الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر
.
أختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في باب الإيمان باليوم الآخر:
1 -
د قال الله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)} النجم: 26. ففي هذه الآية الكريمة رد على الجفاة منكري الشفاعة من الخوارج وغيرهم، كما أن فيها أيضاً رداً على منكري اليوم الآخر؛ لأن إثبات الشفاعة هو إثبات لليوم الآخر، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما أن فيها ذكراً للشفاعتين الممنوعة والمثبتة، أما الممنوعة فهي الشفاعة التي يزعمها المشركون-فتراهم يعبدون الملائكة والأولياء والصالحين والأصنام والأوثان ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى-، أو يفعلها عُبادُ القبور وطالبو الشفاعة فبين الله تعالى أن هذه الشفاعات لا تغني شيئا، وأنه لا بد لها من شروط وهي قبول الله لها ورضاه، وفعلكم هذا لا يقبله الله، وهذا رد واضح وصريح على المُفرِطين الغالين الذين شبهوا شفاعة الآخرة بشفاعة الدنيا، من أجل ذلك قابلها سبحانه وتعالى بالشفاعة المثبتة التي يُكرم الله عز وجل بها الشافع والمشفوع، وهذا هو ما اتفق على إثباته أهل السنة والجماعة يوم القيامة، بأن الشفاعة ملك لله يأذن لمن يشاء من أوليائه فيشفعون لمن ارتضى من عباده، الموحدين المخلصين المذنبين، وأما المشركون الظالمون فما لهم من شافعين ولا صديق حميم، وأن أسعد الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، وأنها أنواع (1).
2 -
قال الله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} الأنبياء: 23، في هذه الآية رد على المنحرفين في عقيدة اليوم الآخر، فنجد أنها ردت على الجفاة من الملاحدة الجاحدين، والماديين الغافلين الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، المنكرين لأفعال الله جل جلاله، فجاء
(1) الشفاعة العظمى، والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، والشفاعة للمؤمنين يوم القيامة بزيادة الثواب ورفعة الدرجات، الشفاعة لمن استحق النار ألا يدخلها، والشفاعة لمن دخل النار أن يخرج منها، وشفاعة بقية الأنبياء عليه السلام، وشفاعة الملائكة، والشهداء، والمؤمنين، وشفاعة الزمن، والشفاعة الإلهية، وشفاعة الأعمال، وغير ذلك من أنواع الشفاعات.
ينظر: الشفاعة، لمقبل الوادعي (ص 6)، الشفاعة في الحديث النبوي، لعبد القادر بن مصطفى المحمدي (ص 7) وما بعدها.
الرد عليهم جميعاً في قوله: {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} لإثبات اليوم الآخر وما سيكون فيه من حساب. كما أن في قوله: {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} أيضاً رد على المعترفين بالمعاد ولكن على غير الصفة التي جاء بها الوحي، فهم سيسألون أيضاً عن القول على الله بلا علم، وعن عدم إيمانهم باليوم الآخر كما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.
3 -
قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} يس: 82، هذا تأكيد وبيان منه سبحانه وتعالى بأن فعله ليس كفعل غيره، وأن قدرته ليست كقدرة مخلوقاته التي لا تفعل إلا بالكلفة والمشقة، ولا يمكنها الاستقلال بالفعل، أما هو سبحانه وتعالى فيكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه بقوله:{كُنْ} كما أن في هذا دليلاً واضحاً وحجة دامغة على إثبات المعاد واليوم الآخر، وعلى عدم جواز مشابهة أفعال الله بخلقه، خاصة وأن هذه الآية أتت عقب إثبات الله للمعاد من عدة أوجه (1).
فكانت رداً على منكري البعث، كما كانت رادة على الغلاة الذين أوجبوا على الله أفعالا وحظروا عنه أخرى -كمحاسبته لخلقه وإدخال المؤمن الجنة عن طريق الاستحقاق والمعاوضة، وأن يدخل العاصي النار ويخلد فيها- من باب تنزيه الله عن الظلم، حيث قاسوا الله على خلقه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-.
4 -
قال تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)} يونس: 4، فاللام تعليلية؛ أي: يعيد الخلق بعد موتهم، ليجزي المحسن، ويحاسب المسيء (2)، فإن من خلق الخلق بعلمه، ثم سلط عليهم تكاليف الأمر والنهي؛ لا بد أن يحاسبهم على ذلك.
ومن هذا الباب جاءت الآيات القرآنية مؤكدة هذا المعنى، ومنكرة على من ظن أن يترك الحكيم الخبير خلقه سدى، دون حساب، ولا جزاء، قال تعالى: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ
(2)
ينظر: التسهيل لابن جزي (2/ 89)، وتفسير القرآن العظيم (2/ 408).
(4)
} المطففين: 4، وقال:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)} القيامة: 36، أي: كيف يظن أن يترك بعد موته، فلا يبعث، ولا يحاسب! .
ثم استدل على هذا الإنكار بما بعده من الآيات، وأن من خلقه من نظفة، ثم علقة، ثم سوّى خلقه، فلا بد أن يحييه، ويحاسبه، ووجه الدلالة أن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها، قادر على إحياء جيمع النفوس، كما قال تعالى:{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)} لقمان: 28، فكانت هذه الآية رادة على الغلاة والجفاة.
5 -
قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)} الأنعام: 29 - 30، لما ذكر عز وجل إنكارهم للبعث، أعقبه سبحانه وتعالى بوصف حالهم حين يحشرون إلى الله، وهو حال البعث الذي أنكروه، وهذا أسلوب قرآني فريد في المناظرة، ففي خضم عرض شبهتهم، وما هم فيه من باطل القول، ينتقل بهم الموقف إلى لحظة وقوفهم بين يدي الله تعالى يسألهم عن بعثهم بعد موتهم بأسلوب استفهام تقريري! ، وحينئذٍ لا يجدون سوى التسليم والاعتراف:{قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} (1)، فكانت هذه الآية رادة على المنكرين لليوم الآخر، كما أنها رادة على الذين آمنوا به على غير الصفة التي جاءت بها الشرائع.
(1) ينظر: التحرير والتنوير (7/ 245)، المقولات التي أبطلها القرآن ومنهجه في إبطالها (ص 362 - 363).
الباب الثالث:
الفصل 5 الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف القضاء والقدر.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في الإيمان بالقضاء والقدر.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.