الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً: يحتمل أن يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على بعض، فيصح أن يكون جوابهم {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}: عند أنفسنا.
د. قال الله تعالى: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} الصافات 58 - 59
قال المنكرون: قوله في هذه الآية، يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.
الرد: أن قوله تعالى: (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى): المراد منه: كل ما وقع في الدنيا وهذا الاستثناء في الآية، استثناء منقطع، والمعنى: أي لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا، وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى:{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} الدخان 56
(1)
.
ب. شبهة عقلية:
1 -
ردهم النصوص الواردة في السنة المطهرة المثبتة لعذاب القبر بناء على أنها أحاديث آحاد، وهي لا تفيد إلا الظن دون القطع الواجب في باب العقائد، وليس في القرآن ما هو نص فيها
(2)
.
الرد: تتابع العلماء في الرد على هذه الشبهة، ويكفي في ردها النظر في تراجم الأئمة في مصنفاتهم في بيان وجوب قبول خبر الواحد العدل
…
والعمل به.
يقول الإمام البخاري في صحيحه:" كتاب أخبار الآحاد"، وذكر تحته عدة أبواب مضمنة لمجموعة من الآيات، كلها تدل على وجوب قبول خبر الواحد، فقال:
- "باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام
- "باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم، الزبير طليعة وحده".
- "باب قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53]. فإذا أذن له واحد جاز".
- "باب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد"
(1)
الرازي: مفاتيح الغيب: (26/ 335)، البغوي: معالم التنزيل: (4/ 32)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب: (16/ 312).
(2)
محمد الخولي: الأدب النبوي، دار المعرفة - بيروت، ط 4 1423 هـ، ص (220).
- "باب وصاة النبي صلى الله عليه وسلم وفود العرب أن يبلغوا من رواءهم".
- "باب خبر المرأة الواحدة"
(1)
.
ويقول الإمام الدارقطني في سننه: "خبر الواحد يوجب العمل "
(2)
،ويقول الإمام البيهقي في السنن:"الحجة في تثبيت خبر الواحد"
(3)
، ويقول الإمام الخطيب البغدادي في الكفاية:"باب ذكر بعض الدلائل على صحة العمل بخبر الواحد ووجوبه"
(4)
.
وقد حُكِي الإجماع في بيان وجوب العمل بخبر الواحد:
يقول الإمام السمعاني:" ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد"
(5)
.
ويقول الإمام أبو القاسم الأصبهاني: "إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الثقات والأئمة وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة "
(6)
.
ويقول الإمام القرطبي في بيان قبول خبر الواحد: "وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم -في توجيهه ولاته ورسله آحاداً للأفاق، ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم -من الأوامر والنواهي"
(7)
.
وقال العلامة التفتازاني:" أن خبر الواحد في أحكام الآخرة من عذاب القبر، وتفاصيل الحشر والصراط والحساب والعقاب وغير ذلك، مقبول بالإجماع، مع أنه لا يفيد إلا الاعتقاد، إذ لا يثبت به عمل من الفروع"
(8)
.
(1)
البخاري: صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ط 1 1422 هـ (9/ 86 - 89 - 90).
(2)
الدارقطني: سنن الدارقطني، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 1 1424 هـ (5/ 273).
(3)
البيهقي: معرفة السنن والآثار، دار الوعي - دمشق، ط 1 1412 هـ (1/ 109).
(4)
الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية: ص (26).
(5)
السمعاني: الانتصار لأصحاب الحديث، مكتبة أضواء المنار - السعودية، ط 1 1417 هـ، ص (36).
(6)
الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط 2 - 1419 هـ (2/ 228).
(7)
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (2/ 152 - 6/ 112).
(8)
التفتازاني: شرح التلويح على التوضيح، مكتبة صبيح - مصر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 7)
وقال الإمام ابن عبد البر:" أجمع العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إذا ثبت"
(1)
.
وقد أفرد جماعات من أهل العلم، مصنفات خاصة في بيان حجية أخبار الآحاد، كالإمام ابن عبد البر والإمام الخطيب البغدادي وغيرهما
(2)
.
وعقد الأئمة رحمهم الله في مصنفاتهم أبواباً؛ لبيان الأدلة المستفيضة على حجية خبر الآحاد كالإمام الشافعي في كتابه الرسالة
(3)
.
