الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحاجر الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة، وقلَّ أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى، ومن ثم يجمع السياق بينهما في آية واحدة، فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها، الخبر بدوائها، وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤه وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها" (1).
4 - محاسبة العبد نفسه:
ومما يدفع الهوى ويبعده أن يحاسب المرء نفسه، وقد كان هذا دأب الصالحين، قال عمر بن الحطاب:"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا"(2). وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه"(3).
والمحاسبة تكون على أحوال:
الأولى: أن يحاسب العبد نفسه قبل أن يقدم على الفعل، وينظر في همّه وقصده. فالمرء إذا نفى الخطرات قبل أن تتمكن من القلب سهل عليه دفعها، ذلك أن بداية الأفعال من الخطرات، فالخطرة النفسية والهمّ القلبي قد يقويان، حتى يصبحا وساوس، والوسوسة تفسير إرادة، والإرادة الجازمة لا بد أن تكون فعلا. قال الحسن: كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تثبت، فإن كانت لله أمضاها، وقال: رحم الله عبدا وقف عند همّه؛ فليس يعمل عبد حتى يهمّ، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخَّر. والتثبت في الخطرات إنّما يكون بعرض همّه وخطراته على الكتاب والسنة، فيجعل الكتاب والسنة دليله، فإن لم يتثبت بعقله لم يبصر ما يضره مما ينفعه، وما لم يكن العبد كذلك فإن النفس قد تدعو إلى أمور يظنها خيرا، ثم يتبين أنّها شر.
(1) في ظلال القرآن 6/ 3818.
(2)
الرعاية ص 38.
(3)
تمامه (وعمل لما بعد الموت، والعاحز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله تعالى) رواه الحاكم في المستدرك والعسكري والقضاعي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بأن فيه ابن أبي مريم وهو واه (انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص 329).
الثانية: أن يعصي داعي الهوى ولا يوافقه (1)، وعصيان داعي الهوى يكون بالصبر عن مواقعة المعاصي والذنوب، يقول ابن القيم:"الصبر ثبات باعث العقل والدّين في مقابلة باعث الهوى والشهوة"(2).
ويقول: النفس تدعونا إلى الزنى والغضب وإفشاء السر والهروب من القتال، وتدعو إلى الانتقام والبخل والعجز والكسل، والإمساك عن هذه الدواعي يسمى صبرًا (3). والصبر للنفس بمنزلة الخطام والزمام للمطيّة، فإذا لم يكن لها زمام شرقت وغربت في كلّ مذهب، قال الحجاج (4) في بعض خطبه: "اقدعوا هذه النفوس، فإنها طلعة إلى كل سوء، فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاما وزماما، فقادها بخطامها وزمامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه
…
" (5).
الثالثة: بعد وقوع العبد في الخطأ وموافقة الهوى، فإن الذي يحاسب نفسه يستعرض عمله دائمًا، فإذا وجد أنَّه حاد عن السبيل عاد على نفسه باللوم، وتاب
(1) وقد كثر في كلام العلماء والأدباء والحكماء الأمر بمخالفة الهوى، يقول البوصيري:
وخالف النفس والشيطان واعصهما
…
وإنْ هما محضاك النصح فاتَّهِم
وقال عمرو بن العاص:
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه
…
ولم يعص قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه يسيرا وأصبحت
…
إذا ذكرت أمثاله تملأ الفما
وقال الزبير بن عبد المطلب:
واجتنب المقارع حيث كانت
…
واترك ما هويت لما خشيت
وقال حكيم من حكماء الفرس: إذا اشتبه عليك أمران، فلم تدر أيهما الصواب، فانظر أقربهما إلى هواك فاجتنبه. وكان يقال:"أخوك من صدقك وأتاك من جهة عقلك لا من جهة هواك".
"راجع عيون الأخبار لابن قتيبة لمزيد من الأمثلة"(1/ 37).
(2)
عدة الصابرين ص 14.
(3)
المصدر السابق.
(4)
هو الحجاج بن يوسف الثقفي، قائد داهية سفَّاك للدماء، قلده عبد الملك أمر عسكره، فقضى على ابن الزبير، ووطد الحكم للأمويين، توفي عام (95 هـ).
راجع: (وفيات الأعيان 2/ 29)، (شذرات الذهب 1/ 106)، (الأعلام 2/ 175).
(5)
عدة الصابرين ص 14، والقدع: المنع والكف، والمراد كفها عما تتطلع إليه من الشهوات (لسان العرب 34).
إلى ربه، وأناب، وسأله العفو والصفح والغفران:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (1).
(1) سورة الزمر 53.