الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى ملح وملك وملو
ماء مِلْح، ولا يقال: ماء مالح. وقد مَلُح الماءُ وأَملح، قال تعالى {وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} . ومَلَح القِدْر مَلْحاً: أَلقى فيها مِلحاً بقَدَر. وأَملحها وملَّحها: أَفسدها بالمِلْح. ومَلَح الماشية: أَطعمها الملح. وسمك مملوح ومَلِيح. ثمّ استعير من لفظ المِلْح المَلَاحة، فقيل: وجه مليح ووجوه مِلَاح، وما أَملح وجهه وفعله، وما أميْلحهُ، وله حركات مستملَحة، وفلان يتظرّف [ويتملَّح] قال الطِّرِمّاح:
تَمَلَّحُ ما اسطاعت ويغلب دونها
…
هوى لك يُنسى مُلْحة المتملِّح
ومالحت فلان ممالحة، وهى المؤاكدة. وهو يحفظ حرمة المِلح والممالحة وهى المراضعة. وما بها مِلْح، أَى شحم. ومَلَّحتِ الشَّاةُ وتملَّحت: أَخذت شيئا من الشحم، قال عروة بن الوَرْد:
/ عشيّة رُحنا سائِرِينَ وزادُنَا
…
بَقِيَّة لحم من جَزُور مملح
مَلَك الشىء وامتلكه وتملَّكه، وهو مالكه وأَحد مُلَاّكه، وهذا مِلْكه ومِلْك يده، وهذه أَملاكه. وقال قُشَيرىّ: كانت لنا مُلُوك من نخل، أَى أَملاك. ولله المُلْك والمَلَكُوت. وهو المَلِك والمَلِيك، والجمع: أَملاك ومُلُوك ومُلَكاء، وملَاّك (ومُلَّك فى مالك) . والأُملوك: اسم للجمع.
وحقيقة المُلْك هو التصرّف بالأَمر والنهى فى الجمهور، وذلك يختصّ بسياسة الناطقين، ولهذا يقال: ملِك النَّاسِ، ولا يقال: ملِك الأَشياء. وقوله تعالى: {مالك يَوْمِ الدين} فتقديره: الملِك فى يوم الدِّين. وذلك كقوله {لِّمَنِ الملك اليوم} .
والمُلْك ضربان: مُلْكُ هو التملُّك والتولِّى، ومُلْك هو القوّة على ذلك توَّلى أَو لم يتولَّ. فمن الأَوّل قوله تعالى:{إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} ، ومن الثانى قوله تعالى:{إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} فجعل النبوّة مخصوصة، والمُلْك فيهم عامًّا؛ فإِنَّ معنى المُلْك هاهنا هو القوَّة الَّتى بها يُتَرَشَّح للسياسة، لا أَنهم جعلهم متولِّين للأَمر، فذلك منافٍ للحكمة؛ كما قيل: لا خير فى كثرة الرّؤساءِ.
وقال بعضهم: المَلِك اسم لكلِّ من يملك السياسة، إِمّا فى نفسه - وذلك بالتمكُّن من زِمام قواه وصرفها عن هواها - وإِمّا فى نفسه وفى غيره، سواءٌ تولَّى ذلك أَو لم يتولَّ، على ما تقدّم.
واعلم أَن تقاليب هذه المادّة كلَّها مستعملة.. وهى م ك ل، وم ل ك، وك م ل، وك ل م، ول ك م، ول م ك. وقال الإِمام فخر الدّين: تقاليبها الستَّة تفيد القوّة والشدّة، خمسة منها معتبرة، وواحد ضائع. فعدّ كلم وكمل ولكم ومكل وملك، وعدّ لمك ضائعاً، وهذا منه غريب؛ لأَنَّ المادّة الضائعة عنده معتبرة معروفة عند أَهل اللغة، قال صاحب العباب: اللّمْك والِلَّماك: الجِلاء يُكحل به العين. واللَّميك: المكحول
العينين. واليَلْمَك: الشاب الشديد. ويقال: ما تَلَمَّكَ بلَمَاك، أَى ما ذاق، والتلمّك: التلمّظ. ولَمَكَت العجين لَمْكًا: عجنته، قلبُ ملكته مَلْكاً، فإِذًا تراكيبه الستَّة مستعملة مُعطِية معنى القوّة والشدّة.