واحتج الأئمة يرحمهم الله تعالى بحديث الآحاد بشموله سواء فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد أو مسائل الأحكام فلم يفرقوا في التعامل به بنهما، كما جرت عليه بعض الطوائف، حيث أعملت خبر الآحاد فيما يتعلق بمسائل الأحكام، والغت حجيته في مسائل الاعتقاد، وهذا من قصورهم في التعامل مع السنة، وإلا فإن الأئمة احتجوا به في مسائل الأحكام ومسائل الاعتقاد.
يقول الإمام السمعاني:" أجمع أهل الإسلام، متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله عز وجل، وفي مسائل القدر والرؤية، وأصل الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم -ومناقب أصحابه، وأخبار الأنبياء المتقدمين عليه، وكذلك أخبار الرقائق والعظات، وما أشبه ذلك، مما يكثر عده وذكره، وهذه الأشياء كلها علمية لا عملية، وإنما تروى لوقوع علم السامع بها "
(4)
.
(1)
ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، 1387 هـ (1/ 2).
(2)
النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 2 - 1392 هـ (1/ 62 - 131).
(3)
الشافعي: الرسالة، مكتبة الحلبي - مصر، ط 1 1385 هـ (1/ 369).
(4)
السمعاني: الانتصار لأصحاب الحديث، مكتبة أضواء المنار - السعودية، ط 1 1417 هـ، ص (36).
ولذا فالتفريق بين أخبار والمتواترة والآحاد في العمل، والقول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، وأنه"لا بد من نقله بالتواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه بعض الفقهاء، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول"
(1)
.
والعجيب أن الفرق التي تفرق بين أخبار التواتر والآحاد في العمل، تجدها مع اختلاف طرائقها وعقائدها، تستدل كل فرقة منهم على صحة ما تذهب إليه بأخبار الآحاد.
ولذا إذا قلنا: "إن خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل الأخبار على الخطأ، وجعلناهم لاغين مشتغلين بما لا يفيد أحداً شيئاً ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور ما لا يجوز الرجوع إليه، والاعتماد عليه، وربما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أدى هذا الدين إلى الواحد، فالواحد من أصحابه ليؤدوه إلى الأمة، فإذا لم يقبل قول الراوي، لأنه واحد، رجع هذا العيب إلى المؤدِّي - نعوذ بالله من هذا القول الشنيع والاعتقاد القبيح - "
(2)
.
وقد ذكر الإمام أبو عمرو الداني في رسالته الوافية في اعتقاد أهل السنة:" قولهم: إن من تمام السنة وكمالها، قبول خبر الواحد والاستمساك به والعمل بموجبه من الصحابة من الرجال والنساء، إذا حدَّث به الثقة المعروف عن مثله إلى أن يتصل الإسناد بالصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك إذا لم يعارضه خبر مثله، ولا نسخه أثر، ولا اتفق الجميع على ترك استعماله"
(3)
.
وهذا الذي ذكره الإمام أبو عمرو الداني في قبول أخبار الآحاد، هو الذي اتفق عليه الأئمة، إلا أنه أشار إلى موجبات رد خبر الثقة، وقد أشار إليها الإمام الخطيب البغدادي، فقال:" إذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رد بأمور:
(1)
الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط 2 - 1419 هـ (2/ 228)
(2)
الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط 2 - 1419 هـ (2/ 230)
(3)
أبو عمرو الداني: الرسالة الوافية، دار الإمام أحمد - الكويت ن ط 1 1421 هـ، ص (234).
أحدها: ن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا.
والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، فيعلم أنه لا أصل له، أو منسوخ.
والثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ، وتجمع الأمة على خلافه.
والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه، فيدل على أنه لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون له أصل، وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.
والخامس: أن ينفرد الواحد برواية ما جرت به العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل، لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية"
(1)
.
ومن الشواهد التي تدل على احتجاج الأئمة بخبر الواحد، ذكرهم قبول خبر الواحد في فوائد الأحاديث والآثار التي يتولون شرحها والتعليق عليها وهذا كثير لا يمكن حصره، ومنه:
- استدل الإمام الشافعي بقبول خبر الواحد، ببعض الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال:"وكان عمر بن الخطاب يقضي أن الدية للعاقلة، ولا يورث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فرجع إليه عمر، وقال: وسأل عمر بن الخطاب من عنده علم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين فأخبره حمل بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة، فقال عمر بن الخطاب: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا، أو قال: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، في كل هذا دليل على أنه يقبل خبر الواحد إذا كان صادقاً عند من أخبر"
(2)
.
