منه: ولما كانت عدالة الله تعالى تقتضي القصاص وأن يأخذ المظلوم حقه من الظالم، كان لا بد من حياة أخرى غير هذه الحياة يقع فيها القصاص وهو {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)} المعارج: 43، قال تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} المؤمنون: 115، وقال تعالى:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)} القيامة: 36 (2).
لذا فإن للإيمان باليوم الآخر أثراً بالغاً في انضباط سلوك الإنسان، وتوجيهه إلى الخير، والتزامه بالعمل الصالح، وتقوى الله عز وجل، وشتان ما بين اثنين:
(1) تسير الكريم الرحمن، للسعدي (1/ 29).
(2)
ينظر: منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة (ص 803).
أحدهما: لا يعتقد ببعث ولا حساب على أعماله وأقواله، ولا يقيده غير مصلحته، ومنفعته الذاتية.
وآخر: يعتقد بيوم يحاكم فيه الإنسان على أعماله وأقواله، وأمام أحكم الحاكمين، فيثاب على الخير، ويعاقب على الشر.
فالأول منفلت من أي ضوابط سوى هواه وشهواته، والغاية عنده أنانية، تبدد أي وسيلة وأي خلق وأي عمل صالح، فهو يقهر اليتيم، ويمنع إطعام المسكين، يشير الله عز وجل إلى ذلك بقوله:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)} الماعون: 1 - 3.
والآخر منضبط في حدود الحق والخير والصواب، يسارع في الخيرات ويحافظ على الصلوات ويؤدي الزكوات، يشير إليه قوله تعالى:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} التوبة: 18 (1).
لذا فـ"إن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلب، وأصل الرغبة في الخير، والرهبة من الشر اللذين هما أساس الخيرات"(2)، ولا شيء يحض على التطوع بما وراء التكليف أكثر من ذلك، إلا الإيمان العميق بأن الحسنة بعشر أمثالها (3)، وأن ما يبذله الإنسان من جهد زائد على التكليف سيعوض عنه في اليوم الآخر بمتاع أعلى، وأشهى، وأشف: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ
(1) ينظر: القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص 333 - 335).
(2)
تيسير الكريم الرحمن (1/ 360).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب:"هل يقول: إني صائم إذا شتم؟ "، برقم (1904). ومسلم في كتاب الصيام، باب:"فضل الصيام"، برقم (2700). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).