الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن الله تعالى ظلمه، وأنه أجبره على الحال التي هو فيها، وأنه منعه التوبة ولا حول ولا قوة إلا بالله (1).
2 -
أن البعض منهم تدرج في الأمر فاحتج بالقدر على المعاصي، زاعماً أن ذلك بإرادة الله ومشيئته وأنه هو الخالق لهذا الفعل.
3 -
قرر بعضهم أن أعمالهم لا توصف بحسن ولا قبح، فتذرع من غلا منهم إلى إنكار الفرق بين المأمور والمحظور، بل إلى أن يروا أفعالهم كلها طاعات لموافقتها القدر.
4 -
صار هذا الانحراف إلى مزلق الجبر ذريعة إلى الانسلاخ من الشرع وطي بساط الأمر والنهي (2).
ولو صح ما قالوه من أن أفعال كافة العباد اضطرارية لما صح شيء في العقل البتة؛ بل وأبطلت الشرائع وسقطت التكاليف جملة فإنه لا يتصور تعلق الأمر والنهي بأفعال اضطرارية غير اختيارية (3).
-
ثانياً: الغلو في شهود خصائص الربوبية:
كذلك فالغلو في شهود خصائص الربوبية أدى إلى إيجاب الرضا بكل مقضي؛ وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا كلام أحد من السلف ما يدل على أنه يجب أو يستحب الرضا بكل مقضي، ومنشأ ذلك -والله أعلم- هو الغلو في جانب القضاء والقدر، وذلك بشهود ذلك منفصلاً عن الأمر والنهي الذي هو مقتضى توحيد الألوهية (4).
ومقتضى التسليم بتوحيد الربوبية، هو الإيمان بعموم خلق الله سبحانه وتعالى لجميع المخلوقات، ومنها أفعال العباد، مع الجزم بنسبة أفعال العباد إليهم نسبة حقيقية، لتوقف التكليف على ذلك، إذ
(1) ينظر: مدارج السالكين (2/ 203)، صراع الملاحدة لعبد الرحمن الميداني (ص 354 - 358)، تناقض أهل الأهواء (1/ 364).
(2)
ينظر: بغية المرتاد (ص 261)، وشفاء العليل (2/ 761)، ومجموع الفتاوى (16/ 235)، ومفتاح دار السعادة (2/ 368)، وطريق الهجرتين (ص 168)، مدارج السالكين (1/ 436 - 437)، والمسائل العقيدة المتعلقة بالحسنات والسيئات (1/ 604 - 606).
(3)
ينظر: مفتاح دار السعادة (2/ 371 - 372).
(4)
ينظر: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد (2/ 498).
لا يمكن تكليف من لا ينسب إليه الفعل نسبة حقيقية، والإخلال بهذا مفضٍ إلى جعل القدر حجة في باب المعصية، والأمر ليس كذلك، فليس لأحد أن يحتج بالقدر على معاصيه، بل عليه التوبة والاستغفار، وإنما يحتج بالقدر في باب المصائب لا المعائب؛ فليس لأحد حجة على الله (1).
لذا يفرق الإمام ابن القيم بين ما يضاف إلى قدرة الله تعالى وما يضاف إلى قدرة العبد من أفعال العباد، فيقول: " يضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين، قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر
…
وإذا عرف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الرب خلقاً وتكويناً، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سبباً ومباشرة، فالقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته" (2).
يتضح لنا مما سبق تفرد منهج أهل السنة بأنه وسط بين هذه البدع المتقابلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:" وهم -أي: أهل السنة- وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية"(3).
(1) ينظر: الاستقامة (2/ 78 - 79).
(2)
شفاء العليل، (1/ 428 - 429).
(3)
العقيدة الواسطية -ضمن مجموع الفتاوى- (3/ 141).