الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غاية المكلف في عبادته غاية واحدة
المقاصد التي يقصدها المكلفون بالعبادة تنحصر في مقصد واحد، هو قصد الله دون سواه، فالعمل الذي لا يتوجه به إلى الله ليس له قيمة. ومن يستقرىء نصوص الكتاب والسنّة يعلم أن هذا هو القصد الوحيد الذي يرتضيه الإِسلام، فأوّل أمر في كتاب الله هو ما تضمنته هذه الآية:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1). وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} (2).
الغاية الواحدة في مصطلح القرآن هي الإخلاص
والقرآن الكريم يطلق على هذا القصد اسم (الإخلاص).
والإِخلاص لا يراد به التوجه إلى الله في عمل من الأعمال، بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلِّها إلى الله وحده، دون سواه، فلا يقصد بعبادته ملكا ولا مَلِكًا، ولا يعبد شجرا ولا حجرا ولا شمسا ولا قمرا. الإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة. والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعا، فكان محور دعوتهم ولبّها، وهو الدين الذي طالبت به الرّسلُ الأمم التي أرسلت إليها:{وَمَا أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدِّينَ حُنفَاء} (3).
(1) سورة البقرة / 21.
(2)
سورة البينة / 5.
(3)
سورة البينة / 5.
وكلّ رسول وكان يقول لقومه: {اعبدوا الله ما لَكمْ مِنْ إلَه غَيْرُه} (1)، وقد قرّر الله هذه الحقيقة:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبِلِكَ منْ رَسُولٍ إلَاّ نوحِي إلَيْهِ أنه لَا إلهَ إلاّ أنَا فاعْبدونِ} (2)، وقال:{وَلَقَدْ بَعَثنا فِي كلِّ أمَةٍ رَسُولا أن اعْبدوا الله واجْتنبوا الطاغُوتَ} (3).
وتعريفات العلماء للِإخلاص متقاربة، مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه، يقول الراغب في مفرداته:"الإخلاص: التعرّي عما دون الله"(4).
وعرّفه أبو القاسم القشيري (5) بأنه: "إفراد الحقّ سبحانه وتعالى في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرّب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنّع لمخلوق، واكتساب محمدة عند النّاس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى"(6).
وقال في موضع آخر: "يصحّ أن يُقال: الِإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين"(7).
وعرفه العز بن عند السلام قائلا: "الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده، لا يريد بها تعظيما من الناس ولا توقيرا، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي"(8).
(1) سورة المؤمنون / 32.
(2)
سورة الأنبياء / 25.
(3)
سورة النحل/ 36.
(4)
دليل الفالحين 1/ 42.
(5)
هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك النيسابوري من بني قشير بن كعب، شيخ خراسان في عصره من كتبه:(التيسير في التفسير) و (لطائف الإشارات)، و (الرسالة القشيرية)، مولده في سنة (376 هـ)، ووفاته (سنة 465 هـ).
راجع: (شذرات الذهب 4/ 180)، و (الأعلام 4/ 180).
(6)
الرسالة القشيرية (ص 95)، المجموع (1/ 29)، دليل الفالحين (1/ 42).
(7)
الرسالة القشيرية (ص 95)، المجموع (1/ 29).
(8)
قواعد الأحكام 1/ 146.
وقال الحارث المحاسبي: "الإخلاص إخراج الخلق عن معاملة الربّ"(1).
وقال سهل بن عبد الله (2): "الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة"(3).
قال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: "وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض"(4).
ومدار الإخلاص في كتب اللغة على الصفاء والتميز عن الأوشاب التي تخالط الشيء يقال: هذا الشيء خالص لك: أي لا يشاركك فيه غيرك.
وتطلق العرب (الإخلاص) على الزبد إذا خلص من اللبن والثقل.
و (الخِلاص) في لغة العرب: ما أخلصته النّار من الذهب والفضة.
والخالص من الألوان عندهم ما صفا ونصع.
ويقولون خالصه في العشرة: صافاه.
وجاءت هذه المعاني في الكتاب الكريم: {نسْقِيكمْ ممِا في بُطُونِهِ مِنْ بَيْن فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خَالصًا} (5)، أي لا يخالطه دم ولا روث.
والمراد بقوله تعالى: {خَلَصُوا نَجِيَّا} (6) في إخوة يوسف: أي انفردوا، وتميزوا عمن سواهم.
والمراد بقوله: {خَالِصَةٌ لِذُكورِنا} (7)، فيما حكاه الله عن المشركين: أي لا يشركهم الإناث.
(1) إحياء علوم الدين 4/ 381.
(2)
هو سهل بن عبد الله التستري، أحد أئمة الصوفية المتكلمين في الإخلاص والرياضة وعيوب الأفعال، له (تفسير القرآن)، و (دقائق المحبين)، ولادته في سنة (200 هـ)، ووفاته في سنة (283 هـ).
راجع: (وفيات الأعيان 1/ 218)، الأعلام 3/ 210).
(3)
إحياء علوم الدين (4/ 381).
(4)
المصدر السابق.
(5)
سورة النحل / 66.
(6)
سورة يوسف /80.
(7)
سورة الأنعام / 139.