الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: مظاهر الغلو والجفاء:
للغلو والجفاء مفاسد كثيرة وآثار سيئة على أصحابها خاصة وعلى الناس بعامة؛ والحديث عن مظاهرها قديماً وحديثاً حديث متشعب، ذو فروع؛ تتعدد أشكاله وصوره إلى: عقدية (1)، ومنهجية، وأخلاقية، وتشريعية وغير ذلك، والمقام لا يتسع للإتيان عليها كلها في هذا المطلب، ولكن لا مناص من إبراز أهم مظاهرها وأشدها خطورة في الجوانب التالية:
-
مظاهر الغلو والجفاء في الجانب الفردي
(2)(المسئولية الفردية):
لقد اهتمَّ القرآن الكريم بإرشاد الإنسان إلى ما يحقق له العيش الرغيد في الحياة الدنيا، والفوز برضا ربه في الآخرة، وذلك من خلال ما نبهت إليه كثير من الآيات الواضحات؛ فعندما فقه الرَّعيل الأول نداءات القرآن، وحَمَلها وعَمِل بها، شيَّد بها حضارة يشهد الناس بسموها، لكن عندما أعرض كثير من أبناء المسلمين عن هديها وقعوا في الغلو والجفاء ولا زالوا يتجرعون مرارتهما على مر التاريخ، ومن مظاهرهما على الجانب الفردي ما يلي (3):
(1) الغلو في الاعتقاد أخطر أنواع الغلو؟ ذلك أن الاعتقاد درجة عالية من جزم القلب بما فيه من رأي أو فكر أو شرع، فأصعب ما يكون انتزاعها؛ لأن صاحبها يدافع عنها كما يدافع عن دمه وماله وعرضه، ومعلوم أن الغالي إنما يعتقد ما يتوهم أنه شرع الله وليس كذلك، بل إنما يعتقده فكرا كان أو رأيا مصدره الهوى.
(2)
مشكلة الغلو والجفاء ينظر إليهما من ناحية الزمن من جانبين:
أ - الناحية الفردية: وهذا - في الغالب - غلو أو جفاء مرحلي ينتهي إما إلى سنة واعتدال، وإما إلى الطرف المقابل.
ب - الناحية الجماعية: - كوجود الغلو أو الجفاء في الأمة - فهذه مشكلة دائمة حيث لا يخلو زمان من غلو أو جفاء، ولكنه يتسع ويضيق بحسب العوامل والأسباب المؤدية إليه.
وتعتبر المشكلة فردية إذا نظرنا إلى جانب الغلو الجزئي العملي. وهي كذلك مشكلة جماعية إذا نظرنا إلى جانب الغلو الكلي الاعتقادي.
ينظر: الغلو مفهومة وحقيقته وصوره وأسبابه وعلاجه، لعبد الله محمد الغليفي (ص 153).
(3)
ينظر حول هذه المظاهر المذكورة وزيادة عليها: الغلو في الدين للويحق (192 - 520)، الخوارج د. ناصر العقل (ص 146 - 150)، خطاب دعوة الغلو الاعتقادي في المجتمع السعودي د. محمد إبراهيم الزهراني (ص 7)، الافتراق بين وسطية الإسلام وظاهرة الغلو (ص 445 - 449)، ظاهرة الإرهاب والتطرف، أ. د. بدر البدر (1/ 110)، الغلو في الدين ومجاوزة الوسطية، أ. د. إبراهيم الهويمل (1/ 27 - 28)، والغلو وأثره في ظاهرة التكفير لجمال محمد السيد، مؤتمر ظاهرة التكفير (5/ 2491).
1 -
الميل إلى التضييق والتشديد (1)، وتوسيع دائرة التحريم والمحرمات، وتجاهل التيسير ورفع الحرج (2)، بل ورمي من يأخذ بالرخص الشرعية بالتساهل والتفريط (3).
وفي المقابل نجد من يدعو إلى التساهل ويوسع دائرة المباح ويتجاهل المحرمات والمنهيات ويرمي كل من يتمسك بالدليل بالغلو والتشدد، فنجد أن القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها، لا تقدح في الإيمان عند هؤلاء، ولا تنقص منه شيئاً، وأنه يكفي في الإيمان الإقرار، ولا شك أن هذا تطرف بالتساهل، والأول تطرف بالتشدد.
2 -
الغلظة والفظاظة في التعامل مع الناس ودعوتهم (4)، وربما مفارقتهم وهجرهم، خلافاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالرفق والحكمة واللين.
وفي المقابل تظهر الدعوة إلى الانسلاخ عن الدين بدعوى إبعاد الدين عن الحياة وحصره في المسجد، ورفع شعارات التسامح والتيسير والتخفيف (5)؛ خلافاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وتعطيلاً للشرع.
