الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - باب الذكاة
783 (391) - عن رافع بنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه قال: كُنَّا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم بذِي الْحُليفَةَ من تِهامةَ (1)، فأصابَ النَّاسَ جوعٌ، فأصَابُوا إِبلًا وغنمًا، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أُخريات القوم، فَعَجِلُوا، وذبَحُوا، ونصَبُوا القُدورَ، فأمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالقُدُورِ فأُكْفِئَتْ (2)، ثم قَسَمَ، فعدلَ عشرةً من الغنمِ ببعيرٍ، فندَّ (3) مِنها بعِيرٌ، فطلبُوه، فأعياهُم- فكانَ (4) في القومِ خيلٌ يسيرةٌ - فأهوى رجلٌ منهم بسهمٍ، فحبسه الله.
(1)"ذو الحليفة" قال النووى (13/ 135):
"مكان من تهامة بين حاذة وذات عرق، وليست بذي الحليفة؛ التي هي ميقات أهل المدينة، هكذا ذكره الحازمي في كتاب: "المؤتلف في أسماء الأماكن"، لكنه قال: "الحليفة" من غير لفظ: "ذي"، والذي في "الصحيحين": "بذي الحليفة"، فكأنه يقال لوجهين".
و"تهامة" قال ابن الملقن في الإعلام" (ج 4/ ق 96/ ب):
"بكسر التاء اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، سميت بذلك من التَّهَم، وهو شدة الحر وركود الريح. قاله ابن فارس، وقال صاحب "المطالع": لتغير هوائها".
(2)
واختلف في السبب، ولعل أرجحها أنهم كانوا قد انتهبوها من المغانم قبل أن تقسم، وهو اختيار البخاري في "صحيحه" (9/ 672/ فتح) إذ قال:"باب إذا أصاب قوم غنيمة، فذبح بعضهم غنمًا وإبلًا بغير أمر أصحابهم، لم تؤكل؛ لحديث رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم".
وأيضًا يدل عليه ما رواه أبو داود (2705) بسند صحيح عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصاب النَّاس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غنمًا فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي، إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يُرَمل اللحم بالتراب، ثم قال:"إن النهبة ليست بأحل من الميتة- أو-: إن الميتة ليست بأحل من النهبة".
(3)
يعني: هرب وشرد.
(4)
في "أ": "وكان".
فقال: "إنَّ لهذِه البهائم أِوابدَ كأوابدِ (1) الوحش، فما غلبَكُم منها فاصْنعُوا به هكذا".
قال قلتُ: يا رسول الله! إن لاقُو العدوَّ غدًا، وليست معنا مُدًى (2) أفنذبَحُ بالقَصَبِ (3)؟
قال: "ما أنهرَ الدَّمَ، وذُكِر اسمُ الله عليه، فكُلُوه؛ ليسَ السِّنَّ والظُّفْرَ، وسأحدّثكم عن ذلِكَ؛ أما السِّنُّ: فعَظْمٌ. وأمَّا الظُّفْرُ: فمُدى الحبشةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (4).
784 -
عن كعب بنِ مَالكٍ؛ أنَّه كانتْ لهم غنمٌ ترعى بسَلْع (5)، فأبصرتْ جارِية لنا بشاةٍ من غَنَمِنا مَوْتًا، فكسرتْ حجرًا، فذَبَحَتْهاَ به، فقال لهم: لا تأكُلُوا حتَّى أسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم، أو أُرسِلَ إليه مَنْ يسأَلُه، وأنَّه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أو أرسلَ. فأمرَه بأكلِهَا. خ (6).
(1) قال المصنف في "الصغرى": "الأوابد: التي قد توحشت، ونفرت من الإنس. يقال: أبدت تأبد أبودًا".
(2)
جمع مدية: وهي السكين.
(3)
هو كل نبات كانت ساقه أنابيب وكعوبًا.
(4)
رواه البخاري (2488) مع تفاوت يسير في بعض الألفاظ، ورواه مسلم- بنحوه- (1968).
(5)
بفتح أوله وسكون ثانيه: جبل بالمدينة.
(6)
رواه البخاري (2304)، وزاد:"قال عبيد الله: فيعجبني أنها أمة، وأنها ذبحت".
قال الحافظ في "الفتح"(9/ 633): "فيه جواز أكل ما ذبحته المرأة، سواء كانت حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو كتابية، طاهرًا أو غير طاهر؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم مر بأكل ما ذبحته ولم يستفصل، نص على ذلك الشَّافعي، وهو قول الجمهور".