(1)
الخطيب البغدادي: الفقيه والمتفقه، دار ابن الجوزي - السعودية، ط 2 - 1421 هـ (1/ 354).
(2)
الشافعي: اختلاف الحديث: 8/ 591 (مطبوع مع كتاب الأم للشافعي: 1410 هـ).
وقال الإمام الخطابي في شرحه لحديث: "أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ "
(1)
:" وفي الحديث دليل على قبول خبر الواحد"
(2)
.
- وقال الإمام ابن بطال في شرحه لحديث ضمام في صحيح الإمام البخاري: " وفي حديث ضمام: قبول خبر الواحد؛ لأن قومه لم يقولوا له: لا نقبل خبرك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتينا من طريق آخر"
(3)
.
- وقال الإمام ابن عبد البر في شرحه لحديث عروة عن عائشة قالت:" كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ العَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ "
(4)
.
وفي رواية معمر لهذا الحديث عن ابن شهاب قال عمر لعروة: انظر ما تقول يا عروة، أو أن جبريل هو سن وقت الصلاة، فقال له عروة، كذلك حدثني بشير بن أبي مسعود، فما زال عمر يعتلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا .. وفيه دليل: على قبول خبر الواحد، لأن عمر قبل خبر عروة وحده، لأن عمر قبل خبر عروة وحده، فيما جهل من أمر دينه وهذا منا على التنبيه "
(5)
.
وقال الإمام ابن الجوزي:" وفي الحديث السادس والأربعين بعد المائة: استدارة أهل قباء إلى القبلة بقول واحد، وهو أصل في قبول خبر الواحد إذا كان ثقة"
(6)
(3).
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ح
…
(2695)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (1697)
(2)
الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية - حلب، ط 1 1451 هـ (3/ 325)
(3)
ابن بطال: شرح البخاري: (1/ 144 - 169 - 213، 2/ 68، 5/ 333).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب كتاب الصلاة، باب وقت العصرح (546)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب اكتاب الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس ح (611).
(5)
ابن عبد البر: الاستذكار: (1/ 33 - 2/ 451)، التمهيد،:(6/ 188 - 217، 8/ 99 - 155 - 177 - 370 - ، 9/ 92 - 140، 17/ 45).
(6)
ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين: (2/ 559، 3/ 201)
والشواهد تطول جداً في هذا الباب، في بيان احتجاج العلماء بالحديث الآحاد والحجة في إثبات خبر الواحد والعمل به قائمة من الكتاب والسنة، ودلائل الإجماع والقياس
(1)
.
- وينبغي أن يعلم في هذا المقام: أن التحقيق في مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو قبوله خبر الواحد، يقول الإمام ابن عبد البر:" وقد زعم قوم أن في قصة أبي موسى الأشعري مع عمر في الاستئذان، دليل على أن عمر كان لا يقبل خبر الواحد العدل، حتى يقع إليه العلم الظاهر به كالشاهدين، ليس كما زعموا، لأنه معروف عن عمر من وجوه متواترة قبوله لخبر الواحد العدل، ومحال أن يقبل خبر الواحد العدل، وهو يدين برده"
(2)
. ولذا قال الإمام ابن بطال فيمن ذهب إلى هذا القول:" وهذا خطأ في التأويل وجهل بمذهب عمر وغيره من السلف"
(3)
.
فخبر الواحد مقبول عند عمر، معمول به، وأما مراجعته لأبي موسى في حديث الاستئذان لم يكن إلا للاستظهار أو لغير ذلك من الوجوه
(4)
.
وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن خبر الواحد قد يعلم صدقه بأنواع من الدلائل وقرائن تقترن بالخبر يعلم بها صدقه فمنها:
- دلائل وقرائن قد تكون في المُخبِر، من علمه، ودينه، وتحريه للصدق
(5)
.
والخلاصة: أن خبر الواحد المتلقي بالقبول، يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد
(6)
.