وقرأَ الكسائىّ وعاصم: {مالك يَوْمِ الدين} ، وقرأَ باقى السّبعة (مَلِكِ) كفَرِحٍ. وأَجمع السبعة على جَرّ الكاف والإِضافة: وقرئ (مالك) بنصب الكاف والإِضافة، وروى ذلك عن الأَعمش، وقرئ كذلك بالتنوين وروى ذلك عن اليمانىِّ. وقرئَ (مالِك يومِ) بالرّفع والإِضافة، وروى ذلك عن أَبى هريرة. وقرئ كذلك بالتَّنوين، وروى عن خَلَف. وقرئ، (مالك) بالإِمالة، وروى عن يحيى بن يَعْمَر. وقرئ (مالك) بالإِمالة والتفخيم ونقل عن الكسائىّ. وقرئ (مَلِكى) بإِشباع كسرة الكاف، وروى عن نافع. وقرئ (مَلِك) بنصب الكاف وترك الأَلف، ورُوى عن أَنَس ابن مالك. وقرئ (مَلِك) برفع الكاف وترك الأَلف، وروى عن سعد بن أَبى وقَّاص. وقرئ (مَلْك) كسهل ورُوى عن أَبى عمرو. وأَصله مَلِك ككتف فسكَّن، وهى لغة بكر بن وائل. وقرئ (مَلَكَ) فعلاً ماضياً، وروى عن علىّ بن أَبى طالب. وقرئ (مَلِيك) كسعيد و (مَلَاّك) بتشديد اللام، وهذه القراءَاتِ بعضها يرجع إِلى الملك بضمّ الميم، وبعضها يرجع إِلى المِلك بكسر الميم. وفلان مالك بَيّن المِلْك والمُلْك والمَلْك.
وقراءَة جرّ الكاف تعرب صفة / للجلالة، فإِن كان اللفظ مَلِكاً ككتف، أَو مَلْكاً كسهل مخفَّفًا من مَلِكَ، أَو مليكًا كأَمِينٍ بمعناه. فلا إِشكال بوصف المعرفة بالمعرفة. وإِن كان اللفظ مالكاً أَو مَلَاّكاً أَو مَلِيكًا محوّلين من مالك للمبالغة، فإِن كان للماضى فلا إِشكال أَيضاً؛ لأَنَّ إِضافته مَحْضَة، ويؤيّده قراءَة (مَلَكَ) بصيغة الماضى، قال الزَّمخشرى: وكذا إِذا قُصد به زمان مستمرّ فإِضافته حقيقية. فإِن أَراد بهذا أَنَّه لا نظر إِلى الزمن فصحيح.
وقراءَة نصب الكاف على القطع أَى أَمدح. وقيل: أَعنى، وقيل: مُنادى، توطئة لـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} . وقيل فى قراءَة (مالِكَ) بالنَّصب إِنّه حال.
ومن رفع فعلى إِضمار مبتدأ، أَى هو وقيل: خبر الرحمن على رفعه.
ومن قرأَ (مَلَكَ) فجملة لا محلَّ لها من الإِعراب، ويجوز كونها خبر الرّحمن. ومن قرأَ (مَلِكى) أَشبع كسرة الكاف، وهو شاذُّ. وقيل: مخصوص [بالشعر] . وقال المَهْدَوىّ: لغة.
وما ذكر من تخالف معنى مالك ومَلِك هو المشهور وقول الجمهور. وقال قوم: هما بمعنى واحد كفارهٍ وفَرِه، وفاكه وفَكِه؛ وعلى الأَوّل قيل: مالك أَمدح، لأَنه أَوسع وأَجمع، وفيه زيادة حرف يتضمّن عشر حسنات؛ والمالكيّة سبب لإطلاق التَّصرف دون المَلَكيّة. وأَيضاً الملِك ملِك الرَّعيَّة، والمالك مالك العبد وهو أَدْونُ حالا من الرَّعيّة، فيكون
القهر والاستيلاءُ فى المالكيّة أَكثر، ولأَنَّ الرعيّة يمكنهم إِخراج أَنفسهم عن كونهم رعيّة، والمملوك لا يمكنه إِخراج نفسه عن كونه مملوكاً، وأَيضاً المملوك يجب عليه خدمة المالك، بخلاف الرّعية مع المِلك. فلهذه الوجوه كان مالك أَكمل من ملِك، وممّن قال به الأَخفش وأَبو عُبيدة.