785 -
عن أبي سعيدٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ذكاةُ الجَنينِ ذكاةُ أُمِّه"(1). ت وقال: حدِيثٌ حسنٌ (2).
(1) قال ابن الأثير في "النهاية"(2/ 164): "يروى هذا الحديث بالرفع والنصب، فمن رَفَعَه جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاة الجنين، فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاجُ إلى ذبح مستأنفٍ، ومن نصب كان التقدير ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حذف الجار نصب، أو على تقدير يذكي تذكية مثل ذكاة أمه، فحذف المصدر وصفته وأقام المضاف إليه مقامه، فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيًا. ومنهم من يرويه بنصب الذكاتين: أي ذكُّوا الجنين ذكاة أمه".
وقال ابن القيِّم في "تهذيب السنن"(4/ 119 - 121):
"وقوله في بعض ألفاظه: "فإن ذكاته ذكاة أمه"، ممَّا يبطل تأويل من رواه بالنصب، وقال ذكاة الجنين كذكاة أمه. وهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن سياق الحديث يبطله، فإنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنين الذي يوجد في بطن الشَّاة: أيأكلونه أم يلقونه؟ فأفتاهم بأكله، ورفع عنهم ما توهموه من كونه ميتة: بأنَّ ذكاة أمه ذكاة له، لأنَّه جزء من أجزائها، كيدها وكبدها ورأسها، وأجزاء المذبوح لا تفتقر إلى ذكاة مستقلة. والحمل ما دام جنينًا فهو كالجزء منها، لا ينفرد بحكم، فإذا ذكيت الأم أتت الذكاة على جميع أجزائها التي من جملتها الجنين، فهذا هو القياس الجلي، لو لم يكن في المسألة نص.
الثاني: أن الجواب لا بد وأن يقع عن السؤال، والصحابة لم يسألوا عن كيفية ذكاته، ليكون قوله "ذكاته كذكاة أمه" جوابًا لهم، وإنَّما سألوا عن أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح، فأفتاهم بأكله حلالًا بجريان ذكاة أمه عليه، وأنه لا يحتاج إلى أن ينفرد بالذكاة.
الثالث: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق فهمًا لمراده بكلامه، وقد فهموا من هذا الحديث اكتفاءهم بذكاة الأم عن ذكاة الجنين، وأنه لا يحتاج أن ينفرد بذكاة بل يؤكل. قال عبد الله بن كعب ابن مالك "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه" وهذا إشارة إلى جميعهم.
قال ابن المنذر: كان النَّاس على إباحته، لا نعلم أحدًا منهم خالف ما قالوه، إلى أن جاء النعمان، فقال: لا يحل، لأنَّ ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين.
الرابع: أن الشريعة قد استقرت على أن الذكاة تختلف بالقدرة والعجز، فذكاة الصيد الممتنع: =
(2)
صحيح بشواهده. وإن كان عند الترمذي (1476) بسند ضعيف.
⦗ص: 468⦘
= لكن رواه أحمد (3/ 39)، وابن حبان (1077) بسند حسن، وانظر "البلوغ"(1343).
قال الترمذي: "وفي الباب عن جابر، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بجرحه في أي موضع كان، بخلاف المقدور عليه، وذكاة المتردية لا يمكن إلَّا بطعنها في أي موضع كان، ومعلوم أن الجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه، فتكون ذكاة أمه ذكاة له: هو محض القياس.
الخامس: أن قوله "ذكاة الجنين ذكاة أمه" جملة خبرية، جعل الخبر فيها نفس المبتدأ. فهي كقولك: غذاء الجنين غذاء أمه، ولهذا جعلت الجملة لتتميم "إن" وخبرها في قوله "فإن ذكاته ذكاة أمه" وإذا كان هكذا لم يجز في "ذكاة أمه" إلَّا الرفع، ولا يجوز نصبه لبقاء المبتدأ بغير خبر، فيخرج الكلام عن الإفادة والتمام، إذ الخبر محل الفائدة، وهو غير معلوم.