(1)
ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، 1387 هـ (5/ 116)
(2)
ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1421 هـ (8/ 479)
(3)
ابن بطال: شرح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط 2 - 1423 هـ (9/ 25).
(4)
ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، 1387 هـ (3/ 200، 12/ 121)
(5)
ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط 2 - 1419 هـ، ص (6/ 382)
(6)
ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: (5/ 81)، ابن تيمية: مجموع الفتاوى (13/ 351).
2 -
قال المنكرون: قد ثبت في العقل يقيناً وقطعاً، أن الميت لا يحس ولا حياة فيه، وأن الألم في وصوله وحصوله، إنما هو مقيد مشروط بالحياة، فإذا عدمت الحياة زال الإحساس، وبطل العذاب، ومثل هذا لا يقبل بأحاديث الآحاد.
الرد: أولاً: أن مثل هذا الكلام لا يقابل الأخبار الواردة الصحيحة الصريحة فيوقفها ولا تُترك لأجله.
ثانياً: أن الذي جاء بإثبات هذا الأمر هو الذي جاء بالصلوات الخمس وغيرها، وليس لنا طريق إلا ما نقلوه من ذلك.
ثالثاً: أن هذا من أمور الغيب التي يجب التصديق والإيمان بها، ولا قياس أو مقارنة بين الدنيا والآخرة، ولذا لو أن الله جل وعز أطلع الناس على العذاب لأدى إلى مفاسد منها: عدم التدافن، إذ أن سماع أصوات المعذبين يؤدي لذلك، ويؤيد ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ»
(1)
.
ومعنى قوله: (لولا أن لا تدافنوا): أي: أنهم لو سمعوا عذاب القبر
…
لتركوا التدافن حذراً من عذاب القبر، أو لاشتغل كل بخويصته، حتى يقضي بهم إلى ترك التدافن
(2)
.
فالمانع من الدعاء: هو الخوف والحيرة والدهشة وانخلاع القلب، وقيل: المانع ترك الإعانة في التدافن
(3)
.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلا، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (2867)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.
(2)
المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط 1 1356 هـ (5/ 341)
(3)
علي القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (1/ 208).
فلو كان عذاب القبر شهادة وحساً، لكان فضيحة للمعذب، ولكان هذا قلقاً على أهله وذويه، إذ يسمعون صياح صاحبهم، فلا يقر لهم قرار، لكن من رحمة الله تعالى، أن جعله غيباً لا يعلم عنه، ولو سمع الناس صراخ المعذبين لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان
(1)
.
رابعاً: أن الله جل وعز يجعل في الأجسام خاصة الإحساس مع الإنفراد عن الأرواح، وهذا أمر لا يعجزه ولا يمتنع في قدرته، فإذا وردت الآثار وجب ترك المعقول الظاهر معه
(2)
.
3 -
قال المنكرون: نحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يجلس ويقعد ويضرب بمطارق من حديد، ولا يظهر له أثر؟
الرد: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم فإنه يجد لذة وآلاماً لا نحس نحن شيئاً منها، وكذا يجد اليقظان لذة وآلاماً لما يسمعه أو يفكر فيه، ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبرائيل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره بالوحي الكريم، ولا يدركه الحاضرون، وكل هذا ظاهر جلي
(3)
.
فإذا كان النائم يحصل لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به، والذي إلى جنبه لا يحس به، حتى قد يصيح النائم من شدة الألم، أو الفزع الذي يحصل له، ويسمع اليقظان صياحه، واليقظان يسمع ذلك وهو نائم عينيه مغمضة، ولو خوطب لم يسمع، فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يسمع قرع نعالهم، وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك، فلا يجوز أن يقال: ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه، بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم، وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لإمكان ذلك
(4)
.
(1)
ابن عثيمين: شرح رياض الصالحين، دار الوطن - الرياض، 1426 هـ (1/ 457)
(2)
محمد الطبري: الإيضاح في أصول الدين: ص (379)، الآمدي: غاية المرام: (1/ 304)، القرطبي: التذكرة: ص (140).
(3)
النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 2 - 1392 هـ (17/ 201).
