الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مناقشة ما احتج به أصحاب هذا المذهب:
قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا المذهب مذهب قوي، وأن ما اعتمدوا عليه أمر منطقي.
ولكننا حين نمعن التأمل فيه نجده غير صواب، فالغزالي رحمه الله ينظر إلى قوة الدافع، فالدافع يستحوذ بالعمل. ونحن نقول: إن قصد الرياء يفسد الإخلاص ويحبط العمل، وإن كان قليلا، وهذا له أمثلة في الأمور المحسوسة، فهناك قطرة صغيرة من القذارة قد تفسد جو منزل بأكمله، لخبث رائحتها، وقطرة من السم قد تفسد الطعام الكثير، وقد ورد في بعض النصوص أنه لو قدر أن تسقط قطرة من طينة الخبال -عصارة أهل النار التي هي شرابهم- في أرضنا هذه فإننا لا نستطيع البقاء، لأنَّها ستملأ المشارق والمغارب خبثا.
فالقضية ينبغي أن ينظر إليها من زاوية أخرى، هي أن الرياء يفسد الإخلاص؛ وبالتالي يبطل العمل الصالح، وقد دلَّت النصوص على أن الأعمال لا تقبل ما لم تكن خالصة يبتغي بها الله وحده.
وحمل الغزالي لهذه النصوص الدالة على بطلان العمل المشوب بالرياء، على الرياء المحض الذي لم يقصد فيه الثواب أصلا، بعيد وبعيد جدا، فالثلاثة الذين هم أول من يقضي فيهم الله حكمه، وأول من تسعر بهم النار، وهم: المجاهد، وقارىء القرآن، والمنفق، هل يعقل أنهم كانوا لا يقصدون القربة مطلقا؟! وقد ورد أكثر من حديث ينص على أنَّ الرياء شرك والمشرك لا يقبل عمله.
وقد عدَّ القرطبي الرياء أحد أقسام الشرك الثلاثة مبطلا للأعمال، قال: "ويلي الرتبة (1) الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئًا من العبادات التي أمر
(1) المرتبة الأولى: هي الشرك الأعظم، وأصله اعتقاد شريك لله في الألوهية، وهو شرك أهل الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
ويليه في الرتبة: اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل وهو قول من قال إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلها كالقدرية مجوس هذه الأمة
وعدّ الرياء في المنزلة الثالثة التالية (انظر تفسير القرطبي 5/ 181).
الله بفعلها بغيره، وهذا الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال، وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي" (1).
وممن ذهب هذا المذهب الحارث المحاسبي، فهو يعدّه شركا محبطا للعمل، يقول في الرعاية:"إرادة العباد بطاعة الله عز وجل وإرادة ثواب الله عز وجل يجتمعان في القلب، والِإرادتان: إرادة المخلوقين، وإرادة الثواب، وهو أدنى الرياء، وهو الشرك بالإرادة في العمل، لأنّه أراد الله والنّاس، فأشرك في عمله بطلب حمد الله عز وجل وطلب حمد المخلوقين"(2).
وأورد الأحاديث الدالة على أنّ هذا شرك (3)، ومنها حديث محمود بن لبيد (4) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء"، قال:"يقول الله عز وجل لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهوا إلي الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"(5).
وقال رجل لعبادة بن الصامت (6): أقاتل في سبيل الله بسيفي أريد الله عز وجل ومحمدة المؤمنين، فقال: لا شيء لك، فسأله ثلاث مرات كل ذلك يرد عليه: لا شيء لك، ثم قال في الثالثة: إنّ الله عز وجل يقول: "أنا أغنى الشركاء عن
(1) تفسير القرطبي 5/ 181.
(2)
الرعاية ص 136.
(3)
راجع في هذه النصوص الرعاية ص 136 وما بعدها.
(4)
هو محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع، من بني عبد الأشهل، من الأنصار، من أولاد الصحابة، لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن كبار الصحابة، توفي عام (96 هـ) راجع (خلاصة تذهيب الكمال 3/ 15)، (شذرات الذهب 1/ 112).
(5)
الحديث عزاه التبريزي إلى ابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان، وقال محقق المشكاة: إسناده ضعيف (مشكاة المصابيح 2/ 686).
(6)
هو عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي صحابي موصوف بالورع في شهد العقبة، وكان أحد النقباء، مات بالرملة بفلسطين (34 هـ).
(راجع: تهذيب التهذيب 5/ 110)، (خلاصة تذهيب الكمال2/ 32)، (الكاشف 2/ 64).
الشريك، من عمل عملا وأشرك معي شريكا، ودعت نصيبي لشريكي" (1).
وعن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك"(2).
وعن أبي سعيد الخدري (3) قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال"؟ فقلنا بلى يا رسول الله، قال:"الشرك الخفي، أن يقوم الرجل، فيصلي، يزيد في صلاته لما يرى من نظر رجل"(4).
والثاني يريد الناس ورب الناس وكلاهما محبط للعمل، وذكر القرطبي أنّ هذا القول:"نقله الحافظ أبو نعيم في الحلية عن بعض السلف"، واستدلّ بعضهم بقوله تعالى:{الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (5)، فكما أنّه كبر عن الزوجة والشريك والولد، تكبر أن يقبل عملا أشرك فيه غيره، فهو تعالى أكبر كبير ومتكبر" (6).
وقد نسب ابن نجيم إلى بعض الأحناف القول بكفر من صلى رياء، وقال بعضهم: لا أجر له، وعليه الوزر. وقال بعضهم: لا أجر له، ولا وزر عليه، وهو كأنه لم يصل " (7).
(1) هذا الأثر الذي ذكره المحاسبي عزاه ابن كثير في تفسيره (4/ 432) إلى ابن أبي حاتم، وقد رواه مسلم مرفوعا عن أبي هريرة بلفظ: قال تعالى: {أنا أغني الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه} (مشكاة المصابيح 2/ 683).
(2)
رواه أحمد (مشكاة المصابيح 2/ 686).
(3)
هو سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن خدرة أبوسعيد، بايع تحت الشجرة، وشهد ما بعد أحد، وكان من علماء الصحابة، توفي سنة 74 هـ، راجع. (تهذيب التهذيب 3/ 479). (الأعلام 3/ 138).
(4)
رواه ابن ماجة (مشكاة المصابيح 2/ 687). وقال محقق المشكاة إسناده حسن.
(5)
سورة الحشر / 23.
(6)
الأربعين النووية ص 10.
(7)
الأشباه والنظائر لابن نجيم 39.