الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النظر في هذه الأدلة:
هذه النصوص التي ساقوها لا تنهض للاستدلال على جواز إهداء الثواب إلى الميت في كل العبادات، بل إن بعضها ليس من باب الإهداء:
أ- فالنصوص الدالّة على مشروعية الدعاء للأحياء والأموات لا مدخل لها في هذا الباب، فليست هي من إهداء الثواب، بل هي من باب شفاعة المسلم لغيره، يقول العزُّ بن عبد السلام:"الدعاء شفاعة جائزة من الأقارب والأجانب، وليست مستثناة من هذه -يقصد النصوص المانعة من وصول عمل المرء لغيره- لأن ثواب الدعاء للداعي، والمدعو به حاصل للمدعو له، فإنْ طلب له المغفرة والرحمة كانت المغفرة والرحمة مخصوصين بالمدعو له، وثواب الدعاء للداعي، ونظَّر ذلك بما لو شفع إنسان لفقير في كسوة أو في العفو عن زلة، كانت للشافع ثواب الشفاعة في العفو والكسوة، وكانت مصلحة العفو والكسوة للفقير"(1).
ب- وأيضا النصوص الدالة على انتفاع المرء بأعماله الصالحة التي استمر وجودها وانتفاع الناس بها من بعده -لا تصلح للاحتجاج بها على هبة الثواب، لأنها من سعي الإنسان وعمله أو هي آثار عمله، يقول ابن كثير بعد أن ساق حديث "إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به" (2) يقول:"فهذه الثلاث في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (3). والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} (4) الآية.
والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله،
(1) قواعد الأحكام (1/ 135).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
سورة يس /12.
وثبت في الصحيح "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء"(1).
ومن هذا الباب أيضا ما ورد في الحديث: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورَّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها .. "(2).
أما بقيّة النصوص الدالّة على الصدقة، فقد سبق القول بأن الأمور المالية تقبل النيابة عن الأحياء والأموات، وكذلك يصحّ إهداء ثوابها للأموات. وقد ذهب جمع من العلماء منهم الشوكاني ومحمد رشيد رضا (3) إلى أنَّ الصدقة التي تلحق الميت هي الصدقة الكائنة من الابن فحسب، لأنَّ الأحاديث الواردة في الصدقة عن الميت كلّها في ذلك.
يقول الشوكاني: "وأحاديث الباب تدلّ على أنَّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصيّة منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيخصّص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: {وَأَنْ ليسَ لِلِإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} (4) ". ثم استدرك قائلا: "ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أنَّ ولد الإنسان من سعيه، فلا حاجة إلى دعوى التخصيص.
وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها" (5).
(1) تفسير ابن كثير (6/ 462).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
هو محمد محمد رشيد رضا الحسيني النسب، البغدادي الأصل، ولد بالقلمون من أعمال طرابلس (1283 هـ)، واستقر بالقاهرة، وتوفى بها عام (1354 هـ)، يعدُّ من رجال الإصلاح في هذا العصر، أصدر مجلة المنار، وفسَّر القرآن، وله كثير من المؤلفات. راجع:(الأعلام 6/ 359).
(4)
سورة النجم/ 39.
(5)
نيل الأوطار (4/ 99).
ويجاب عن ما ذكره من أن الصدقة المهداة الثواب التي تصل الميت مخصوصة بالولد بأمرين:
الأول: بالإجماع، وقد نقل الإجماع النووي في شرحه على مسلم (1) وابن كثير في تفسيره، يقول ابن كثير:"أما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما"(2).
الثاني: سبق أن ذكرنا حديثين صحيحين رغب الرسول صلى الله عليه وسلم فيهما في قضاء دين الميت، وقد قضى دينه عنه رجل من غير قرابته، وأقرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، بل أمره به (3)، فإذا نفعه قضاء الدَّين عنه، فإنَّ الصدقة كذلك، ولا فرق بينهما.
وما ذكره ابن النحوي من الشافعية من أنه ينبغي أن يجزم بوصول ثواب قراءة القرآن للميت إذا أهديت له، لأنه دعاء (4)، غير صحيح، لأن القراءة ليست دعاء كلُّها، فالقرآن فيه الدعاء، والأخبار والقصص والأحكام، فكيف يقال القرآن دعاء فحسب، وقد ذكر ابن كثير أن الشافعي -رحمه الله تعالى- استنبط من قوله تعالى:{وَأنْ لَيْس لِلإنْسَان إِلا مَا سَعى} (5)"أنَّ قراءة القرآن لا يصل ثواب إهدائها إلى الموتى، لأنه ليس من كسبهم وعملهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنه، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء"(6).
(1) نيل الأوطار (4/ 100).
(2)
تفسير ابن كثير (6/ 462).
(3)
سبق ذكر هذين الحديثين في المسألة السابقة.
(4)
نيل الأوطار (4/ 100).
(5)
سورة النجم / 39.
(6)
تفسير ابن كثير (6/ 462)، والحديث الذي يعترض به في هذا المجال (اقرؤوا على موتاكم يس) حديث ضعيف لا ينهض للاستدلال.
الفصل السادس
ما يفتَقرِ إلى النِّيَّة وَمَا لَا يفتَقِر إليَهَا