الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان
.
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اتكاؤهم على عقولهم في مفهوم الإيمان بالرسل.
فسلك الجفاة منهم الإيمان ببعض الأنبياء دون البعض بمحض عقولهم، فأوجب اليهود على الله أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده، ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم.
بينما سار الغلاة، في رفع درجة النبوة والرسالة إلى مستوى الألوهية، بل أثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من البابوات والعباد، وكذا ما فعله الشيعة مع أئمتهم، والصوفية مع ولاتهم (1)، فكانوا جميعاً مخالفين لمفهوم الإيمان بالرسل.
-
رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد
.
أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الغلو والجفاء، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، "فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد"(2)؛ فقد صدقوا التصديق الجازم بأن الله تعالى: بعث في كل أمةٍ رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه، وأَنَّ جميعهم صادقون مصدقون بارُّون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا حرفاً ولم يغيروه ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفاً ولم ينقصوه، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. وأنهم كلهم كانوا على الحق المبين، والهدى المستبين، وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، واتخذ محمداً صلى الله عليه وسلم خليلاً، وكلَّم موسى تكليماً، ورفع إدريس مكاناً عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الله تعالى فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم على بعض درجات. وقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين وهو توحيد الله عز وجل بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله. وأما فروع الشرائع من
(1) ينظر: الوحي المحمدي لرشيد رضا (ص 198).
(2)
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير، تحقيق: علي العمران (2/ 522).
الفرائض والحلال والحرام فقد تختلف فيفرض على هؤلاء ما لا يفرض على هؤلاء ويُخفف على هؤلاء ما شدد على أولئك ويحرم على أمة ما يحل للأخرى وبالعكس لحكمة بالغة وغاية محمودة قضاها ربنا عز وجل ليبلوكم فيما آتاكم، وليبلوكم أيكم أحسن عملا.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه منهم: آدم ونوحا وإدريس وهودا وصالحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوطا وشعيبا ويونس وموسى وهارون وإلياس وزكريا ويحيى واليسع وذا الكفل وداود وسليمان وأيوب، وذكر الأسباط جملة، وعيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم، وقص علينا من أنبائهم ونبَّأنا من أخبارهم ما فيه كفاية وعبرة وموعظة إجمالاً وتفصيلاً ثم قال {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)} النساء: 164، وقال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} غافر: 78 فنؤمن بجميعهم تفصيلاً فيما فصل وإجمالاً فيما أجمل (1). لذا فهذه الآية وأضرابها شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب الإيمان بالرسل عليهم السلام.
(1) ينظر: معارج القبول بشرح سلم الوصل إلى علم الأصول (ص 830).