الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما الثاني: فبأنه لم يعسر على الفقيه الحكمُ عليه (1) بالثبوت والنفي، والصحة والفساد، ولازمهُ إدراكُ فضله، أو خاصته كذلك؛ يعني: رحمه الله: من غير عسر.
ثم قال: ويمكن رسمه بأنه (2) عبادةٌ يلزمُها وقوفٌ بعرفةَ ليلةَ عاشرِ ذي الحجة.
ويمكن - أيضا - حَدُّه بأن يزاد على ما تقدم شيءٌ آخر، فتقول: عبادةٌ يلزمُها وقوفٌ بعرفةَ ليلةَ عاشرِ ذي الحجة، وطوافُ ذي طهرِ اختصَّ بالبيت عن يساره سبعًا بعدَ [فجرِ يوم النحر، والسعيُ من الصفا للمروة، ومنها إليها سبعًا، وبعدَ](3) طوافٍ كذلك لا يقيد وقته بإحرام في الجميع (4).
* * *
باب: وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97].
(وقول الله (5) عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]: قال ابن هشام: زعم ابن السِّيد: أن "مَنْ" فاعلٌ بالمصدر (6)، ويردُّه أن المعنى حينئذٍ: ولله على الناس أن يحج المستطيع،
(1) في "ن": "وعليه".
(2)
في "ن": "بأنها".
(3)
ما بين معكوفتين سقط من "ج".
(4)
نقله الحطاب في "مواهب الجليل"(2/ 470).
(5)
"وقول الله" كذا في رواية أبي ذر الهروي، وليست في نسخة اليونينية.
(6)
في "ج": "بالمصدرية".
فيلزم تأثيم (1) جميع الناس إذا تخلف المستطيع (2).
قلت: بناه على أن الألف واللام لاستغراق الجنس، وهو ممنوع؛ لجواز كونها للعهد الذِّكْرِي، والمرادُ حينئذٍ بالناس: من جرى ذكرُه، وهم المستطيعون، [وذلك لأن {حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] والخبر قوله: للهِ على الناس، والمبتدأ (3) تقدم على الخبر رتبةً، وإن تأخر لفظًا، فإذا قدمت المبتدأ وما هو من متعلقاته، كان التقدير: حجُّ البيتِ المستطيعون] (4) حق ثابت لله على الناس؛ أي: هؤلاء المذكورين.
ويدل عليه: أنك لو أتيت بالضمير [في هذا التركيب، لصحَّ؛ أي: حقٌّ ثابتٌ لله عليهم، فقد سدَّ الضمير](5) مسدَّ أل ومصحوبها، وهو علامة الأداة التي للعهد الذكري، بل جعلُها كذلك مقدَّمٌ على جعلها للعموم، فقد صرح كثيرون بأنه إذا احتمل كونُ أل (6) للعهد، وكونهُا لغيره؛ كالجنس، أو (7) العموم، فإنها نحملها على العهد؛ للقرينة المرشدة إليه، وجمهورُ المعربين: على أن (8){مَنِ اسْتَطَاعَ} [آل عمران: 97] في محل جر على أنه بدلُ
(1) في "ج": "إثم".
(2)
انظر: "مغني اللبيب"(ص: 694).
(3)
في "ع": "أو مبتدأ".
(4)
ما بين معكوفتين سقط من "ن".
(5)
ما بين معكوفتين سقط من "ج".
(6)
في "ن": "كون أن اللام".
(7)
في "ج": " و".
(8)
"أن" ليست في "ن".
بعضِ من الناس، وحُذف الرابطُ لفهمه؛ أي: من استطاع منهم، ويلزم عليه (1) الفصلُ بين البدل والمبدَل منه بالمبتدأ، وفيه نظر.
{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]: قال الزمخشري: جعل {وَمَنْ كَفَرَ} [آل عمران: 97] عوضًا عن ومن لم يحج؛ تغليظًا؛ كما قال عليه السلام: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًا، أَوْ نصرَانِيًا (2) "(3)(4).
واستشكله ابنُ المنير في "الانتصاف": بأن تاركه لا يكفر بمجرد تركِه، فتعين (5) حملُه على تاركِه جاحدًا لوجوبه، فالكفر (6) يرجع إلى الاعتقاد.
قال: والزمخشري (7) يسهل (8) عليه ذلك؛ لأنه يعتقد أن تارك الحج يخرج عن الإيمان، ويخلد في النار، ويحتمل أن يكون قوله:{وَمَنْ كَفَرَ} [آل عمران: 97] استئناف وعيد للكافرين.
وقال في "شرحه للبخاري": مذهبُ مالكٍ في الصلاة والصيام والزكاة: أنه يُقاتَل من تركَها، ويُقتل إن أصرَّ، وأما الحجُّ: فإذا ظهر منه التركُ، قيل له: أبعدَكَ الله، وما ذاك - والله أعلم - إلا أن ظرفَه العمرُ، ولو قلنا: إنه
(1) في "ج": "على".
(2)
في "ن" و"ج": "وإن شاء نصرانيًا".
(3)
رواه الترمذي (812)، عن علي رضي الله عنه، وإسناده ضعيف كما ذكر الترمذي.
(4)
انظر: "الكشاف"(1/ 418).
(5)
في "ن" و "ج": "فيتعين".
(6)
في "ن": "والكفر".
(7)
في "م" و"ع"، "وقال الزمخشري".
(8)
في جميع النسخ عدا "ج": "ما يسهل".
على الفَوْر، فليس مُضَيَّقًا بوقت، ولهذا (1) لا يعدُّ فعلهُ بعد الترك قضاءً، بل أداءً، والنقضُ بتأخير الزكاة بعدَ الحول وإخراجِها بعد سنين (2) - مثلًا - يندفع بأنها (3) حق العباد، وهم المساكين، فغلظ فيه؛ بخلاف حقِّ الكريم (4) جل جلاله.
* * *
893 -
(1513) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَتِ امْرَأةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّق الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أفأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ:"نَعَمْ". وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ.
"رديف": يقال: رَدِفْتُهُ: إذا ركبتَ خلفَه، وأَرْدَفْتُهُ: إذا أركبتَه خلفَكَ.
(من خثعم): قال الزركشي: مجرور (5) بالفتحة؛ لأنه غير منصرف للعلمية، ووزن الفعل: حَيُّ من بَجيلَةَ، وبَجيلَةُ من قبائل اليمن (6).
(1) في "ج": "وهذا".
(2)
في "ن" و"ج": "بعده بسنين".
(3)
في "ج": "فيندفع أنها".
(4)
في "ن": "حقوق الحليم الكريم"، وفي "ج":"حقوق الكريم الحليم".
(5)
في "ج": "مجرورًا".
(6)
انظر: "التنقيح"(1/ 370).