السادس: أنه إذا نصب "ذكاة أمه" فلا بد وأن يجعل الأول في تقدير فعل لينتصب عنه المصدر، ويكون تقديره: يذكى الجنين ذكاة أمه، ونحوه. ولو أريد هذا المعنى لقيل: ذكوا الجنين ذكاة أمه، أو يذكى، كما يقال: اضرب زيدًا ضرب عمرو، وينتصب الثاني على معنى: اضرب زيدًا ضرب عمرو، فهذا لا يجوز، وليس هو كلامًا عربيًا، إلَّا إذا نصب الجزءان معًا، وتقول: ذكاة الجنين ذكاة أمه، وهذا- مع أنه خلاف رواية النَّاس وأهل الحديث قاطبة- فهو أيضًا ممتنع، فإن المصدر لا بد له من فعل يعمل فيه، فيؤول التقدير إلى: ذكوا ذكاة الجنين ذكاة أمه، ويصير نظير قولك ضَربَ زَيْدٍ ضَرْبَ عَمْرو تنصبهما. وتقديره: اضرب ضرب زيد ضرب عمرو، وهذا إنَّما يكون في المصدر بدلًا من اللفظ بالفعل، إذا كان منكرًا، نحو ضربًا زيد، أي ضرب زيد. ولهذا كان قولك: ضربًا زيدًا: كلامًا تامًا، وقولك: ضرب زيد: ليس بكلامٍ تامٍ، فإن الأول يتضمن: اضرب زيدًا، بخلاف الثاني، فإنّه مفرد فقط فيعطي ذلك معنى الجملة، فأمَّا إذا أضفته، وقلت: ضرب زيد، فإنّه يصير مفردًا، ولا يجوز تقديره باضرب زيدًا، ويدل على بطلانه:-
الوجه السابع: هو أن الجنين إنَّما يذكى مثل ذكاة أمه إذا خرج حيًا، وحينئذٍ فلا يؤكل حتَّى يذكى ذكاة مستقلة، لأنَّه حينئذٍ له حكم نفسه، وهم لم يسألوا عن هذا، ولا أجيبوا به فلا السؤال دل عليه، ولا هو جواب مطابق لسؤالهم، فإنهم قالوا:"نذبح البقرة، أو الشَّاةِ في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه" فهم إنَّما سألوه عن أكله: أيحل لهم، أم لا؟ فأفتاهم بأكله، وأزال عنهم ما علم أنه يقع في أوهامهم، من كونه ميتة بأنه ذكي بذكاة الأم. ومعلوم أن هذا الجواب والسؤال لا يطابق: ذكوا الجنين مثل ذكاة أمه. بل كان الجواب حينئذٍ: لا تأكلوه إلَّا أن يخرج حيًا، فذكاته مثل ذكاة أمه، وهذا ضد مدلول الحديث، والله أعلم.
وبهذا يعلم فساد ما سلكه أبو الفتح ابن جني وغيره في إعراب هذا الحديث، حيث قالوا: ذكاة أمه، على تقدير مضاف محذوف؛ أي ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه. وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كثير، وهذا إنَّما يكون حيث لا لبس، وأمَّا إذا أوقع في اللبس فإنّه تمتنع، وما تقدم كافٍ في فساده، وبالله التوفيق". أهـ.
786 -
عن عَديّ بنِ حاتم قال: قلتُ: يا رسول الله! إنِّي أُرسِلُ كلبِي، فآخذ الصيدَ، فلا أجِدُ ما أذكّيه، أفأَذْبَحْه بالمروة وبالعَصَا؟ قال:"أمْرِرِ الدَّمَ بم شِئْتَ، واذكرِ اسمَ الله عز وجل". س (1).
787 -
وعن شدّاد بن أِوسٍ قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إن الله عز وجل كَتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قَتَلْتُم فأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبحَةَ؛ ليُحِدَّ أحدُكم- إذا ذبحَ- شَفْرَتَهُ، وليُرحْ ذَبِيحَته". م د س ت (2).
(1) صحيح بشواهده. وهذا رواه النسائي (7/ 194)، وأبو داود (2824)، وابن ماجه (3177)
من طريق مرِّيِّ بن قطري- وهو لا يعرف- عن عدي به.
ولكن في حديث رافع السابق (783) ما يشهد له، وأيضًا انظر حديث أنس المتقدم في أول "الأطعمة" برقم (763). و"المروة": هي حجر أبيض برّاق، قيل: هي التي يقدح منها النار، قال ابن حجر (9/ 631):"المراد بالسؤال عن الذبح بالمروة جنس الأحجار، لا خصوص المروة".
(2)
رواه مسلم (1955)، وأبو داود (2815)، والنسائي (7/ 229 و 230)، والترمذي (1409)، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح". =