(4)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف:(4/ 276، 5/ 525)
وعليه: فما يقال: أنا نشاهد الميت كما كان لم يتغير، حتى لو كان على بطنه قدح من ماء لم يتغير عن حاله! يقال لهم: إن مثل هذه الاستبعادات لا يعول عليها، وهو مثل استبعاد الكفرة إحياء العظم البالية، وإعادة الخلق بعد إفنائهم ، والله جل وعلا قادر على أن يبقى صورته على حاله، والماء على بطنه ويكون هو معذباً، كما أنا نشاهد الرجل به الوجع الشديد والألم العظيم وهو على صفته
(1)
.
4 -
قال المنكرون: نحن نرى المصلوب على صلبه مدة طويلة، وهو لا يسأل ولا يحيى، وكذلك يشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلاً ولا يتحرك، ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير وبطون الحيتان وحواصل الطير وأقاصي التخوم ومدارج الرياح فكيف تجتمع أجزاؤه؟ أم كيف تتألف أعضاؤه؟ وكيف تتصور مساءلة الملكين لمن هذا وصفه؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؟
الرد: أولًا: لا يبعد أن تعاد الحياة إلى المصلوب، ونحن لا نشعر به، كما أنا نحسب المغمى عليه ميتاً، وكذلك صاحب السكتة وندفنه على حسبان الموت ومن تفرقت أجزاؤه، فلا يبعد أن يخلق الله الحياة في أجزائه ويعيده كما كان كما فعل سبحانه وتعالى بالرجل الذي أمر إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذرى حتى تنسفه الرياح، وفيه:"فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ، أو قال: مخافتك"
(2)
.
ثانياً: يقال: ليس من شرط الحياة بنية مجتمعة، ولا جثة كبيرة، فإذا لم يكن كثر الجثة شرطاً، فالله تعالى يجمع منها جزءاً يعلمه، ويرد إلي الروح، ويتوجه إليه سؤال والعقاب، وليس ذلك بمستحيل.
(1)
المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه، 1986 - القاهرة، ص (56)
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق، باب الخوف من الله ح (6481) د، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ح (2757).
فالبنية ليس بشرط عند أهل السنة، حتى لو كان متفرق الأجزاء، بحيث لا تتميز الأجزاء، بل هي مختلطة بالتراب، فإن عُذب، جعلت الحياة في تلك الأجزاء، وإن الله على كل شيء قدير
(1)
.
وفي ختام هذا المطلب، نؤكد إلى التفريق بين فتنة القبر وعذابه، كما فرق بينهما شيخ الإسلام في عقيدته إلى أهل واسط، وهذا الذي تدل عليه النصوص، وعليه نصوص أهل العلم.
يقول الإمام ابن عبد البر:" وجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم -أنه كان يستعيذ من فتنة القبر وعذاب القبر وعذاب النار في حديث واحد، وذلك دليل على أن عذاب القبر غير فتنة القبر "
(2)
.
والفتنة ترد على أوجه منها:
الامتحان والاختبار والعذاب كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج:10] فإن حملت الفتنة على العذاب اتحد المعنى، والأولى حمل الفتنة على الامتحان والاختبار ليحصل التغاير، لاسيما وقد ذكروا أن هذا هو أصل مدلول الفتنة، ذكره الإمام العراقي
(3)
.
وقال بعضهم: الفرق بين عذاب القبر وفتنته، أن الفتنة تكون بامتحان الميت بالسؤال، وأما العذاب فعام يكون ناشئاً عن عدم جواب السؤال ويكون عن غير ذلك
(4)
.
(1)
القرطبي: التذكرة ص (141)، محمد القرطبي: الإيضاح، ص (376)، ابن الهمام: فتح القدير
…
(5/ 194)، الزيلعي: تبيين الحقائق، المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق - القاهرة، ط 1 1313 هـ
…
(3/ 156)
(2)
ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، 1387 هـ (22/ 252).
(3)
العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط 1 1424 هـ (3/ 109).
(4)
ابن عبد البر: التمهيد: 1387 هـ (22/ 252)، البجيرمي: حاشية البجيرمي: (2/ 299).
وفسر العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن فتنة الممات)، في الدعاء الذي كان يدعو به في الصلاة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ المَمَاتِ «
(1)
، بفتنة القبر، وعلى هذا الوجه لا يكون هناك تكرار مع قوله:(عذاب القبر)؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الدعاء قبل السلام ح (832).
(2)
ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام: (1/ 311)، ابن حجر: فتح الباري: (2/ 319)، العيني: شرح سنن أبي داود: (4/ 92).