الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر
.
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان باليوم الآخر
.
حفل القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، واهتم بتقريره في مواضع عديدة، وأكد وقوعه بأساليب كثيرة -لا يغفل قلبٌ عنها إلا دهري جحود-، وربط الإيمان به بالإيمان بالله عز وجل، كما جاء في قوله تعلى {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} البقرة: 232، وأكثر القرآن من ذكر اليوم الآخر، وسماه بأسماء متعددة تدل على تحقق وقوع هذا اليوم كالحاقة، والواقعة، والقيامة، وبعض هذه الأسماء يدل على ما سيقع فيه من الأهوال مثل الغاشية والطامة والصاخَّة والقارعة، بل وتناول القرآن أسماء اليوم الآخر كيوم الدين، ويوم الحساب، ويوم الخلود، ويوم الخروج، ويوم الحسرة، ويوم التناد، ومعلوم من أساليب العرب أنهم يكثرون الأسماء للشيء إذا كان ذا أهمية وشأن، وقد نزل القرآن بلغتهم.
إذن فقد دل على وقوع اليوم الآخر النقل، والعقل، والفطرة كما صرحت به جميع الكتب السماوية، ونادى به جميع الأنبياء والمرسلون (1).
ويحسن استعراض طريقة القرآن الكريم في إثبات الإيمان باليوم الآخر، وهي:
1 -
الاستدلال بما وقع وحدث من إحياء الله بعض الموتى في الدنيا، على بعث الخلق بعد موتهم يوم القيامة: وهذا دليل شرعي ملزم للمؤمنين؛ لأنه خبر صادق من الحق تبارك وتعالى، وقد قص الله علينا في كتابه الكريم عن أنبيائه ورسله عليهم السلام أنهم كانوا يحذرون أممهم وينذرونهم البعث والجزاء والحساب، كما قص علينا عز وجل في كتابه الكريم من إحياء أفراد وجماعات من الموتى على مر العصور الإنسانية تدل على قدرته تعالى وعلى صدق رسله المخبرين عنه بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب (2).
(1) ينظر: إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات للشوكاني (ص 14).
(2)
ينظر: سورة البقرة (159، 243، 260)، وإبراهيم (41)، والكهف (21)، وطه (15 - 16)، والشعراء (82)، وغافر (32 - 39)، وسورة نوح (17 - 18)، والشواهد من القرآن الكريم كثيرة ومعلومة والحمد الله.
2 -
أنه تعالى أخبر عن وقوع البعث، وما يقع بعده من أحوال اليوم الآخر، وهذا كثير متنوع في القرآن:
أ-فتارة يكون إخباراً مجرداً، ومنه قوله تعالى:{وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} الأنعام: 36.
ب- وتارة: يؤكد ذلك الإخبار بأدلة توكيد، كقوله عز وجل:{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} المؤمنون: 16.
ت- وتارة يقسم جل وعلا على وقوعه وحصوله لا محالة، فيقول:{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)} مريم: 68.
ث- وتارة يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم على وقوعه المعاد وإتيانه وكونه، كما في قوله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} سبأ: 3، وقال:{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)} التغابن: 7، وقوله سبحانه وتعالى:{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)} يونس: 53.
ج- وتارة الإخبار عن اقترابها، كما في قال سبحانه وتعالى:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)} القمر: 1.
3 -
دليل النشأة الأولى، وحاصل هذا الدليل الاستدلال ببدء خلق الإنسان على معاده وبالنشأة الأولى على إمكان النشأة الآخرة، وهو دليل من القوة والوضوح بحيث لا يحتاج من الإنسان إلى إعمال الفكر أو مزيد بحث ونظر، فكل عاقل يعلم ضرورة أن من قدر على البدء فهو على الإعادة أقدر، وأنه لو كان عاجزاً عن الثانية لكان عن الأولى أعجز، قال تعالى:{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)} يس: 79، وقوله:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)} القيامة: 36 - 40، قال ابن أبي العز رحمه الله: " فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول
الوجيز الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه" (1).
4 -
ذم المكذبين بالمعاد، قال تعالى:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45)} يونس: 45.
5 -
الاستدلال بخلق الأكبر والأعظم، على البعث والمعاد: كما ورد في استدلال القرآن الكريم بخلق السماوات والأرض على البعث في عدة آيات منها، قوله تعالى:{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81)} يس: 81.
وهذا النوع من الأدلة، أدلة شرعية عقلية، فهي إلى جانب كونها إخباراً من الحق تبارك وتعالى عن البعث، فهي كذلك ملزمة عقلاً للمكذبين، لو كانوا يعقلون، فإن العقل السليم لا يشك في أن الذي يخلق الأعظم والأكبر هو أقدر على خلق ما دونه، ولا شك أن البعث وإعادة الخلق بعد موتهم دون خلق السموات والأرض.
6 -
الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها، على إحياء الخلق وبعثهم بعد موتهم: وهذا دليل مشاهد محسوس، يشهده الخلق في حياتهم ويحسونه ويرونه كيف يحيي الله عز وجل الأرض بعد موتها وجفافها وذهاب أشجارها وثمارها، وذلك بإنزال المطر عليها، فإذا هي مخضرة حية، فالذي أحياها بعد موتها قادر على إحياء الخلق بعد موتهم، وقد ورد عدد من الآيات الكريمة في هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} فصلت: 39.
(1) شرح العقيدة الطحاوية (2/ 597).