الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد أبان هذه المسألة الشاطبي في الموافقات فقال: "اتباع الهوى طريق إلى المذموم، وكان جاء في ضمن المحمود، لأنَّه إذا تبيَّن أنَّه مضاد بوضعه لوضع الشريعة، فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفا"(1). واستدل على ذلك بثلاثة أدلّةٍ:
الأول: أنَّ الهوى سبب تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي، لأنه مضاد لها.
الثاني: أنَّه إذا اتبع واعتيد ربما أحدث للنفس ضراوة وأنسًا به، حتى يسري معها في أعمالها، ولا سيما وهو مخلوق معها ملصق بها في الأمشاج، فقد يكون مسبوقا بالامتثال الشرعي، فيصير سابقا له، وإذا صار سابقا له صار العمل الامتثالي تبعا له وفي حكمه، فبسرعة ما يصير صاحبه إلى المخالفة، ودليل التجربة حاكم هنا.
الثالث: أنَّ العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجنيه من ثمرات الفهوم، وانفتاح مغاليق العلوم، وربما أكرم ببعض الكرامات، أو وضع له القبول في الأرض، فانحاش الناس إليه، وحلقوا عليه، وانتفعوا به، وأمّوه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم، إلى غير ذلك مما يدخل على السالكين طرق الأعمال الصالحة من الصوم والصلاة وطلب العلم والخلوة للعبادة، وسائر الملازمين لطرق الخير. فإذا دخل عليه ذلك كان للنفس به بهجة، وأنس وغنى ولذة ونعيم، بجث تصغر الدنيا وما فيها بالنسبة إلى لحظة من ذلك، كما قال بعض الصالحين: لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا بالسيوف. وإذا كان الأمر كذلك فلعلَّ النفس تنزع إلى مقدمات تلك النتائج فتكون سابقة للأعمال، وهو باب السقوط عن تلك الرتبة، والعياذ بالله".
علاج الهوى
وللإنسان في مجاهدة الهوى ثلاثة أحوال، كما يقول الغزالي:
(1) الموافقات (2/ 125 - 126).
الأولى: أن يغلبه الهوى فيملكه ولا يستطيع له خلافا، وهو حال أكثر الخلق، وهو الذي قال الله فيه:{أَرَأَيْتَ منِ اتخَذَ إِلَهه هَوَاهُ} (1)، فمن كان تردّده في جميع أطواره خلف أغراضه البدنية وأوطاره، فقد اتخذ إلهه هواه.
الثانية: أن يكون الحرب بينهم سجالا، تارة لها اليد، وتارة عليها اليد، فهذا الرجل من المجاهدين، فإن اخترمته المنية في هذه الحالة فهو من الشهداء، لأنه مشغول بامتثال كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الرتبة العليا للخلق سواء الأنبياء والأولياء.
الثالثة: أن يغلب هواه فيصير مستوليا عليه لا يقهره بحال من الأحوال، وهذا هو الملك الكبير، والنعيم الحاضر، والحرية التامة، والخلاص من الرق، ولذلك قال عليه السلام:"ما من أحد إلاّ وله شيطان، وكان الله قد أعانني عليه حتى ملكته"(2)(3).
ونحن بحاجة إلى أن نرسم الطريق، كي نعرف السبيل التي نقاوم بها أهواءنا، ونقف في وجه الدواعي التي تدعونا إلى الشر ومخالفة الصراط المستقيم.
لا شكَّ أن تخليص النفس من الهوى ليس بالأمر السهل الميسور، فهو يحتاج إلى جهد وعناء طويل، وقبل ذلك كله يحتاج إلى توفيق الله وعنايته، من أجل ذلك تكرر في الكتاب التحذير من الهوى، فقد حذر الله منه الأنبياء والرسل السابقين، وحذر منه رسول هذه الأمة، كما حذرنا منه أيضًا، وحذر الله موسى عليه السلام من اتباع أهواء الذين لا يستقيمون على منهج الله: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أكَادُ أُخْفِيهَا
(1) سورة الفرقان: 43.
(2)
الحديث في مسلم بغير هذا اللفظ، ونص موضع الشاهد منه:"قالت: (عائشة) يا رسول الله، أمعي شيطان؟ قال نعم: قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال نعم، ولكنَّ الله أعانني عليه حتى أسلم".
انظر مشكاة المصابيح (2/ 223).
(3)
ميزان العمل ص 420.
لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} (1).
وحذر داود من الحكم بالهوى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (2).
وقال في حقّ رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (3).
وأمرنا الله بالعدل والبعد عن الهوى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (4).
ونحن في علاجنا لأهواء النفوس يجب أن نتوجه إلى دين الله نستمدُّ منه النور والضياء، وإلا فإننا لو تركنا لأنفسنا أن تضع منهجا لعلاج أهوائنا فإننا لن نحل المعضلة، بل قد نزيدها ونعمقها.
ولقد وضع أقوام نهجا لعلاج النفوس بعيدا عن النظر في كتاب الله، فجاؤوا بالعجائب والغرائب، وضلوا من حيث أرادوا الخير.
انظر إلى رجل من هذا الصنف جاءه من يطلب منه أن يدله على طريق تطمئن فيه نفسه، ويهدأ قلبه، فإذا بهذا يدلّه على طريق عجب، فيقول له: "اذهب الساعة إلى الحجام، واحلق رأسك ولحيتك، وانزع عنك هذا اللباس، وابرز بعباءة، وعلّق في عنقك مخلاة، واملأها جوزا، واجمع حولك صبيانا، وقل
(1) سورة طه: 15 - 16.
(2)
سورة ص: 26.
(3)
سورة الأنعام: 56.
(4)
سورة النساء: 135.