(1) والتشدد في الدين كثيرًا ما ينشأ عن قلة الفقه في الدين، وهما من أبرز سمات الخوارج.
(2)
وإذا تأمل المسلم ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج من فرضية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومراجعته ربه جل وعلا في تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى أن بلغ خمس صلوات؛ علم يقينا أن الشارع الحكيم لا يقصد في تكاليفه المشقة على العباد وإلحاق العنت بهم. فلم يبق لمن ألزم نفسه بالغلو في جزئيات الشريعة حجة. وكل ما تقدم في ذم من غلا في جزئية أو جزئيتين، أما من كثر غلوه في الجزئيات فلا ريب أن غلوه هذا يلحق بالغلو الاعتقادي.
(3)
هذا الفعل يزهد في السنة والوسطية والاعتدال وباعتبار ذلك تساهلا في الدين والعبادة كما في قصة الثلاثة الذين تقالوا عمل النبي صلى الله عليه وسلم. والزيادة والإفراط في العبادة بما لم يأذن به الله، بل هو قدح في الشريعة وواضعها الذي شرع للناس عبادتهم؛ لأنه يتهم الشريعة بالنقص، فلهذا طلب الزيادة بالغلو.
(4)
ويظهر هذا جلياً: في سوء الأدب والجفاء مع من يجب احترامهم وتوقيرهم، كالوالدين وكبار السن، والجيران، والمعلمين، وأهل الاعتبار من الولاة ونحوهم. كما يلحظ سوء أدبهم مع المشايخ وأهل العلم، وغمزهم ولمزهم، والطعن فيهم، وعدم توقيرهم، والله المستعان.
(5)
هم يرون الإباحية والتحلل من الدين والأخلاق تقدماً ورقياً وحضارة .. ويرون أن التمسك بالدين فيه كبت للحريات وعائق عن الانطلاق مع الحضارة العالمية.
3 -
تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة (1) من غير ورود الشرع بذلك (2).
وفي المقابل يوجد التسهيل على النفس إلى حد ترك العمل المأمور به شرعاً؛ وشرور الانحلال من الدين أشد من شرور الغلو فيه ولهذا قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)} النساء: 27، وقال تعالى:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} مريم: 59 - 60.
4 -
الاستبداد بالرأي والتعصب له وتجهيل الآخرين (3)، وهذا التعصب المقيت قد صدهم عن الاستجابة للحق بعد وضوحه (4)، والتعصب للرأي وتجهيل الآخرين يتنافى مع مبادئ هامة في الإسلام كالشورى والتناصح؛ وهذا المظهر جلي الوضوح عند الغلاة والجفاة.
(1) إن الغلو ليس هو الفعل فقط بل قد يكون تركا -مع أن الترك قد يكون فعلا - فترك الحلال كالنوم والأكل ونحوه نوع من أنواع الغلو، إذا كان هذا الترك على سبيل العبادة والتقرب إلى الله كما يفعل بعض الصوفية والنباتيين.
ينظر: الغلو في الدين ص (84).
(2)
كالذي يجعل حبلاً يتعلق به إذا فتر عن قيام الليل، ونحوه، فإن هذا العمل غير ناتج عن عقيدة فاسدة، وإنما قد يظن المكلف أن ذلك زيادة خير. فإن صاحب هذا العمل عقيدة فاسدة فهو الغلو الاعتقادي، كحالة بعض المنتسبين إلى التصوف، ممن يعتقد أن تعذيب النفس في الطاعة مطلقاً من أفعال الخير والهدى.
(3)
ومن أمثلة ذلك: ذو الخويصرة الجهول، يقول ابن الجوزي: وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك اعتقاد الخوارج أنهم أعلم من علي رضي الله عنه. إن هؤلاء المساكين وقعوا أسرى لألفاظ لم يحسنوا فهمها، ولم يستمعوا لمن يجليها لهم، ويفهمهم إياها، لأن الصواب هو رأيهم وما عداه خطأ.
يقول محمد أبو زهرة: أولئك استولت عليهم ألفاظ الإيمان، ولا حكم إلا لله، والتبرؤ من الظالمين، وباسمها أباحوا دماء المسلمين وخضبوا البلاد الإسلامية بجميع الدماء وشنوا الغارة في كل مكان.
ينظر: تلبيس إبليس (ص 90)، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص 61).
(4)
ناظرهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وناظرهم ابن عباس رضي الله عنه وأزالا أعذارهم، ودحضا شبهاتهم، وأقاما عليهم الحجج الدامغة، وأفحماهم بالبراهين الساطعة، فلم يستجب إلا بعضهم واندفع الكثير لاستباحة دماء المسلمين.