الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طريق آخر، وإما لأنه تأول عليه: وأقسم، وقدر كلامَ سلمانَ جوابَ قسم محذوف؛ كما تُؤُوِّلَ ذلك في قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71]، وذلك كله تضجيع من البخاري في الفطر، لا العذر من قَسَم وضرورةٍ ونحوِها، فتأمله.
قلت: يحتاج إلى إثبات الطريق التي (1) وقع فيها القَسَم، والاحتمالُ ليس كافيًا في ذلك، وتقديرُ قسم هنا تقديرُ ما لا دليل عليه، فلا يُصار إليه.
باب: صومِ شعبانَ
1126 -
(1969) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.
(وما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبان): بنصب "صيامًا".
قال الزركشي: ورُوي بالخفض.
قال السهيلي: وهو وهم، وربما بُني اللفظ على الخط؛ مثل أن يكون رآه مكتوبًا بميم مطلقة، على مذهب من يرى الوقفَ على الميم المنصوب بغير ألف، فتوهمه (2) مخفوضًا، لاسيما وصيغةُ أفعلَ تضاف كثيرًا، فتوهمها
(1) في "ع": "الذي".
(2)
في "ع": "فهو همة".
مضافة، وإضافتُه هنا لا تجوز قطعًا (1).
* * *
1127 -
(1970) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ، قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ:"خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً، داوَمَ عَلَيهَا.
(فإنه كان يصوم شعبانَ كلَّه): يحتاج إلى الجمع بين هذا وبين روايتها الأولى: "ما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ"، فقيل: الأولُ مفسِّرٌ للثاني، ومبينٌ (2) بأن المراد بالكل الأكثر.
وقيل: كان يصوم مرة كله، ومرة ينقص منه؛ لئلا يتوهم وجوبه.
وقيل: في قولها (3): "كلَّه" أنه يصوم في أوله، وفي وسطه، وفي آخره، ولا يخص شيئًا منه، ولا يعمه بصيامه، كذا في الزركشي (4).
قلت: الثلاثة كلها ضعيفة:
أما الأول: فلأن إطلاق الكل على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا غيرُ معهود.
(1) انظر: "التنقيح"(2/ 453).
(2)
في "ع": "وتبين".
(3)
في "م": "قوله".
(4)
انظر: "التنقيح"(2/ 453).
وأما الثاني: فلأن قولها: "كان يصوم شعبان كله" يقتضي تكرر (1) الفعل، وأن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل (2) هذه العبارة.
وأما الثالث: فلأن أسماء الشهور إذا ذكرت غيرَ مضافٍ إليها لفظُ (3) شهر، كان العمل عامًا لجميعها، لا تقول: سرتُ المحرمَ، وقد سرتَ بعضًا منه، ولا تقول: صمتُ رمضانَ وإنما صمتَ بعضَه، فإن أضفت الشهر إليه، لم يلزم التعميم، هذا مذهب سيبويه، وتبعه عليه غيرُ واحد.
قال الصفار: ولم يخالف في ذلك إلا الزجَّاجُ، فينبغي أن يُفكر في وجه الجمع بغير هذه (4) الطرق.
ويمكن أن يقال: إن قولها: "وما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبان" لا ينفي صيامَه بجميعه، فإن المراد: أكثريةُ صيامه فيه على صيامه في غيره من الشهور التي لم يفرض فيها الصوم، وذلك صادق بصومه كله؛ لأنه إذا صامه جميعه، صدق أن الصوم الذي أوقعه فيه أكثرُ من الصوم الذي أوقعه في (5) غيره ضرورةَ (6) أنه لم يصم غيره مما (7) عدا رمضان كاملًا.
فإن قلت: فماذا تصنع بقولها في هذا الحديث: "لم يستكمل صيامَ شهرٍ إلا رمضان"؟
(1) في "ج": "تكرار".
(2)
"مثل" ليست في "ج".
(3)
في "ج": "اسم".
(4)
في "م": "هذا".
(5)
"في" ليست في "ج".
(6)
في "ع": "الذي أوقعه فيه ضرورة".
(7)
في "ع": "ما".
قلت: يُحمل على الحذف؛ أي (1): إلا رمضان وشعبان؛ بدليل قولها في الطريق الأخرى: "فإنه كان يصوم شعبانَ كلَّه"، وحذفُ المعطوفِ والعاطفِ جميعًا ليس بعزيز (2) في كلامهم.
ففي التنزيل: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد: 10]؛ أي: ومَنْ أنفقَ من بعدِه، وفيه (3):{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]؛ أي: والبرد، وفيه:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]؛ أي: فإن أحصرتم فحللتم، وفيه:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196]؛أي: فحلقَ.
ويمكن الجمع بطريق أخرى (4)، وهي أن يكون قولها:"وكان يصوم شعبان كله" محمولًا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى؛ أي (5): إلا قليلًا منه.
ويدل عليه ما حكاه ابن بطال عن عبد الرزاق: أنه روى من طريق أبي سلمة، قال:"سألتُ عائشةَ عن صيامِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، [فذكرتِ الحديثَ، وقالت: ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم (6) أكثرَ صيامًا منه في شعبان؛ فإنه كان يصومه كله إلا قليلًا"(7).
(1)"أي" ليست في "ج".
(2)
في "ع": "تعزيز"، وفي "ج":"تقدير".
(3)
في "ج": "ففيه".
(4)
في "ع" و "ج": "الأخري".
(5)
) "أي" ليست في "ع".
(6)
ما بين معكوفتين ليس في "ع".
(7)
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"(7861)، وانظر:"شرح ابن بطال"(4/ 116).