وقيل: مَلِك أَمدح؛ لأَن كلَّ أَحد من أَهل البلد مالك، والمَلِك لا يكون إِلَاّ واحدًا من أَعظم النَّاس وأَعلاهم، ولإِجماعهم على تعيّن لفظه فى المعوِّذة، ولولا أَنه أَعلى لم يتعيّن، ولأَن سياسة الملوك أَقوى من سياسة المالكين؛ لأَنه لو اجتمع عالَم من المُلَاّك لا يقاومون ملِكًا واحدًا. قالوا: ولأَنه أَقصر، والظَّاهر أَن القارئ يدرك من الزمان ما يدرك فيه الكلمة بتمامها، بخلاف مالك، فإِنَّها أَطول، فيحتمل أَلَاّ يجد من الزَّمان ما يتمّها فيه، فهو أَولى وأَعلى، وروى ذلك عن عمر، واختاره أَبو عبيدة.
والمَلَكُوت والْمَلْكُوَة كالرَّهَبُوت والتَرْقُوة: العزّ والسلطان، وذلك مختصّ بملك الله تعالى، قال تعالى:{أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السماوات والأرض} والمملكة - مثلَّثة اللام -: سلطان المَلِك وبقاعه التى يتملَّكها. والمملوك فى التَّعَارف يختصّ بالرّقيق من بين الأَملاك، قال تعالى:{ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً} ، وقد يقال: فلان جواد بمملوكه أَى بما يتملَكه. والمَلَكة يختصّ بمِلك العبيد، يقال: فلان حسن المَلَكة، أَى الصُنْع إِلى مماليكه. وخصّ ملك العبيد فى القرآن فقال تعالى:{مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . وفلان مملوك: مُقِرّ بالمُلُوكة والمَلَكة والمِلْك بمعنى.
ومِلَاك الأَمر ومَلَاكه - بالكسر والفتح -: قِوامه، وما يُعتمد عليه منه. وقيل: القلب ملاك البدن. وشهدنا مِلَاكه ومَلَاكه وإِملاكه، أَى تزوُّجه. وأَملكه إِيّاها حتى ملكها يملِكها مَلْكًا ومُلْكًا ومِلْكًا: زوّجه إِيّاها، شُبِّه الزَّوج بالمالك لكونه يملك شيئاً شهِيَّا. وبهذا النَّظر قيل: كاد العروس يكون ملِكًا. وما لأَحد / فى كذا مِلْك ومَلْك غيرى، قال:{مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} قرئ بالوجهين. ومَلَك العجين: أَحكم عَجْنه.
والمَلَك - محركة - واحد الملائكة والملائك. قيل: أَصله أَلَك. والمَالكَة والمَأْلَكَة والمَأْلُكُ: الرّسالة؛ ومنه اشتق الملائك لأَنَّهم رُسُل الله. وقيل: "من ل أَك". والمَلأَْكة: الرسالة. وأَلِكْنى إِلى فلان أَى أَبلغه عنىِّ، وأَصله أَلْئِكنى، حذفت الهمزة ونُقلت حركتها على ما قبلها. والمَلأَْك المَلَك، لأَنَّه يبلَّغ عن الله تعالى، وزنه مَفْعل، العينُ محذوفة، أُلزِمت التخفيف إِلَاّ شاذًّا. وقال بعض المحقِّقين: المَلَك من المُلْك. قال: والمتولّى من الملائكة شيئاً من السّياسات يقال له: مَلَك - محرَّكة -، ومن البشر يقال له: مَلِك - بكسر اللام -. فكلُّ مَلَك ملائكة، وليس كُلُّ ملائكة مَلَكاً، بل المَلَك هم المشار إِليهم بقوله تعالى:{فالمدبرات أَمْراً} ، {فالمقسمات} ، {والنازعات} ونحو ذلك، ومنه مَلَك الموت، قال تعالى:{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ} .