الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العبادة في مصطلح الفقهاء
أتينا على مفهوم العبادة وحدودها، ثم بينا أصلها ومبناها، وأوضحنا مدى شمول العادة التي خلق الله الِإنسان من أجلها، وعلمنا أنَّ العادة المرضية لله هي التي تجمع كمال المحبة والخضوع.
ولكن العادة إذا أطلقت اليوم لا يكاد يفقه السامع منها إلاّ تلك الشعائر التعبدية التي شرعها الله لعباده، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والعمرة، والذكر ونحو ذلك.
وقد فسر صاحب الذخيرة المرضية العادة: "بأنها ما يثاب على فعله، ويتوقف على نيته، كالوضوء، والغسل، والصلاة، والصوم
…
" (1).
ولم يعدَّ الذكر والتسبيح والوقف والعتق والصدقة ونحوها من باب العادات بل من باب القربة، وحدُّ القربة عنده:"ما يثاب عليه بعد معرفة من يتقرب إليه، وإن لم يتوقف على نيّته"(2).
وعدَّ الطاعة: "ما يثاب عليه وإن لم توقف على نيّته، ولا عرف من يفعله لأجله، كالنظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى"(3).
وعموم الفقهاء يقسِّمون الأحكام الشرعية إلى عبادات ومعاملات، وقد لاحظ الفقهاء فروقا عدة جعلتهم يذهبون هذا المذهب (4):
(1) الذخيرة المرضية (ص 9).
(2)
المصدر السابق.
(3)
المصدر السابق.
(4)
راجع في هذا الموافقات للشاطبي (2/ 222)، مذكرة في أصول الفقه (ص 34)، العبادة في الإسلام (69).
الأول: العبادات عند الفقهاء تعبدية محضة، بينما المعاملات معقولة المعنى.
الثاني: العبادات أنشأها الشارع وأمر بها وليس للعباد فيها إلا التلقي والتنفيذ، أما المعاملات فقد تكون موجودة قبل الشرع فيقرّ الصالح منها، ويلغي السَّيىء، ويهذب ما احتاج إلى تهذيب.
الثالث: يشترط في التكليف بالعبادات العلم بأنّه مأمور بها من الله تعالى، إذ لابد للمكلف من نية التقرب بالعبادة إلى الله تعالى، وهذه النية لا تكون إلا بعد معرفة أنَّ العبادة المتقرب بها إليه أمر منه جلَّ وعلا، وأمّا المعاملات فلا يشترط في صحة فعلها نية التقرب، ولكن لا أجر له فيها إلا بنية التقرب إلى الله تعالى، كرد الأمانة، والمغصوب، وقضاء الديون، والإنفاق على الزوجة، فمتى فعل شيئًا من هذه خوفا من عقوبة السلطان ففعله صحيح دون النية، وتسقط المطالبة به، فلا يلزمه الحقّ في الآخرة بدعوى أنَّ قضاءه في الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب، بل القضاء صحيح، والمطالبة ساقطة على كلِّ حال، ولكن لا أجر له إلاّ بنيّة التقرب.
فهذا التقسيم تقسيم اصطلاحي للتيسير والتبويب، كان مراد الفقهاء من سلفنا الصالح منه مرادا طيّبا، وهم مثابون على ذلك إن شاء الله تعالى.
"إلا أنَّ هذا التقسيم الاصطلاحي الفنّي الذي هو طابع التأليف العلمي؛ أنشأ فيما بعد -كما ذكر بعض المعاصرين- آثارا سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الِإسلامية كلِّها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس: أن صفة "العبادة" إنَّما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله "فقه العبادات"، بينما أخذت الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله فقه المعاملات.
إن ذلك التقسيم -مع مرور الزمن- جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا "مسلمين" إذا هم أدَّوا نشاط "العبادات" وفق أحكام الإسلام، بينما هم
يزاولون "المعاملات" وفق منهج آخر، لا يتلقونه من الله، ولكن من إله آخر! هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة ما لم يأذن به الله (1).
وهذا وهم كبير فالإسلام وحدة لا تنفصم، وكل من يفصمه إلى شطرين -على هذا النحو- فإنّما يخرج من هذه الوحدة" (2).
"ولا ريب أنَّ هذا الانحراف الذي وقع في تصور كثير من المسلمين لحقيقة الِإسلام، وحقيقة العبادة فيه، لم يكن مقصودا للفقهاء، ولا هم مسؤولون عنه، فإن ما صنعوه من التقسيم هو مقتضى التقسيم العلمي، ولم يستطع من ألَّف في الفقه في عصرنا أن يستغني عن هذا التقسيم"(3).
وأنا لا أستطيع في هذه الرسالة إلاّ أن أمضي على النهج الذي اختطه فقهاؤنا، فأنا أعني بالعبادة ما عناه سلفنا الصالح، ومع هذا فإنَّ الجهود يجب أن تتجه لمحاربة الآثار السيئة التي نتجت عن سوء فهم بعض المسلمين لهذا التقسيم، أمَّا التقسيم نفسه فلا غبار عليه.
(1) لا يفهم من هذا أننا نمنع من سن القوانين التي تنظم بعض جوانب الحياة التي لم يشرع لنا فيها الإسلام شرعا خاصا، كقواعد المرور، وتنظيم الزراعة، إنما المراد مخالفة هدي الإسلام فيما شرعه، بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، والاعتماد على قوانين البشر في هذه الأمور والإعراض عن هدي العليم الخبير.
(2)
خصائص التصور الإسلامي (ص 129، 130).
(3)
العبادة في الإسلام (ص 72).