الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كقوله تعالى: {فمَنْ كَانَ يَرْجو لِقَاءَ رَبِّه فَلْيعْمَلْ عَملاً صالحًا، وَلَا يشْركْ بعبادَةِ رَبِّه أَحَدًا} . (1)
وعبر القرآن عن النية والقصد بلفظ "الابتغاء"، كما في قواله تعالى:{وَمَا لأحَدٍ عِنْدة مِن نِعمَةٍ تُجْزَى، إلا ابْتِغَاء وجْه ربَه اْلأعْلىِ} (2)، وقوله: {وَمثلُ الَّذِينَ يُنْفِقونَ أمْوالَهُمْ اِبْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَتَثْبيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
…
}. (3)
ودلالة الآيتين على المراد واضحة، فالممدوح في الآية إنما يفعل ما يفعل من خيرات وإسداء للمعروف طلبا لرضوان ربه، لا يجازى جميلا أسدى إليه، ولا معروفا صنع له.
وفي الآية الثانية مديح للذين يبذلون أموالهم طالبين رضوان الله تعالى، فالإنفاق كما أمر الله يطفىء غضب الرب كما يطفىء الماء النار، ويجلب رضوان الله تعالى.
ثانيًا: الأحاديث النبوية:
وعمدة الأحاديث النبوية الحديث الذي يرويه أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب (4) رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". (5)
(1) سورة الكهف: 110، وممن احتج بهذه الآية على أن القصود معتبرة في العبادات والتصرفات الشاطبي في الموافقات:(2/ 238).
(2)
سورة الليل: 19، 20.
(3)
سورة البقرة: 265.
(4)
هو عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لقب بأمير المؤمنين، صحابي جليل، بلغ في الشجاعة، والحزم، والعدل، والعبادة، والعلم، مبلغا عظيما، فتحت في عهده الفتوحات، وانتشر الإسلام، ولد بمكة قبل الهجرة بـ (40) سنة، وتوفي في المدينة سنة (23) هجرية شهيدا، قتله أبو لؤلؤة المجوسي.
(خلاصة تذهيب الكمال 2/ 268)، (الكاشف 2/ 309)، (طبقات الحفاظ ص3).
(5)
رواه البخارى ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم (انظر تخريجه في الملحق في آخر الرسالة).
وهذا الحديث يدل على أن الأعمال لا تصح شرعا ولا تعتبر إلا بالنية، وأن النية هي الفاصلة بين ما يصح وما لا يصح، وكلمة (إنما) وضعت للحصر، فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه، فدلالتها: أن العبادة إذا صحبتها النية صحت، وإذا لم تصحبها لم تصح، ومقتضى حق العموم فيها يوجب ألا يصح عمل من الأعمال الدينية: أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها، قليلها وكثيرها؛ إلا بنية.
وظاهر الحديث ينفي وجود ذوات الأعمال التي تخلو من النية، وبما أن أعيان الأفعال الخالية من النيَّة موجودة في واقع الأمر فقد قرر كثير من الفقهاء (1) أن هذا الظاهر غير مراد، وأوجبوا تقدير محذوف، كي يستقيم الكلام، ثم إن بعض هؤلاء قدروا المحذوف:"صحة الأعمال"، وبعضهم قدره:(كمال الأعمال)، ذلك لأنهم رأوا أن بعض الأعمال لا تشترط في صحتها النيات كقضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعواري والديون، فإن مؤديها تبرأ ذمته منها، وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية، بل تبرأ ذمته عنها من غير فعل منه.
وحجة الذين ذهبوا إلى تقدير الصحة أن نفي الصحة يشبه نفي الشيء نفسه، ولأن اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات، وبالتبع على نفي جميع الصفات، فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات بقي دلالته على نفي جميع الصفات. (2)
والذي يظهر لي أن الحديث لا يحتاج إلى تقدير، لأن المراد بالأعمال: الأعمال الشرعية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرع، فالحديث يدل على أن الأعمال الشرعية توجد وتكون بالنيات، فإذا انتفت النيات من الأعمال انتفت الأعمال الشرعية، وهذا رأي نسبه صاحب دليل الفالحين إلى بعض المحققين،
(1) أمثال الخطابي وابن حجر والبيضاوي.
(2)
راجع في هذا الموضوع: معالم السنن (3/ 129)، ومجموع الفتاوى (18/ 252)، وفيض القدير (1/ 30)، وفتح الباري (1/ 13).